لا زال الزمن يكشف لنا عن أقنعة، لمعظمين، لا يستحقون التعظيم، والقائمة في هؤلاء تطول، ولكن أعرض هنا، لبعض النظرات في مذكرات محمد كرد علي، رئيس مجمع اللغة العربية في دمشق الشام، ووزير معارفها الأسبق، وصاحب مجلة المقتبس، والذي كنا نحسن فيه الظن، لتتلمذه على العلامة طاهر الجزائري، وامتداحه في مقالته ابن تيمية، والوهابية مع الإمام محمد بن عبد الوهاب.
حيث أني قد أنهيت قبل أيام النظر في مذكراته، في مجلداتها الأربع، والتي طبعت، بإعادة التصوير من دار أضواء السلف، طمعا في الاستفادة منها، ولأضيف لعمري عمرا آخر، كما استفدنا من ذكريات العلامة الموسوعي الأديب علي الطنطاوي ﵀ رحمة واسعة، إذ فيها كل ما لذ وطاب.
ولكن تبين في مذكرات كرد علي عدة أمور، أعرض لبعضها:
* قلة الفائدة، خاصة في زماننا هذا، حيث غلب على مذكراته، الناحية السياسية، وتكلم على أحداث، وتفاصيل غير مهمة في شأن الدولة العثمانية، والدولة السورية.
وكنت بحثت عن اسمه في مجلة المنار لمحمد رشيد رضا ﵀، فرأيته يقول عنه، أنه ليس له في السياسة علم.
والعجيب أن كرد علي في كتابه (المعاصرون) ذكر هذا عن محمد رشيد رضا، أي أنه لا يفهم بالسياسة!.
* كتب مذكراته عند كبر سنه، فأساء الحكم على الرجال، والأزمان، كما ذكر الزركلي في أعلامه، والطنتطاوي في مذكراته، وغيرهم، وعلى حد تعبير الزركلي، أن خوفه من جمال باشا السفاح التركي، ظل يلاحقه حتى بعد سقوط الدولة العلية.
* الخلل العقدي العظيم عند هذا الرجل، إذ أنه لا يكاد يؤمن، بعقيدة الولاء والبراء، فهو قومي وطني بحت، حتى إنه ليقول أنه يأنس للياباني الذي أخذ بأسباب الحضارة والمدنية وإن لم يكن مسلما أكثر من، القروي الأمي المسلم!، أضف إلى ذلك ثناءه الحار وحبه لبعض الدرز والمورون والقساوسة الخ فقط لأنهم عرب.
* يثني في أكثر من موضع على مذهب المعتزلة، فيقول: «لما انقرض مذهب المعتزلة تراجع أمر المسلمين عامة» ٤/ ١٢٥٢.
* يدعو بدعوة مضل المرأة (قاسم أمين) كما في مقاله «الحجاب والسفور» ٤/ ١٠٤٨، يبارك ما بدأ في الشام من زيادة السفور يوما بعد يوم ببركة دعاة التحرير، ويزعم أن آية الحجاب خاصة في أزواج النبي ﷺ!.
ويقول في موضع آخر «ربما كان النساء يفضلن الحجاب على السفور حتى تستر صورخن القبيحة عمن يسارقوهن النظر متخيلين أن هناك جمالا ما وقعت على مثله عين» ٤/ ١٢٧١.
* نشأ حزب الإخوان المسلمون في عهده، على يد الإمام حسن البنا ﵀، فاتهمهم بسرقة مال الأمة، وأن الفقهاء وأهل الدين متى ما تكلموا بالسياسة أتوا بالعجائب، فلا ينبغي لهم الكلام بالسياسة.
ويقول: «يوم فصلت الأمم النصرانية الدين عن الدنيا سارت أمورها على السداد» ٤/ ١٠٧٥، ولذلك نجده في أحد مقالته يثني على علي عبد الرازق، بعد قبوله في مجمع اللغة العربية، ويعتب على من قدم له يوم دخوله ولم يذكره كتابه «الإسلام وأصول الحكم»، والمعروف تكفير علماء الأزهر لكاتبه، وفصل من الأزهر، أيام العلامة محمد الخضر حسين ﵀، شيخ الأزهر.
فهذه بعض النظرات على عجالة من الأمر، إلا فالطوام عديدة، وكثيرة، والله المستعان وعليه التكلان. " انتهى.