وحتى نقف على المراحل التي كونت الأبعاد الفكرية لهذه الشخصية التي تتميز بكثير من صفات التفرد، لابد من استطلاع المحطات الأساسية في السيرة الحياتية والعلمية والثقافية لها، خاصة وإن جميع الدراسات التي وضعت عنها أشارت إلى أهمية الوقوف أمام المحطة الأولى، محطة ظهور الموهبة الواعدة لدى الشاب اليافع محمد كرد علي في وقت مبكر، وبالتحديد في الثالثة عشرة من عمره فقد كانت ولادته في دمشق سنة ست وسبعين وثمانمائة وألف للميلاد أي في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، والمنطقة العربية ترزح تحت نير الحكم العثماني حيث لا مدارس ولا معاهد ولا جامعات، بل كتاتيب صغيرة يتعلم فيها الأطفال القرآن الكريم وبعض فرائض الصلاة والصوم، باستثناء عدد محدود من المدارس ليس متيسرًا لأبناء عامة الشعب (٣).
_________________
(١) - المذكرات - أربعة أجزاء.
(٢) - المصدر السابق.
(٣) - عبد الغني العطري - كتاب (عبقريات شامية).
[ ١ / ٣ ]
كانت الموهبة المبكرة لمحمد كرد علي هي التي فرضت نفسها على الجميع، وبخاصة على الأهل، وكان لابد من السعي لإرساله إلى إحدى المدارس الحكومية، حيث تلقى تعليمه الابتدائي ومبادئ اللغة الفرنسية على يد معلم خاص، ثم دخل المدرسة العازارية وتتلمذ على يدي الشيخ طاهر الجزائري، وكان يدعى كبير معلمي العصر وعنه أخذ العلم وحب العربية وعلومها وآدابها (١).