المملكة العربية السعودية قديمًا وحديثًا
د. أحمد بن حسن أحمد الحسني
الأستاذ المشارك بقسم الاقتصاد الإسلامي
بكلية الشريعة بجامعة أم القرى
ملخص البحث
من الملاحظ في عالم اليوم أن تحقيق مزيد من التنمية الاقتصادية بالمفهوم المادي يصاحبه في الغالب نوعًا من التفكك والتباعد في العلاقات الإنسانية بين البشر، ويرجع ذلك إلى غياب البعد الإيماني والأخلاقي في جهود التنمية. ويحاول هذا البحث اختبار فرض علمي مؤداه «أن اشتمال جهود التنمية في المملكة العربية السعودية قديمًا وحديثا على البعد الإيماني حقق مزيدًا من التقارب والاندماج بين أجزائها وأفرادها، وأن غياب هذا البعد في بعض الفترات كان مصحوبًا بالتفكك والتناحر بين أجزائها وأفرادها» .
وقد تناول البحث بالتحليل الفترة قبل مجيء الإسلام في الجزيرة العربية وأوضح كيف أن غياب البعد الإيماني كان مقترنًا بالتناحر والتفكك بين قبائل هذه الجزيرة، كما كان مصحوبًا بالتخلف من الناحية الاقتصادية.
وتناول البحث أيضًا الفترة بعد بعثة رسول الله (بالتحليل وأوضح كيف أن التركيز على البعد الإيماني أدى إلى مزيد من التقارب والاندماج بين أفراد الأمة الإسلامية الواحدة وإن تعدد جنسياتهم ولغاتهم.
وتعرض البحث للفترة منذ توحد المملكة العربية السعودية حديثًا على يد المغفور له الملك عبد العزيز وأوضح كيف أن التنمية كانت تنطوي على البعد الإيماني والأخلاقي وهو ما أدى إلى تحقيق مزيد من التقارب والاندماج بين أجزائها وأفرادها.
• • •
المقدمة:
[ ٦ / ٤١٢ ]
الحمد لله ولا نعبد إلاّ إياه مخلصين له الدين. أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، رب السموات ورب الأرض رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيّدنا محمدًا عبده ورسوله اللهم صلّ وسلّم وبارك عليه وعلى آله الطيّبين الطاهرين وأصحابه الغرّ الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:
فمن المشاهد في عالم اليوم أن الجهود المتلاحقة التي تبذل على المستوى الدولي بغرض تحقيق مزيد من التنمية الاقتصادية بالمفهوم المادّي يصاحبها في الغالب نوعًا من التفكك في العلاقات الإنسانية بين سكان الدول المختلفة؛ بل وبين أفراد المجتمع الواحد والأسرة الواحدة. فعلى المستوى الدولي نجد أن هناك دولًا تفككت ونشب الصراع بينها كما حدث في الاتحاد السوفيتي سابقًا ودول شرق أوروبا، كما أن هناك صراعات مستمرة بين الدول المتجاورة سواء أكان هذا في آسيا أو إفريقيا أو أوروبا أو أمريكا. وكذلك على مستوى الدولة الواحدة نجد صراعًا بين الفصائل المختلفة، لدرجة قد تصل إلى حد نشوب القتال فيما بينهم
ويحدث هذا حتى في الدول المتقدمة مادّيًا كما هو الحال في بريطانيا وإيطاليا واليابان، وإلى عهد قريب في الولايات المتحدة الأمريكيّة. كما نسمع عن تزايد موجات العنف بين أبناء البلد الواحد في الشارع والمدرسة وغيرها خاصة في الدول المتقدمة ماديًّا. ويكشف هذا عن تصدع كبير في العلاقات الإنسانية بين البشر. ففي بريطانيا تشير الإحصاءات إلى وجود ثلاث مليون قطعة سلاح في أيدي الأفراد مهرّبة بصورة غير مشروعة، كما تشير إلى أنّ ثلث الصغار بين سن ١٥ إلى ٢٥ سنة من الذين ارتكبوا جرائم كان لديهم أسلحة (١) .
[ ٦ / ٤١٣ ]
وتوضح الإحصاءات أيضًا أن عدد الجرائم المسلحة في بريطانيا زاد من (١٢٤١٠) عام ١٩٩٧ م إلى (١٣٦٧١) عام ١٩٩٨ م أي بنسبة ١٠%. وفي استراليا كشفت دراسة حديثة أجريت خلال ١٢ شهرًا أن جرائم القتل زادت بنسبة ٣.٢%، وأن جرائم الاغتصاب زادت بنسبة ٨.٢% وأن جرائم السرقة المسلحة زادت بنسبة ٤٤% (١) . وتطالعنا الأخبار المقروءة والمسموعة والمرئية صباح مساء عن الأطفال الذين يقتلون زملاءهم في المدارس بالأسلحة بصورة جماعية خاصة في الدول المتقدمة ماديًّا. وعلى مستوى الأسرة الواحدة نجد أن نمط التربية الأسرية في المجتمعات الغربية يسمح بانفصال الأبناء عن آبائهم في سن مبكرة مما يضعف العلاقة بينهم ويؤدي إلى الفرقة والتشتت. وتوضح هذه الظواهر أن التنمية بالمفهوم المادي يصاحبها - كما تقدم - تفكّك وتباعد معنوي بين البشر. ولقد عبّر عن هذا بعض الكُتاب الغربيين بقولهم إن الناتج القومي الإجمالي G NP كمقياس للقيمة النقدية للأنشطة الاقتصادية لم يعد يعبّر بدقة عن مستوى الرفاهة للمجتمع. فالزيادة فيه غالبًا ما تكون مصحوبة بمزيد من العُنف بين البشر، هذا في حين أن التنمية الحقيقية Real Development يجب أن بصاحبها مزيدٌ من الأمن والسلام بين البشر (٢) . ويرجع ذلك في نظر الباحث إلى غياب البعد الإيماني والأخلاقي من التنمية في هذه المجتمعات مما جعلها تقترن في الغالب بمزيد من التفكك والتباعد بدلًا من التقارب والإندماج. ويقودنا هذا إلى دراسة تجربة مجتمع المملكة العربية السعودية قديمًا (٣) وحديثًا لنستكشف كيف أن اشتمال التنمية فيه على البعد الإيماني والأخلاقي أدى إلى مزيد من التقارب والإندماج (٤) .
هدف البحث:
[ ٦ / ٤١٤ ]
يهدف هذا البحث إلى التعرف على العلاقة التبادلية بين التنمية والتقارب والإندماج في مجتمع المملكة العربية السعودية قديمًا وحديثًا، وبيان كيف أن اهتمام المجتمع الإسلامي بالجانب الديني والأخلاقي في برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، يؤدي إلى مزيد من التقارب والإندماج في العلاقات الإنسانية بالمفهومين المادي والمعنوي، وكيف أن إهمال الجانب الإيماني والأخلاقي في برامج التنمية يؤدي إلى مزيد من التفكك والتباعد بين البشر.
خطة البحث:
ولتحقيق هذا الهدف سوف يركز البحث على النقاط التالية:
أولًا: مفاهيم التنمية.
ثانيًا: مفهوم التقارب والإندماج.
ثالثًا: التخلف الاقتصادي وفساد العقيدة وعلاقته بالتفكك القبلي في العصر الجاهلي بالجزيرة العربية.
رابعًا: التنمية الإيمانية والتقارب والإندماج في عهد الرسول (.
خامسًا: التنمية وأثرها في التقارب والإندماج في عهد الملك عبد العزيز ﵀.
سادسًا: التنمية وأثرها في التقارب والإندماج في مجتمع المملكة العربية السعودية الحديث.
والله أسأل العون والتوفيق والسداد، وأن يعلّمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علّمنا، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وهو حسبي ونعم الوكيل.
أولًا: مفاهيم التنمية:
يمكن التفرقة بين أربعة أنواع من مفاهيم التنمية:
(أ) التنمية الاقتصادية. (ب) التنمية الاجتماعية.
(ج) التنمية البشرية. (د) التنمية الإيمانية.
(أ) التنمية الاقتصادية:
[ ٦ / ٤١٥ ]
تعرّف التنمية الاقتصادية: بأنها العملية التي يحدث من خلالها زيادة مستمرة في متوسط الدخل الحقيقي، وتحسّن في توزيع الدخل لصالح الطبقة الفقيرة، وتغيّر في هيكل الإنتاج بما يضمن تواصل التنمية بقوة الدفع الذاتية (١) . ووفقًا لهذا التعريف فإن التنمية الاقتصادية تعتبر عملية تغيير مستمرة تتضمن حدوث زيادة في متوسط الدخل الحقيقي، على أن تتوزع هذه الزيادة في الدخل بين جميع أفراد المجتمع خاصة الطبقة الفقيرة وذلك لضمان زيادة العدالة في توزيع الدخل. كما تتضمن تغير في هيكل الإنتاج، بحيث تزداد النسبة التي يحتلها قطاع الصناعة التحويليّة مصحوبة بتنمية تكنولوجية لازمة لتواصل التنمية من خلال قوّة دفع ذاتية.
(ب) التنمية الاجتماعية:
تشير التنمية الاجتماعية ليس إلى مجرّد زيادة دخل الفرد، ولكن إلى توفير مزيد من الخدمات الاجتماعية التي تُحسّن من نوعية العنصر البشري. مثل التعليم والصّحة والتدريب المهني والإسكان وغيرها (٢) . فقد يتوفر لدى الفرد المال ولكنه لا يستخدمه في تحسين مستواه العلمي أو الصحّي إمّا لجهله بكيفية عمل ذلك، أو لعدم توفر الخدمات في هذه المجالات بدرجة كافية
(ج) التنمية البشرية:
لا تعني التنمية البشرية أن تقوم الدولة بإشباع جميع احتياجات الأفراد من السلع والخدمات الأساسيّة، وإنما تعني تدريبهم على كيفيّة القيام بعمل ذلك بأنفسهم.
فالتنمية لا تعني إعطاء سمكة لكل فرد في المجتمع، وإنما تعني تعليم كل فرد كيف يصطاد (٣) . وهذا يتضمن زيادة الدور الذي يلعبه القطاع الخاص في تقديم الخدمات الأساسيّة وزيادة درجة اعتماد الأفراد على أنفسهم في اتخاذ قرارات تؤثر في حياتهم في مجالات التعليم والصحة والعمل وغيرها.
(د) التنمية الإيمانية:
[ ٦ / ٤١٦ ]
اهتمت جميع مفاهيم التنمية السابقة بأمور مادية في حياة الإنسان، ولكنها لم تتطرق للجانب الروحي من حياته، فأهملت الجانب الديني في برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية. واعتمدت على مبدأ الحرية الفردية لتحقيق الرفاهة الاقتصادية والاجتماعية، وترتب على ذلك ظهور انحرافات وسلوكيات وأفعال إجرامية من بعض الأفراد في المجتمعات الغربية، وحدوث الصراعات بين رجال الأعمال والعمال، والحكومات والعمال أيضًا (١) . ولذلك فإن التنمية في مفهوم الاقتصاد الإسلامي تشمل بالإضافة إلى المفاهيم السابقة الجانب الروحي والإيماني في حياة الإنسان. لاسيّما وأنّ الإيمان ينمو ويزداد لدى الإنسان المسلم بالطاعة والتقرب إلى الله كما أنه ينقص ويتضاءل بالمعصية والعياذ بالله. وفي ذلك يقول الرسول (: «إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه. وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصرهُ الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيتُهُ، ولئن استعاذني لأُعيذنّهُ» رواه البخاري (٢) . فالتنمية الإيمانية هي التي يتم بمقتضاها تصحيح معتقدات البشر وإصلاحهم وبها تسمو نفوسهم وترتقي سلوكياتهم بحيث يتحولون من وضع يتصفون فيه بصفات وأخلاق ذميمة إلى وضع يتحلّون فيه بالأخلاق الفاضلة الكريمة، بغض النظر عن اختلاف مستوياتهم الماديّة والمعيشيّة، ولكن لاتتم عملية التحول هذه إلاّ بالتمسك بالعقيدة الصحيحة عقيدة التوحيد والإيمان بالله وحده لاشريك له قال الله ﷾: «شهد الله أنه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولوا العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم» [آل عمران / ١٨] .
[ ٦ / ٤١٧ ]
وقال تعالى: «إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم » [الرعد / ١١]، وقال رسول الله (: «أمرت أن أقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهُم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام، وحسابهم على الله» متفق عليه (١) .
ثانيًا: مفهوم التقارب والاندماج:
إذا بدأنا بالمعنى اللغوي نجد أن كلمة قَرُبَ، واقترب تعني: دنا،، وتقاربوا: قَرُبَ بعضهم من بعض (٢)، ومنه قوله تعالى: « إن رحمة الله قريب من المحسنين» [الأعراف / ٥٦] . وكلمة دمج أو اندمج تعني: أن يدخل الشيء في غيره ويستحكم فيه (٣) . ومن ثَمّ فإن الإندماج يعتبر أقصى درجات التقارب. ويوجد للتقارب جانبان أحدهما مادّي والآخر معنوي. أمّا الجانب المادّي: فهو يشير إلى تقريب المسافة بين بعيدين أو ما في حكمه، فهجرة البدو إلى الحضر تعتبر نوعًا من التقارب المادّي، وفي حكمها إقامة وتشييد وتجهيز الطرق وسبل الإتصال والنقل البري والبحري والجوي للربط بين القرى والمدن باستخدام وسائل المواصلات الحديثة، وكذلك استخدام وسائل الإتصالات الأخرى بجميع أنواعها كالتلغراف والبريد والهاتف والفاكس والإنترنت، واستخدام وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة، والمرئية، فكل هذه الوسائل تربط بين الناس ربطًا مادّيًا ومحسوسًا. أمّا الجانب المعنوي للتقارب: فهو يشير إلى تقارب النسب، والتقارب الروحي، والتقارب العقلي. أمّا تقارب النسب فهو يأتي بالمصاهرة والزواج بين العائلات قال تعالى: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون» [الروم / ٢١] وقال تعالى: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون
[ ٦ / ٤١٨ ]
به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا» [النساء / ١] . وقد أمر الله ﷾ بصلة الأرحام وذوي القربى فقال تعالى: «فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون» [الروم / ٣٨] . وقال تعالى: «والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب» [الرعد / ٢١]، وقال رسول الله «(الرّحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله» متفق عليه (١) .
أمّا عن التقارب الروحي فهو الذي يأتي من الأخوّة في الدين، وفي ذلك يقول الله ﷾: «واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا » [آل عمران / ١٠٣] . وقال «(الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» رواه البخاري (٢) . وقال تعالى: «إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلّكم ترحمون» [الحجرات / ١٠] . ومن ثم يعتبر إصلاح ذات البين نوعًا من التقارب المعنوي.
أمّا التقارب العقلي فهو يأتي عن طريق نشر التعليم بين الناس حتى يكونوا قادرين على التفاهم والتعارف، وعندما يحدث التقارب العقلي بين الناس فإنهم يكونوا أقدر على التعاون لتحقيق مصالحهم المتبادلة أو المشتركة وهو مما يساعد على عملية التنمية بشكل عام. ولذلك حث الإسلام على طلب العلم والتعلم قال تعالى: « وقل رب زدني علمًا» [طه / ١١٤]، وقال تعالى: « قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب» [الزمر / ٩] .
[ ٦ / ٤١٩ ]
وقال تعالى: « يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير» [المجادلة / ١١] . وقال (: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سَهّلَ الله له طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم (١) . وقال (: «إذا مات ابن آدم انقطع عَمَلُهُ إلاّ من ثلاثٍ: صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له» رواه مسلم (٢) .
ثالثًا: التخلف الإقتصادي وفساد العقيدة وعلاقته بالتفكك القبلي في العصر الجاهلي بالجزيرة العربية:
إذا كانت التنمية بشقيها المادي والمعنوي تؤدي إلى الإندماج والتقارب بين الناس بشقيه المادي والمعنوي أيضًا، فإن غياب التنمية يؤدي إلى مزيد من التباعد والفرقة والصراع بين أفراد المجتمع الواحد. ومن الممكن أن نجد إثباتًا لهذا الفرض العلمي من بعض الشواهد في تاريخ الجزيرة العربية في العصر الجاهلي. فالجزيرة العربية - وهو الاسم الذي درج عليه العرب قديمًا بالرغم من أنها شبه جزيرة - كانت تنقسم إلى خمسة أقسام (٣):
١ - تهامة: هي المنطقة الساحلية الضيقة الممتدة من اليمن جنوبًا إلى العقبة شمالًا بمحاذاة البحر الأحمر. وكانت تتصف بشدّة الحرارة وركود الريح فيها.
٢ - الحجاز: هي المنطقة الواقعة بين نجد وتهامة وتمتد من اليمن جنوبًا حتى الشام شمالًا، وبها أقدس مدينتين مكة المكرمة والمدينة المنورة. ومكة المكرمة وادٍ غير ذي زرع ترك فيه نبيُّ الله إبراهيم إبنه إسماعيل وزوجته هاجر بأمر من الله سبحانه، قال تعالى على لسان إبراهيم في دعائه له: «ربنا إني أسكنت من ذريّتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون» [إبراهيم / ٣٧] .
[ ٦ / ٤٢٠ ]
٣ - نجد: وهي الهضبة الوسطى في شبه جزيرة العرب والواقعة بين اليمن جنوبًا وبادية الشام شمالًا، وسميت نجد لإرتفاع أرضها، وهي تحتوي على أخصب أراضي الجزيرة.
٤ - اليمن: يمتد من نجد شمالًا إلى المحيط الهندي جنوبًا، والبحر الأحمر غربًا، وعمان شرقًا. ولقد عرفت عند العرب بالخضراء لكثرة ما فيها من مزارع ونخيل وأشجار وثمار، كما عرفت عند اليونان ببلاد العرب السعيدة لكثرة ما فيها من خيرات، هذا في الوقت الذي كان يسود فيه الجفاف معظم شبه الجزيرة العربية.
٥ - العروض: ويضم اليمامة وغسان والبحرين وما والاهما، وسميت بالعروض لاعتراضها بين اليمن ونجد والعراق (١)
وبإستعراض أحوال هذه المناطق المترامية الأطراف آنفة الذكر، وأحوال وظروف سكانها الأصليين في ذلك الوقت وهم العرب من بني قحطان وموطنهم اليمن، وبني إسماعيل وموطنهم الحجاز نجد أن معظم هذه القبائل العربية كانت تعيش حياة جاهلية فانتشر فيهم ظلام الشرك والكفر والضلال، وفساد العقيدة، وابتعدوا عن دين الله الذي أرسل الله به إبراهيم وإسماعيل والأنبياء من قبل ومن بعد، فعبدوا الأصنام والأوثان واعتقدوا بأنها آلهة يتقرب بها إلى الله تعالى. واتصفوا ببعض الخصال والأعمال الذميمة مثل شرب الخمر ولعب الميسر، ووأد البنات، وتبرج النساء والزنا، وشن الغارات على بعضهم البعض للسلب والنهب، والعصبية والطبقية القبلية (٢) . فالقبيلة الواحدة كانت تنقسم إلى ثلاث طبقات (٣):
أ) طبقة الأحرار، وهم أبناء القبيلة ويجمع بينهم الدم الواحد والنسب المشترك.
ب) طبقة الموالي، وهم الذين انضموا إلى القبيلة من العرب الأحرار من غير أبنائها عن طريق الجوار وطلب الحماية، أو العتق من الأرقاء منها.
[ ٦ / ٤٢١ ]
ج) طبقة الأرقاء، وهم المجلوبون عن طريق الشراء أو أسرى الحروب أو عن طريق الإغارة على القوافل المسافرة إلى العراق أو الشام، وهي طبقة محرومة من الامتيازات ويوكل إليها مزاولة المهن والصناعات التي يأنف الأحرار القيام بها تكبرًا مثل الخدمة في المنازل ورعي الماشية والحجامة والحلاقة ونحوها. وأمّا الحالة الاقتصادية فلم يكن بها اقتصاد ذو قيمة تذكر، إلاّ ما كان في بلاد اليمن فقد كانت بلادًا خصبة ولاسيما أيام سد مأرب حيث ازدهرت الزراعة والفلاحة (١)، وقد جاء ذكرها في القرآن الكريم إذ قال تعالى: «لقد كان لسبأ في مسكنهم آيةً جنّتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربّكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور» [سبأ / ١٥] .
[ ٦ / ٤٢٢ ]
وبالإضافة إلى الزراعة اشتهرت اليمن ببعض الصناعات كصناعة الكتان وبعض الأسلحة كالسيوف والحراب والدروع وصناعة الجلود المعروفة بالأدم أو الأنطاع وصباغتها، كما توفر فيها الكثير من المعادن كالذهب والفضة والرصاص، والحديد، والأحجار الكريمة كالعقيق، والجزع وهو يشبه العقيق، كما اشتهرت اليمن أيضًا بالتجارة، فاشتغل اليمنيون وسطاء في التجارة بين الهند وبلاد العراق والشام ومصر. فاللؤلؤ الخليجي والتوابل والسيوف الهندية، والحرير الصيني والعاج والبن والذهب الأثيوبي كل هذه السلع كانت تصل إلى مصر والشام والعراق عن طريق اليمن. وانعكس هذا النشاط الاقتصادي على حياة اليمنيين فشيدوا بها أعظم الحصون والقصور والمباني (١) . ولقد متعهم الله ﷾ بهذا الإزدهار الاقتصادي فترة ممتدة من الزمن فلمّا أعرضوا عن ذكر الله وطغوا ولم يشكروا، سلبهم الله تعالى ما أعطاهم فخرب سدّهم وتهدم، وأجدبت أرضهم فتفككوا وتفرقوا في الأرض بعد تجمع، فهاجرت قبائل الأزد الغساسنة إلى مشارف الشام، والتنوخيين إلى البحرين، والمناذرة إلى العراق، ورحل البعض إلى يثرب ومنهم الأوس والخزرج وغيرهم وقال الله ﷾ عنهم: «فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العَرِم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أُكُلٍ خمط وأثلٍ وشيء من سدر قليل. ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلاّ الكفور» [سبأ / ١٦ - ١٧] . ويستفاد مما تقدم أن التقدم والإزدهار الاقتصادي الذي تمتعت به اليمن في العصر الجاهلي ساعد على تركز وتجمع أهلها في مكان واحد حول سد مأرب، ومع فساد عقيدتهم وإعراضهم وطغيانهم وزوال هذا السد تدهورت الأوضاع الاقتصادية في هذه البلاد، وبالتالي تفككوا وتباعدوا وتفرقوا بالمفهومين المادّي والمعنوي. أي أن غياب البعد الإيماني والشكر على النعم أدى إلى التفكك والتباعد والتشتت.
[ ٦ / ٤٢٣ ]
أما بالنسبة للحجاز فلقد كانت مفتتة في العصر الجاهلي بين قبائل عدّة، وكانت كل قبيلة تعتبر كيانًا سياسيًا مستقلًا تربط بين أفرادها عصبية الدم وعصبية الأب أو الجد المشترك، ما عدا قبائل قريش القاطنين بالحرم، فإنهم كانوا يعيشون على التجارة حيث كانت تقوم برحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن. وقد امتن الله تعالى ذلك عليهم في قوله: «لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف» [قريش / ١، ٢] . فكانوا في رغد من العيش، على خلاف غيرهم، فإنهم كانوا يعيشون على شظف العيش وضيقه، وما كان لقريش من سعة الرزق إنما كان لها من أجل حماها للحرم وتقديسها له (١) .
[ ٦ / ٤٢٤ ]
وكان أهل الطائف ويثرب يشتغلون بالزراعة، ففي الطائف كانوا يزرعون الحنطة والحبوب والفواكه كالأعناب والموز والرمان، كما كانوا يربّون النحل لإنتاج العسل. أمّا في يثرب - والتي تغيّر إسمها إلى المدينة بعد هجرة الرسول (إليها - فكانوا يزرعون النخيل لإنتاج التمور التي اشتهرت بها، ويزرعون الشعير والقمح والفواكه. وكانت هناك بعض الأسواق تعقد في الأشهر الحرم مثل سوق عكاظ بين مكة والطائف، وسوق مجنة أسفل مكة، وسوق ذي المجاز بالقرب من عرفة. وفي يثرب كان هناك سوق بني قينقاع، وسوق زبالة، وسوق البطحاء. أمّا قبائل البدو فكانت تنتقل وراء الماء والعشب حيث اتصفت حياتها بعدم الاستقرار، وعادة ما كانت في صراع مستمر مع بعضها البعض، إمّا بسبب المراعي أو عيون الماء أو غيرها. وقد كان قانون الغاب هو الذي يحكم بينهم، ويقضي هذا القانون «بأن الحق في جانب القوّة» (١)، ولذلك نشبت بينهم الحروب واستمرت، وتوارثتها الأجيال، مثل حرب البسوس التي استمرت أربعين عامًا، وحرب داحس والغبراء التي استمرت أربعين عامًا أيضًا. ومما سبق يمكن القول: بأن انعدام التنمية (سيادة التخلف بمفهومه الشامل) في معظم مناطق الجزيرة العربية في العصر الجاهلي سواء أكان بالمفهوم المادّي أو المفهوم المعنوي وما تضمنه من فساد العقيدة أدّى إلى التناحر والتباعد والتفكك بين هذه القبائل خاصة التي كانت تعيش في مجتمع الصحراء.
رابعًا: التنمية الإيمانية والتقارب والإندماج في عهد الرسول (:
[ ٦ / ٤٢٥ ]
بعث الله ﷾ النبيَّ محمدًا (رسولًا بعدما وصل الناس - كما تقدم - إلى درجة كبيرة من الفرقة والتفكك، وفساد العقيدة وتفشي الشرك وظلام الجهل، بعثه الله ليخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الشرك إلى التوحيد وصفاء العقيدة قال تعالى: «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا. وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا» [الأحزاب / ٤٥: ٤٧] . ومع بعثته (بدأت تظهر التنمية الإيمانية بين الناس، حيث أمره الله ﷾ بالجهر بالدعوة في مكة المكرمة بعدما كانت في السر. فقال ﷾: «فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين» [الحجر / ٩٤] . ومعلوم أن البعثة استمرت ثلاثًا وعشرين عامًا قضى منها الرسول (ثلاثة عشر عامًا بمكة المكرمة، وعشرة أعوام بالمدينة المنورة. واستطاع خلالها أن يقضي على الشرك في أنحاء الجزيرة العربية. ولاشك أن من أهم ثمار التمسك بلا إله إلاّ الله محمدًا رسول الله وتصحيح العقيدة التي حققها الرسول (والتنمية الإيمانية التي غرسها في نفوس المسلمين بما تحويه من قيم ومبادئ، حدوث التقارب والإندماج الروحي والتآخي، والتماسك الاجتماعي. وكل ذلك أدّى إلى إيجاد مناخ صالح للتنمية الشاملة بجميع صورها وأشكالها. قال تعالى: «ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض » [الأعراف / ٩٦] وقال تعالى: «وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكنّ الله ألّف بينهم إنه عزيز حكيم» [الأنفال / ٦٣] . فالله ﷾ جمع بين قلوب المسلمين بالإيمان وإفراد العبادة له سبحانه فأصبحوا إخوانًا متآلفين متحابين متماسكين. والتماسك الاجتماعي يعتبر شرطًا أساسيًّا لا غنى عنه عند المهتمين بدراسة الروابط بين التنمية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية (١) . فبالنظر
[ ٦ / ٤٢٦ ]
إلى التجارب الناجحة في مجال التقدم الاقتصادي والاجتماعي لأي أمة من الأمم نجد أن التماسك الاجتماعي هو الأساس الأول في بنائها، كما أثبتت التجارب التاريخية أن التماسك الاجتماعي القائم على أساس التمسك بالقيم الإسلامية هو الذي يدوم طويلًا، بعكس التماسك القائم على مشاعر العصبية أو العنصرية أو على أساس مبادئ وقيم من صنع البشر. وذلك لأن التمسك بالقيم الإسلامية يساهم بشكل كبير - كما تقدم - في إصلاح المناخ الاقتصادي والاجتماعي للتنمية، وبه حفظت الدولة الإسلامية قرابة سبع قرون متتالية، منذ ظهورها حتى القرن السابع الهجري - الثالث عشر أو الرابع عشر الميلادي - وظلّت تقود التقدم الاقتصادي والاجتماعي والفكري عالميًا طوال هذه القرون السبعة إلى أن ظهر فيها الوهن والتفكك من أثر تخلّي أبنائها أنفسهم عن كثير من قيمهم ومبادئهم وثوابتهم الإسلامية (١) . وبالعودة إلى بداية ظهور الدولة الإسلامية وتأسيس بنائها في عهد الرسول (، نجد أن الفرائض الدينيّة التي أوجبها الله على المسلمين والإصلاحات والتنظيمات التي أجراها الرسول (بما أوحي إليه من ربه جلّت قدرته، أو تلبية لحاجات المسلمين وتحقيقًا لمصالح الإسلام كان لها أكبر الأثر في حدوث التقارب والإندماج والتماسك الاجتماعي في ذلك الوقت، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
[ ٦ / ٤٢٧ ]
أ) بناء المسجدين ومشروعية الأذان: كان أول عمل قام به الرسول (عند هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ووصوله إلى قباء خلال إقامته بضعة أيام بين سكانها هو بناء أول مسجد أسس في الإسلام، وقد ذكره الله تعالى في كتابه وأثنى على أهله خيرًا (١)، فقال تعالى: « لمسجدٌ أسس على التقوى من أول يوم أحقُّ أن تقوم فيه فيه رجالٌ يحبون أن يتطهروا والله يحب المطّهرين» [التوبة / ١٠٨] . ثم قام ﵊ ببناء مسجده بالمدينة المنورة الذي كان أهم مسجد في تاريخ الدنيا كلها بعد المسجد الحرام، حيث أسّست فيه خير أمة أخرجت للناس. ولاشك في أن المسجد قلب المجتمع الإسلامي، وملتقى المؤمنين بالغدوّ والآصال، فهو مكان الصلاة والعبادة، ومدرسة للإرشاد والتوجيه، وفيه يزداد التقارب والإندماج بين المجتمع الإسلامي. ثم شرع الأذان وأنطلق في الأجواء نداء الحق: الله أكبر، الله أكبر ، حيّ على الصلاة، حي على الفلاح فكان من أهم الروابط القوية التي زادت من تآلف وتماسك المجتمع الإسلامي.
[ ٦ / ٤٢٨ ]
ب) المؤاخاة: آخى الرسول (بين أصحابه من المهاجرين والأنصار وعقد الألفة بينهم. روى الإمام أحمد بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: حالفَ رسولُ اللهِ (بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك (١) . واستجاب الأنصار للرسول حتى إنهم كانوا يتوارثون بهذا الإخاء إرثًا مقدمًا على القرابة، فإذا مات المهاجر ورثه أخوه الأنصاري وإذا مات أحد الأنصار ورثه المهاجر (٢) ثم نسخ الإرث وبقي التناصح والتآزر والتآخي، فشارك الأنصار المهاجرين بالمال فأشركوهم في زراعاتهم وتجاراتهم. عن أنس ﵁ قال: قدم عبد الرحمن بن عوف، فآخى النبيُّ (بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلّني على السوق (٣) الحديث. وقد وصف القرآن الكريم ذلك الإخاء فقال تعالى: «للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون. والذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يُوقَ شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون» [الحشر/ ٨، ٩] .
ج) التكافل الإجتماعي بين المسلمين: إهتم الإسلام بمبدأ التكافل الإجتماعي بين المسلمين فأوجب على الأغنياء إخراج زكاة أموالهم، وجعلها الركن الثالث من أركان الإسلام قال رسول الله (: «بني الإسلام على خمس: شهادةِ أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» . متفق عليه (٤) . وقال تعالى:
[ ٦ / ٤٢٩ ]
«خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم» [التوبة / ١٠٣]، كما حدّد القرآن الكريم كيفية صرف الزكاة لمستحقيها فقال تعالى: «إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم» [التوبة / ٦٠] . وبعث النبيّ (معاذًا ﵁ إلى اليمن فقال: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وتردُّ على فقرائهم» متفق عليه (١) . وَرَغّبَ الإسلام في الإحسان إلى الأيتام والأرامل والمساكين فقال رسول الله (: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبّابة والوسطى، وفرّج بينهما» رواه البخاري (٢) . وقال (: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وأحسبه قال: وكالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذي لا يفطر» متفق عليه (٣) . وحث الإسلام على التصدق في سبيل الله، فقال تعالى: «إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضًا حسنًا يضاعف لهم ولهم أجر كريم» [الحديد / ١٨] . كما حث الإسلام على تقديم القرض الحسن لمن يحتاجه، وأمر بإنظار المعسر في السداد أو العفو عنه إن أمكن فقال تعالى: وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدّقوا خير لكم إن كنتم تعلمون» [البقرة / ٢٨٠]، وقال (: «من أنظر معسرًا، أو وضع لَهُ، أظَلّهُ الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّهُ» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٤) . ولاشك أن كلّ هذه الأمور تقوّي من التآخي والترابط والتقارب والإندماج في المجتمع المسلم.
[ ٦ / ٤٣٠ ]
د) إقرار مبدأ العدل: قال تعالى: «فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل ءامنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم..» [الشورى / ١٥] . وقال تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى »
[النحل / ٩٠]، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله (: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلوا» . رواه مسلم (١) . فبالعدل تتحقق الألفة بين الناس وتسود المحبة بينهم ويحصل التقارب والإندماج ويتماسك المجتمع.
هـ) إقرار مبدأ المساواة: عرفنا كيف كان الإنسان في العصر الجاهلي موزعًا بين قبائل وأمم وطبقات فلما جاء الإسلام قرّر المساواة والوحدة البشرية بين الناس فقال تعالى: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا» [النساء / ١] وجعل معيار التفرقة بينهم تقوى الله ﷿. فقال تعالى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير» [الحجرات / ١٣] .
و) إقرار مبدأ الشورى: يقرر الإسلام هذا المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه نظام الحكم قال تعالى: «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر » [آل عمران/ ١٥٩] .
[ ٦ / ٤٣١ ]
وقال تعالى: «والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون» [الشورى / ٣٨] . فالشورى سمة مميزة للأمة الإسلامية الأمة الوسطية التي اختارها الله لقيادة البشرية، ولذلك فإن الشكل الذي تتم به الشورى، متروك لكل بيئة وزمان، لتحقيق ذلك الطابع في حياة الجماعة الإسلامية، ولكي تتحقق هذه المبادئ الإسلامية لابد من وجود المسلمين الملتزمين المتحابين المتماسكين الذين تتحقق بهم المبادئ الإسلامية الكلية خير تحقيق (١) .
[ ٦ / ٤٣٢ ]
ز) الدعوة إلى التوبة وملازمة الإستغفار: دعا الإسلام الناس دعوة عامّة إلى التوبة والإستغفار والعزم الأكيد على عدم العودة إلى الذنب، وهذا دليل على شرف الإنسان، وأصالة معدنه، وهو ميراث آدم ﵇ فالمذنب العاصي يلجأ إلى الله سبحانه، ويفر إليه، ويتفيأ بظلاله ويرتمي في أحضان رأفته وعطفه ورحمته الواسعة. ويجد الله ﷾ جوادًا كريمًا يحب التوابين والمتطهرين ويشكر سعيهم (١) فقال تعالى: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعًا، إنه هو الغفور الرحيم» [الزمر / ٥٣] . وأكثر من ذلك وأروع ما نجد في الآية التالية حيث ذكر الله سبحانه جماعات مختلفة من عباده الصالحين، فاستهل هذه القائمة المشرقة النورانية بالتائبين فقال تعالى: «التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين» [التوبة / ١١٢]، وليس ذلك فحسب بل إن الله ﷾ يكرم عباده المستغفرين بالخير والبركة والرزق والأموال والبنين يقول المولى جلّت قدرته: «فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا. يرسل السماء عليكم مدرارًا. ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنّات ويجعل لكم أنهارا» [نوح / ١٠ - ١٢] . وقال رسول الله (: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب» رواه أبو داود (٢) . وعرفنا فيما سبق أن المناخ الاقتصادي والاجتماعي لن يكون صالحًا لعملية التنمية إلاّ بالتمسك بالقيم، ولذلك فإن الإستغفار والتوبة يعتبران الخطوة الأولى في طريق التصحيح والعودة إلى الله وتحول المجتمع إلى الطريق الصحيح (٣) .
[ ٦ / ٤٣٣ ]
ح) إفشاء السلام والحب في الله: حث الرسول (الناس على إفشاء السلام فيما بينهم فإنه يؤدي إلى زيادة الترابط والألفة والمحبة بينهم فقال ﵊: «والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابّوا. أولا أدُلّكُمْ على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» رواه مسلم (١) .
ط) النهي عن الظلم والمنازعة: نهى الإسلام عن الظلم وما يؤدي إلى النزاع والفرقة بين المسلمين، قال تعالى: «وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين» [الأنفال / ٤٦] . وقال الرسول (: «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا. المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يحقرهُ ولا يخذلهُ. التقوى ههُنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امريءٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه» رواه مسلم (٢) .
خامسًا: التنمية وأثرها على التقارب والإندماج في عهد الملك عبد العزيز ﵀:
معلوم أن الدولة السعودية مرّت بثلاثة مراحل: المرحلة الأولى امتدت من سنة ١١٥٧ هـ إلى سنة ١٢٣٣ هـ. وقامت الدولة السعودية الأولى خلال هذه المرحلة على يد الإمام محمد بن سعود بالتحالف مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وانتهت هذه الدولة عندما أوعزت الدولة العثمانية لمحمد علي والي مصر بإرسال حملة للقضاء عليها بعدما أحسوا بالخطر القادم منها على سلطانهم في الحجاز. وقد كان لهم ما أرادوا.
وامتدت المرحلة الثانية من سنة ١٢٤٠ هـ إلى سنة ١٣٠٩ هـ وكانت قد بدأت على يد الأمير تركي بن عبد الله وانتهت بسبب الخلاف بين أبناء الأسرة الواحدة.
[ ٦ / ٤٣٤ ]
أمّا المرحلة الثالثة للدولة السعودية الفتيّة فقد بدأت سنة ١٣١٩ هـ عندما تمكن مؤسس هذه الدولة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود من الإستيلاء على الرياض. واستمر ﵀ يناضل إلى أن تم توحيد أرض الجزيرة العربية على يده، من الخليج العربي شرقًا إلى البحر الأحمر غربًا بإسم المملكة العربية السعودية سنة ١٣٥١ هـ (١) .
وكانت الجزيرة العربية قبل توحيدها تسود فيها الحياة القبلية التي تعتمد على منطق القوة والعنف والمنازعات إضافة إلى انتشار كثير من البدع والخرافات والجهل، ومن الطبيعي أن مجتمعًا هذه سماته يكون مفتقدًا للتنمية ومن ثم للتقارب والإندماج فكان التفكك والتباعد هو السائد بين القبائل، حتى أن أرض الجزيرة كانت مفتتة بين إمارات عدّة، فحكم الحجاز وعسير كان للأشراف فعلًا وتحت الحكم العثماني إسمًا، أمّا نجد فكان حكم العيينة لآل معمر، وحكم الرياض لدهام بن دواس، وحكم الخرج لآل زامل، وحكم الدرعية لآل سعود (٢) . وكانت هذه الأمارات منعزلة عن بعضها البعض بسبب صعوبة التضاريس وعدم وجود طرق ممهدة تربط بينها أو وسائل إتصال حديثة، إضافة إلى قسوة المناخ الصحراوي، وإنتشار قطاع الطرق وعدم توفر الأمان في ذلك الوقت، وكذلك الأمر من الناحية الاقتصادية فلم تكن تربطها أية علاقات بل كانت عبارة عن أسواق مقسمة ومتباعدة ومترامية الأطراف ومما ساعد على ذلك اختلاف العملات والنقود المتداولة فيها فعلى سبيل المثال كان يتم التداول في الحجاز (المنطقة الغربية) بالريال المجيدي العثماني والريال الهاشمي وريال ماريا تريزا والروبية الهندية وكلها كانت مسكوكة من الفضة إضافة إلى الجنيه المصري، والجنيه الإنجليزي وكانا مسكوكين من الذهب. أمّا نجد (المنطقة الوسطى) فكان يقوم فيها التداول عن طريق نظام المقايضة حيث كانت منطقة شبه مغلقة وإن كان قد عرف فيها بعض العملات النحاسية من أصل عثماني أو مصري.
[ ٦ / ٤٣٥ ]
وفي المنطقة الشرقية كانت الروبية الهندية هي السائدة، أما المنطقة الجنوبية فقد كان يتم فيها تداول الريال الفرنسي الفضي (١) .
وقد قام جلالة المؤسس الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ بأعمال وتنظيمات مختلفة أدت إلى المساهمة في البدء في البرامج التنموية للمملكة وإلى مزيد من التقارب والإندماج في المجتمع السعودي ومن أهمها:
أ) نشر الوعي الديني والدعوة الإسلامية: اعتمد الملك عبد العزيز في تأسيس الحكم على المنهج الإسلامي، ولذلك فإن القواعد التنظيمية التي سار عليها في منهجه السياسي وجميع التغييرات التي أحدثها سواء أكانت اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية كانت مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله (ومقيدة بتعليم ومبادئ الإسلام (٢) . ومن هنا فقد اهتم ﵀ بنشر الوعي الديني بين القبائل والعشائر في الحاضرة والبادية فأمر ببناء المساجد وعيّن فيها الأئمة والخطباء، وأرسل لهم العلماء والوعّاظ لإرشاد الناس إلى التمسك بهدي الإسلام وبالقيم الدينية وبينوا لهم الحدود الشرعية وأخذوا يفقهونهم بالحلال والحرام، وأن المسلم دمه وماله وعرضه حرام. وأن الإيمان لا يكتمل للإنسان المسلم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
ب) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أخذ الملك عبد العزيز ﵀ بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأعد له جهازًا تنظيميًا رسميًا، يهدف إلى إصلاح المجتمع وإرشادهم إلى الطريق الصواب ومحاربة البدع، والمحافظة على إقامة الشعائر الدينية وأداء الصلوات في أوقاتها. ومراقبة الأسواق للتأكد من عدم الإختلاط أو إيذاء الرجال للنساء والحث على التستر والإحتشام، وزجر وتأديب صاحب السلوك المنحرف أو إحالته إلى الجهات المختصة لمعاقبته (٣) .
[ ٦ / ٤٣٦ ]
ج) توفير الأمن والسلامة والطمأنينة: شهدت الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ﵀ عهدًا من الأمن والطمأنينة لم تعرفه منذ فترة طويلة من الزمن، فاختفت الجرائم لأنه أقام الحدود الشرعية بالقصاص من القاتل وقطع يد السارق والجلد في الجرائم الأخلاقية. وأصبحت طرق القوافل آمنة للحجاج والمسافرين. وألغى الضرائب أو الخوّة التي كانت تفرضها القبائل على كل من يمر في حماها أو المدى الذي يقع تحت نفوذها، ودعا شيوخ القبائل وأبلغهم بأن كل واحد منهم سيصبح مسئولًا عن كل ما يقع في مدى عشيرته. فأمنت النفوس وأطمأنت وازدادت الصلة بين الناس والتقارب والإندماج وارتبطت المناطق والأقاليم بعضها ببعض بعد التفتت والفرقة والإنقسام (١) .
د) توطين البادية: عمل الملك عبد العزيز ﵀ على توطين البادية، وتحويل نمط حياتها المعيشيّة من طور الرعي والإرتحال والعيش في الأكواخ والخيام الشعر إلى الإستقرار والبناء في الهجر وهي الأماكن التي تقع قريبة من المياه، وحدد لهم نظامًا لتوزيعها وأمر بإرشادهم وتعليمهم أساليب الري والزراعة واستصلاح الأراضي واستثمارها وتوفير البذور فاتسعت رقعة ومساحة الأراضي الزراعية (٢)، وانتشرت الهجر فبلغت ما يقرب من مائة واثنين وعشرين هجرة، موزعة على مختلف مناطق المملكة تضم مالا يقل عن اثنتي عشرة قبيلة يصل عدد أفرادهم حوالي ثمانين ألف نسمة (٣) . فظهرت الألفة بين القبائل بحكم الجوار والاستقرار والتقارب وأخذت تتزاوج من بعضها البعض وشجعهم الملك عبد العزيز على ذلك وضرب لهم في ذلك المثل بنفسه حيث تزوج ﵀ من عدد من القبائل. فازدادت الروابط والصلات والمؤاخاة بدلًا من الغزو والسلب والنهب الذي كان سائدًا من قبل.
[ ٦ / ٤٣٧ ]
هـ) الاهتمام بنشر العلم: عندما دخل الملك عبد العزيز ﵀ مكة المكرمة دعا العلماء فيها، وحثهم على نشر العلم والتعليم وتنظيمه والتوسع فيه (١) . ثم أمر بإنشاء مديرية المعارف في عام ١٣٤٤ هـ وأسند إليها الإشراف على جميع المدارس في الدولة، وعهد إليها بإنشاء المدارس والمعاهد وتنشيط الحركة العلمية، فأنشئت في عهده ﵀ الكثير من المدارس في المدن والقرى (٢) .
وعلى الرغم من قلّة الموارد المالية في ذلك الوقت إلاّ أنه كان التعليم فيها بالمجان وقد استعين في التدريس بالعديد من المدرسين في الدول المجاورة كمصر وسوريا وقد ذلل ﵀ جميع المعوقات والصعوبات التي كانت تواجه نشر التعليم في المملكة. ولاشك أن التعليم ومحاربة الجهل يعتبر من أهم وسائل البناء والتنمية للمجتمعات، ويمثل حجر الزاوية في تحقيق التقدم والإزدهار والتقارب والإندماج.
و) العمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية: حرص جلالة الملك
عبد العزيز ﵀ على تحسين الأوضاع الاقتصادية للمملكة ورفع المستوى المعيشي فيها وذلك بوضع برامج إصلاحية تهدف إلى القضاء على الفوضى النقدية، وربط الأسواق المحلية، وتوفير مصدر دخل قومي يمكن الإنفاق منه على برامج التنمية في جميع مناطق المملكة. فبدأ ﵀ بالإصلاح النقدي حيث تم في عام ١٣٤٤ هـ سحب جميع العملات المختلفة التي كانت تتداول في مناطق المملكة وحل محلّها الريال المجيدي العثماني كخطوة أولى لتوحيد وسيلة الدفع في البلاد، وفي عام ١٣٤٦ هـ قام بسك الريال الفضي، وهو يعادل تقريبًا نفس وزن الريال المجيدي العثماني، ويحمل اسم ملك الحجاز وسلطان نجد، وبعد ذلك تم إصدار ريال فضي جديد يحمل اسم المملكة العربية السعودية وهو يعادل وزن الروبية الفضية الهندية.
[ ٦ / ٤٣٨ ]
ثم أنشأ ﵀ في عام ١٣٧١ هـ مؤسسة النقد العربي السعودي لتكون بمثابة البنك المركزي للدولة. ومن أهم مزايا هذا الإصلاح النقدي زيادة الربط بين الأسواق المحلية وتشجيع حركة التبادل فيما بينها (١) . ثم قام ﵀ بإنشاء بعض الطرق التي تربط بين أقاليم المملكة، ويأتي على رأس هذه الطرق خط السكة الحديدية الذي يربط بين العاصمة الرياض والمنطقة الشرقية، مما شجع على زيادة حركة التجارة الداخلية، وزيادة التقارب والإندماج. وأمّا بالنسبة للمحاولة على توفير مصدر دخل قومي يمكن الإنفاق منه، فقد أجرى الله ﷾ الخير على يد جلالته فقام بمنح شركة ستاندرد أويل أوف كالفورنيا الأمريكيّة حق امتياز التنقيب عن البترول في المنطقة الشرقية. وتم اكتشاف البترول في المملكة لأول مرّة عام ١٣٥٧ هـ. وبالطبع لم تكن العوائد المحققة من البترول آنذاك بدرجة تمكن من تحقيق تنمية شاملة في جميع أنحاء المملكة ولكنها كانت البداية، حيث أخذت عملية التحوّل من المجتمع القبلي إلى المجتمع القومي في التزايد بمعدل سريع بعد اكتشاف البترول (٢)، مما أدّى إلى مزيد من التقارب والاندماج.
وهكذا يتضح مما تقدم أن برنامج التنمية الذي قام به الملك عبد العزيز ﵀ أدّى إلى تحقيق التقارب والإندماج بين جميع سكان المملكة العربية السعودية لأنه احتوى على العنصر الإيماني والأخلاقي، وهو ما تفتقده معظم برامج التنمية في العصر الحديث.
سادسًا: التنمية وأثرها على التقارب والاندماج في مجتمع المملكة العربية السعودية الحديث:
[ ٦ / ٤٣٩ ]
نفذت المملكة العربية السعودية بحمد الله تعالى خلال الثلاثين سنة الأخيرة ١٣٩٠ هـ - ١٤٢٠ هـ (١٩٧٠ م - ٢٠٠٠ م) ست خطط خمسية تنموية، وبدأت في تنفيذ الخطة السابعة. ولقد عاصرت الخطط الثلاثة الأولى إمّا في جزء منها أو كلها عهد الطفرة البترولية التي زادت خلالها أسعار البترول إلى ما يعادل عشرين ضعفًا من الأسعار السابقة. وحققت هذه الخطط مستوى تنمية أكبر من أن تصفه القيم النقدية للمتغيرات الاقتصادية. فالإقتصاد السعودي يتمتع بعدد من المزايا التي قلّ ما تتوفر لأي من الدول النامية الأخرى. إذ يمتلك ربع احتياطي العالم من البترول، ويعتبر ثالث أكبر اقتصاد في إنتاجه (١) بعد الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، كما تعتبر المملكة العربية السعودية أكبر دولة مصدرة للبترول في العالم (٢) . وتحتل المركز الخامس على مستوى العالم في احتياطي الغاز الطبيعي، إضافة إلى ما تمتلكه من ثروة معدنية ضخمة. وتمكنت بفضل الله ثم بفضل جهود التنمية التي بذلتها من تحقيق الإكتفاء الذاتي في التمور والقمح والبيض والحليب الطازج (٣) . ويوجد لدى المملكة أكبر صناعة بتروكيماويات في منطقة الشرق الأوسط، ويمثل اقتصادها أضخم اقتصاد في المنطقة من حيث الحجم، فقد بلغ إجمالي الناتج المحلّي حوالي ١٤٦.٢ بليون دولار عام ١٩٩٧ م (٤) .
ويوضح الجدول (١) تطور متوسط الدخل الحقيقي بالمملكة العربية السعودية خلال الفترة ١٩٧٠ م - ١٩٩٧ م.
جدول رقم (١)
متوسط الدخل في المملكة العربية السعودية بالأسعار الثابتة (١٩٧٠ = ١٠٠)
السنوات الميلادية
الناتج المحلي الإجمالي بملايين الريالات
عدد السكان بالمليون نسمة
متوسط الدخل الحقيقي بالريال
١٩٧٠
١٩٧٥
١٩٨٠
١٩٨٥
١٩٩٠
١٩٩٥
١٩٩٧
١٩٩٠٧
٣٤٤٦٢
٥٣٢٨٢
٤٥٣٠٤
٥٦٢٤٣
٦٢٨٧٧
٦٤٩٦٩
٥.٧٤٥
٧.٢٥١
٩.٦٠٤
١٢.٦٤٩
١٦.٠٤٨
١٧.٨٨٠
١٩.٠١٠
٣٤٦٥
٤٧٥٣
٥٥٤٨
٣٥٨٢
٣٥٠٥
٣٥١٧
٣٤١٨
[ ٦ / ٤٤٠ ]
المصادر: (١) مؤسسة النقد العربي السعودي، التقرير السنوي الرابع والثلاثون، ١٤١٩ هـ، ص ٢٨٩ - ٢٩١.
(٢) منظمة الخليج للإستشارات الصناعية، ملف الخليج الإحصائي، ١٩٩٩م، ص ٢٠٧.
وكما يتضح بالجدول (١) فإنه في فترة العشر سنوات الأولى (١٩٧٠ م - ١٩٨٠ م) زاد الناتج المحلّي الحقيقي في المملكة إلى أكثر من ضعفين ونصف، وفي السبعة عشر سنة الأخيرة زاد بمعدل أقل يصل إلى ٢٢% طوال الفترة، وذلك بسبب انخفاض أسعار البترول. أمّا متوسط الدخل الحقيقي فقد زاد خلال فترة العشر سنوات الأولى بنسبة ٦٠% طوال الفترة، وإن كان قد انخفض بعد ذلك. كما صاحب التنمية الاقتصادية في المملكة تنمية اجتماعية على مستوى عال في جميع المناطق، ويوضح ذلك الجدول (٢) .
جدول (٢)
بعض معايير التنمية الاجتماعية في المملكة العربية السعودية
المعيار
١٩٨٠ م
١٩٩٣ م
٩٤/١٩٩٥م
١
النسبة المئوية من السكان الذين تتوفر لهم فرص الحصول على رعاية صحية.
٨٥%
٩٨%
٢
النسبة المئوية من السكان الذين تتوفر لهم فرص الحصول على مياه مأمونة.
٩١%
٩٣%
٣
النسبة المئوية من السكان الذين تتوفر لهم فرص الحصول على صرف صحي.
٧٦%
٨٦%
٤
نسبة الملتحقين بالمدارس الإبتدائية من الفئة العمرية (ذكور)
٧٤%
٧٨%
٥
= = = = = = = (إناث)
٤٩%
٧٣%
٦
= = = الثانوية = = = (ذكور)
٣٦%
٥٤%
٧
= = = = = = = (إناث)
٢٣%
٤٣%
٨
= = بالتعليم العالي من الفئة العمرية.
٧%
١٤%
المصدر: البنك الدولي، تقرير عن التنمية في العالم ١٩٩٧ م، الدولة في عالم متغير، ص ٢٤٣، ٤٢٥.
[ ٦ / ٤٤١ ]
ومن الواضح بالجدول (٢) أن التنمية الاقتصادية في المملكة صاحبها تنمية اجتماعية تمثلت في وصول الرعاية الصحية لنسبة ٩٨ % من السكان، ووصول المياه الصحية المأمونة لنسبة ٩٣ % من السكان، ووصول الصرف الصحي لنسبة ٨٦ % من السكان حتى عام ١٩٩٤ م / ١٩٩٥ م. كما أن نسبة الملتحقين بالتعليم الأساسي وصلت ٧٨% من الفئة العمرية للذكور، ٧٣% من الفئة العمرية للإناث حتى عام ١٩٩٣ م.
ولقد أدّت هذه التنمية الاقتصادية والاجتماعية إلى زيادة درجة التقارب والإندماج بين أقاليم المملكة، ويتضح هذا التقارب في عدد من المظاهر أهمها:
١ - زيادة نسبة الحضر:
تحدث زيادة نسبة الحضر urban areas في الغالب من تزايد الهجرة من مناطق البدو والريف rural areas إلى المدن، أو لتحول عديد من القرى إلى مدن نتيجة لإرتقاء مستوى التنمية فيها. وتؤدي الهجرة إلى التقارب المادّي بين المواطنين، كما قد تؤدي إلى تقارب معنوي ناجم عن التزاوج والمصاهرة وما يصاحبه من صلة نسب وقربى بينهم. ويوضح الجدول (٣) زيادة نسبة الحضر في مجتمع المملكة العربيّة السعودية خلال الفترة ١٩٧٠م - ١٩٩٥م.
جدول (٣)
تطوّر نسبة الحضر في المملكة العربية السعودية
بيان
١٩٧٠ م
١٩٨٠ م
١٩٩٥ م
١٩٧٠-١٩٨٠م
١٩٨٠-١٩٩٥م
نسبة الحضر من السكان
معدل النمو السنوي لنسبة الحضر
٤٩%
٦٧%
٧٩%
٨.٣ %
٦ %
المصدر: (١) البنك الدولي، تقرير عن التنمية في العالم ١٩٩٤ م، البنية الأساسية من أجل التنمية، ص ٢٥٥.
(٢) البنك الدولي، تقرير عن التنمية في العالم ١٩٩٧ م، الدولة في عالم متغير، ص ٢٤٩.
ومن الواضح في الجدول أن نسبة الحضر من السكان زادت من ٤٩ % سنة ١٩٧٠ م إلى ٧٩% ١٩٩٥ م، وذلك بمعدل سنوي ٨.٣ % خلال الفترة ١٩٧٠ م - ١٩٨٠ م، ومعدل سنوي ٦ % خلال الفترة ١٩٨٠ م - ١٩٩٥ م. ويعتبر هذا دليلًا على تزايد درجة التقارب والإندماج بين مواطني المملكة عبر هذه الفترة.
[ ٦ / ٤٤٢ ]
٢ - زيادة درجة الربط بين المدن والقرى:
صاحب التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة زيادة درجة الربط بين الأقاليم عن طريق وسائل الاتصال الحديثة. ويوضح الجدول (٤) بعض المعايير التي تعكس ذلك.
جدول (٤)
بعض معايير الربط بين أقاليم المملكة العربية السعودية
م
بند
١٩٧٠ م
١٩٩٨ م
١
٢
٣
٤
أطوال الطرق المرصوفة بالألف كم
أطوال الطرق الترابية بالألف كم
ركاب السكك الحديدية بالألف
خطوط الهاتف العاملة بالألف
٨
٣.٥
١١٧
١٤٥٢*
٤٤
١٠٢.٣
٦٠٨
٢٢٨١**
المصدر: (١) وزارة النخطيط، المملكة العربية السعودية، منجزات خطط التنمية (١٩٩٧ م - ١٩٩٨ م)، ص ٣٤٣.
(٢) منظمة الخليج للإستشارات الصناعية، مرجع سابق، ص ٢٢٥.
* الرقم لسنة ١٩٩٢ م، ** الرقم لسنة ١٩٩٧ م.
ومن الواضح بالجدول (٤) أن أطوال الطرق المرصوفة التي تربط بين مناطق المملكة وداخلها زادت إلى خمسة أضعاف ونصف، كما زادت أطوال الطرق الترابية إلى تسعة وعشرين ضعفًا خلال الفترة ١٩٧٠ م - ١٩٩٨ م، وزادت حمولة خطوط السكك الحديدية خمسة أضعاف خلال نفس الفترة، كما زادت خطوط الهاتف خلال فترة خمس سنوات فقط (١٩٩٢ م - ١٩٩٧ م) بنسبة ٥٧ %. وتعبّر هذه المعدّلات عن زيادة درجة الترابط بين مدن المملكة وقراها مع تزايد التنمية الاقتصادية والاجتماعية فيها، وبالتالي إلى زيادة التقارب المادي والمعنوي بين مجتمع المملكة.
• • •
الخاتمة والتوصيات:
إن التنمية بمفهومها الشامل تربط بين العوامل الاقتصادية والعوامل الاجتماعية وتعتبرهما جزءًا لا يتجزأ تستمد منهما العناصر الأساسية لدفع عجلة التنمية ككل.
كما أن هناك علاقة تبادلية بين التنمية من ناحية والتقارب والإندماج في المجتمعات من ناحية أخرى.
[ ٦ / ٤٤٣ ]
فالتنمية تسعى إلى تحسين مستويات معيشة الأفراد والإرتقاء برفاهيتهم الحسيَّة، ويفترض في الوقت نفسه أن يكون لها دور في الارتقاء بأخلاقهم وسلوكهم، ومن ثم حدوث التقارب والإندماج بينهم. وقد اعتنى الإسلام منذ بدايته بذلك وله قصب السبق في إدخال العوامل الاجتماعية في صميم التنمية، فاهتم بالجانب الإيماني والأخلاقي ولم يركز اهتمامه على الجانب المادي فقط كما هو الحال في برامج التنمية المعاصرة، كما أنه لم يدع للفرد الحرية المطلقة في تصرفاته التي تؤثر في الآخرين أو في المجتمع ككل، وإنما قيّد هذه الحرية بضوابط وقواعد لا ضرر ولا ضرار والالتزام بالسلوك والمبادئ التي رسمتها الشريعة. وهذا الالتزام هو المنهج الذي سار عليه المؤسس الملك عبد العزيز ﵀ في وضع ركائز الحكم ودعائمه في جميع برامجه السياسية والتنموية، فوصل به إلى بر الأمان، وأجرى الله على يديه الخير فكان سببًا للمّ شعث الجزيرة وتوحيدها بعد فرقة وصراع وتباعد. وتحققت التنمية بمفهومها الشامل وبجانبيها المادي والمعنوي - وإن كانت في شكلها البدائي - ثم سار على نهجه أبناؤه البررة فازدادت التنمية بصورة أكبر وأصبحت المملكة العربية السعودية دولة شامخة فتيّة لها ثقلها بين شقيقاتها الدول العربية والإسلامية، بل ولها دورها المؤثر على المستوى العالمي. فحق لها أن تفخر بما حققته من إنجازات تنموية مع تمسكها بمبادئها الإسلامية، وهي بحق أنموذجًا حيًّا للتنمية الشاملة التي جمعت بين الجانب الروحي والإيماني، والجانب المادي. ومجتمعها أنموذجًا في التقارب والإندماج والألفة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا. ولا عجب في ذلك فالله ﷾ أخرج جزيرة العرب من الظلمات إلى النور ببعثة نبيه محمد (. فتحقّقت فيها التنمية الإيمانية والألفة والمحبة والتقارب والإندماج في عهده (وعهد الخلفاء الراشدين من بعده والتابعين واستمرت بنفس القوّة حتى
[ ٦ / ٤٤٤ ]
القرن السابع الهجري. وبعد هذه الفترة ظهر فيها الوهن والتفكك إلى أن هيأ الله لها الرجال المخلصين الذين ساروا على نهج المصطفى (وتمسكوا بالكتاب والسنة وعلى رأسهم الملك عبد العزيز ﵀ فعادت إليها وحدتها وتآلفها. ولذلك فإن دراسة التاريخ الاقتصادي القديم والحديث للجزيرة العربية تعتبر شاهدًا على أهمية مراعاة الجانب الإيماني والأخلاقي في برامج التنمية، وأن غيابهما من برامج التنمية الحديثة على المستوى الدولي أدى إلى مزيد من التفكك والتباعد في العلاقات الإنسانية سواء أكان ذلك بين سكان الدول المختلفة أو المجتمع الواحد والأسرة الواحدة.
ويوصي الباحث أخيرًا بأنه ينبغي لهيئة الأمم المتحدة الاهتمام بالجانب الإيماني والأخلاقي عند محاولتها قياس التنمية البشرية، إضافة إلى اهتمامها بالجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئيّة وغيرها. حيث لوحظ في تقاريرها المنشورة أنها لم تركز على جانب القيم الأخلاقية في صياغتها لمؤشر التنمية البشرية رغم أهميته الشديدة.
والحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الحواشي والتعليقات
http: / www.law.cornell.edu/uscode/١٧/١٠٧/shtml، Killings Rise As ٣ Million Illegal Guns Flood Britain.
Ibid، Unintended Consequenences of Gun Control.
Gasper، Des، “ violence and suffering، Responsibility and choice: Issues in Ethics and Development ”، The European Journal of Development Research، Vol. ١١، no. ٢، Dec ١٩٩٩، PP. ١ - ١١.
يقصد بمجتمع المملكة العربية السعودية قديمًا جزيرة العرب وما حدث فيها من تطورات تاريخية.
[ ٦ / ٤٤٥ ]
يقول سماحة الشيخ محمد بن جبير رئيس مجلس الشورى في المملكة العربية السعودية في سرد ذكرياته بصحيفة الوطن عدد ١٧، وتاريخ ١٩ / ٧ / ١٤٢١ هـ، «إن الإندماج الذي تم بين سكان المملكة هو إندماج غريب غير مسبوق لدرجة أن أصبحت اللهجة موحّدة تقريبًا، نتيجة للإحتكاك الاقتصادي والتعليم والثقافة الواحدة. فأصبحت لا تميز بين ساكن الجنوب وساكن الشمال وساكن الشرق وساكن الغرب» .
عبد القادر محمد عبد القادر، إتجاهات حديثة في التنمية، الاسكندرية، الدار الجامعية: ١٩٩٩ م، ص ١٧.
فؤاد عبد الله العمر، “ حصيلة الزكاة وتنمية المجتمع، دراسة حالة واقعية عن الكويت ”، موارد الدولة المالية في المجتمع الحديث من وجهة النظر الإسلامية، جدة، البنك الإسلامي للتنمية، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب: ١٤٠٨ / ١٤٠٩ هـ، ص ٣٣٥.
عبد القادر محمد عبد القادر، مرجع سابق، ص ٥٢.
محمد إبراهيم السيف، “ رؤية الملك عبد العزيز للأمن الاجتماعي في المجتمع السعودي ”، مجلة الأمن، الرياض، العدد السابع عشر: ذو القعدة ١٤١٩ هـ، ص ١٨٦.
محمد بن إسماعيل البخاري، الجامع الصحيح المعروف ب (صحيح البخاري)، كتاب الرقاق، باب التواضع. بيروت - لبنان، دار الفكر، سنة ١٩٩٤ م، ج ٧، ص ٢٤٣، رقم الحديث (٦٥٠٢)
البخاري، المرجع السابق، كتاب الإيمان، باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة، ج١، ص ١٤، رقم الحديث (٢٥) . ومسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، الجامع الصحيح، المسمّى صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، بيروت - لبنان، دار ابن حزم، سنة ١٩٩٥ م، ج١، ص ٥٧١، رقم الحديث (٢١) .
الرازي، مختار الصحاح، القاهرة، المطبعة الأميرية: ١٣٤٥ هـ - ١٩٢٦م، باب القاف، ص ٥٢٦.
الرازي، المرجع السابق، باب الدال، ص ٢١٠.
[ ٦ / ٤٤٦ ]
مسلم النيسابوري، مرجع سابق، كتاب البر والصلة، ج٤، ص ١٥٧٣، رقم الحديث ٢٥٥٥.
البخاري، مرجع سابق، كتاب أحاديث الأنبياء، باب الأرواح جنود مجندة، ج٤، ص ١٢٦، رقم الحديث ٣٣٣٦.
مصطفى سعيد الخن وآخرون، نزهة المتقين شرح رياض الصالحين للإمام النووي، بيروت - لبنان، مؤسسة الرسالة ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م، ج٢، ص ٩٥٢.
مصطفى سعيد الخن وآخرون، المرجع السابق، ج٢، ص ٩٥٣.
السيد عبد العزيز سالم، تاريخ شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، الاسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة: ١٩٩٩ م ص ٧٠ - ٧٤.
ومصطفى الهمشري، النظام الاقتصادي في الإسلام، الرياض، دار العلوم: ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م، ص ٣٩، ٤٠.
ياقوت بن عبد الله الحموي معجم البلدان، بيروت، دار صادر، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م، ج ٤، ص ١١٢.
مادة (العُروض) .
أبو بكر جابر الجزائري، هذا الحبيب محمد رسول الله (، المدينة المنورة، مكتبة العلوم والحكم: ١٤١٥ هـ، ص ٢٨، ٣١، ٣٢.
مصطفى الهمشري، مرجع سابق، ص ٤٢، ٤٣.
أبو بكر الجزائري، مرجع سابق، ص ٢٨.
السيد عبد العزيز سالم، مرجع سابق، ص ٨٧ - ٩٣.
أبو بكر الجزائري، مرجع سابق، ص ٢٩.
السيد عبد العزيز سالم، مرجع سابق، ص ٣٦٠ - ٣٦١.
عبد الرحمن يسري أحمد محمد، الأولويات الأساسية في المنهج الإسلامي للتنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي، المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي، جدة، جامعة الملك عبد العزيز: ١٩٨٢ م، ص ١٧.
عبد الرحمن يسري أحمد محمد، المرجع السابق، ص ١٧.
أبو بكر الجزائري، مرجع سابق، ص ١٦٦.
الحافظ بن كثير، البداية والنهاية، تحقيق د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م، ج٤، ص ٥٥٤.
الحافظ بن كثير، المرجع السابق، ج٤، ص ٥٥٩.
وقطب إبراهيم محمد، السياسة المالية للرسول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٨ م، ص ٣٤.
[ ٦ / ٤٤٧ ]
الحافظ بن كثير، مرجع سابق، ج٤، ص ٥٦٣.
البخاري، مرجع سابق، كتاب الإيمان، باب قول النبي (بني الإسلام على خمس، ج ١، ص ٩، رقم الحديث (٨) . ومسلم النيسابوري، مرجع سابق، كتاب الإيمان، باب أركان الإسلام، ج ١، ص ٥٢، رقم الحديث (١٦) .
مصطفى سعيد الخن وآخرون، مرجع السابق، ج٢، ص ٨٥٨.
المرجع السابق، ج١، ص ٢٧٤.
المرجع السابق، ج١، ص ٢٧٥.
محمد بن عيسى الترمذي، سنن الترمذي، القاهرة، المكتبة التجارية، كتاب البيوع، باب ما جاء في إنظار المعسر، ج ٣، ص ٥٩٠، رقم الحديث ١٣٦٠.
مسلم النيسابوري، مرجع سابق، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، ج ٣، ص ١١٥٩، رقم الحديث ١٨٢٧.
سيد قطب، في ظلال القرآن، بيروت، دار الشروق: ١٤٠٢ هـ / ١٩٨٢ م، المجلد الخامس، ص ٣١٦٥، ٣١٦٦.
السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي، السيرة النبوية، بيروت، المكتبة العصرية، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م، ص ٥٥٤، ٥٥٥.
سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، القاهرة، دار الحديث، ج ٢، ص ٨٥، رقم الحديث ١٥١٨.
عبد الرحمن يسري، مرجع سابق، ص ١٠.
مسلم النيسابوري، مرجع سابق، كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلاّ المؤمنون، ج١، ص ٧٤، رقم الحديث (٥٤) .
مصطفى سعيد الخن وآخرون، مرجع السابق، ج١، ص ٢٥١.
السيد أحمد حسن دحلان، دراسة في السياسية الداخلية للمملكة العربية السعودية، جدة، دار الشروق: ١٤٠٥ هـ، ص ٢٨، ٣٢.
السيد أحمد حسن دحلان، المرجع السابق، ص ٢٨.
أحمد حسن أحمد الحسني، تطور النقود في ضوء الشريعة الإسلامية مع العناية بالنقود والكتابية، جدة، دار المدني: ١٤١٠ هـ، ص ٩٩ - ١٠٠.
محمد إبراهيم السيف، مرجع سابق، ص ١٨٦.
محمد إبراهيم السيف، مرجع سابق، ص ٢٠٣ - ٢٠٥.
[ ٦ / ٤٤٨ ]
هـ. س. أرمسترونج، (ترجمة يوسف نور عوض)، سيد الجزيرة العربية، مصر، مطابع الأهرام التجارية: ١٩٩١ م، ص ٢١٣.
مديحة أحمد درويش، تاريخ الدولة السعودية حتى الربع الأول من القرن العشرين، جدة، دار الشروق: ١٤٠٣ / ١٩٨٣ م، ص ١٦٤.
عبد الله بن عبد الله بن سليمان العبيد، عبد القادر محمد عبد القادر عطية، اقتصاد المملكة العربية السعودية، (نظرة تحليليّة)، الرياض، دار عالم الكتب: ١٤١٤ - ١٤١٥ هـ / ١٩٩٤ م، ص ١٥.
سليمان بن عبد الرحمن الحقيل، الرياض، نظام وسياسة التعليم في المملكة العربية السعودية: ١٤٢٠هـ، ص ١٣.
هـ. س. أرمسترونج، مرجع سابق، ص ٢٣٦.
أحمد حسن أحمد الحسني، مرجع سابق، ص ١٠٠ - ١٠٢.
عبد الله بن عبد الله بن سليمان العبيد، عبد القادر محمد عبد القادر عطية، مرجع سابق، ص ١٣، ١٦.
يعتبر ترتيب المملكة العربية السعودية الثالث من حيث الانتاج على مستوى العالم باستخدام معيار الانتاج التراكمي Cumulative Production، وإن كانت تعتبر الأولى في الوقت الحاضر باستخدام معيار الانتاج الجاري Current Production ويعتبر المعيار الأول أكثر شمولًا وتعبيرًا عن الثاني غير المستقر.
Riva، Jose ph p.، “ world oil production after year ٢٠٠٠ ”، http: “ www. Cnie. org / nle / eng - ٣. html، P. ٤.
General Union of chambers of Commerce، Industry and Agricultuer، Arab Economic Report، April ١٩٩٦، PP. ٤٩١-٤٩٥.
إدارة الدراسات الاقتصادية والإحصاء، وزارة الزراعة والمياه، الموازنات الغذائية للمملكة العربية السعودية للفترة ١٩٩٣ م - ١٩٩٥ م، ص ٣١ - ٥٠.
منظمة الخليج للإستشارات الصناعية، ملف الخليج الإحصائي، ١٩٩٩ م، ص ٤٧ - ١٥٥.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم هو المصدر الرئيس لهذا البحث وتليه المصادر والمراجع الأخرى على النحو التالي:
[ ٦ / ٤٤٩ ]
ابن كثير، الحافظ إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية، الرياض، دار هجر: ١٤١٧ هـ / ١٩٩٧ م.
أبو داود، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، القاهرة، دار الحديث: بدون تاريخ.
أرمسترونج، هـ. س، ترجمة د. يوسف نور عوض، سيد الجزيرة العربية، مصر، مطابع الأهرام التجارية: ١٩٩١ م.
إدارة الدراسات الإقتصادية والإحصاء، وزارة الزراعة والمياه، الموازنات الغذائية للمملكة العربية السعودية للفترة ١٩٩٣ م - ١٩٩٥ م.
البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح المعروف ب (صحيح البخاري)، بيروت - لبنان، دار الفكر: ١٩٩٤ م.
البنك الدولي، تقرير عن التنمية في العالم ١٩٩٧ م، الدولة في عالم متغيّر.
البنك الدولي، تقرير عن التنمية في العالم ١٩٩٤ م، البنية الأساسية من أجل التنمية.
الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، القاهرة، المكتبة التجارية: بدون تاريخ.
الجزائري، الشيخ أبو بكر، هذا الحبيب محمد رسول الله (، المدينة المنورة، مكتبة العلوم والحكم: ١٤١٥ هـ.
الحسني، د. أحمد بن حسن أحمد، تطور النقود في ضوء الشريعة الإسلامية مع العناية بالنقود الكتابية، جدة، دار المدني: ١٤١٠ هـ.
الحقيل، د. سليمان بن عبد الرحمن، نظام وسياسة التعليم في المملكة العربية السعودية، الرياض: ١٤٢٠ هـ.
الحموي، ياقوت بن عبد الله، معجم البلدان، بيروت، دار صادر: ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.
الخن، د. مصطفى سعيد، وآخرون، نزهة المتقين شرح رياض الصالحين للإمام النووي، بيروت، مؤسسة الرسالة: ١٤٠٨ هـ / ١٩٨٨ م.
دحلان، السيد أحمد، دراسة في السياسة الداخلية للمملكة العربية السعودية، جدة، دار الشروق، ١٤٠٥ هـ.
[ ٦ / ٤٥٠ ]
درويش، د. مديحة أحمد، تاريخ الدولة السعودية حتى الربع الأول من القرن العشرين، جدة، دار الشروق: ١٤٠٣ هـ / ١٩٨٣ م.
الرازي، الشيخ محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، مختار الصحاح، ترتيب محمود خاطر بك، القاهرة، المطبعة الأميريّة: ١٣٤٥ هـ / ١٩٢٦ م.
سالم، السيد عبد العزيز، تاريخ شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، الاسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة: ١٩٩٩م.
السيف، د. محمد إبراهيم، رؤية الملك عبد العزيز للأمن الاجتماعي في المجتمع السعودي، مجلة الأمن، الرياض، العدد السابع عشر، ذو القعدة ١٤١٩هـ.
عبد القادر، د. عبد القادر محمد، اتجاهات حديثة في التنمية، الاسكندرية، الدار الجامعية: ١٩٩٩ م.
العبيد، د. عبد الله بن عبد الله بن سليمان، وعبد القادر، د. عبد القادر محمد عبد القادر عطية، اقتصاد المملكة العربية السعودية “ نظرة تحليليّة ” الرياض، دار عالم الكتب: ١٤١٤ هـ - ١٤١٥ هـ / ١٩٩٤ م.
العمر، د. فؤاد عبد الله، “ حصيلة الزكاة وتنمية المجتمع، دراسة حالة واقعية عن الكويت ”، موارد الدولة المالية في المجتمع الحديث من وجهة النظر الإسلامية، جدة، البنك الإسلامي للتنمية، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب: ١٤٠٨ هـ - ١٤٠٩ هـ.
قطب، سيد، في ظلال القرآن، بيروت، دار الشروق: ١٤٠٢ هـ / ١٩٨٢ م.
محمد، عبد الرحمن يسري أحمد، الأولويات الأساسية في المنهج الإسلامي للتنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي، جدة، المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي، جامعة الملك عبد العزيز: ١٩٨٢ م.
منظمة الخليج للإستشارات الصناعية، ملف الخليج الإحصائي، ١٩٩٩ م.
مؤسسة النقد العربي السعودي، التقرير السنوي الرابع والثلاثون، ١٤١٩هـ.
الندوي، السيد أبي الحسن علي الحسني، السيرة النبوية، بيروت، المكتبة العصرية: ١٤٠١ هـ / ١٩٨١ م.
[ ٦ / ٤٥١ ]
النيسابوري، مسلم بن الحجاج القشيري، الجامع الصحيح المسمى (صحيح مسلم)، بيروت - لبنان، دار ابن حزم: ١٩٩٥ م.
الهمشري، د. مصطفى، النظام الاقتصادي في الإسلام، الرياض، دار العلوم: ١٤٠٥ هـ / ١٩٨٥ م.
وزارة التخطيط، المملكة العربية السعودية، خطط التنمية “ ١٣٩٠ هـ / ١٩٧٠ م - ١٤١٨ هـ / ١٩٩٨ م ”.
٣١ - http:/ www.law.cornell.edu/uscode/١٧/١٠٧/shtml،Killngs Rise As ٣Million Illegal Guns Flood Britain.
٣٢ - Chambers of Commerce، Industry and Agriculture، Arab Economic Report، April ١٩٩٦
٣٣ - Gasper، Des، “ Violence and Suffering، Responsibility and Choice: Issues in Ethics and Development ”، The European Journal of Development Research، vol. ١١، no. ٢، Dec ١٩٩٩.
٣٤ - Riva، Jose ph P.، “ World Oil Production After Year ٢٠٠٠ ”، http: // www. cnie. org / nle / eng - ٣. html.
[ ٦ / ٤٥٢ ]