للدكتور محمد علي صبري
الخبير الجولوجي في وزارة الاقتصاد الوطني
تناقش العلماء والكتاب كثيرًا في هذا الموضوع، فمنهم من استند على الوثائق العلمية وأخذ من ماضي الكرة الأرضية عبرة واهتدى بها إلى نظرياته في المستقبل ومنهم من أذعن إلى الأساطير واقتنع بما جاءت به الكتب الدينية وما روته الأخبار.
لندرس الموضوع من ناحيته العلمية وهي أقرب الوجهين إلى العقل والمنطق.
إننا لا نجاري رأي الفلكيين في هذا الباب ولا نعتقد باصطدام مزعوم يقع بين الكرة الأرضية والنجوم المذنبة. وقد لاح لنا أن اصطدامًا من هذا النوع نادر جدًا في دوائر النظم السماوية. فالطبيعة لا تعرف الوثبات الفجائية: والجيولوجيون لا يعتقدون بحدوث ثورات فجائية، ولا يعيرون اهتمامًا إلى الانقلابات الأرضية، لأنهم علموا تمامًا أن كل ما يقع على الكرة الأرضية وخارجها يسير سيرًا تدريجيًا بانتشار بطيء: فالأسباب الحالية في العرف الجيولوجي هي أسباب دائمية.
من المفجع فعلًا أن نتصور أن الكرة الأرضية وما عليها ستنقلب في يوم من الأيام إلى مأساة عالمية: ومن المحزن حقًا أن نرى تأثيرات القوى الطبيعية التي تعمل اليوم تهدد كوكبنا الأرضي بخراب لا بد منه. أفلا تلوح القارات الأرضية في تضعضع دائم؟ فكيف يمكن إذن أن نتصور خلود هذه الأرض التي عاشت عليها ملايين وملايين من البشر قبل أن نعيش عليها نحن اليوم؟ فإذا ما رأينا عليها تلك التماثيل التاريخية الرائعة والآثار القديمة النائية على هيئة آثار بالية ذلك لا لأن الأرض قد أبت أن تعيرها كتفًا ثابتًا وإنما لأنها قد اضطرت أن تتحمل شتائم الدهر ولاسيما الإنسان!
ورغمًا عن أن تقاليدنا تنحدر عن عصور بعيدة، فهي تنبئنا بان مجاري الأنهر التي تسيل عليها اليوم هي هي قبل مئات ومئات من السنين، وارتفاع الجبال هو هو كما كان عليه قبلًا: فإذا ما أغلقت بعض المجاري أو قامت بعض الانقلابات فإن خطورة ذلك ضئيلة لا أهمية لها بالنسبة إلى كتلات الأرض الهائلة ولا تحملنا على التكهن بخراب نهائي للكرة الأرضية.
[ ٤ / ٣٩ ]
هذه هي فكرة من يوجه إلى العالم الخارجي نظرة سطحية بسيطة. غير أن النتيجة التي يتوصل إليها أولئك المشاهدون الذين قد اعتادوا أن يعطوا الحوادث والتغيرات التي تجري حولهم حقها، وإن كانت بسيطة، وينظروا إليها بعين يقظة حذرة، ففي كل خطوة وفي كل لحظة يستطيع المراقب فيها رؤية شيء على الأرض يلاحظ آثار جهاد متواصل أقامته قوى الطبيعة الخارجية ضد أي عائق يبرز فوق مستوى سطح البحر الذي يخيم تحته السكون العميق والراحة الدائمة. فالأمطار والجليد والثلوج والهواء والينابيع والسواقي والجداول والسيول والأنهر وجميع العوامل الجوية قد اعتصمت على تغيير وجهة الأرض تغييرًا دائميًا. وقد حفرت المجاري المائية الأودية الكبيرة ثم غمرتها الأراضي اللحقية فيما بعد. فكل ما هو على الأرض متغير لا انقطاع فيه. هنا يتلطم البحر بشدة فوق الشاطئ ويؤخرها من قرن إلى قرن وهناك تهوي أقسام جبلية فتبتلع في برهة وجيزة عددًا من القرى وتزرع الخراب والدمار بين أشد المقاطعات ازدهارًا، وتفكك الثلاجات والسيول معظم الجبال والهضاب وتشتد الأمطار الكثيفة فوق مخاريط البراكين فتقيم فيها الهوات العميقة ثم تهوي عليها الجدران القائمة ولا يبقى منها إلا آثارًا بالية تبرز فوق تلك الاندفاعات الجبارة وها قد دنت جبال الألب والبيرنه في أوربة إلى نصف ذلك الارتفاع الذي كانت تنتصب عليه قبلًا.
ولا يقل عن ذلك قوة ما تقوم به الأنهر الكبرى من التأثير كالغانج في الهند والمسيسبي في أمريكا وكلاهما يحمل في مياهه ذرات معلقة، وكل حبة من الرمل تعكر صفو تلك المياه هي قطعة أرضية قد اقتلعت من الأرض. وتحمل المياه إلى مستودعات البحر الهائلة بشكل متواصل بطيء كل ما تفقده الأرض وليست تلك المواد اللحقية التي تتراكم عل الدلتا شيئًا يذكر أمام المستودعات التي يتلقاها البحر يوميًا ليوزعها على أغواره الكبرى.
ولا يزال علم الجيولوجيا يؤكد على كل نقطة من الأرض هذه النتيجة الواضحة وخلاصتها أن سطح الأرض، عرضة إما إلى تغييرات درجات الحرارة وإما إلى تعاقب الجفاف والرطوبة والصقيع وذوبانه وإما أيضًا إلى تأثير الديدان أو النباتات المتواصل: وهو من الأعمال المفككة الهدامة التي تأخذ بأشد الصخور تماسكًا وصلابة. تتدحرج القطع الجبلية الصغيرة بادئ ذي بدء على المنحدرات أو على مجاري السيول حيث تتحور وتتحول شيئًا
[ ٤ / ٤٠ ]
فشيئًا إلى حصى ورمال وينتهي بها الأمر إلى الطين أو الوحل أو تكتسب داخل الأنهر قوة كافية لتنتقل تدريجيًا إلى المصبات. فليس من الصعب إذن التكهن عن نتيجة إحدى هذه التأثيرات.
ولا يترنم قانون الجذب إلا عندما تكتسب المواد التي تخضع إلى مملكته المكان الراسخ على الأبد، ذلك ما سيقع في يوم من الأيام عندما لا تقوى هذه المواد على الهبوط. ولذلك يجب أن تلغى جميع الانحدارات التي تهبط إلى البحار وهي - أي البحار - الذخيرة المشتركة التي تنتهي إليها كل حركة على الأرض وأن تتوزع جميع الذرات المتراكمة فوق القارات في أعماق البحار.
والخلاصة إن فحوى التأثيرات الهدامة التي تكلمنا عنها يجب أن تكون في تسوية الأرض تسوية تامة، أو بالأحرى هدم جميع التضاريس التي تقوم على سطح الكرة الأرضية.
إن جميع ما ينجم عن الائتكال الذي تقوم به المياه الجارية يجب أن يكون في إقامة قمم حادة تنتهي فيما بعد إلى سهول مستوية تمامًا لا يمكن أن يقوم عليها في النهاية أي مرتفع يفوق الخمسين مترًا.
ولكن هذه القمم الحادة التي يجب عليها أن تقوم على أثر انفصال الأحواض المائية عن بعضها لا يمكنها أن تدوم طويلًا في أي مكان على الأرض، لأن الثقل وتأثير الرياح ومفعول ترشح المياه واختلاف درجة الحرارة تكفي وحدها لحدوث انهيارات متوالية.
وهذا ما يبرر قولنا من أن النتيجة التي ربما سينتهي إليها الائتكال البري هي في تسوية الأرض تسوية تامة ترتفع إلى مستوى يساوي تقريبًا مستوى المجاري المائية عند مصب الأنهار. فإذا ما حافظت شروط البر والبحر المتبادلة على ما هي عليه فإن تضاريس القارات لا بد وأن تزول في يوم من الأيام.
ترى ما هي المدة الكافية لذلك؟
إذا فرشنا جميع الجبال والمرتفعات القائمة على الأرض لظهرت لنا القارات كسطح مرتفع يحيط بالبحار والمحيطات الحالية على ٧٠٠ مترًا، وإذا سلمنا من أن سطح القارات الكلي يقدر ب - ١٤٥ مليون كيلو متر مربع لكان حجم الكتل البرية البارزة ١٤٥. ٠٠٠. ٠٠٠ ٠. ٧ وبكلمة أخرى مساويًا إلى ١٠١. ٥٠٠. ٠٠٠ وبرقم مختصر إلى ١٠٠ مليون كيلو
[ ٤ / ٤١ ]
متر مربع، وهي ذخيرة لا شك قيمة في حد ذاتها ولكنها ليست هائلة أمام تأثير قوى الأرض الهدامة.
وقد قدر العلماء أن ما تأتي به المياه الجارية من المواد التي تقتلعها من الأرض هي ١٠ كيلو مترات مكعبة و٤٣ كل سنة، فلو كانت الأرض كما ذكرنا سطحًا مرتفعًا منسجمًا علوه ٧٠٠ مترًا عن سطح البحر لفقد هذا السطح كل سنة، من جراء المياه الجارية فقط طبقة أرضية تقدر بسبعة سنتمترات الميلمية، وبكلمة أخرى ميليمترًا واحدًا كل ١٤ سنة أو ست ميليمترات كل قرن. وهذا وحده كاف ليرينا مفعول الائتكال البري الحالي، وفي استطاعته هدم جميع الكتل الأرضية البارزة في مدة لا تتجاوز ١٠ ملايين سنة.
ليست الأمطار ومجاري المياه قائمة وحدها في هدم الكرة الأرضية بل إن هناك عوامل أخرى تشترك معهما في دمار الأرض المتدرج. أولها الائتكال البحري. وخير مثال على ذلك هو ائتكال السواحل البريطانية المعرضة إلى تحطيم أمواج الأطلنطيق التي تدفعها الرياح من الجنوب الغربي. وقد قدر الإنكليز أن أراضيهم تتراجع ثلاثة أمتار كل قرن. وإذا لاحظنا ما تقوم به البحار من الائتكال على جميع الكرة الأرضية وأضفناه إلى ما تقوم به المياه الجوية والأنهار كانت إبادة العالم الأرضي واقعة في مدة لا تتعدى ٨ ملايين من الأعوام.
ليس الماء عاملًا ميكانيكيًا فحسب فإنما هو من الوسائط المحللة أو المذيبة ومفعوله أعظم بكثير مما يعتقده كل إنسان وذلك على أثر النسبة الهائلة التي تحتوي عليها المياه من حمض الفحم سواء استحصلت عليه من الجو أم عثرت عليه في تفتيتها مواد الأرض العضوية، تدور هذه المياه عبر جميع الأراضي وتكتسب منها تلك المواد التي تقتلعها من الأرض عند احتكاكها احتكاكًا كيماويًا مع معادن الأحجار الأرضية وتحتوي مياه الأنهر ما يقارب على ١٨٢ طن من المواد المحلولة في كل كيلومتر مكعب، وتجلب جميع الأنهر كل سنة إلى البحر ما يقدر بخمس كيلومترات مكعبة من المواد المحلولة. وعلى هذا لا يكون دمار الأرض في ٨ ملايين سنة وإنما في أقل من ٦ ملايين سنة.
ولا يجب أن يغرب عن بالنا أن هذه الرسوبات التي تأتي بها المياه إلى البحر تحتل مكان كميات معلومة من المياه يضطر إلى أثرها مستوى البحر أو المحيط إلى الارتفاع
[ ٤ / ٤٢ ]
وبارتفاعه يتناقص ارتفاع الكتل الأرضية، وبالتالي لا تكون مدة خراب الكتل الأرضية ٦ ملايين سنة بل أقل منها بكثير وبكلمة أخرى ٤ ملايين سنة فقط!
فيكون البحر بذلك قد غمر بعد هذا التاريخ كافة أنحاء الكرة الأرضية. هذه نظرية من نظريات الجيولوجيين في هذا الموضوع. أما آراء علماء الأحوال الجوية وعلماء الطبيعة والفلك فهي تختلف تمام الاختلاف عن زملائهم علماء الجيولوجيا. فقد برهن البعض أن نهاية العالم واقعة في أثر زوال المياه عن الأرض، ذلك مما يناقض رأي الجيولوجيين تمامًا وزعم الآخر بأن البرد والصقيع من عوامل الخراب والدمار، واعتقد الآخرون باصطدام بين كوكب الأرض والكواكب الأخرى وقالوا بحدوث حريق تلتهب فيه الطبقة الجوية! أو بانتشار غازات سامة تقذف بها المذنبات الشريرة.
الدكتور محمد علي صبري
[ ٤ / ٤٣ ]