من خلال استعراض التراث الذي خلفه العلامة الكبير، ولتسهيل عملية دراسته يمكننا أن نقسم هذا التراث إلى أربعة أقسام رئيسية هي:
ـ الترجمة والتعريب.
ـ أدب المقالة.
ـ الدراسات الأدبية والتاريخية.
ـ تحقيق الكتب والمخطوطات (١).
أما عن المترجم والمعرب من آثاره فقد بدأ بترجمة روايات عن الفرنسية. ومن هذه الروايات (قبعة اليهودي ليفمان) التي أثارت ضجة بين النقاد عام ١٨٩٤، وفي مصر ترجم (الفضيلة والرذيلة) لجورج اونيه الكاتب الفرنسي المعاصر، وكذلك رواية (المجرم البريء)، كما عرب تاريخ الحضارة لشارل سنيوبوس وقد كانت ترجمته لها من قبيل التمرن على الترجمة، وهي لا تعجبه، حتى أنه كتب عن الأولى يقول: (ياليتني نبذتها في زنبيل سقط المتاع)
كما عرب الأستاذ كرد علي كتبًا أخرى في الحرية عن جون سيمون، وترجم الأسماء التركية لرضا الباشا ورغمًا عن كل الجهود التي بذلها في تعريب الآثار فإنه يهمل في حديثه ما وقع من قلمه في الترجمة، وفي هذا يقول: ( وليس لي يد في القصص التي نشرتها أول أمري لأنها مترجمة). (٢).
_________________
(١) - مجموع الكتب التي تضم هذا التراث اثنان وعشرون كتابًا.
(٢) - المذكرات.
[ ١ / ٩ ]
وفي آداب المقالة أصدر محمد كرد علي في أدب المقالة ستة مؤلفات قيمة مختلفة، وقد فعل كما فعل كثيرون من الكتاب في مصر كالعقاد والزيات والرافعي والمازني فجمع مقالاته التي نشرها في الصحف اليومية والأسبوعية بمصر والشام، وطبعها في كتب بدأها بكتاب (غرائب الغرب). الذي نشر عام ١٩٢٣ وجمع فيه وصف رحلاته الثلاثة إلى أوروبا، أما مقالاته التي نشرها في "المقتطف" و"المقتبس"، و"المؤيد" و"الظاهر" فقد جمعها في كتاب (القديم والحديث)، وهو فيها محدث عن العادات والآداب والتقاليد.
وكان محمد كرد علي من المنادين بالإصلاح الخلقي .. وقد كتب في هذا مقالات عديدة جمع أهمها عام ١٩٤٦ في كتاب (أقوالنا وأفعالنا) وقد انتقد الأخطاء وأعرب عن سوءات العيوب ونادى إلى سبيل قويم.
ولما كانت حياة محمد كرد علي حافلة، فقد دونها في مذكرات مهمة عن تنقلاته بين الشرق والغرب، وجمع هذا كله في مؤلفه الذي سماه المذكرات (١)، والذي طبع بين عامي (١٩٤٨ - ١٩٥١) ومذكرات كرد علي صريحة صادقة، وانقسم الناس أمامها إلى قسمين: محبذ ومستنكر، واعتبرها فريق آخر تتمة لمؤلفه الكبير (خطط الشام)، وقد ظل يكتب مذكراته حتى آخر أيامه ذلك لأنه وعد ألا ينثني عنها، ويتابع فيقول: (مادمت أتمكن من مسك القلم وأصبر على التحديق في الخطوط التي أخطها). أما كتاباه الأخيران (البعثة العلمية إلى دار الخلافة الإسلامية)، و(الرحلة الأنورية إلى الأصقاع الحجازية)، فقد أملتهما عليه بعض الظروف وهما لا يرتفعان إلى مستوى أدبه الإبداعي.
_________________
(١) - المصدر السابق.
[ ١ / ١٠ ]
أما القسم الثالث، الدراسات التاريخية والأدبية فأهم ما في عطاء محمد كرد علي، وهي كتب قيمة لا تزال مرجعًا في مواضيعها. وأشهر هذه المؤلفات خطط الشام عمل من أجلها خمسًا وعشرين سنة، وأنفق آلاف الليرات الذهبية، وقام بعشرات الأسفار وطالع أكثر من ألف ومائتي مجلد بعدة لغات وأصدر المؤلف في ستة أجزاء بحث فيها تاريخ الشام ونظمه الإسلامية والحضارة المتعاقبة فيه، والدول التي حكمت خلاله والحالة الأدبية والاقتصادية خلال هذه الحقب.
أما الكتاب الثاني في مجال الدراسة التاريخية الأدبية فهو (الإسلام والحضارة العربية) الذي نشره عام ١٩٣٤ واستوحى مواضيعه من آراء المستشرقين ومؤتمراتهم، أما في كتابه (أمراء البيان) فقد جمع دراسات واسعة عن عشرة من مشاهير أعلام الفكر العربي كعبد الحميد الكاتب وابن المقفع، وسهل بن هارون، وعمرو بن سعدة، وإبراهيم الصولي، وأحمد بن يوسف الكاتب، ومحمد بن عبد الملك الزيات، والجاحظ، والتوحيدي، وابن العميد، وما يزال هذا الكتاب أوسع ما كتب عن هؤلاء الأعلام باللغة العربية.
أما في (كنوز الأجداد)، فقد تحدث عن الأعلام أيضًا، وفيهم سدنة الثقافة الإسلامية، كالأشعري، والأصبهاني، والتنوخي، والغزالي، والحريري وغيرهم، وهم يزيدون عددًا عن الخمسين
وكان محمد كرد علي يحب غوطة دمشق كثيرًا حتى أنه عاش في قرية منها اسمها (جسرين)، وقد درس أهلها، وعاداتهم، وتقاليدهم وسجل كل شيء عنها.
ثم أرخ لها على منهاج لطيف في كتابه (غوطة دمشق)، الذي كتبه بعاطفة الحب وشوق الورود وإخلاص الشاعر الوفي
[ ١ / ١١ ]
ونأتي إلى القسم الرابع والأخير ألا وهو تحقيق الكتب، وقد حقق كرد علي عددًا من نفائسها، كـ"رسائل البلغاء" و"سيرة أحمد بن طولون". و"المستجاد من فعلات الأجواد" الذي ضمنه أخبار الكرماء في الجاهلية والإسلام، ثم "تاريخ حكماء الإسلام"، وكتاب "الأشربة" لابن قتيبة الذي يجمع بين الأدب والفقه، وأخيرًا كتاب (البيزرة) في الصيد وآلاته والحيوانات وإخراجها وما قيل فيها من الأدب والطرف والشعر اللطيف.
وفي هذا المجال نشير إلى حكاية حول دور الأستاذ الرئيس محمد كرد علي في موضوع تحقيق رحلة "ابن فضلان" وهي من أشهر الرحلات القديمة في التاريخ العربي ويروي الحكاية محقق رسالة الرحلة الدكتور سامي الدهان الذي يقول:
"من المؤسف أن المستشرقين والباحثين الأجانب بدؤوا اهتمامهم بهذه الرحلة وبرسالة صاحبها قبل الباحثين والمحققين العرب، وقد كان للعلامة محمد كرد علي "أول رئيس لأول مجمع عربي" فضل كبير في إصراره على وجوب تحقيق هذه الرسالة بعد أن اطلع في مجلة هنغارية صدرت في بودابست على مقالة لأحد المستشرقين مكتوبة باللغة الألمانية يعلق فيها على ما نشر، أو ترجم من الرحلة، يصحح ما يرى من وجوه التصحيح ويقترح روايات جديدة مشيرًا في ذلك إلى نص الرحلة باللغة العربية، وقد أثبته في صور شمسية مع المقال.
[ ١ / ١٢ ]
ويتابع الدكتور سامي الدهان: كنت أزور الأستاذ الرئيس فاقترح علي تحقيق الرسالة لأهميتها، ولحاجة المثقفين العرب إلى قراءتها وفهمها، واستخراج العبر منها خاصة وأنها تصف بلاد الروس والبلغار والأتراك في القرن العاشر للميلاد، وهذا دليل على الاهتمام الكبير الذي كان يوليه العلامة محمد كرد علي لمثل هذه المواضيع وعلى سعة اطلاعه ومتابعته تراث الأسلاف في أكثر من مكان وأكثر من مصدر وفي جميع ما نقرأ للعلامة الكبير نجد أن محمد كرد علي كان قائدًا فكريًا عظيمًا بين مفكري القرن العشرين، فهو إمام في الصحافة، وحجة في التحقيق، وعلم في الكتابة والتأليف، ورئيس جليل لأكبر منظمة علمية ثقافية في البلاد.
وفي جميع ما نكتب نجد أنه يبتعد عن تكلف النسج على المنوال التقليدي، وكتبه تشير إلى عزوفه عن الأسلوب المنمق وكتابة السجع، وفي هذا يقول: ( وعمدت إلى الكتابة المرسلة بدون تكلف الأسجاع والازدواج) ..
ولأسلوبه صفات أخرى واضحة فهو رقيق من غير تفخيم، سهل من غير تكلف، يحدث صاحبه حديث الراوي والقاص، ويكتب كتابة المحدث، فلا يزاوج بين الجمل، ولا يتكلف الكتابة والاستعارة والسجع والجناس، إنما يرسل نفسه على سجيتها في جمل تطول وتقصر، على أن الصفة الغالبة على مقالات وكتابات الأستاذ كرد علي هي الاستقصاء فهو يسترسل في ذكر المصادر والكتب والمؤلفين وكأنه يستوعب في فكره كل شيء، أو كأنه يريد أن يذكر كل ما يعلم فيتدفق بفيض غزير وعلم كثير، ذلك أنه يندر أن نجد مفكرًا عربيًا معاصرًا طالع ما طالع محمد كرد علي من تراث الأسلاف، حتى يظن الذي يدرس سيرته أن علمه نوع من الإعجاز الذي لا يستطيع أن يؤديه الإنسان العادي.
[ ١ / ١٣ ]
أما أسلوبه، فهو الذي وصفوه بالسهل الممتنع إنه رقيق في التعبير، بليغ باللفظ، الكلمات فيه على قدر المعاني، والجمل تطول حينًا، وتقصر حينًا آخر، وهو في جميع الأحوال لا يتكلف، ولا يتصنع، بل يرسل كلماته على سجيتها، ويهدف إلى التركيز على المعنى، دون أن يعطي كبير اهتمام للمبنى، إنه نثر العالم المفكر، لا الأديب الذي تغريه الصنعة، ويسيطر عليه الأسلوب والمظهر.
ويتجلى أسلوبه هذا، في جميع كتبه ومقالاته غير أن القلم يجمح به أحيانًا، فيشتط الخيال، ويطيب له أن يعنى بالصنعة والعبارة، فيكثف جمله وعباراته، ويختصر في ألفاظه وكلماته. ومثل هذا فعله في كتابه "المذكرات" ولاسيما حين يتحدث عن الشباب، ويصف الشيخوخة، ويتوقع الرحيل، فيحاسب نفسه دون هوادة. لنستمع إليه يقول:
"يا نفس لا تغضبي، ولا تعتبي، فقد عمرت طويلًا، ومتعت كثيرًا، وفتنت بجمال الوجود، وجلال الطبيعة، وهمت بصنع الخالق والمخلوق، واستكثرت من الخلان والمعارف، وسعدت، إذ كنت أقرب إلى التفاؤل من التشاؤم، وإلى الرجاء أدنى من القنوط، وإلى السرور أكثر من الغم. وعشت في سلطان الرضا طيبة الطعمة، لا يد لأحد عندك".