وإذا كنا نقف ببعض التفاصيل مع (خطط الشام) فنظرًا لأهمية هذا المؤلف الفريد والشامل عن بلاد الشام، والذي قيل عنه: "لو لم يضع محمد كرد علي غير خطط الشام، لكفاه هذا فخرًا" (١).
تقع "خطط الشام" في ستة أجزاء تضمها ثلاثة مجلدات ضخمة، بحيث يضم كل مجلد جزأين وقد طبعت عدة طبعات، وهي مهداة من المؤلف إلى العلامة أحمد تيمور، الذي اعتبره محمد كرد علي الأهم بعد الشيخ محمد عبده، والشيخ طاهر الجزائري.
_________________
(١) - خطط الشام - ستة أجزاء في ثلاثة مجلدات.
[ ١ / ١٩ ]
وقال يخاطبه في كلمة الإهداء: "لم تفتأ تبعث همتي على العمل، وتأخذ بيد عجزي، لأقوى على إخراج هذا السفر للناس، فالآن وقد تحققت الأماني، تفضل وزد في الإحسان، واقتطع من وقتك الثمين ساعات، ترشدني فيها إلى مواطن الضعف منه، فتقلدني من منتك اللاحقة قلادة فوق قلائدك السابقة!! "
في هذه الكلمة يتجلى تواضع العلماء، وخاصة من عالم جليل مثل محمد كرد علي، يتحدث عن مثل هذا السفر النفيس، وقد تحدث الباحث عن ظروف وضعه "خطط الشام" في تقديم الجزء الأول فقال: "شرعت أتصفح كل ما ظفرت به من المخطوطات، والمطبوعات باللغات العربية والتركية والفرنسية، وقصدت دور الكتب الخاصة، والعامة، في الشام ومصر والمدينة المنورة والأستانة ورومية وباريس ولندن وأكسفورد وكمبريدج وليدن وبرلين وميونيخ وبحريط والاسكوريال، وكنت كلما استكثرت من المطالعة تتجلى أمامي صورة العمل هذا مع ما قام في سبيل نشر هذا المجموع من العقبات منذ وطدت العزم على وضعه، وما نالني من الكوارث في العهد الماضي، ولكن الشقاء قد يأتي بالسعادة، ورب ضر أعقب ضرًا، فإن التضييق علي نشأ منه اضطراري إلى الارتحال غير مرة، فأخذت أستقري المعالم والمجاهل في هذا القطر، ونزلت على أمم كثيرة في بلاد الغرب، فاستفدت من تنقلي بعض ما عندهم من أسفارنا وآثارنا وقابلت عن أمم بين عمراننا وعمرانهم وجمودنا اليوم وحركتهم.
[ ١ / ٢٠ ]
رحلت إلى أوروبا ثلاث رحلات أبحث في دور كتبها عن المخطوطات التي يرجى أن يكون أصحابها قد تعرضوا لحوادث هذا القطر. وزرت أصقاع الشام لأقابل بين حاضره وغابره، ولما نسجت بآخرة ما جمعت قدمت له مقدمة في بيان ما تشترك بلاد الشام عامة من المظاهر والأوضاع، وسميته (خطط الشام)، وأعني بالشام الأصقاع التي تتناول ما اصطلح العرب على تسميته بهذا الاسم، وهو القطر الممتد من سقي النيل إلى سقي الفرات، ومن سفوح طوروس إلى أقصى البادية، أي سورية وفلسطين في عرف المتأخرين، ويراد بالخطط كل ما يتناول العمران والبحث في تخطيط بلد بحث في تاريخه وحضارته.
ولا جرم أن موضوع الخطط موضوع جليل، تتعين الإحاطة به على كل من يحب أن يعرف أرضه ويخدمها، ويستفيد منها، وأحق الناس بمعرفة بلد أهله وجيرانه، ومن لم يرزق حظًا من الاطلاع على ما حوى موطنه من الخيرات وما أتاه أجداده من الأعمال لا ينهض بما يجب عليه ليؤثر الأثر النافع في المال والمآل، ومن أجدر من الأبناء والأحفاد بالرجوع إلى سجلات الآباء والأجداد، وكيف يحب المرء بلدًا لا يعرفه ويحرص على سعادته ليسعد هو فيه، وهو لا علم عنده بما تعاقب عليه حتى صار إلى ماصار إليه، وهل يفهم الحاضر بغية الغابر، وهل تنشأ في الأمة روح وطنية إذا لم تدرس تاريخها حق الدراسة".
[ ١ / ٢١ ]