١ً وصف جامع الحسين
إن الذي يجلب المسلمين إلى كربلاء هو وجود قبر الحسين بنت رسول الله وأخيه العباس بن علي ﵃ وقبور أصحابه واعوانه الذين استشهدوا معه في واقعة الطف أو يوم عاشوراء سنة ٦١هـ ٦٨٠م وبذلك أصبحت كربلاء مقدس الشيعة ومزارهم فيأتي إليها كل سنة لزيارة التربتين - تربة الحسين وتربة العباس - من كل حدب وصوب زرافاتٍ زرافات وجماعاتٍ جماعات قادمين إليها من ديار قاصية وربوع نائية كديار العجم وربوع الهند وآسيا الوسطى حيث يكثر الشيعيون ولهذا ترى كربلاء لا تخلو من غرباء يعدون بالألوف للغرض نفسه.
وها نحن نصف للقراء ما في جامع الحسين من الأبنية الضخمة والتزيينات الفاخرة التي هي من أفخر ما يجود به الشيعة في تدينهم وحبهم لآل البيت مستغنين عن وصف جامع العباس لقرب المشابهة بين الجامعين إن وضعًا وإن زخرفًا فنقول:
جامع الحسين من المساجد الرائقة البديعة الصنع، الفائقة الحسن وهو من أعظم المساجد في العراق شأنًا، وأتقنها هندسة وصناعة، وأبدعها حسنًا وبهجة، وهو عَلَى شكل مستطيل طوله قرابة ٧٠ مترًا في عرض يقارب ٥٥ مترًا وللمسجد ٦ أبواب فخمة جميلة الوضع وعلى كل باب طاق مرتفع معقود بالحجر القاشاني وكل باب ينتهي بك إلى حي من أحياء المدينة، وفناء المسجد كله فضاء واسع فسيح الأرجاء مفروشة أرضه بالرخام البيض الناصع وكذلك جداره فإن وجه أسفله مغشى بالرخام إلى طول مترين، وما أقول ذلك مبني بالقاشاني الجميل القطع والنحت، ويحيط بفناء الصحن جدار يحصنه قد أقيم عليه طبقتان وفي الطبقة السفلى قرابة ٦٥ غرفة جميلة أمام كل غرفة إيوان قوسي الشكل معقود بالحجر القاشاني.
في وسط فناء الصحن الروضة المقدسة وهي من أعجب المباني وأتقنها وأبدعها شكلًا، وفي حظها بالمحاسن، وأخذت بكل بديعة بطرف يدخل إليها من عدة أبواب ليس هنا محل ذكرها وأشهر أبوابها الباب القبلي وهو من الفضة النفيسة الصياغة وفي جوانبيه سهوات محكمة البناء بديعة الشكل عَلَى هيئة النجاريب مرصعة بقطع من المرائي تأخذ بمجامع
[ ٨٣ / ٣٩ ]
القلوب، أمامها صفة مفروشة أرضها بالرخام وكذلك جدارها الأدنى فإنه مؤزر به إلى مترين مرصع كله بزجاج ترصيعًا هندسيًا يقل نظيره وسقف هذه الصفة قائم عَلَى دعائم محكمة من الساج وهذا الباب ينتهي من الداخل إلى رواق يحيط بالحرم - الروضة - من شرقيها أو جنوبيها أو غربيها وعن يمينك تجد قبر حبيب بن طاهر وعليه مشبك من الشبه فتدخل باستقامة إلى باب آخر من الفضة الناصعة العجيبة الصياغة إلى مقام محكم الصنع ملون بألوان زاهية بديعة، وهو الروضة أو الحرم الذي فيه قبر الحسين وطوله ١٠ أمتار و٤٠ سنتيمترًا وعرضه ٩ أمتار و١٥ سنتيمترًا وفي داخله من أنواع التزاويق ورائق الصنع ما يحير العقول وأكثر ذلك مغشى بالذهب الوهاج فهي تتلألأ نورًا وتلمع لمعان البرق، يحار بصر متأملها في محاسنها، ويقصر لسان رائيها عن تمثيلها، ومما زادها بهجة وزخرفة وجود الجواهر النفيسة، وقناديل ذهب وفضة، وغير ذلك من المعلقات الغالية الثمن عَلَى القبر الشريف التي أهداها إليه ملوك الفرس وسلاطين الهند في عصور مختلفة مما يعجز قلم البليغ عن وصفها والإحاطة بكل ما هنالك من نفائس المجوهرات ونوادر الآثار.
وفي أقصى الحرم مصطبة نفيسة تحتها رمم الإمام، والمصطبة بديعة الصنع والنقش والحفر عجيبة الصبغ والتلوين ترى من وراء مشبك من الفضة الناصعة وهو ذو أربعة أركان وفي جانب الطول منه ٥ شبابيك وعرش كل شباك منها ٨٠ سنتيمترًا ويتفرع من وسط الجانب الشرقي منه مشبك صغير من الفضة أيضًا عَلَى ضريح ابنه علي الأكبر الذي قتل معه - وهو غير علي زين العابدين الذي فقيد مع الأسرى إلى الشام - وطول مشبك الحسين ٥ أمتار ونصف المتر في عرض ٤ أمتار ونصف متر وارتفاعه ٣ أمتار ونصف متر وطول مشبك الابن متران و٦٠ سنتيمترًا في عرض متر و٤٠ سنتيمترًا، وفي أعلى مشبك الحسين ١٦ آنية مستطيلة الشكل كلها من الذهب الإبريز وفي كل ركن من المشبكين رمانة من الذهب يبلغ طولها قرابة نصف متر وسماء ذلك الحرم مغشاة بقطع من المرئي عَلَى شكل لا يقدر أن يصفه واصف.
وفي الزاوية الجنوبية من الحرم قبر الشهداء وهم ملحودون عَلَى ضريح واحد وعلى وجه تلك الزاوية مشبك من الفضة الناصعة طوله أربعة أمتار و٨٠ سنتيمترًا وهو عبارة عن ٤
[ ٨٣ / ٤٠ ]
شبابيك عرض كل واحد منهم ٧٥ سنتيمترًا وارتفاعه متر و٧٠ سنتيمترًا، ويغطي الحرم كله قبة شاهقة مغشاة من أسفلها إلى أعلاها بالذهب الإبريز، وفي محيطها من الأسفل ١٢ شباكًا عرض كل شباك متر واحد من الداخل ومتر و٣٠ سنتيمترًا من الخارج ويبلغ ارتفاع القبة من أسفلها أي من سطح الحرم إلى أعلاه قرابة ١٥ مترًا.
وفي هذا الجامع ثلاث مآذن كبيرة يناطحن السحب بذهلهن صعدًا في الهواء اثنان منها مطليتان بالذهب الوهاج وهما حول الحرم والثالثة مبنية بالقاشاني وهي ملتصقة بالسور الخارجي من الجانب الشرقي وهناك أيضًا ساعة كبيرة مبنية عَلَى برج شاهق يراهما المرء من مكان قصي، وصفوة القول أن الكاتب مهما أوتي من البلاغة والفصاحة والإجادة في الوصف لا يمكنه أن يصف كل ما في هذا المسجد الضخم من الأبنية والأروقة والتزيينات وما كتبناه ليس إلا ذرة من جبل أو نقطة من بحر زاخر.
٢ً لمحة تاريخية في بناء المسجد والقبر
يرتقي تأسيس القبر إلى أيام مقتل الحسين ومما يؤخذ من كلام جعفر بن قولويه في كتابه كامل الزيارة أن الذين دفنوا الحسين ﵁ أقاموا رسمًا لقبره ونصبوا له علامة وبناء لا يدرس أثره وفي سنة ٦٥هـ ٦٨٤م قدم لزيارة رمسه سليمان بن صرد الجزاعي مع الثائرين لأخذ ثارات الحسين وأصحابه، وقد ازدحموا عَلَى قبره كازدحام الناس عَلَى الحجر الأسود ولم يكن إذ ذاك ما يظلل قبره الشريف وجاء في كتاب كنز المصائب أن المختار بن أبي عبيدة الثقفي قام بتشييد قبره واتخذ قرية حولهن وذكر صاحب كنز المصائب عن أبي حمزة الشمالي - المتوفى في عهد المنصور العباسي - عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ما نصه. . فإذا أتيت الباب الذي يلي الشرق فقف عَلَى الباب وقل. . ثم تخرج من السقيفة وقف بحذاءِ قبور الشهداء. . . وأيد لهذا المعنى لخبر المجلس الطوسي في المجلد ٢٢ من البحار ٨٠ - ١٠٢ طبع إيران والسيد ابن طاووس في إقبال الأعمال صفحة ٢٨ طبع عجم وهذا ما يدلك عَلَى أن له بابًا شرقيًا وغربيًا وخلاصة القول أنه كان في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية بناء ذو شأن عَلَى قبره ومع هذا فقد كان الأمويون يقيمون عَلَى قبره المسالح لمنع الوافدين إليه من زيارته.
ولم يزل القبر بعد سقوط بني أمية وهو بعيد عن كل انتهاك لاشتغال الدولة العباسية بغدارة
[ ٨٣ / ٤١ ]
شؤون الملك ولظهورها بادئ الأمر مظهر القائم بإرجاع سلطة الهاشميين وغير خفي أن القائمين بالدعوة كانوا من أهل خراسان، وأكثر هؤلاء إن لم نقل كلهم كانوا من أنصار آل هاشم، ولما رسخت قدم العباسيين في البلاد وقمعوا الثورات وجهروا بمعاداة شيعة علي ﵁ ولكنها كانت خفيفة الوطأة أيام المنصور والمهدي والهادي، وثقلت وطأتهم عليهم أيام الرشيد فإنه تظاهر بمناهضة العلويين فسجن كبارهم وفتك بسادتهم وأهان عظمائهم حتى أنه سجن عدد كبير من سادات آل البيت وخرب قبر الحسين وقطع السدرة وكرب موضع القبر ولعل ذلك كان لارتيابه من شيعة علي، ولما جاء دور المأمون تنفس الشيعة الصعداء واستنشقوا ريح الحرية الرطيب وكان المأمون يتظاهر بحبه لآل البيت حبًا جمًا حتى أنه استعاض بلبس السواد وهو شعار العباسيين بلبس الخضرة وهو شعار العلويين وأوصى بالخلافة من بعده لعلي بن الرضا بن موسى الكاظم ولعل ذلك كيد منه لأخيه الأمين واسترضاء لمناصريه الخراسانيين، وفي زمن المأمون أعيد موضع القبر وأقيم عليه بناء شامخ.
وبقي الحال عَلَى هذا المنوال والشيعة في حالة حسنة إلى أن جاء دور المتوكل فضيق الخناق عليهم وطاردهم في الآفاق وأمر بهدم قبر الحسين وحرث أرضه وإسالة الماء إليه وأقام في المسالح أناسًا يترصدون لمن يأتي لزيارته أو يهتدي إلى موضع قبره فحصل للشيعة من ذلك كرب عظيم، وقد نالت فرقة الشيعة شيئًا من الحرية عَلَى عهد المنتصر وكان هذا محبًا لآل البيت ومقربًا لهم رافعًا مكانتهم معظمًا قدرهم ومن حسانه إليهم أنه شيد قبر الحسين ووضع ميلًا عاليًا يرشد الناس إليه، وفي خلافة المسترشد بالله ضاقت الأرض عَلَى رحبها بالشيعة لما أخذ المسترشد جميع ما اجتمع في خزانة القبر من الأموال والمجوهرات فأنفق عَلَى جيوشه قائلًا أن القبر لا يحتاج إلى خزينة إلا أنه لم يتعرض للبناء ولم يمسسه بسوء من ذلك الحين أخذت كربلاء بالاتساع فاتخذت الدور وشيدت القصور وأقيمت الأسواق.
وكان البناء الذي سيد في عهد المنتصر قد سقط في ذي الحجة سنة ٢٧٣هـ ٨٨٦م فقام إلى تجديده محمد بن زيد القائم بطبرستان في خلافة المعتضد العباسي سنة ٢٨٣هـ ٨٩٦م وقد زار القبر عضد الدولة بن بويه ٣٧٠هـ ٩٨٠م بعد أن بالغ في تشييد الأبنية حول
[ ٨٣ / ٤٢ ]
الضريح وكان عدد من جاور القبر في ذلك العهد من العلويين ٢٢٠٠ نسمة فأجزل لهم عضد الدولة من العطايا وكان ما بذل لهم مائة ألف رطل من التمر وكان آل بويه من أنصار مذهب الشيعة واستفحل التشيع عَلَى عهدهم حتى أن معز الدولة أمر سنة ٣٥٢هـ ٩٦٣م بإقامة المأتم في عاشوراء فكان ذلك أول مأتم أقيم في بغداد وفي سنة ٤٠٨هـ ١٠١٧م شبت النار حول الضريح من شمعتين كبيرتين سقطتا عَلَى المفروشات فالتهمت النار القبة وتعدتها إلى الأروقة ولم يبق من المسجد إلا السور وشيء من الحرم فرمم وهو الذي وصفه ابن بطوطة في رحلته وفي سنة ٧٦٧هـ ١٣٦٥م شيد السلطان إدريس الأيلكاني المسجد والحرم وأتمه وأكمله ولده السلطان حسين وقد وجد تاريخ هذا البناء عَلَى المحل المعروف عند أهالي كربلاء بنخل مريم فيما يلي الرأس وقد شاهده محمد بن سليمان بن زوير السليماني وقد كان أنزل هذا التاريخ سنة ١٢١٦هـ ١٨٠١م وفي سنة ٩٣٢هـ ١٥٢٥م أهدى الشاه إسماعيل الصفوي صندوقًا بديع الصنع إلى القبر الطاهر وفي سنة ١٠٤٨هـ ١٦٣٨م شهد السلطان مراد الرابع القبة المنورة وجصص خارجها وفي سنة ١١٣٥هـ ١٧٢٢م نهضت زوجة نادر شاه وكريمة حسين الصفوي إلى تعمير المسجد المطهر وأنفقت عَلَى ذلك أموالًا لا تحصى، وفي أوائل القرن التاسع عشر أهدى فتح علي شاه أحد ملوك إيران شبكة من الفضة وهي اليوم موجودة عَلَى القبر وفي ١٢١٦هـ ١٨٠١م أمر محمد علي خان بتزيين الحرم الشريف وتعميره وبذل لذلك مبالغ وفيرة، ويوجد اليوم في أعلى أبواب الفضة فوق الآيات القرآنية فيما يقابل الوجه الشريف، وحوالى هذا التاريخ أمرت زوجة فتح علي شاه بتذهيب المأذنتين، وفي سنة ١٢٧٣هـ ١٨٦٥م غشيت قبة الحرم بالذهب عَلَى نفقة ناصر الدين شاه كما هو مكتوب عَلَى حائطها فوق الشبابيك بسطر من ذهب فيه بعض الآيات ولم يحدث بعد ذلك ما يهم تدوينه سوى ما جددت إنشاءه في العهد الأخير إدارة الأوقاف، هذا مجمل ما يمكن الوقوف عليه من تاريخ المسجد والقبر وربك علام الغيوب.
٣ً وصف خزائن الأئمة في النجف وكربلاء
يوجد في كربلاء والنجف خزائن قديمة العهد فيها آثار ذات قيمة لا تثمن نذكر منها خزانتين للحسين والعباس ﵄ في كربلاء وخزانتين للإمام علي كرم الله
[ ٨٣ / ٤٣ ]
وجهه وقد حوت هاتان الأخيرتان من الآثار التاريخية النفيسة ما لا يمكن وصفه لأنهما بقيتا بعيدتين عن أذى الوهابيين إبان حملتهم عَلَى العراق في أوائل القرن التاسع عشر، وأما خزائن الحسين والعباس فقد أتلفها يد الضياع وذهب أكثر ما فيها أثناء الغارة الوهابية عَلَى كربلاء.
أما خزينتا الإمام علي في النجف فقديمتان منها واحدة لم تفتح ولم ترى عينها إنسان إلا مرة واحدة حينا أتى ناصر الدين شاه أواخر سنة ١٨٧٠ لزيارة قبور الأئمة في العراق، وكان ذلك بإرادة سنية استحصلها من السلطان عبد العزيز خان وقد حضر احتفال فتحها كمال باشا ناظر الأوقاف، وبناءً عَلَى التماس ناصر الدين شاه من السلطان عبد العزيز أُخرج منها قنديل مرصع بالحجارة الكريمة قيمته ٦٥٠٠ ليرة فعلق عَلَى المصطبة التي تحتها رمم الإمام وهذا القنديل لا يزال موجودًا إلى اليوم، وقد أهدى ناصر الدين شاه الخزانة سيفًا ثمينًا مرصعًا باليواقيت والجواهر وبعد أن تفقد ناصر الدين شاه ما فيها من الآثار النفيسة أقفلت وختم عَلَى قفلها مدحت باشا والي بغداد وكمال باشا ناظر الأوقاف، وقد اختلف الناس في تخمين ما في هذه الخزانة من الجواهر فالبعض يدعي أن ما حوته من المجوهرات تناهز قيمته ٣٠ مليونًا من الجنيهات حتى قيل أن هناك درة كبيرة لا تُثمَّن محفوظة في ظرف من الزجاج ومن الأقوال المأثورة فيها أنها تقوم بإعمار العراق ولو خرب وهذه تعد اليوم من جملة المعلقات الفاخرة عَلَى ضريح الإمام علي ومما يؤخذ من أقوال القيم عَلَى أموال وخزائن الإمام وهو ما يسمى عندهم كليد دارأن ما في هذه الخزانة وحدها تساوي قيمته من ٦٠٠ ألف ليرة إلى ٧٠٠ ألف ليرة.
أما الخزانة الثانية فليست مفتوحة في كل وقت ولا يدخلها كل احد ومن نفائس ما حوته تاج ثمين عريق في القدم كان أهداه أحد سلاطين الهند قيل أن ثمنه يساوي ١٠٠٠ جنيه عثماني وهناك سيف مرصع بالزمرد يقدر ثمنه بألفي ليرة، وفيها سجادات ثمينة دقيقة الصنع كان يجلس عليها ملوك الفرس وكل قطعة منها تساوي ألف جنيه، وأما ما فيها من شالات الكشمير والأنسجة التي تحار لها العقول وتستوقف الأبصار فما لا يحصيه أحد ولا يحيط به واصف مهما أوتي من البلاغة.
ويوجد اليوم عَلَى ضريح الإمام علي تحف نفيسة ومعلقات لا نظير لها منها ظرف من
[ ٨٣ / ٤٤ ]
الزجاج فيه تاج مرصع بالحجارة القديمة يقال أنه تاج ملك من ملوك إيران المتأخرين، هذا عدا ما هناك من القناديل الذهبية والمعلقات بديعة الشكل، ومما يدخل في عداد ذلك مكتبة مخطوطة حوت نفائس المخطوطات العديمة النظير منها نسخة من القرآن الكريم بخط الحسين بن علي بن أبي طالب إلى غير ذلك من نوادر الكتب والمخطوطات.
وأما خزانة العباس فهي أغنى الخزائن بعد خزانتي الإمام علي وهي عبارة عن مستودع أسلحة هو عبارة عن غرفتين مملوءتين أسيافًا ذات غرارين قامته ذات حدٍ واحدٍ، والذي يؤسف له إهمال ولاة الأمر هذه الأسلحة القديمة التي أصبحت أثرًا بعد عين، وفيها صناديق عديدة مشحونة بأنواع الشالات الثمينة وأستار من الحرير المقصب، ومسارج شمعدانات ذهبية فاخرة، وسيف ذهبي فاخر مرصع محلى بالنقوش الدقيقة، وإبرة كبيرة من الألماس ذات قيمة غالية، ومسرجة شمعدان فاخرة مرصعة بالحجارة القديمة قيل أنها تساوي ألف جنيه، هذا عدا السجاد الجميل المزدان بأبدع التصاوير وأغرب النقوش، منها سجادة مصنوعة من الحرير دقيقة الصنع أهداها إلى الخزان الشاه عباس وقد كتب عَلَى حاشيتها كلب أستانة حضرة عباس أي كلب عتبة حضرة العباس.
أما خزانة الإمام الحسين فلم يبق منها عَلَى ما علم شيء جدير بالذكر، وكل ما هناك ١٦ إناءً مستطيلًا كلها من الذهب الإبريز وهي الآن موجودة في أعلى مشبك الحسين وقد مر ذكرها، وسبب فقر خزانة الحسين ناشئ من وقوعها بين أيدي الوهابيين وسنصف في غير هذا الموطن ما نهبه الوهابيون من خزانهة الحسين من مجوهرات وغيرها.
اظنك تتعجب من غنى هذه الخزائن ولكن لو علمت أن كربلاء عَلَى اتساعها وكثيرة سكانها لا يوجد فيها اليوم مدرسة ثانوية لازداد عجبك، ولو طفت قرى كربلاء واحدة بعد أخرى لرأيت كلها - عدا النجف الأشرف التي هي اليوم مقر العربية وموطن أدبائها وفضائلها - وفي أسوء حال بل: لرأيت الجهل متفشيًا بن أبنائها، عَلَى أني أقول ما أقول لو أن أهل الحل والعقد في العراق يؤلفون جمعية يثق بها الناس لبيع هذه الآثار في أسواق أوربا ويشترون بأثمانها عقارات أو يشقون جدولًا أو يفتحون بها مصرفًا زراعيًا أهليًا يساعد الفلاحين عَلَى قضاء حاجاتهم، وترويج مصالحهم، وينشئون مدرسة عالية في النجف أو كربلاء تدرس فيها العلوم الحديثة بالعربية بشرط أن يستقدموا أساتذة من علماء مصر
[ ٨٣ / ٤٥ ]
والشام وينفقوا عليها من ريع تلك العقارات أو من مكاسب المصرف لخدموا المجتمع العراقي خدمة تذكر فتشكر وكانت الفائدة عامة، بل إن هناك ما هو أكثر فائدة وأعظم شأنًا وهو أنهم ينشئون بأثمانها بواخر يسيرونها في نهر الفرات أو يمدون سكة حديدية بين بغداد وكربلاء فتقرب البلاد بعضها من بعض وتنمو الثروة وتزداد التجارة، ومن ريعها ينفقون عَلَى المدرسة، إذ هذا الزمن زمن التفكر بالمستقبل والعمل إلى ما فيه خير المجتمع لا وقت الكسل والخمول والانعكاف عَلَى القديم، وأي خير من خزائن لا تفيد الأمة في وقت الحاجة والضيق، في وقت يتسابق الأقوام إلى الاستضاءة بنبراس الحضارة ونحن في ظلمات الجهل تائهون، وتتراكض الشعوب إلى اقتطاف ثمار الفنون اليانعة ونحن عن ذلك لاهون، ولا أظن أحدًا يعارض هذه الفكرة أو يحول دون إبرازها إلى الوجود سواء كان من رجال الحكومة أو من رجال الجعفرية هذا وإني أحث أدباء النجف عَلَى أن يكونوا أول القائمين بهذا الأمر لأنهم قادة العراق وذوو الأمر والنهي فيه، فينشئون مقالات في هذا الشأن مظهرين ارتياحهم لذلك، وربك الهادي إلى طريق الصواب.
٤ً نبذة من تاريخ كربلاء القديم والحديث
لم تكن كربلاء في العهد العيهد قبل الفتح الإسلامي بلدة تستحق الذكر، ولم يرد ذكرها في التاريخ إلا نادرًا وأكثر ذلك في عرض الكلام عما كان يقع في الحيرة وقرى الطف من الوقائع. وكانت قبل أن يفتحها المسلمون قرية حقيرة عليها مزارع وضياع لدهاقين العجم. وكان سكانها أهل حراثة وزراعة وظلت كذلك إلى أن افتتحها المسلمون في عهد عمر ابن الخطاب سنة ١٤هـ ة٦٣٥م وكان الفاتح لها ابن عرفطه بأمر سعد بن أبي وقاص قائد جيوش المسلمين في حرب القادسية، وقد كانت العرب صممت عَلَى أن تجعلها مباءَة لجيوشها ومركزًا لإدارة ما فتحوه من ديار الحيرة فاتخذوها بادئ بدءٍ معسكرًا ثم رحلوا عنها عندما أنكروا وخامة هوائها وكثرة ذبالها فنزلوا الكوفة. وإلى ذباب كربلاء أشار رجل من أشجع في قصيدته:
لقد حبست كربلاء عن مطيتي وفي العين حتى عاد غثًا سمينها
إذا رحلت من منزل رجعت له لعمري وايهًا إنني لأهينها
ويمنعها من ماء كل شريعة رفاف من الذبان رزق عيونها
[ ٨٣ / ٤٦ ]
ولما رحل المسلمون عنها قلَّ شأنها وكادت تعفو رسومها ويخفى ذكرها ومازالت إلى أن عاد ذكرها ما حدث حولها ٦١هـ ٦٨٠م من الحوادث الخطير التي أدهشت العالم الإسلامي إلا وهي وقعة كربلاء والطف المحزنة التي قتل فيها الحسين بن علي ونفر قليل من أصحابه ﵃ لمطالبته بالخلافة وأنفة من مبايعة يزيد بن أبي سفيان لأنه يرى نفسه أحق بها منه، ومن ذلك الحين ذاع صيت هذه المدينة في الآفاق وانتشر في الأقطار، وقد جاء ذكرها في أشعار العرب ودواوينهم ومع هذا لم تكن في القرن الأول الهجري عامرة، ومع ما كان في أنفس الهاشميين وشيعتهم من مجاورة قبر الحسين لم يتمكنوا من اتخاذ الدور وتشييد البنايات خوفًا من سلطان بني أمية، وقد أخذت في التقدم في أوائل الدولة العباسية ورجعت القهقرى أيام الرشيد وقد ازداد خرابها في أيام المتوكل لأنه هدم قبر الحسين فرحل عنها سكانها، ثم أخذ الشيعة أيام المنتصر يتوافدون إلى كربلاء أفواجًا أفواجًا ويعمرونها ثم ضخمت في القرن الرابع للهجرة وقد زارها عضد الدولة بن بويه سنة ٣٧هـ ٩٨٠م وكانت مدينة عامرة آهلة بالسكان يقطنها آلاف النفوس وقد وصفها ابن بطوطة قال:
هي مدينة صغيرة تحفها حدائق النخل ويسقيها ماء الفرات، والروضة المقدسة داخلها، وعليها مدرسة وزاوية كريمة فيها الطعام للوارد والخارج وعلى باب الروضة الحجاب والقومة لا يدخلها أحد إلا بإذنهم فيقبل العتبة الشريفة وهي الفضة وعلى الضريح المقدس قناديل الذهب والفضة وعلى الأبواب أستار الحديد، وأهل هذه المدينة طائفتان أولاد دخيل وأولاد فائز ينهم القتال أبدًا وهم جميعًا أمامية ولأجل فتنهم تخربت هذه المدينة اهـ.
ولم تزل كربلاء بين صعود وهبوط ورقي وانحطاط تارة تنحط فتخضع لدول الطوائف وطورًا تعمر متقدمة بعض التقدم إلى أن دخلت في حوزة الدولة العثمانية سنة ٩٤١هـ ١٥٣٤م وأخذت تتنفس الصعداء مما أصابها نكبات الزمان وحوادث الدهر التي كادت تقضي عليها، وبقيت وهي مطمئنة البال مدة طويلة تزيد عَلَى ثلاثة قرون لم ترى في خلالها ما يكدر صفو سكانها حتى جاءت سنة ٢١٦هـ ١٨٠١م جهز الأمير سعود الوهابي جيشًا عرمرمًا مؤلفًا من ٢٠ ألف مقاتل وهجم بهم عَلَى مدينة كربلاء وكانت عَلَى غاية من الشهرة والفخامة ينتابها زوار الفرس والترك والعرب فدخل سعود المدينة بعد أن ضيق
[ ٨٣ / ٤٧ ]
عليها وقاتل حاميتها وسكانها قتالًا شديدًا، وكان سور المدينة مركبًا من أفلاق نخيل مرصوصة خلف حائط من طين، وقد ارتكب الجيش فيها من الفظائع ما لا يوصف حتى قيل أنه قتل في ليلة واحدة ٢٠ ألف نسمة وبعد أن تم الأمير مسعود مهمته الحربية التفت نحو خزائن والقبر وكانت مشحونة بالأموال الوفيرة وكل شيء نفيس فأخذ كل ما وجد فيها. وقيل أنه فتح كنزًا كان فيه أموال جمة جمعت من الزوار، وكان من جملة ما أخذ لؤلؤة كبيرة وعشرون سيفًا محلاة جميعها بالذهب ومرصعة بالحجارة الكريمة، وأوان ذهبية وفضية وفيروز وألماس وغيرها من الذخائر النفيسة الجليلة القدر، وقيل أن من جملة ما نهبه سعود أثاثات الروضة وفرشها منها ٤٠٠٠ شال كشميري و٢٠٠٠ سيف من الفضة وكثير من البنادق والأسلحة وقد صارت كربلاء بعد هذه الواقعة في حال يرثى لها.
وقد عاد إليها بعد هذه الحادثة من نجا بنفسه فأصلح بعد خرابها وأعاد إليها العمران رويدًا رويدًا وقد زارها في أوائل القرن التاسع عشر أحد ملوك الهند فأشفق عَلَى حالتها وبنى فيها أسواقًا حسناء وبيوتًا قوراء أسكنها بعض من نكبوا، وبنى للبلدة سورًا حصينًا لصد هجمات الأعداء وأقام حوله الأبراج والمعاقل ونصب له آلات الدفاع عَلَى الطرز القديم وصارت عَلَى ما يهاجمها أمنع من عقاب الجوفامنت عَلَى نفسها وعاد إليها بعض الرقي والتقدم.
وفي سنة ١٢٤١هـ ١٨٢٥م وقعت واقعة عظيمة تعرف بوقعة المناخور - أمير الأخور أي أمير الاصطبل، وذلك أن الدولة العثمانية كانت في ذلك الزمن ضعيفة لاختلال الجيش الإنكشاري واستقلال البلاد القاصية واشتغالها بمحاربة العصاة في البلقان وطموح محمد علي والي مصر إلى الاستقلال واستقلال علي باشا لنلي تبه في ألبانيا، وكان واليًا عَلَى العراق إذ ذاك داود باشا وكان تقيًا عادلًا ورعًا مشهورًا بالدهاء وفرط الذكاء إلا أنه كان شديد الحرص عَلَى الانسلاخ من جسم الدولة والاستقلال بالعراق أسوة بمن تقدمه. فسعى بادئ بدءٍ إلى جلب قلوب الأهالي بما أنشأه من العمارات والبنايات والجوامع والتكايا. وقرب علماء العراق وبالغ في إكرامهم ونظم جيشًا كبيرًا وأسلحة عَلَى الطراز الجديد حينئذ، فقاوم بعد ذلك يدعو الناس إلى بيعته، ولكثرة ما كان لديه من الأعوان بايعه أكثر مدن عراق العرب إلا كربلاء والحلة فرفعا راية العصيان وعند ذلك سير جيشًا ضخمًا بقيادة أمير إصطبله وكانت عشيرة عقيل تعضده فأخضع القائد الحلة واستباح جاها ثم جاء
[ ٨٣ / ٤٨ ]
كربلاء فحاصرها ثمانية عشر شهرًا ولم يقو عَلَى افتتحاها لحصانة سورها ومناعة معاقلها، ولما رأى ذلك أقلع عنها ثم كر عليها ثانيًا وثالثًا فلم يفز بأمنيته إلا بعد حصار طالت مدته أربع سنوات من سنة ١٢٤١هـ ١٨٢٥م إلى سنة ١٢٤٥هـ ١٨٢٩م وكانت نتيجتها أن أسر الجيش نقيب كربلاء فسجنه داود باشا في بغداد.
وفي سنة ١٢٥٨هـ ١٨٤٢م شق أهالي كربلاء عصا الطاعة عَلَى الدولة وأبوا أداء الضرائب والمكوس وكان والي العراق نجيب باشا فجهز جيشًا بقيادة سعد الله باشا وسيره إلى كربلاء فحاصرها حصارًا شديدًا وأمطر المدينة بوابل قنابله ولم يساعده الحظ عَلَى افتتاحها لأن سو رها كان منيعًا جدًا وقلاعها محكمة لا يمكن للقائد الدنو منها، ولما أعيت به الحيل الحربية التجأ إلى الخداع فأعطى الأمان للعصاة وضمن لهم عفو الحكومة فأخلوا القلاع وجاؤه طائعين فقبض عليهم وسلط المدافع عَلَى جهة السور الشرقية فهدمها وأصلى المدينة نارًا حامية، ففتحها وارتكب فيها فظاعة وشناعة، ودخل بجيشه إلى صحن العباس وقتل كل من لاذ بالقبر وبهذه الموبقات أعاد سلطة الحكومة إلى تلك الربوع.
وفي سنة ١٢٩٣هـ ١٨٤٢م ظهرت فتنة بكربلاء تعرف بفتنة (علي هدلة) وذلك أن جماعة من المفسدين حرضت من الأهالي عَلَى مناوأة الحكومة وكانت أفكار الأهالي مستعدة لقبولها فألفت عصابة بقيادة علي هدلة وقابلت الجيش العثماني ودحرته في مواقع متعددة. ولما رن صدى هذه الحادثة في الآستانة قلقل السلطان المخلوع وأصدر إرادة سنية بإرسال الجيوش إلى كربلاء وهددها وقتل من فيها عن بكرة أبيهم. وناط تنفيذ الإرادة بعاكف باشا والي بغداد والمشير حسين فوزي باشا وكان هذا القائد عامًا للجيش فجاء الاثنان كربلاء يصحبهما نقباء بغداد السابقين وضربوا المضارب قرب المدينة، فلم ير الوالي في المدينة آثار العصيان والتمرد. وقد علم بعد البحث الطويل أن العصاة عصابة ارتكبت إثمًا واقترفت ذنبًا يطاردها الجيش وليس من العدل هدم المدينة وتنفيذ الإرادة السنية عَلَى سكانها وأخذ البريء بجريرة المذنب فأحجم عن تنفيذ ذلك وفاتح القائد العام فأبى هذا إلا الإصرار عَلَى تنفيذ الأوامر فنجم من ذلك خلاف بينهما فرجعا إلى الآستانة وخاطباها بالأمر وبعد أخذ ورد صدر الأمر بالعفو، فرحل الجيش عنها بعد أن قبض عَلَى مثيري الفتنة وموقدي نيرانها قادهم إلى بغداد ومن هناك ألقاهم في أعماق السجون.
[ ٨٣ / ٤٩ ]
بغداد // إبراهيم حلمي
[ ٨٣ / ٥٠ ]