«دراسة نقدية في ضوء المصادر الدينية»
د. عبد الله بن عبد العزيز الشعيبي
استاذالشريعة المساعد - قسم العلوم الإنسانية
كلية الملك خالد العسكرية
ملخص البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:
هذا البحث موضوعه «الروح القدس في عقيدة النصارى» ويشتمل على دراسة نقدية لبيان بطلان اعتقاد النصارى ألوهيته من خلال المصادر الدينية التي يؤمنون بها، وهي العهد القديم والعهد الجديد، إذ قد تبين فيهما أن حقيقة الروح سواء بإضافتها إلى الله أوإلى القدس أو بدون إضافة، فإن نصوصهم المقدسة لاتدل على ألوهيته، وهي الحقيقة التي أخبر عنها كتاب الله المنزل على خاتم المرسلين محمد ﷺ. ولأجل بيان ضلال النصارى في اعتقادهم ألوهية الروح القدس، فقد تطرق البحث إلى بيان حقيقة الروح القدس في الشرائع الإلهية، ثم بيان مراحل إقرار النصارىألوهيته، ثم بيان مرحلة اعتقادهم ألوهيته، كما تطرق البحث إلى بيان بطلان اعتقادهم أن الروح القدس ليس هو ملاك الله جبريل ﵇ وعلى اعتقادهم خصوصية حلول الروح القدس على المسيح وعلى المؤمنين من أتباعه. وفي خاتمة البحث جاءت النتائج التي توصلت إليها. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
المقدمة:
«الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون» (الأنعام آية ١) .
[ ٨ / ١٩٨ ]
والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله محمد ﷺ، الذي أرسله الله على حين فترة من الرسل، ودروس من الكتب، حين حرف الكلم وبدلت الشرائع، واستند كل قوم إلى ظلم آرائهم، وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم، فهدى الله به الخلائق، وأوضح به الطرائق، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وأصلي وأسلم على آله الأطهار، وصحبه الأخيار، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أمابعد:
فإن الله عزوجل أخبر في الوحي المنزل على الأنبياء والرسل، أن الروح من الحقائق الإيمانية الثابتة، التي يجب على كافة أتباع الرسل اعتقاد وجودها والإيمان بها، إذ جاء ذكرها في الوحي بعضها مضافًا إلى الله، وإلى القدس، وبعضها بدون إضافة، وتدل على معانٍ مختلفة، حسب مناسبة ووردها.
ولقد ضل أهل الكتاب من قبلنا فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض:
«ويقولون نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلًا» (النساء ١٥٠)، ومن ذلك الإيمان الذي أرادوا أن يتخذوه سبيلًا، أنهم ضلوا عن الحق في الإيمان بحقيقة الروح، فاليهود يعرفون حقيقة الروح، ويعترفون أن الروح القدس هو جبريل ﵇ لكنهم زعموا أنه عدوهم من الملائكة، وأما النصارى فإنهم يعرفون بعض حقيقة الروح، لكنهم زعموا أن الروح القدس غير جبريل ﵇ ويعتقدون أنه إله مع الله والأقنوم الثالث في ثالوثهم المقدس.
أما نحن المسلمين فقد هدانا الله إلى معرفة حقيقة الروح، فقد أخبر الله أنها تدل على معانٍ عدة حسب مناسبة ذكرها في القرآن، كما أخبر الله أنها تدل في الكتب الإلهية السابقة على نفس المعاني التي أنزلها الله في القرآن، لكن أصحاب تلك الكتب من أهل الكتاب ضلوا عن الحق الذي أخبر الله تعالى عنه في كتبهم، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل.
[ ٨ / ١٩٩ ]
وهذا البحث سيكون إن شاء الله دراسة نقدية في بيان بطلان اعتقاد النصارى ألوهية الروح القدس وأنه الرب المحيي، وقد كان اختياري للكتابة في هذا الموضوع لسببين:
الأول: أن موضوع هذا البحث هو الأول حسب علمي الذي يجمع شتات هذا الموضوع المتفرق في بعض مؤلفات علماء المسلمين المختصين في علم جدال أهل الكتاب، من أمثال: الإمام ابن تيمية، والقرافي، والقرطبي، ونصر بن يحيى المتطبب، وغيرهم من علماء المسلمين، فكان هذا البحث إسهامًا متواضعًا في بيان الحق عن حقيقة الروح القدس، كما تشهد بذلك المصادر الدينية من التوراة والإنجيل والقرآن.
الثاني: كثرة مؤلفات النصارى عن الروح القدس إذ لا يخلو مؤلف من مؤلفاتهم في عقيدة التثليث من إثبات اعتقادهم ألوهيته، وأنه الأقنوم الثالث في ثالوثهم المقدس وتأويلهم لنصوص التوراة والإنجيل لإثبات معتقدهم الباطل.
بل وصل بهم الحد إلى محاولة تأويل نصوص القرآن الكريم لتتفق مع عقيدتهم الباطلة (١) .
وكان منهج البحث يقوم على استقراء الأدلة من المصادر الدينية وتحليلها، وبيان الحق فيها بما يتفق مع صريح المعقول وصحيح المنقول، وبيان ضلالهم عن الحق، وأن هذا مما ابتدعوه بأهوائهم، وقرروه بمجامعهم، مخالفين بذلك كتب الله المنزلة على أنبيائه، وبيان أن معتمدهم من القوانين والنواميس التي جعلوها شرائع دينهم بعضه منقول عن الأنبياء، وبعضه عن الحواريين، وكثير منه من ابتداع أحبارهم ورهبانهم الذين اتخذوهم أربابًا من دون الله.
وسيكون الحديث عن بيان حقيقة الروح القدس في التوراة والإنجيل والقرآن، وبيان مراحل إقرار النصارى ألوهيته، ثم اعتقادهم ألوهيته، وبيان العلاقة بين الروح القدس والمسيح ﵇ وبينه وبين ملاك الله جبريل ﵇.
[ ٨ / ٢٠٠ ]
وسيتم الرد على ضلالهم من خلال ما نراه حقًا في نصوصهم المقدسة، الموافقة لكتاب الله المنزل على خاتم المرسلين، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، المصدق لما قبله من وحي الله المنزل على أنبيائه ورسله. وأود التنبيه إلى أن بعض النصوص الدينية يكون فيها أكثر من وجه للاستشهاد مما يضطرنا لاعادتها أو الاشارة إليها في بعض القضايا التي تتم مناقشتها.
وستكون هذه الدراسة في أربعة مباحث:
المبحث الأول: حقيقة الروح القدس في الشرائع الإلهية.
المبحث الثاني: مراحل إقرار النصارى ألوهية الروح القدس.
المبحث الثالث: مرحلة اعتقاد النصارى ألوهية الروح القدس.
المبحث الرابع: الروح القدس والمسيح عند النصارى.
المبحث الأول: حقيقة الروح القدس في الشرائع الإلهية
الروح القدس من الحقائق الإيمانية الثابتة في الشرائع الإلهية المنزلة على الأنبياء والرسل، فكل أتباع الشرائع الإلهية يعتقدون وجوده والإيمان به، وبيان ذلك فيما يأتي:
المطلب الأول: حقيقة الروح القدس عند اليهود:
إن التوراة كتاب اليهود المقدس ذكرت الروح مضافة إلى القدس وإلى الله وبدون إضافة، فجاءت الروح بمعنى الوحي بالإلهام، إذ جاء في سفر الخروج: «وملأته من روح الله بالحكمة والفهم والمعرفة وكل صنعة» (٢)، وجاء في سفر حزقيال: «وحل عليّ روح الرب وقال لي: قل هكذا قال
الرب» (٣)، وفيه أيضًا: «وأجعل روحي في داخلكم، وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها» (٤) .
[ ٨ / ٢٠١ ]
وجاءت الروح بمعنى الثبات والنصرة التي يؤيد الله بها من يشاء من عباده المؤمنين، إذ جاء في سفر التكوين عن يوسف ﵇: «فقال فرعون لعبيده هل نجد مثل هذا رجلًا فيه روح الله، ثم قال فرعون ليوسف بعدما أعلمك الله كل هذا، ليس بصير وحكيم مثلك» (٥)، وجاء في سفر المزامير على لسان داود ﵇: «لا تطرحني من قدام وجهك، وروح قدسك لا تنزعه مني» (٦)، وقول النبي أشعياء: «أين الذي جعل في وسطهم روح قدسه، الذي سير ليمين موسى ذراع مجده» (٧) .
وجاءت الروح بمعنى جبريل ﵇ إذ جاء في سفر أشعياء:
«ولكنهم تمردوا وأحزنوا روح قدسه، فتحول لهم عدوًا وهو حاربهم» (٨) . وجاء عن داؤد ﵇: «روح الرب تكلم بي، وكلمته على لساني» (٩)، وجاء في سفر دانيال: «وسمعت صوت إنسان بين أولادي فنادى وقال يا جبرائيل فَهِّم هذا الرجل الرؤيا» (١٠)، وفيه أيضًا: «إذا بالرجل جبرائيل الذي رأيته في الرؤيا في الابتداء وقال يا دانيال إني خرجت الآن لأعلمك الفهم» (١١) .
وجاء أن الروح تهب القوة والنشاط، إذ جاء في سفر القضاة: «فحل عليه روح الرب فشقه كشق الجدي وليس في يده شئ» (١٢)، وفيه أيضًا:
«وحل عليه روح الرب فنزل إلى أشقلون وقتل منهم ثلاثين رجلًا وأخذ سلبهم» (١٣)، وفيه أيضًا: «فكان عليه روح الرب وقضى لإسرائيل وخرج للحرب» (١٤) .
كما جاءت الروح بمعنى الريح (١٥)، وبمعنى روح الإنسان (١٦)، وبمعنى الخلق والإحياء (١٧)، وبغير ذلك من المعاني.
والروح سواء أكانت مضافة إلى الله، أم إلى القدس، أم بدون إضافة، فإن المعنى أنها صادرة عن الله تعالى (١٨)، كما تبين لنا ذلك من النصوص السابقة الدالة على معنى حقيقة الروح، وأنها لا تعني سوى ذلك.
[ ٨ / ٢٠٢ ]
واليهود أهل التوراة يعرفون حقيقة معنى الروح، ويعرفون أن الروح القدس هو الذي يأتي بالوحي إلى الأنبياء، وأنه جبريل ﵇، وأنه ينفذ أوامر الله، لا يأتي بشيء من عنده، وما هو إلا عبد الله ورسوله، وأحد خلقه من ملائكة الله المقربين، ولكنهم مع كثرة نزوله بالعقاب عليهم لكثرة عصيانهم لله، ومخالفة أمره، كرهوا ملاك الله جبريل، وكرهوا اسمه، واعتبروه عدوًا لهم، ومحاربًا لهم، فقد ذكرسفر أشعياء هذه العداوة التي ملأت قلوبهم، ونطقت بها أفواههم، إذ جاء فيه: «إحسانات الرب، اذكر تسابيح الرب حسب كل ما كافأنا به الرب، والخير العظيم لبيت إسرائيل الذي كافأهم به حسب مراحمه وحسب كثرة إحساناته، وقد قال حقًا إنهم شعبي، بنون لا يخونون، فصار لهم مخلصًا، في كل ضيقهم تضايق، وملاك حضرته خلصهم، بمحبته ورأفته هوفكَهم، ورفعهم وحملهم كل الأيام القديمة، ولكنهم تمردوا وأحزنوا روح قدسه، فتحول لهم عدوًا وهو حاربهم» (١٩) .
هذه العداوة من اليهود للروح القدس جبريل ﵇ جعلتهم يكرهون ذكر اسمه، لذلك فقد اهتم اليهود بسؤال الأنبياء عن الروح الذي يأتي بالوحي من السماء، فإن كان جبريل قاطعوا النبي ولم يسمعوا له، فقد ثبت في صحيح البخاري عن أنس بن مالك ﵁، قال: سمع عبد الله ابن سلام بقدوم رسول الله ﷺ، وهو في أرضٍ يخترف، فأتى النبي ﷺ، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، فما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني بهن جبريل آنفًا، قال: جبريل؟ قال: نعم، قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: «من كان عدوًا لجبريل فإنه نزله على قلبك» (٢٠) الحديث» (٢١) .
[ ٨ / ٢٠٣ ]
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسم إنا نسألك عن خمسة أشياء فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه، إذ قالوا: الله على نقول وكيل، قال: هاتوا الحديث إلى أن قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة، وهي التي نبايعك إن أخبرتنا بها، فإنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟
قال:جبريل ﵇ قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان، فأنزل الله ﷿: «قل من كان عدوًا لجبريل فإنه نزله على قلبك» إلى قوله: «فإن الله عدوٌ للكافرين» (٢٢) .
وساق ابن جرير بسنده نحوًا من هذا الحديث، ثم ذكر روايات أخرى جاء فيها زعم اليهود أن جبريل عدوهم، وأنه يأتيهم بالشدة وسفك الدماء، والحرب والقتال (٢٣) .
فتبين أن هؤلاء اليهود يعرفون حقيقة الروح القدس وأنه جبريل ﵇ وهو المذكور في كتبهم المنزلة على أنبيائهم.
المطلب الثاني: حقيقة الروح القدس عند النصارى:
[ ٨ / ٢٠٤ ]
أما النصارى وهم أيضًا يعتقدون بقدسية كتب اليهود، وهي جزء من كتابهم المقدس ويسمونه بالعهد القديم، ويؤمنون به كإيمانهم بالعهد الجديد (الأناجيل والرسائل) وهو حجة عليهم فيما ورد فيه عن حقيقة الروح القدس، فقد جاء في الأناجيل والرسائل ما يصدق ما جاء في التوراة عن حقيقة الروح القدس، فقد ذكرت تلك الكتب أن الروح القدس ﵇ كان مع داود ﵇: «لأن داود نفسه قال بالروح القدس قال الرب لربي» (٢٤)، وأن المسيح ﵇ قال لهم عنه: «فكيف يدعوه داود بالروح» (٢٥)، وأنه نزل بالوحي إلى الأنبياء والرسل، إذ جاء في سفر أعمال الرسل: «فانصرفوا وهم غير متفقين بعضهم مع بعض لما قال بولس كلمة واحدة إنه حسنًا كلم الروح القدس آباءنا بأشعياء النبي، قائلًا اذهب إلى هذا الشعب» (٢٦)، وجاء في رسالة بطرس الثانية: «لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس» (٢٧)، وذكر سفر أعمال الرسل عداوة اليهود للروح القدس جبريل ﵇ إذ جاء فيه: «يا قساة الرقاب وغير المختونين بالقلوب والآذان أنتم دائمًا تقاومون روح القدس، كما كان آباؤكم كذلك أنتم، أي الأنبياء لم يضطهده آباؤكم» (٢٨)، ومن صفاته أنه روح الله الحي إذ جاء في رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس: «جبرائيل روح الله الحي» (٢٩)، وفي الإنجيل أنه بشر زكريا بميلاد يوحنا ﵉: «فظهرله ملاك الرب واقفًا عن يمين مذبح البخور، فلما رآه زكريا اضطرب ووقع عليه خوف، فقال له الملاك: لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سمعت» (٣٠)، وأخبره في هذه البشارة أن امرأته ستلد له ابنًا وتسميه يوحنا، ويكون له فرحًا وابتهاجًا: «لأنه يكون عظيمًا أمام الرب، وخمرًا ومسكرًا لا يشرب، ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس» (٣١)، كما أن مريم أم المسيح وجدت حبلى من الروح القدس:
[ ٨ / ٢٠٥ ]
«ولما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس» (٣٢)
كما نزل الروح القدس على المسيح ﵇، واستمر معه بعد أن عمده يوحنا المعمدان في ماء الأردن: «ولما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضًا، وإذ كان يصلى انفتحت السماء ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة» (٣٣)، وقال يوحنا المعمدان: «إني قد رأيت الروح نازلًا مثل حمامة من السماء فاستقر عليه، وأنا لم أكن أعرفه، لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلًا ومستقرًا عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس» (٣٤)، وجاء في الإنجيل: «وفي تلك الأيام جاء يسوع واعتمد من يوحنا في الأردن، وللوقت وهو صاعد من الماء رأى السموات قد انشقت والروح مثل حمامة نازلًا عليه» (٣٥)
كما أن الروح القدس مؤيدٌ للمسيح في دعوته ومعجزاته: «أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس، وكان يقتاد بالروح في البرية» (٣٦)، وجاء أيضًا: «ورجع يسوع بقوة الروح إلى الجليل وكان يعلم في مجامعهم» (٣٧)، وفي الإنجيل يقول المسيح ﵇: «روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب» (٣٨)، ويتحدث سفر أعمال الرسل عن المعجزات التي أيد الله بها المسيح بواسطة الروح القدس، إذ يقول: «يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذي جال يصنع خيرًا ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه» (٣٩)، ففي هذين النصين نجد أن الروح القدس مرادفًا للفظ القوة، أي أنه القوة التي أيد الله بها المسيح ﵇ واستطاع بهذه القوة شفاء الأمراض، وإجراء المعجزات، بإذن الله تعالى، وهي القوة التي أيد الله بها أنبياءه ورسله، ومن شاء من عباده المؤمنين.
[ ٨ / ٢٠٦ ]
كما أخبر المسيح ﵇ تلاميذه ورسله، بأن الروح القدس سيلهمهم ويؤيدهم، فقال: «ولكن احذروا من الناس، لأنهم سيسلمونكم إلى مجالس، وفي مجامعهم يجلدونكم وتساقون أمام ولاة وملوك من أجلي، شهادة لهم وللأمم، فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون، لأنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به، لأن لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم» (٤٠)، وقال ﵇: «ومتى قدموكم إلى المجامع والرؤساء والسلاطين فلا تهتموا كيف أوبما تقولون، لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة مايجب أن تقولوه» (٤١) .
وعند سؤال اليهود للمسيح ﵇ عن الملاك الذي يؤيده الله به، أخبرهم أنه الروح القدس، فردوا على المسيح ردًا قبيحًا، وزعموا أنه روح نجس، ومرة أخرى زعموا أن الروح القدس «بلعزبول» يعني رئيس الشياطين، ففي الإنجيل: «أما الفريسيون فلما سمعوا (أي عن شفاء المسيح للمجنون) قالوا هذا لا يخرج الشياطين إلا ببلعزبول رئيس الشياطين، فعلم يسوع أفكارهم، وقال لهم إن كنت أنا ببلعزبول أخرج الشياطين فأبناؤكم بمن يخرجون، لذلك هم يكونون قضاتكم، ولكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشيطان فقد أقبل عليكم ملكوت الله» (٤٢) .
ثم حذرهم ﵇ من القول على الروح القدس إنه روح نجس، فقال: «لذلك أقول لكم كل خطية وتجديف يغفر للناس وأما التجديف على الروح فلن يغفر للناس، ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له، وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي» (٣٤) . وقال أيضًا: «الحق أقول لكم إن جميع الخطايا تغفر لبني البشر والتجاديف التي يجدفونها، ولكن من جدف على الروح القدس فليس له مغفرة إلى الأبد، بل هو مستوجب دينونة أبدية، لأنهم قالوا إن معه روحًا نجسًا» (٤٤) .
[ ٨ / ٢٠٧ ]
كما أن يوحنا المعمدان أخبر اليهود أن الذي سيأتي من بعده يعمد بالروح القدس، فقال: «والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجرة، فكل شجرة لا تصنع ثمرًا جيدًا تقطع وتلقى في النار، أنا أعمدكم بماء للتوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني، لذلك لست أهلًا أن أحل حذاءه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار، الذي رفشه في يده، وسينقي بيدره ويجمع قمحه إلى المخزن، وأما التبن، فيحرقه بنار لا تطفأ» (٤٥) .
وهذا الخبر يحمل بشارة، ويظهر أنها دلالة على نبوة نبينا محمد ﷺ، إذ ورد الكثير من البشارات به في التوراة والإنجيل (٤٦)، ولكن النصارى لما جعلوا المسيح ﵇ محورًا لكل الأحداث، قالوا إن يوحنا يتكلم هنا عن المسيح، علمًا بأن المسيح كان معاصرًا ليوحنا ولم يأت بعده، وكان بنفس السن بفارق ستة أشهر في الميلاد، بدليل أن المسيح تعمد بالماء على يد يوحنا، كما ورد في النصوص السابقة من أناجيل متى ولوقا ومرقس.
[ ٨ / ٢٠٨ ]
كما أن (يوحنا) يحيى ﵇ عرف العلامة على المسيح من نزول الروح القدس عليه مثل حمامة، إذ قال: «إني قد رأيت الروح نازلًا مثل حمامة من السماء فاستقر عليه، وأنا لم أكن أعرفه، لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلًا ومستقرًا عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس» (٤٧)، وهذا يدل على أنه أمين الوحي جبريل ﵇ بدليل قوله: «فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السموات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلًا مثل حمامة وآتيًا عليه، وصوت من السموات قائلًا هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت» (٤٨)، وهذا الصوت من السموات هو الوحي الذي جاء به جبريل، وهو قوله: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت»، والبنوة في هذا النص وفي غيره من النصوص الإنجيلية لا يقصد بها البنوة التناسلية، وإنما يقصد بها حنان الله ورعايته له وقربه من الله، بدليل أن الأناجيل تطلق على تلاميذ المسيح وكل الناس المؤمنين بالله بأنهم أبناء الله (٤٩) .
ونزول الروح القدس على المسيح -﵇- على هيئة حمامة، أو نزول غيره من الملائكة على أي هيئة كانت، معلومة عند الأنبياء وأتباعهم، فقد ذكر الله تعالى نزول الملائكة على إبراهيم ﵇ على هيئة رجال، قال تعالى: «هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين، إذ دخلوا عليه فقالوا سلامًا قال سلام قوم منكرون، فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين، فقربه إليهم قال ألا تأكلون، فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم، فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم، قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم، قال فما خطبكم أيها المرسلون، قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين» (٥٠) .
[ ٨ / ٢٠٩ ]
وكذلك كان نزول الروح القدس جبريل ﵇، على نبينا محمد ﷺ، كان ينزل بعض المرات على هيئته التي خلقه الله عليها (٥١)، وينزل في مرات أخرى على هيئة الصحابي الجليل دحية بن خليفة الكلبي (٥٢) .
وبهذا يتبين لنا من هذه النصوص حقيقة الروح القدس، وأنه كان مع داود ﵇ وأنه بشر زكريا، ومريم، وأن يحيى والمسيح ﵉ وكذلك تلاميذ المسيح ورسله كان يعضدهم الروح القدس، ويحل عليهم، ومنه يمتلئون، ويؤيدهم بالنصر، كما بينت تلك النصوص أن المسيح ﵇ حذر اليهود من ألفاظ السوء التي يقولونها على الروح القدس، وأن من يفعل ذلك فلن يغفر له لا في الدنيا ولا في الآخرة.
كما بينت تلك النصوص، أن الروح القدس ورد ذكره بمعنى جبريل ﵇ وبمعنى الوحي الإلهي، وبمعنى النصر والتأييد للمؤمنين، ويبدو أن هذا هو الاعتقاد الذي كان عليه النصارى في حياة المسيح وحواريوه والقرون الثلاثة الأولى لميلاده، بدليل أن الشواهد من مصادرهم الدينية الآنفة الذكر لاتعني سوى ذلك، لأن اعتقادهم ألهيته لم يتقرر إلا بعد رفع المسيح ﵇ بأربعة قرون، أي في مجمع القسطنطينية سنة ٣٨١م، كما سيأتي بيانه.
المطلب الثالث: حقيقة الروح القدس عند المسلمين:
هذه الصفات للروح القدس حسب المصادر الدينية السابقة هي التي صدقها القرآن الكريم المنزل على خاتم المرسلين، والمصدق لما بين يديه من الكتب السابقة، والمهيمن عليها، فقد جاء الروح في القرآن الكريم، على عدة أوجه (٥٣):
[ ٨ / ٢١٠ ]
أحدها: الوحي الإلهي، قال تعالى: «ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون» (٥٤)، وقال تعالى: «وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا» (٥٥)، وقال تعالى: «يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق» (٥٦) .
الثاني: القوة والثبات والنصرة التي يؤيد بها من يشاء من عباده المؤمنين، قال تعالى: «أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه» (٥٧) .
الثالث: ويأتي الروح بمعنى جبريل ﵇ قال تعالى: «نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين» (٥٨)، وقال تعالى: «قل من كان عدوًا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله» (٥٩)، وهو روح القدس، قال تعالى: «قل نزله روح القدس من ربك بالحق» (٦٠)، وقال تعالى: «وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس» (٦١)، وقال تعالى: «إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلًا» (٦٢) .
الرابع: الروح التي سأل عنها اليهود، فأجيبوا بأنها من أمر الله، قال تعالى: «يسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي» (٦٣)، وقد قيل إنها الروح المذكورة في قوله تعالى: «يوم يقوم الروح والملائكة صفًا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابًا» (٦٤)، وقال تعالى: «تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر» (٦٥) .
[ ٨ / ٢١١ ]
الخامس: المسيح بن مريم، قال تعالى: «إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه» (٦٦)، وقال تعالى: «والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين» (٦٧)، وقال تعالى: «ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين» (٦٨) .
ووجه اختصاص إضافة روح عيسى ﵇ إلى الله تعالى، أنه لما كان الله تعالى خلقه بكلمته، أي خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه ﷿ فكان عيسى بإذنه ﷿، وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها، فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق الله ﷿، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان، والروح التي أرسل بها جبريل ﵇ قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: «وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه»، هو كقوله: «كن فيكون» (٦٩) .
قال ابن أبي حاتم: «وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه» قال: ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى» (٧٠) . إنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم، فنفخ فيها بإذن الله فكان عيسى ﵇ قال البخاري بسنده عن النبي ﷺ أنه قال: «من شهد أن لا إله إلا الله، وحده لاشريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ماكان من العمل» (٧١)، فقوله في الآية والحديث «وروح منه» كقوله تعالى: «وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض جميعًا منه» (٧٢)،
[ ٨ / ٢١٢ ]
أي: من خلقه ومن عنده، وليست من للتبعيض كما تقوله النصارى.. بل هي لابتداء الغاية، وقال مجاهد في قوله «وروح منه» أي: رسول منه، وقال غيره: ومحبة منه، والأظهر الأول وهو أنه مخلوق من روح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: «هذه ناقة الله» (٧٣)، وفي قوله: «وطهر بيتي للطائفين» (٧٤)، وكما روي في الحديث الصحيح: «فأستأذن على ربي في داره» (٧٥)، أضافها إليه إضافة تشريف، وهذا كله من قبيل واحد ونمط واحد (٧٦) .
[ ٨ / ٢١٣ ]
ويقول الإمام القرافي (٧٧) ﵀ في معنى الروح: «إن الروح اسم للريح الذي بين الخافقين، يقال لها ريح وروح لغتان، وكذلك في الجمع رياح وأرواح، واسم لجبريل ﵇، وهو المسمى بروح القدس، والروح اسم للنفس المقومة للجسم الحيواني إن معنى الروح المذكورة في القرآن الكريم في حق عيسى ﵇، هو الروح الذي بمعنى النفس المقومة لبدن الإنسان، ومعنى نفخ الله تعالى في عيسى ﵇ من روحه، أنه خلق روحًا نفخها فيه، فإن جميع أرواح الناس يصدق أنها روح الله، وروح كل حيوان هي روح الله تعالى، فإن الإضافة في لسان العرب تصدق حقيقة بأدنى الملابسة، كقول أحد حاملي الخشبة للآخر: طرفي مثل طرفك، وشل طرفك: يريد طرف الخشبة، فجعله طرفًا للحامل، ويقول: طلع كوكب زيد، إذا كان نجم عند طلوعه يسري بالليل، ونسبة الكوكب إليه نسبة المقارنة فقط، فكيف لا يضاف كل روح إلى الله تعالى وهو خالقها ومدبرها في جميع أحوالها؟ وكذلك يقول بعض الفضلاء: لما سئل عن هذه الآية، فقال: نفخ الله تعالى في عيسى ﵇ روحًا من أرواحه، أي: جميع أرواح الحيوان أرواحه، وأما تخصيص عيسى ﵇ بالذكر، فللتنبيه على شرف عيسى ﵇، وعلو منزلته، بذكر الإضافة إليه، كما قال تعالى: «إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان» (٧٨)، و«إن عبادي ليس لك عليهم سلطان» (٧٩)، مع أن الجميع عبيده، وإنما التخصيص لبيان منزلة المخصص» (٨٠) .
[ ٨ / ٢١٤ ]
لكن النصارى مع هذه البينات الصريحة الواضحة عن حقيقة الروح القدس المذكورة في كتب الله السابقة واللاحقة، يأبى عليهم ضلالهم وانحرافهم عن الحق إلا تحريف مثل هذه النصوص المحكمة، وتأويلها على غير مراد الله ﷿، أحدثوا ذلك وأقروه في مجامعهم بعد عدة قرون من رفع المسيح ﵇ فأولوا تلك النصوص وحرفوها، وحرفوا الكثير من أحكام تلك الكتب لتوافق اعتقادهم ألوهية المسيح وألوهية الروح القدس، فأحدثوا عقيدة التثليث الذي يتكون عندهم من الآب والابن والروح القدس، وغير ذلك الكثير مما حرفوه وبدلوه، وخالفوا فيه كتب الله المنزلة.
المبحث الثاني: مراحل إقرار النصارى ألوهية الروح القدس
بعد أكثر من ثلاثة قرون من رفع المسيح ﵇ اجتمع الخلف من النصارى في نيقية سنة ٣٢٥ م، وصدر عن هذا الاجتماع أول قانون إيمان مقدس لهم، أقروا فيه اعتقاد ألوهية المسيح ﵇ كما أشاروا فيه إلى الروح القدس بقولهم: «ونؤمن بالروح القدس» (٨١) دون أن يذكروا حقيقته والأعمال الموكولة إليه، وإنما أعلنوا إيمانهم به فقط، ولعل عدم ذكرهم لحقيقته لأجل تبرئة أنفسهم من الافتراء اليهودي على الروح القدس.
[ ٨ / ٢١٥ ]
وبعد أكثر من خمسين سنة عقدوا مجمعًا آخر في مدينة القسطنطينية سنة ٣٨١م، فأقروا قانون الإيمان السابق في نيقية، ثم أضافوا الاعتقاد بألوهية الروح القدس، مع بيان بعض صفاته، فقالوا: «ونؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد، الناطق في الأنبياء» (٨٢)، وجاء أيضًا عن صفات الروح القدس حسب تعبير أحد قديسيهم القدماء قوله: «الناطق بالناموس، والمعلم بالأنبياء الذي نزل إلى الأردن ونطق بالرسل، وهو يحل في القديسين، وهكذا نؤمن به أي أنه الروح القدس روح الله» (٨٣)، كما جاء في قاموس كتابهم المقدس: «ويعلمنا الكتاب المقدس بكل وضوح عن ذاتيةالروح القدس، وعن ألوهيته، فنسب إليه أسماء الله كالحي، ونسب إليه الصفات الإلهية كالعلم، ونسب إليه الأعمال الإلهية كالخلق، ونسب إليه العبادة الواجبة لله، وإذ حبلت السيدة العذراء حبل بالمسيح فيها من الروح القدس، ولما كتب الأنبياء والرسل أسفار الكتاب المقدس، كانوا مسوقين من الروح القدس، الذي أرشدهم فيما كتبوا، وعضدهم وحفظهم من الخطأ، وفتح بصائرهم في بعض الحالات ليكتبوا عن أمور مستقبلة» (٨٤) .
[ ٨ / ٢١٦ ]
وبعد أن أقروا في مجمع القسطنطينية قانون مجمع نيقية السابق المتضمن اعتقاد ألوهية المسيح، ثم إضافتهم اعتقاد ألوهية الروح القدس، فقد اكتملت عند النصارى الأقانيم الثلاثة، لكن ذلك لم يحل دون وجود من ينكر بعض هذه الاعتقادات المنافية للتوحيد، فقد كان سبب عقد مجمع القسطنطينية الآنف الذكر الذي أضافوا فيه الاعتقاد بألوهية الروح القدس، أن أسقف القسطنطينية البطريرك مكدونيوس ينكر ألوهية الروح القدس، ويعتقد أنه كسائر المخلوقات، وخادم للابن كأحد الملائكة، وقد ناقشه المجمع، ثم أصدر قرارًا بحرمانه وحرمان دعوته، وتجريده من رتبته الدينية (٨٥)، وهذا يدل على وجود دعاة التوحيد، ومعارضتهم للاعتقادات المنافية له، التي تنسب الألوهية لغير الله.
ثم ظهر الاختلاف حول أم المسيح ﵇ حيث ظهر من يدعو بأن مريم لاتدعى أم الإله، بل أم الإنسان، وأحدث هذا نزاعًا شديدًا بين كنائس النصارى، لأن صاحب هذه الدعوة هو البطريرك نسطور بطريرك كنيسة القسطنطينية.ولأجل حل النزاع في هذه القضية عقدوا مجمع أفسس الأول سنة ٤٣١م، وصدر عنه القرار الآتي: «نعظمك يا أم النور الحقيقي، ونمجدك أيتها العذراء المقدسة، والدة الإله، لأنك ولدت لنا مخلص العالم، أتى وخلص نفوسنا، المجد لك ياسيدنا وملكنا المسيح، فخر الرسل، إكليل الشهداء، تهليل الصديقين، ثبات الكنائس، غفران الخطايا، نبشر بالثالوث المقدس، لاهوت واحد، نسجد له ونمجده» (٨٦) .
[ ٨ / ٢١٧ ]
ثم ظهر الاختلاف حول طبيعة المسيح بعد اعتقادهم ألوهيته، فعقدوا مجمعًا في خلقدونية سنة ٤٥١م، فقرر الكاثوليك الاعتقاد أن للمسيح طبيعتين ومشيئتين، طبيعة إنسانية كاملة، وطبيعة إلهية كاملة، ومشيئة إنسانية كاملة، ومشيئة إلهية كاملة، وأن الأب مستقل بأقنومه، والمسيح مستقل بأقنومه، وهما متساويان في اللاهوت فقط، وقد رفض الأرثوذكس هذه العقيدة وزعموا أن المسيح هو الله (تعالى الله عن قولهم)، وقالوا: إن للمسيح طبيعة إلهية واحدة ومشيئة إلهية واحدة، فقرر أساقفة روما مع بعض أساقفة الشرق الحكم بعزل بطريرك الإسكندرية ونفيه؛ لأنه كان يدعي أن للمسيح طبيعة واحدة، ثم نادوا بعقيدة الطبيعتين والمشيئتن، وبعدها رفضت كنيسة الإسكندرية قرارات مجمع خلقدونيه، كما رفضت قرارات المجامع التي عقدت في القسطنطينية بعد ذلك سنة ٥٥٣ م، وسنة ٦١٠ م، وسنة ٧٨٦م، لمخالفة الذين اشتركوا فيها مع عقيدتهم بأن للمسيح طبيعة واحدة ومشيئة واحدة (٨٧) .
ثم ظهر نزاع آخر بين النصارى بسبب الاختلاف بينهم حول انبثاق الروح القدس، هل هو من الأب فقط، أم من الأب والابن؟ فعقدوا لذلك مجمعًا لحل النزاع في هذه القضية في طليطلة بأسبانيا سنة ٥٨٩م، فأقروا فيه نفس قانون الإيمان السابق، ثم أضافوا الاعتقاد بانبثاق الروح القدس من الابن أيضًا، وقد أصبحت هذه الزيادة هي عقيدة الكنائس الغربية الكاثوليكية والإنجيلية التي تنص على انبثاق الروح القدس من الأب والابن، ورفضت الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية هذه الزيادة،وظلت متمسكة باعتقاد أن الروح القدس منبثق من الأب وحده (٨٨) .
[ ٨ / ٢١٨ ]
ويلاحظ المتتبع لمراحل تكوين العقائد النصرانية كثرةعقد المجامع الدينية التي تصدر قرارات جديدة بإضافات حول العقيدة، وسبب ذلك كثرة المعارضين للعقائد الدخيلة من أنصار دعوة التوحيد، أو من الذين ما زالوا على بقايا من دعوة المسيح، أو من الذين لم يعتقدوا هذه العقيدة أو تلك، فمنهم من ينكر لاهوت المسيح، ومنهم من ينكر لاهوت الروح القدس، ومنهم من ينكر وجود الأقانيم الثلاثة، ومنهم من ينكر عقيدة الصلب والفداء، ويعتقد أن خطيئة آدم قاصرة عليه، ولم تنتقل إلى نسله، وهذه الظاهرة هي السبب في تعدد عقد المجامع، لأن أنصار كل فريق يعقدون اجتماعًا للرد على أنصار الفريق الآخر وإبطال قوله، والنتيجة تنتهي ليس بكثرة العدد وقوة الحجة وموافقة الحق، وإنما بقرار من رجال الدين الذين تدعمهم السلطة السياسية، بما تتفق أهواؤهم ومصالحهم عليه، ثم يحسم الأمر ويتقرر في النهاية أي الفريقين يفوز بالتأييد، وفي كثير من الأحيان تتدخل السلطة السياسية بحسم الأمر حسب ماتراه محققًا لوحدة الا مبراطورية من التمرزق والانقسام.
وشاهد ذلك أن الامبراطور قسطنطين قد أعلن ميوله وعطفه على النصارى من أجل الحفاظ على مقومات النصر على خصمه، فأعلن دفاعه عن مذهب أثناسيوس القائل بالتثليث حينما كانت عاصمة دولته في روما، ومن أجل ذلك رأس مجمع نيقية سنة ٣٢٥م، وتذكر مصادر النصارى أن أولئك الثلاثمائة والثمانية عشر لم يكونوا مجمعين على القول بألوهية المسيح، ولكن اجماعهم كان تحت سلطان الإغراء بالسلطة الذي قام به قسطنطين بدفعه إليهم شارة ملكه ليتحكموا في المملكة، فقد دفعهم حب السلطان إلى أن يوافقوا هوى قسطنطين الذي ظهر في عقد مجلس خاص بهم دون الباقين، لاعتقاده إمكان إغرائهم، فأمضى أولئك ذلك القرار تحت سلطان الترغيب أو الترهيب، أوهما معًا، وبذلك قرروا ألوهية المسيح، وقسروا الناس عليه بقوة السيف ورهبة الحكام (٨٩) .
[ ٨ / ٢١٩ ]
وحينما صدر قرار مجمع نيقية ضد أريوس وحرمانه، وتجريده من رتبته الدينية، صدَق قسطنطين على ذلك القرار.
فلما عزم الامبراطور قسطنطين على نقل عاصمة دولته من روما إلى القسطنطينية، والتي يوجد فيها أكثرية نصرانية تعتنق مذهب أريوس، أحضره وعفا عنه، يقول فاسيليف: «عندما شرع قسطنطين في نقل عاصمته إلى الشرق، وأحس بالحاجة إلى استرضاء سكان القسم الشرقي من الامبراطورية لم يجد غضاضة في تغيير عقيدته أوميوله نحو المذهب الأريوسي» (٩٠) .
فاستدعى أريوس من منفاه سنة ٣٢٧م، وعقد له مجمع صور سنة ٣٣٤م، وألغى قرار الطرد (٩١) .
ويقال: إن أول امبراطور تعمد باسم الثالوث حسب عقيدة النصارى، هو الامبراطور ثيودوسيوس الكبير الذي رعى عقد مجمع القسطنطينية (٩٢)، وأنه وقادة الكنيسة تنفسوا الصعداء وشعروا كما شعر الامبراطور قسطنطين وقادة الكنيسة بعد قبول قانون الإيمان النيقوي في سنة ٣٢٥م، بسرور وارتياح عظيمين؛ لأنهم ظنوا بأن مجمع نيقية استطاع أن يستأصل الهرطقة من جذورها، وأن يعيدوا الوحدة إلى الامبراطورية وإلى الكنيسة المهددتين بالانقسام والاضطراب (٩٣) .
وعندما تقرر رسميًا إقرار الاعتقاد بألوهية الروح القدس في مجمع القسطنطينية سنة ٣٨١م، أصدر الامبراطور ثودوسيوس الكبير مرسومًا أعلن فيه: «حسب تعليم الرسل وحق الإنجيل، يجب علينا أن نؤمن بلاهوت الأب والابن والروح القدس، المتساوي في السلطان، وكل من يخالف ذلك يجب عليه أن ينتظر منا العقوبات الصارمة التي تقتضي سلطتنا بإرشاد الحكمة السماوية أن نوقعها به، علاوة على دينونة الله العادل» (٩٤) .
[ ٨ / ٢٢٠ ]
ويستنتج زكي شنودة في آخر البحث الخامس الذي عقده للحديث عن المجامع: «أن هذه المجامع كانت في بداية أمرها وسيلة للدفاع عن الإيمان المسيحي، ثم لم تلبث أن أصبحت بعد ذلك أداة في يد الامبراطور لتنفيذ أغراضه، مستغلًا في ذلك مطامع الأساقفة وطموحهم إلى الجاه والنفوذ والسلطان، وهكذا أصبحت المجامع أداة هدم بعد أن كانت أداة بناء، وقد فتحت الباب على مصراعيه للخصومة بين المسيحيين في البلاد المختلفة» (٩٥) .
ولكن استنتاجه هذا يرفضه سرده هو للأحداث، فإن المجامع من أول لحظة عقدت فيها وهي تحت سلطان الدولة، وشواهد ذلك من كلامه إذ يقول: «وقد عقد في نيقية عاصمة بثينية بآسيا الصغرى في ٢٠ مايو سنة٣٢٥ميلادية بأمر الامبراطور قسطنطين الكبير وقد حضره بنفسه» (٩٦)، ويقول: «وعند افتتاح جلسات المجمع دخل الامبراطور قسطنطين وتصدر الاجتماع، ثم ألقى خطابًا حض فيه على فض المشاكل بالحكمة» (٩٧)، وقال في مجمع القسطنطينية سنة ٣٨١ م: «وقد عقد في مدينة القسطنطينية بأمر الامبراطور ثاؤدوسيوس الكبير» (٩٨)، وقال في مجمع أفسس الأول سنة ٤٣١ م: «وقد عقد في مدينة أفسس بأمر الامبراطور ثاؤدوسيوس» (٩٩)، وقال في مجمع أفسس الثاني سنة ٤٤٩ م: «وقد عقد مجمع أفسس الثاني سنة ٤٤٩ ميلادية بأمر الامبراطور تاؤدوسيوس» (١٠٠) .
[ ٨ / ٢٢١ ]
أما في مجمع خلقدونية سنة ٤٥١ م فلم يذكر اسم الامبراطور الذي أمر بانعقاده (١٠١)، فدلت هذه الشواهد على أن ما قاله زكي شنودة ليس مستقيمًا؛ لأن المجامع كلها التي تعترف بها الكنيسة القبطية كانت بأمر الامبراطور، والمؤرخون السياسيون يقررون أن الأباطرة جميعًا استخدموا الدين سلاحًا لكسبهم السياسي، ولو كانت المجامع حقًا للدفاع عن الإيمان لما تركت الدين القويم الذي جاء به المسيح ﵇، ولما تركت أعمال الحواريين الذين كانوا على الدين الحق، التي لا يوجد شىء منها في قانون الإيمان المقدس عندهم، ولا في وقائع عمل المجامع خاصة فيما يتعلق بالعقيدة التي هي لب الإيمان (١٠٢) .
وبعد هذا العرض لمراحل إقراراعتقاد ألوهية الروح القدس عند النصارى نستنتج مايأتي:
١ إقرارهم في مجمع نيقية سنة ٣٢٥ م، الإيمان بروح القدس، فقالوا: «ونؤمن بالروح القدس» دون أن يذكروا حقيقته والأعمال الموكولة إليه.
٢ إقرارهم في مجمع القسطنطينية سنة ٣٨١ م، إضافة الاعتقاد بألوهية الروح القدس، مع إضافة بعض صفاته، فقالوا: «ونؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد، الناطق في الأنبياء»، كما جاء عن أحد قديسيهم، وكذا في قاموس كتابهم المقدس تفصيلات أكثر وضوحًا عن صفات الروح القدس، والأعمال الموكولة إليه، كما سبق الإشارة إلى ذلك.
٣ أن من النصارى من ينكراعتقاد ألوهية الروح القدس، كأسقف القسطنطينية البطريرك مكدونيوس،الذي يعتقد أنه كسائر المخلوقات، وخادم للابن كأحد الملائكة.
[ ٨ / ٢٢٢ ]
٤ اختلاف النصارى حول طبيعة المسيح، بعد إقرارهم اعتقاد ألوهيته، هل هو ذو طبيعتين ومشيئتين إلهية وإنسانية، أم ذو طبيعة واحدة ومشيئة واحدة إلهية وإنسانية؟ واختلافهم أيضًا حول انبثاق الروح القدس، هل هو من الآب فقط، أم من الآب والابن؟ وكان هذا الاختلاف حول طبيعة المسيح وانبثاقه، سبب انقسام النصارى إلى طوائف متعددة، كل طائفة تنكر ما عليه الطائفة الأخرى.
٥- كثرة عقد المجامع في مراحل تكوين العقائد النصرانية التي تصدر عنها قرارت أخرى بإضافة عقائد جديدة، وذلك بسبب كثرة المعارضين للعقائد الدخيلة من أنصار دعوة التوحيد، أومن الذين مازالوا على بقايا من دعوة المسيح ﵇.
٦- اضطراب ميول الأباطرة بين تأييد أصحاب العقائد التي تتفق مع وثنيتهم السابقة، وبين ما يحقق الوحدة إلى إمبراطوريتهم ويجنبها الانقسام والاضطراب، بدليل دعوتهم لعقد هذه المجامع ورعايتهم لها، وتأييدهم ما يرونه محققًا لأهدافهم الشخصية والسياسية.
[ ٨ / ٢٢٣ ]
ومن هذا يتبين ضلال النصارى واختلافهم في مراحل إقرار ألوهية الروح القدس،وأنهم ليسوا على شئ، حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم، إذ قد أقروا ببعض الحق وضلوا عن أكثره، فحين أقروا ببعض الأعمال والوظائف الموكولة إلى الروح القدس، والصفات التي وصفوه بها، وهي قولهم: الناطق في الأنبياء، الناطق بالناموس، والمعلم بالأنبياء، الذي نزل إلى الأردن ونطق بالرسل، روح الله، الذي حبلت منه السيدة العذراء، الذي يؤيد الله به من يشاء من عباده، ويعضدهم ويحفظهم، ويلهمهم، فهذه من صفات الروح القدس جبريل ﵇ وهذا هو الحق الذي دلت عليه نصوص كتبهم المقدسة من التوراة والإنجيل، وهو الذي يجعله الله في قلوب الأنبياء، هذا إذا كان الروح القدس ليس صفة الله حسب اعتقادهم ألوهيته، لأن صفة الرب القائمة به لاتنطق في الأنبياء، ولاتقوم بتلك الأعمال التي ذكروها، بل هذا كله صفة جبريل ﵇ وهو الروح القدس كما هو مذكور في الكتب الإلهية، الذي يجعله الله في قلوب الأنبياء بإلهام الوحي الإلهي، وبالقوة والثبات والنصرة التي يؤيد الله بها من يشاء من عباده المؤمنين
كما تبين لنا أن مراحل إقراراعتقاد النصارى ألوهية المسيح ﵇ وألوهية الروح القدس، وما تمخض عن هذه العقائد من إضافات عقدية واختلافات حولها في أروقة مجامعهم المقدسة، كانت بدافع الرغبة في السلطان من قبل رجال الدين، بإغراء من سلطة الأباطرة، الذين يؤيدون ما يتفق مع رغباتهم وميولهم، وما يتصورون أن يحقق الأمن والاستقرار لوحدة دولتهم من التمزق والانقسام،الذي ينتج عن الاختلافات العقدية، فكانت تلك القرارت العقدية تحت سلطان الترغيب والترهيب، الذي أدى إلى انحراف النصرانية عن مسارها الصحيح كما أنزلها الله على عبده ورسوله عيسى بن مريم، وآمن به أتباعه من بعده.
[ ٨ / ٢٢٤ ]
أما مرحلة اعتقادهم ألوهية الروح القدس بعد مراحل إقرار ألوهيته في مجمع القسطنطينية، بعد هذه المدة التي تجاوزت أكثر من ثلاثة قرون من رفع المسيح ﵇ فهو مردود وباطل، كما سنعرف ذلك في المباحث القادمة إن شاء الله.
المبحث الثالث: مرحلة اعتقاد النصارى ألوهية الروح القدس
تقررت عقيدة ألوهية الروح القدس عند النصارى في الاجتماع الذي عقد لهذا الغرض، في القسطنطينية سنة ٣٨١م، وأصبحت هذه الإضافة الجديدة التي لم تكن في قانون الإيمان الصادر عن مجمع نيقية سنة ٣٢٥م، من أصول الإيمان في عقيدتهم، وبه اكتملت الأقانيم الثلاثة المكونة من الآب والابن والروح القدس، وأصبحت عقيدة التثليث دين النصرانية حسب قانون إيمانهم المقدس، واعتبره النصارى: «هو القانون المعبر عن الإيمان المسيحي الحقيقي، وبناء على ذلك فمن يخالف تعاليم هذا القانون يخالف الإيمان المسيحي ويجب حرمانه» (١٠٣) .
يقول زكي شنودة: «وقد أجمع المسيحيون فيما عقدوه إبان القرن الرابع من مجامع عالمية أو مسكونية كما اعتادوا أن يسموها على وضع قانون للإيمان يتضمن المعتقد الصحيح لكل المسيحيين، ويقطع السبيل على كل من يحاول تغيير أمر أو تفسير أمر على غير مقتضى هذا القانون، وقد درج المسيحيون جميعًا منذ وضع هذا القانون في القرن الرابع الميلادي إلى اليوم على التمسك به وتلاوتة أثناء الصلاة في كل كنائس العالم دون استثناء» (١٠٤) .
ثم تحدث عن اعتقاد ألوهية الروح القدس فقال: «هو الأقنوم الثالث من اللاهوت الأقدس، وهو مساوٍ للآب والابن في الذات والجوهر والطبع وكل فضل اللاهوت، وهو روح الله، وحياة الكون ومصدر الحكمة والبركة، ومنبع النظام والقوة، ولذلك فهو يستحق العبادة الإلهية، والمحبة والإكرام والثقة مع الآب والابن» (١٠٥) .
[ ٨ / ٢٢٥ ]
ويقول القس يسي منصور: «إن الروح القدس هو الله الأزلي، فهو الكائن منذ البدء قبل الخليقة، وهو الخالق لكل شيء، والقادر على كل شيء، والحاضر في كل مكان، وهو السرمدي غير المحدود» (١٠٦)، ويقول في موضع آخر: «إن الروح القدس هو الأقنوم الثالث في اللاهوت، وهو ليس مجرد تأثير أو صفة أو قوة، بل هو ذات حقيقي، وشخص حي، وأقنوم متميز ولكنه غير منفصل، وهو وحدة أقنومية غير أقنوم الآب وغير أقنوم الابن، ومساوٍ لهما في السلطان والمقام، ومشترك وإياهما في جوهر واحد ولاهوت واحد» (١٠٧) .
فالأقانيم الثلاثة على زعمهم هي: الذات والنطق والحياة، فالذات هو الآب، والنطق أو الكلمة هو الابن، والحياة هي الله روح القدس، ومعنى ذلك في عقيدتهم: أن الذات والد النطق أو الكلمة، والكلمة مولودة من الذات، والحياة منبعثة من الذات حسب اعتقاد الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية، أو منبعثة من الذات والكلمة حسب اعتقاد الكنيسة الكاثوليكية والإنجيلية (١٠٨) .
ويزعم النصارى أن دليلهم على اعتقاد ألوهية الروح القدس مستمدة من كتابهم المقدس، وأن كل النصوص التي ورد فيها ذكر الروح القدس دليلًا على ألوهيته (١٠٩)، وقد سبق ذكر بعض هذه النصوص ومناقشتها في شواهد سابقة، وسيأتي ذكر بعضها ومناقشتها في شواهد لاحقة، إن شاء الله.
[ ٨ / ٢٢٦ ]
ولكن الناظر والمدقق في منطوق هذه النصوص ومفهومها يلاحظ أنه لا يوجد فيها ما يؤيد معتقدهم، فقد ضلوا في الوصول إلى الحق المراد منها، فكان ذلك سبب ضلالهم، لأنهم اعتمدوا على الألفاظ المتشابهة المنقولة عن الأنبياء، وعدلوا عن الألفاظ الصريحة المحكمة وتمسكوا بها، وهم كلما سمعوا لفظًا لهم فيه شبهة تمسكوا به وحملوه على مذهبهم، وإن لم يكن دليلًا على ذلك، والألفاظ الصريحة المخالفة لذلك، إما أن يفوضوها، وإما أن يتأولوها كما يصنع أهل الضلال يتبعون المتشابه من الأدلة العقلية والسمعية، ويعدلون عن المحكم الصريح من القسمين (١١٠) .
وسنذكر بعض الأمثلة عن تأويلهم قضايا عقدية أخرى غير قضية الروح القدس، تبين منهجهم في التأويل وصرف المعنى عن دلالته الصريحة الواضحة، إلى تأويلات باطلة، ولكنها حسب منهجهم صحيحة طالما أنها تؤدي إلى مطلوبهم كما يعتقدون، ومن هذه الأمثلة على تأويلهم لنصوص كتابهم المقدس، مايأتي:
المطلب الأول: تأويل نصوص التوراة:
يزعم القس بوطر في رسالة صغيرة، سماها الأصول والفروع، ان الله ﷿ بعد أن خلق الإنسان لبث حينًا من الدهر لا يعلن له سوى ما يختص بالوحدانية لله من خلال التوراة، ويزعم أن المدقق فيها يرى إشارات وراء الوحدانية، يعني على زعمه أنها تدل على عقيدتهم في التثليث الأب والابن والروح القدس وغير ذلك من المعتقدات التي تأولوا نصوص التوراة للتدليل عليها.
[ ٨ / ٢٢٧ ]
يقول القس بوطر: «بعدما خلق الله العالم، وتوج خليقته بالإنسان، لبث حينًا من الدهر لا يعلن له سوى ما يختص بوحدانيته، كما يتبين ذلك من التوراة، على أنه لا يزال المدقق يرى بين سطورها إشارات وراء الوحدانية، لأنك إذا قرأت فيها بإمعان تجد هذه العبارات: «كلمة الله أو حكمة الله، أو روح القدس» ولم يعلم من نزلت إليهم التوراة ما تكنه هذه الكلمات من المعاني، لأنه لم يكن قد أتى الوقت المعين الذي قصد الله فيه إيضاحها على وجه الكمال والتفصيل، ومع ذلك فمن يقرأ التوراة في ضوء الإنجيل يقف على المعنى المراد، إذ يجدها تشير إلى أقانيم في اللاهوت، ثم لما جاء المسيح إلى العالم أرانا بتعاليمه وأعماله المدونة في الإنجيل أن له نسبة سرية أزلية إلى الله، تفوق الإدراك، ونراه مسمى في أسفار اليهود: «كلمة الله» وهي ذات العبارة المعلنة في التوراة، ثم لما صعد إلى السماء أرسل روحًا، ليسكن بين المؤمنين، وقد تبين أن لهذا الروح أيضًا نسبة أزلية إلى الله فائقة، كما للابن، ويسمى الروح القدس، وهو ذات العبارة المعلنة في التوراة كما ذكرنا، ومما تقدم نعلم بجلاء أن المسمى بكلمة الله، والمسمى بروح الله في نصوص التوراة هما المسيح والروح القدس المذكوران في الإنجيل، فما لمحت إليه التوراة صرح به الإنجيل كل التصريح، وإن وحدة الجوهر لا يناقضها تعدد الأقانيم، وكل من أنار الله ذهنه وفتح قلبه لفهم الكتاب المقدس لا يقدر أن يفسر الكلمة بمجرد أمر من الله أو قول مفرد، ولا يفسر الروح بالقوة التأثيرية، بل لابد له أن يعلم أن في اللاهوت ثلاثة أقانيم متساوين في الكلمات الإلهية، وممتازين في الاسم والعمل، والكلمة والروح القدس إثنان منهم، ويدعى الأقنوم الأول الآب، ويظهر من هذه التسمية أنه مصدر كل الأشياء ومرجعها، وأن نسبته للكلمة ليست صورية بل شخصية حقيقية، ويمثل للأفهام محبته الفائقة، وحكمته
[ ٨ / ٢٢٨ ]
الرائعة، ويدعى الأقنوم الثاني الكلمة، لأنه يعلن مشيئته بعبارة وافية، وأنه وسيط المخابرة بين الله والناس، ويدعى أيضًا الابن، لأنه يمثل العقل نسبة المحبة، والوحدة بينه وبين أبيه، وطاعته الكاملة لمشيئته، والتمييز بين نسبته هو إلى أبيه، ونسبة كل الأشياء إليه، ويدعى الأقنوم الثالث الروح القدس، الدلالة على النسبة بينه وبين الآب والابن، وعلى عمله في تنوير أرواح البشر، وحثهم على طاعته وبناء على ما تقدم يظهر جليًا أن عبارة الابن لا تشير كما فهم بعضهم خطأ إلى ولادة بشرية، ولكنها تصف سرية فائقة بين أقنوم وآخر في اللاهوت الواحد، وإذا أراد الله أن يفهمنا تلك النسبة لم تكن عبارة أنسب من الابن للدلالة على المحبة والوحدة في الذات» (١١١) .
يقول الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ ونجد كاتب هذا الكلام يحاول ثلاث محاولات:
أولاها: إثبات أن التوراة وجد فيها أصل التثليث، لوحت به ولم تصرح، أشارت إليه، ولم توضح.
وثانيها: أن في اللاهوت ثلاثة أقانيم، وهي في شعبها متغايرة وإن كانت في جوهرها غير متغايرة.
وثالثها: أن العلاقة بين الآب والابن ليست ولادة بشرية، بل هي علاقة المحبة والاتحاد في الجوهر (١١٢) .
ومن الأمثلة على تحريف نصوص التوراة قول القس يسي منصور: «إذا قالت التوراة: «وقال الله نصنع الإنسان على صورتنا كشبهنا» (١١٣)، كان ضمير الجمع (نا) الذي تحدث به الله عن نفسه، فإن الله لم يتكلم بصيغة الجمع إلا باعتباره ثلاثة في واحد.
وإذا قالت التوراة: «فقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا، عارفًا الخير والشر» (١١٤)، كان المتكلم هو الله ممثلًا في أقانيمه الثلاثة.
وإذا قالت التوراة: «منذ وجوده أنا هناك.. ولأن السيد الرب أرسلني وروحه» (١١٥)، فمفهوم هذا أن ضمير (نا) يشير إلى الابن، و«السيد الرب» يشير إلى الأب، «وروحه» هو روح القدس.
[ ٨ / ٢٢٩ ]
وإذا قالت التوراة على لسان موسى مخاطبًا الأسباط الإثنى عشر، معلنًا فيهم وصايا الله لهم: «وهكذا تباركون إسرائيل قائلين لهم: يباركك الرب ويحرسك، يضئ الرب بوجهه عليك ويرحمك، يرفع الرب بوجهه عليك ويمنحك سلامًا، فيجعلون اسمي على بني إسرائيل وأنا أباركهم» (١١٦)، كان تأويل هذا هكذا: الله الأب يظهر محبته ويحرسهم، وربنا يسوع المسيح يظهر نعمته ويرحمهم، والروح القدس يظهر شركته ويمنحهم سلامًا» (١١٧)، وهذا التأويل لا شك أنه من الضلال عن الحق، إذ ليس في تلك النصوص التي استشهد بها ما يشير إلى الأقانيم الثلاثة حسب زعمهم بل إن جميع أسفار العهد القديم لا يوجد فيها ما يؤيد معتقدهم في التثليث، بدليل اعترافهم أنفسهم بذلك، إذ يقول أحدهم: «إن التعليم عن الروح القدس كأقنوم إلهي في الثالوث القدوس لم يرد في العهد القديم بشكل واضح، شأنه شأن التعليم عن الثالوث الإلهي نفسه، ولكن الروح القدس ذكر في العهد القديم في عدة مواضع» (١١٨)، وهذا يعني أن تأويلهم للنصوص بما يوافق معتقدهم من الظن والقول بغير علم، والدليل إذا دخله الاحتمال بطل به الاستدلال.
ومن تأويلهم للنصوص زعمهم أن ما تحدثت به التوراة عن «ملاك الرب» المقصود به الرب ذاته، يقول عوض سمعان: «إن كلمة ملاك أو ملاك الرب وردت في الكتاب المقدس مراد بها اسم الرب أو الله، فقد قال زكريا النبي:
[ ٨ / ٢٣٠ ]
«مثل الله مثل ملاك الرب» (١١٩)، وقال الوحي عن يعقوب: «جاهد مع الله، جاهد مع الملاك» (١٢٠)، وقال يعقوب عندما رأى ولدي يوسف: «الله الذي رعاني، الملاك الذي خلصني، يبارك الغلامين» (١٢١)، ثم يعلق عوض سمعان على هذه النصوص بقوله: «إن كلمة (ملاك) ليست في الأصل اسمًا للمخلوق الذي يعرف بها، بل إنها اسم للمهمة التي يقوم بها، وهذه المهمة هي تبليغ الرسائل، فالاصطلاح (ملاك الرب) معناه حسب الأصل: «المبلغ لرسائل الرب» ولما كان الرب هو خير من يقوم بتبليغ رسائله؛ لأن كل ما عداه محدود، والمحدود لا يستطيع أن يعلن إعلانًا كاملًا ذات أو مقاصد غير المحدود، لذلك يحق أن يسمى الرب من جهة ظهوره لتبليغ رسائله «ملاك الرب» بمعنى المعلن لمقاصده أو المعلن لذاته، وبالحري بمعنى «ذاته معلنًا أو متجليًا» لأنه لا يعلن ذات الله سوى الله» (١٢٢) .
هذا التأويل الباطل الذي جاء به النصارى لنصوص التوراة بعد أكثر من ألفي سنة من نزولها على موسى ﵇، وعلى الأنبياء من بعده، لم يكن هذا التأويل معروفًا عند من نزلت عليهم، بل كانوا على علم أن الذي يأتيهم بالوحي ويتحدث إليهم هم ملائكة الله، وليس الله ذاته، وكذلك لم يكن هذا التأويل معروفًا عند اليهود وهم أهل التوراة الذين لم يفهموا منها سوى ما بلغهم به أنبياؤهم، بدليل ماسبق ذكره عند الحديث عن حقيقة الروح القدس عند اليهود في المطلب الأول من المبحث الأول.
[ ٨ / ٢٣١ ]
وكذلك أناجيل النصارى التي تحدثت عن وجود الملائكة، وعددهم ووظائفهم، ورسالتهم، لم يأت فيها ذكر أنهم هم ذات الله، يقول المسيح ﵇: «لأنهم في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء» (١٢٣)، ويقول أيضًا: «أتظن أني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيقدم لي أكثر من اثنى عشر جيشًا من الملائكة» (١٢٤)، وجاء في الإنجيل: «وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين، المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة» (١٢٥) . ونصوص أخرى ذكرت أن ملاك الله بشر زكريا بميلاد يوحنا (يحيى ﵇) (١٢٦)، وبشر مريم بميلاد المسيح ﵇ (١٢٧)، وعن السبعة من الملائكة ووظائفهم (١٢٨)، وغير ذلك من النصوص، التي تدل على أن الملائكة خلق من خلق الله، وأنهم رسله إلى من يشاء من خلقه (١٢٩) .
وحسب تأويلهم للنصوص، يمكن القول إن تأويل المراد من الملائكة في هذه النصوص الآنفة الذكر هم ذات الله أيضًا، وإذا كان كذلك فهذا يدل على أنهم لا يفرقون بين الله وملائكتة، ولا بين الخالق والمخلوق.
المطلب الثاني: تأويل نصوص الإنجيل:
ومن أمثلة تأويل نصوص الإنجيل، ما جاء في خاتمة إنجيل متى: «فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس» (١٣٠)، فزعموا أن تأويل المراد من هذا النص أنه يشير إلى الأقانيم الثلاثة، وأن كل أقنوم منها إلهٌ بذاته (١٣١) .
لكن تأويلهم هذا من التأويل الباطل الذي ضلوا فيه عن الحق، إذ مراد المسيح على فرض صحته عنه خلاف المراد الذي يعتقده النصارى، وللعلماء في تأويل المراد من هذا النص عدة احتمالات: فإما أن يكون مراد المسيح
[ ٨ / ٢٣٢ ]
كما يقول الإمام ابن تيمية (١٣٢) أي: «مروا الناس أن يؤمنوا بالله ونبيه الذي أرسله، وبالملك الذي أنزل عليه الوحي الذي جاء به، فيكون ذلك أمرًا لهم بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهذا هو الحق الذي يدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول» (١٣٣)، وإما أن يكون مراد المسيح كما يقول المهتدي نصر بن يحيى المتطبب (١٣٤): «إن كان صحيحا ً، فيحتمل أن يكون قد ذهب فيه بجميع هذه الألفاظ: أن يجتمع له بركة الله، وبركة نبيه المسيح، وبركة روح القدس، التي يؤيد بها الأنبياء والرسل، وأنتم إذا دعا أحدكم للآخر قال له: صلاة فلان القدس تكون معك، وإذا كان أحدكم عند أحد الآباء مثل جاثليق ومطران أو أسقف، وأراد أن يدعو له، يقول له: صلي علي، ومعنى الصلاة: الدعاء، واسم فلان النبي أو فلان الصالح الذي هو يعينك على أمورك، ويجوز أن يكون المسيح ذهب فيه إلى ما هو أعلم به، فكيف حكمتم بأنه ذهب إلى هذه الأسماء لما أضافها إلى الله تعالى، صارت إلهية، وجعلتم له أسماء، وهي: الأقانيم الثلاثة، وقد عبرتم في لغتكم أن الأقنوم: الشخص، فكيف استخرجتم ما أشركتموه بالباري تعالى ذكره عما تصفون بالتأويل الذي لا يصح» (١٣٥) .
وإما أن يكون مراد المسيح كما يقول الإمام القرطبي (١٣٦) أي:
[ ٨ / ٢٣٣ ]
«عمدوهم على تركهم هذا القول، كما يقول القائل: كل على اسم الله، وامش على اسم الله، أي على بركة اسم الله، ولم يعين الآب والابن من هما؟ ولا المعنى المراد بهما؟ فلعله أراد بالآب هنا: الملك الذي نفخ في مريم أمه الروح، إذ نفخه سبب علوق أمه وحبلها به، وأراد بالابن: نفسه، إذ خلقه الله تعالى من نفخة الملك، فالنفخة له بمثابة النطفة في حق غيره، ثم لا يبعد أيضًا في التأويل إن صح عن عيسى ﵇ أنه كان يطلق على الله لفظ الأب أن يكون مراده به: أنه ذو حفظ له، وذو رحمة وحنان عليه، وعلى عباده الصالحين، فهو لهم بمنزلة الأب الشفيق الرحيم، وهم له في القيام بحقوقه وعبادته بمنزلة الولد البار، ويحتمل أن يكون تجوز بإطلاق هذا اللفظ على الله تعالى، لأنه معلمه وهاديه ومرشده، كما يقال: المعلم أبو المتعلم، ومن هذا قوله تعالى في كتابنا: «ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل» (١٣٧)، على أحد تأويلاته، ومن هذين التأويلين: يصح حل ما وقع في أناجيلهم من هذا اللفظ، بل هذان التأويلان ظاهران وسائغان فيها» (١٣٨) .
ثم ذكر القرطبي شواهد من أناجيلهم، تدل على أن التأويل الذي ذهب إليه، هو الحق في بيان مراد المسيح من قوله لحوارييه عمدوا الناس باسم الآب والابن والروح القدس (١٣٩) .
ومن الشواهد من أناجيلهم التي ترد تأويلهم الباطل وتبطله، ما يأتي:
[ ٨ / ٢٣٤ ]
أولًا: إن ذكر الأب في الأناجيل معناه الله ﷾، يقول المسيح ﵇ في إحدى وصاياه لتلاميذه: «أحبوا أعداءكم، وباركوا لاعنيكم، وأحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات» (١٤٠)، ويقول المسيح أيضًا: «احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم، وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات» (١٤١)، وغير ذلك الكثير من النصوص التي تشير إلى أن الله ﷿ يطلق عليه لفظ الأبوة (١٤٢) . وليس في هذا معنى الأبوة التناسلية أو المفهوم الذي يفهم منه أنه إذا أطلق على الله لفظ الأب أن يكون له ولد، تعالى الله عن ذلك.
[ ٨ / ٢٣٥ ]
ثانيًا: أن كلمة الابن وردت في عدة نصوص من الأناجيل مضافة إلى الله وبدون إضافة، ومن هذه النصوص، أن إبليس يقول للمسيح: «إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزًا» (١٤٣)، وأنه قال له مرة أخرى: «إن كنت ابن لله فاطرح نفسك إلى الأسفل» (١٤٤)، وفي الإنجيل أن المسيح سأل تلاميذه مرة قائلًا: «من يقول الناس إني أنا ابن الإنسان؟ فقالوا: قوم يوحنا المعمدان وآخرون، إيليا وآخرون، أرميا أو أحد من الأنبياء، قال لهم: وأنتم من تقولون إني أنا؟ فأجاب سمعان بطرس: أنت هو المسيح ابن الله الحي» (١٤٥)، وهناك الكثير من النصوص الإنجيلية التي تنسب المسيح أنه ابنًا لله، ولكن هناك نصوص أخرى تبين أن هذه النسبة ليست خاصة بالمسيح، بل تلاميذ المسيح وكل المؤمنين هم أبناء الله، وهذا يدل على أن لفظة الابن في الأناجيل المراد بها رعاية الله وعنايته، وقربه من الناس، وحفظه ورحمته لهم، وليست صلة قرابة جسدية، ومن هذه النصوص قول المسيح: «وصلوا للذين يسيئون إليكم ويطردونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات» (١٤٦)، وأمرهم ﵇ أن يقولوا في صلاتهم: «أبانا الذي في السموات» (١٤٧)، وغير ذلك من النصوص (١٤٨) .
والمراد من هذه النصوص التي تطلق على المسيح ﵇ وعلى تلاميذه وعلى المؤمنين أنهم أبناء الله على فرض صحتها المراد منها المجاز وليس الحقيقة.
ونظير هذا ما أخبر الله ﷿ في القرآن الكريم، أن اليهود والنصارى قالوا: «نحن أبناء الله وأحباؤه» (١٤٩)، «أي نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه، وله بهم عناية، وهو يحبنا، ونقلوا عن كتابهم أن الله قال لعبده
[ ٨ / ٢٣٦ ]
إسرائيل: أنت ابني بكري، فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه، وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني ربي وربكم، ومعلوم أنهم لم يدعو لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى ﵇ وإنما أرادوا من ذلك معزتهم لديه، وحضوتهم عنده، ولهذا قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، قال الله تعالى ردًا عليهم: «قل فلم يعذبكم بذنوبكم» (١٥٠)، أي لو كنتم كما تدعون أبناء الله وأحباؤه، فلم أعد لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟» (١٥٠) .
ثالثًا: أما الرح القدس فإن النصارى يتأولون اعتقاد ألوهيته من عدة نصوص من العهد الجديد، ففي الإنجيل عن الحمل بعيسى ﵇ أن أم المسيح: «وجدت حبلى من الروح القدس» (١٥٢)، وفي الإنجيل أيضًا، أن مريم: «حبل به فيها من الروح القدس» (١٥٣)، وفي الإنجيل أيضًا أن السيح قال لتلاميذه: «فمتى ساقوكم ليسلموكم فلا تعتنوا من قبل بما تتكلمون ولا تهتموا، بل مهما أعطيتم في تلك الساعة فبذلك تكلموا، لأن لستم أنتم المتكلمين بل الروح القدس» (١٥٤)، وفي أعمل الرسل قول بطرس لحنانيا: «يا حنانيا لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس، أنت لم تكذب على الناس بل على الله» (١٥٥) .
[ ٨ / ٢٣٧ ]
كما يتأول النصارى اعتقاد ألوهية الروح القدس من أقوال من يسمونه بولس الرسول، الذي نسب إلى الروح القدس مايمكن أن ينسب إلى ذات الله وصفاته وأعماله وعبادته، كما ذكر ذلك قاموس الكتاب المقدس، مستدلًا بأقوال بولس الرسول التي وردت في هذا المقام (١٥٦)، إذ يقول: «أما تعلمون أن هيكل الله وروح الله يسكن فيكم» (١٥٧)، وقوله: «إن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائته أيضًا بروحه الساكن فيكم» (١٥٨)، وغير ذلك من النصوص التي يستشهدون فيها على أن الروح القدس هو الأقنوم الثالث من لاهوتهم المقدس، وأنه على زعمهم مساوٍ للأب والابن في الذات والجوهر، وغير ذلك من الصفات التي يزعمون أنها أدلة على إثبات ألوهيته واستحقاقه للعبادة الإلهية (١٥٩)، تعالى الله عن قولهم.
لكن اعتقادهم ألوهية الروح القدس باطل ومردود، ودليل ذلك مايأتي:
١ أن نصوص العهد القديم والعهد الجديد التي ورد فيها ذكر الروح مضافًا إلى الله وإلى القدس وبدون إضافة، جاءت بمعنى الوحي بالإلهام، وبمعنى الثبات والنصرة التي يؤيد الله بها من يشاء من عباده المؤمنين، وبمعنى ملاك الله جبريل ﵇ وبمعنى المسيح ﵇ كما سبق ذكر الشواهد على ذلك عند الحديث عن حقيقة الروح في المبحث الأول.
كذلك فإن حقيقة الروح حسب تعبير النصارى أنه: «الناطق في الأنبياء، الناطق في الناموس والمعلم بالأنبياء، الذي نزل إلى الأردن ونطق بالرسل، وأنه الروح القدس روح الله» فكل هذه المعاني تدل على أن حقيقة الروح القدس لاتدل على مرادهم باعتقاد ألوهيته، إذ لو كان إلهًا، لكان كذلك منذ أن خلق الله تعالى الخلق حتى قيام الساعة، لكن ذلك لم يكن.
[ ٨ / ٢٣٨ ]
٢ أن عقيدة ألوهية الروح القدس لم تكن معروفة في عصر المسيح ﵇ ولا في عصر حوارييه، ولا في القرون الثلاثة بعد رفع المسيح، بدليل أنهم في قانون إيمانهم المقدس سنة ٣٢٥م قالوا: «ونؤمن بالروح القدس»، دون أن يذكروا اعتقادهم ألوهيته، وبعد أكثر من نصف قرن حينما اجتمعوا في القسطنطينية سنة ٣٨١م، صدر عنهم قانون آخر أضافوا فيه اعتقادهم ألوهية الروح القدس، فقالوا: «ونؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد، الناطق في الأنبياء» أي أن اعتقادهم ألوهية الروح القدس جاء بعد أكثر من ثلاثة قرون من رفع المسيح، إضافة إلى أن قولهم هذا متناقض وباطل عقلًا ونقلًا، يقول الإمام ابن تيمية ﵀: «قلتم في أقنوم روح القدس الذي جعلتموه الرب المحيي أنه منبثق من الآب مسجود ممجد، ناطق في الأنبياء، فإن كان المنبثق ربًا حيًا، فهذا إثبات إله ثالث، وقد جعلتم الذات الحية منبثقة من الذات المجردة، وفي كل منهما من الكفر والتناقض ما لا يخفى، ثم جعلتم هذا الثالث مسجود له، والمسجود له هو الإله المعبود، وهذا تصريح بالسجود لإله ثالث مع ما فيه من التناقض، ثم جعلتموه ناطقًا بالأنبياء، وهذا تصريح بحلول هذا الأقنوم الثالث بجميع الأنبياء، فيلزمكم أن تجعلوا كل نبي مركبًا من لاهوت وناسوت، وأنه إله تام وإنسان تام، كما قلتم في المسيح، إذ لا فرق بين حلول الكلمة، وحلول روح القدس، كلاهما أقنوم، وأيضًا فيمتنع حلول إحدى الصفتين دون الأخرى، وحلول الصفة دون الذات، فيلزم الإله الحي الناطق بأقانيمه الثلاثة حالًا في كل نبي، ويكون كل نبي هو رب العالمين، ويقال مع ذلك هو ابنه، وفي هذا من الكفر الكبير والتناقض العظيم ما لا يخفى، وهذا لازم للنصارى لزومًا لا محيد عنه، فإن ما ثبت لنظيره، ولا يجوز التفريق بين المتماثلين، وليس لهم أن يقولوا:
[ ٨ / ٢٣٩ ]
الحلول أو الاتحاد في المسيح ثبت بالنص، ولا نص في غيره لوجوه: أحدها: أن النصوص لم تدل على شيء من ذلك.
الثاني: أن في غير المسيح من النصوص ما شابه النصوص الواردة فيه كلفظ الابن، ولفظ حلول روح القدس فيه، ونحو ذلك. الثالث: أن الدليل لا ينعكس فلا يلزم من عدم الدليل المعين عدم المدلول، وليس كل ما علمه الله وأكرم به أنبياءه أعلم به الخلق بنص صريح، بل من جملة الدلالات دلالة الالتزام، وإذ ثبت الحلول والاتحاد في أحد النبيين لمعنى مشترك بينه وبين النبي الآخر وجب التسوية بين المتماثلين، كما إذ ثبت أن النبي يجب تصديقه، لأنه نبي، ويكفر من كذبه لأنه نبي، فيلزم من ذلك تصديق كل نبي وتكفير من كذبه. الرابع: هب أنه لا دليل على ثبوت ذلك في الغير، فيلزم تجويز ذلك في الغير إذ لا دليل على إنتفائه، كما يقولون: إن ذلك كان ثابتًا في المسيح قبل إظهاره الآيات على قولهم، وحينئذٍ فيلزمهم أن يجوزوا في كل نبي أن يكون الله قد جعله إلهًا تامًا وإنسانًا تامًا كالمسيح وإن لم يعلم ذلك. الخامس: لو لم يقع ذلك، لكنه جائز عندهم، إذ لا فرق في قدرة الله بين اتحاده بالمسيح واتحاده بسائر الآدميين، فيلزمهم تجويز أن يجعل الله كل إنسان إلهًا تامًا وإنسانًا تامًا، ويكون كل إنسان مركبًا من لاهوت وناسوت، وقد تقرب إلى هذا اللازم الباطل من قال بأن أرواح بني آدم من ذات الله، وأنها لاهوت قديم أزلي فيجعلون نصف كل أدمي لاهوتًا، وهؤلاء يلزمهم من المحالات أكثر مما يلزم النصارى من بعض الوجوه، والمحالات التي تلزم النصارى أكثر من بعض الوجوه» (١٦٠) .
[ ٨ / ٢٤٠ ]
٣ ويدل على فساد عقيدتهم أن سبب عقد مجمع القسطنطينية الآنف الذكر أن هناك الكثير من النصارى الذين ما زالوا على عقيدة التوحيد، ينكرون ألوهية المسيح وألوهية الروح القدس، كأسقف القسطنطينية البطريرك مكدونيوس الذي يعتقد أنه كسائر المخلوقات، وخادم للابن كأحد الملائكة، كما أن اختلاف النصارى حول طبيعة المسيح، وحول انبثاق الروح القدس، وغيرها من أصول العقيدة، التي عقدوا من أجلها المجامع المتعددة لتقرير أصولها وما حدث بينهم من انقسامات وما نتج عنها من ظهور طوائف متعددة، كل طائفة تنكر ما عليه الطائفة الأخرى، كل ذلك وغيره يدل على أنهم ضلوا عن الوحي الإلهي الذي أنزله الله تعالى على المسيح ﵇ وعلى النبيين من قبله، إذ لو تمسكوا بالوحي لهدوا إلى الصراط المستقيم، الذي من أجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب.
٤ كما أن نصوص الإنجيل وأقوال بولس الرسول التي تدل بزعمهم على ألوهية الروح القدس باطلة بنصوص الإنجيل نفسه، وبأقوال بولس نفسه أيضًا، ودليل ذلك مايأتي:
أأن ملاك الله جبريل ﵇، بشر زكريا ﵇ بميلاد يوحنا المعمدان يحيى ﵇ وأنه يكون عظيمًا أمام الرب، ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس، إذ جاء في الإنجيل: «فقال الملاك: لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سمعت، وامرأتك إليصابات ستلد لك ابنًا، وتسميه يوحنا ويكون لك فرح وابتهاج وكثيرون سيفرحون بولادته، لأنه يكون عظيمًا أمام الرب، وخمرًا ومسكرًا لا يشرب، ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس، ويرد كثيرين من بني إسرائيل إلى الرب إلههم» (١٦١)، هذا النص يفيد أن جبريل ملاك الله بشر زكريا بمولد ابنه، وأنه يكون عظيمًا أمام الله ﷿، عفيفًا عن المسكرات، ويؤيده الله بروح القدس، وأنه يرد بني إسرائيل إلى الرب إلههم.
[ ٨ / ٢٤١ ]
وهذا النص لا يستشهد به النصارى دليلًا على اعتقادهم ألوهية الروح القدس، ضمن شواهدهم التي يستدلون بها على ألوهية الروح القدس (١٦٢)؛ لأنه ضد عقيدتهم هذه، ولا أحد من النصارى زعم أن الروح القدس الذي أيد الله به يوحنا، أنه إلهًا بذاته، لأنه كيف يكون إلهًا، ويوحنا نفسه كما في النص يكون عظيمًا أمام الله، فلو زعموا أن الروح القدس في هذا النص إلهًا مستقلًا، لانكشف لهم فساد معتقدهم في تأليه الروح القدس.
ب أن ملاك الله جبريل ﵇، بشر مريم بميلاد المسيح ﵇ إذ جاء في الإنجيل: «وفي الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصرة، إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف، واسم العذراء مريم فقال لها الملاك: لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله، وها أنت ستحبلين وتلدين ابنًا، وتسمينه يسوع فقالت مريم للملاك: كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلًا، فأجاب
الملاك، وقال لها: الروح القدس يحل عليك» (١٦٣)، وفي الإنجيل أيضًا: «أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا، لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس، فيوسف رجلها إذ كان بارًا ولم يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سرًا، ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلًا يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ امرأتك لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس فستلد ابنًا وتدعو اسمه يسوع» (١٦٤) .
والمراد من الروح القدس الذي حل على مريم في هذين النصين، أحد أمرين: إما أن يكون المراد به جبريل ﵇، وهذا يتفق مع ما ذكره الله ﷿ عن مريم في قوله: «فاتخذت من دونهم حجابًا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويًا» (١٦٥)، والروح كما قال المفسرون: هو جبريل ﵇ (١٦٦) .
[ ٨ / ٢٤٢ ]
أو أن يكون المراد به الروح التي هي من الله، وهذا يتفق مع قوله تعالى: «وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه» (١٦٧)، ومعنى «وروح منه» أي: أن الله أرسل جبريل فنفخ في درع مريم فحملت بإذن الله، وهذه الإضافة للتفضيل، وإن كان جميع الأرواح من خلقه تعالى، وقيل: قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحًا ويضاف إلى الله، فيقال هذا روح من الله: أي: من خلقه، كما يقال في النعمة أنها من الله، وقيل «روح منه» أي: من خلقه، كما قال تعالى: «وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه» (١٦٨)، أي: من خلقه، وقيل: «روح منه» أي: رحمة منه، وقيل: «روح منه» أي: برهان منه، وكان عيسى برهانًا وحجة على قومه، وقوله: (منه) متعلق بمحذوف وقع صفة للروح، أي: كائنة منه، وجعلت الروح منه سبحانه وإن كانت بنفخ جبريل لكونه تعالى الآمر لجبريل بالنفخ) (١٦٩)، ومثله قوله تعالى: «والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين» (١٧٠)، وقوله تعالى: «ومريم ابنت عمران التي احصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين» (١٧١) .
ت وفي الإنجيل أيضًا أن مريم حينما زارت إليصابات أم يحيى ﵇ وسلمت عليها: «فلما سمعت إليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت إليصابات من الروح القدس» (١٧٢)، وفي الإنجيل أيضًا:
[ ٨ / ٢٤٣ ]
«وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس، وتنبأ قائلًا، مبارك الرب إله إسرائيل» (١٧٣)، وفي الإنجيل أيضًا: «وكان رجل في أورشليم اسمه سمعان، وهذا الرجل كان بارًا تقيًا ينتظر تعزية إسرائيل، والروح القدس كان عليه، وكان قد أوحي إليه بالروح القدس أنه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب» (١٧٤)، فهذه النصوص تدل: إما على أن الروح القدس هو جبريل ﵇، أو أنه البرهان الذي يؤيد الله به أولياءه من عباده المؤمنين.
ث أن نصوص أناجيلهم ذكرت أن المسيح ﵇ بعد أن تعمد على يد يحيى ﵇: «وإذا السموات قد انفتحت له فرأي روح الله نازلًا مثل حمامة وآتيًا عليه» (١٧٥)، وأن يحيى شهد أن العلامة التي يعرف بها المسيح، أن يرى أن روح القدس نازلًا ومستقرًا عليه: «قائلًا إني قد رأيت الروح القدس نازلًا مثل حمامة من السماء فاستقرت عليه، وأنا لم أكن أعرفه، لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلًا ومستقرًا عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس» (١٧٦)، ونزول الروح القدس من السماء يدل على أنه ملك من الملائكة، حيث دلت النصوص أن هذا النازل من السماء هو ملاك الله جبريل ﵇.
[ ٨ / ٢٤٤ ]
كما أن هذه النصوص قد وصفت الروح بالنزول مثل حمامة، ومن المعلوم أن الروح القدس في عقيدة النصارى، هو الأقنوم الإلهي الثالث، في الثالوث المقدس، فالعجب كيف يرضى النصارى أن يكون الروح النازل بهذه الصفة إلهًا يستحق العبادة مع الله؟ وكيف يكون إلههم ومعبودهم جسمًا بهذه الصفة من الطيور المخلوفة؟ إن هذا الاعتقاد لاشك أنه مسبة لمقام الألوهية، إذ لم يعرفوا الله حق المعرفة، ولو عرفوا الله لما أشركوا معه آلهة أخرى، فالله وحده هو المعبود بحق، لا إله غيره ولا رب سواه، وعيسى عبد الله ورسله، والروح القدس هو ملاك الله جبريل ﵇ المبلغ وحيه إلى أنبيائه ورسله، والواجب عليهم الاعتقاد أن هذا الروح النازل مثل حمامة على المسيح ﵇ هو ملاك الله جبريل أمين وحي الله إلى المسيح وإلى جميع الأنبياء ﵈، ويدل على ذلك إضافة إلى ما سبق الاشارة إليه من مصادرهم أن من يسمونه بولس الرسول أخبر أن: «جبرائيل روح الله الحي» (١٧٧) .
[ ٨ / ٢٤٥ ]
ج أن في قول نبي الله يحيى بن زكريا في إنجيل متى: «أنا أعمدكم بماء للتوبة ولكن الذي يأتي من بعدى هو أقوى مني الذي لست أهلًا أن أحمل حذاءه هو سيعمدكم بالروح القدس ونار» (١٧٨)، وقوله أيضًا في إنجيل لوقا: «أنا أعمدكم بماء ولكن يأتي من هو أقوى مني الذي لست أهلًا أن أحل سيور حذائه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار» (١٧٩)، فهذه النصوص تدل على أن التعميد لم يكن باسم الثالوث المقدس كما يعتقد النصارى بل هو بروح القدس فقط، وهذا هو الذي اتفقت عليه نصوصهم المقدسة، أن يحيى ﵇ شهد وبلغ بني إسرائيل بأن المسيح سيعمدهم بروح القدس، وهذا يدل على بطلان اعتقاد النصارى أن المسيح أمر تلاميذه على زعمهم أن يعمدوا الناس باسم الثالوث المقدس حين قال: «فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس» (١٨٠)، علمًا أنه لم يرد عن المسيح ﵇ في الأناجيل والرسائل أنه عمد أحدًا من أتباعه باسم الروح القدس، أو بأي واحد من الأقانيم الثلاثة، ولو كان هذا هو الاعتقاد الحق لأمر أتباعه بذلك، بل لقد صرح أن الروح القدس الذي يعلمهم كل شيء لم يأت بعد؛ لأنه سيأتي في وقت لاحق، إذ قال ﵇: «وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم» (١٨١)، وقال ﵇: «وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به» (١٨٢)، وقوله أيضًا: «ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي» (١٨٣)، فكيف يكون الروح القدس إلهًا ثالثًا وهو لم يأت بعد؟ وكيف يتعمدون باسم الثالوث المقدس وهم ليسوا على يقين هل جاء كما أخبر المسيح، أم أنه ما زال منتظرًا، وأي حاجة لهم بانتظار من يأتي من بعده، وهم قد غفرت ذنوبهم بموت المسيح على
[ ٨ / ٢٤٦ ]
الصليب كما يعتقدون يقول المهتدي عبد الأحد داود (١٨٤): «إن الاعتقاد بأن موت عيسى على الصليب قد فدى المؤمنين من لعنة الخطيئة الأصلية، وأن روحه وبركته وحضوره في القربان المقدس سيبقى معهم إلى الأبد، هذا الاعتقاد تركهم دون حاجة إلى عزاء أو مجئ معزٍّ، ومن ناحية أخرى فإنهم إذا كانوا بحاجة إلى معزٍّ كهذا فإن جميع الادعاءات والمزاعم النصرانية حول تضحية المسيح وتحمله آلام الصلب، تتهافت وتصبح باطلة إن فكرة وسيط بين الله والناس هي أكثر استحالة حتى من فكرة المعزي، إذ لا يوجد وسيط بين الخالق والمخلوق، ووسيطنا أو شفيعنا المطلق هو وحدانية الله فقط، إن المسيح كان ينصح بالصلاة إلى الله سرًا والدخول في مقصوراتهم وإقفال الأبواب عليهم عند أداء الصلاة لأنه تحت هذه الظروف فقط يستمع «أبوهم الذي في السماء» لصلواتهم ويمنحهم بركته وغوثه فإن المسيح لم يستطع أن يعدهم بوسيط أو شفيع، فكيف نستطيع التوفيق بين هذه المتناقضات» (١٨٥) .
أما نحن المسلمين فإننا على يقين أن بشارات المسيح بالمعزي الروح القدس الآتي، هو محمد بن عبد الله ﷺ، كما ذكر ذلك بعض المهتدين من النصارى (١٨٦)، وغيرهم من الباحثين المسلمين (١٨٧) .
[ ٨ / ٢٤٧ ]
ح إن الروح القدس كان معروفًا في كلام الأنبياء المتقدمين والمتأخرين، وليس له مراد يخالف ظاهر ما دلت عليه نصوص الكتب الإلهية التي ورد الاستشهاد بعدة نصوص منها، يؤكد ذلك الإمام ابن تيمية ﵀ إذ يقول: «وأما روح القدس: فهي لفظة موجودة في غير موضع من الكتب التي عندهم، وليس المراد بها حياة الله باتفاقهم، بل روح القدس عندهم تحل في إبراهيم وموسى وداود وغيرهم من الأنبياء والصالحين، والقرآن قد شهد أن الله أيد المسيح بروح القدس، كما قال الله تعالى: «وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس» (١٨٨)، في موضعين من البقرة (١٨٩)، وقال تعالى: «يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس» (١٩٠)، وقال النبي ﷺ لحسان بن ثابت: «إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن نبيه» (١٩١)، وقال: «اللهم أيده بروح القدس» (١٩٢) وروح القدس قد يراد بها الملك المقدس كجبريل، ويراد بها الوحي، والهدى والتأييد الذي ينزله الله بواسطة الملك أو بغير واسطته، وقد يكونان متلازمين فإن الملك ينزل بالوحي، والوحي ينزل به الملك، والله يؤيد رسله بالملائكة وبالهدى.. قال تعالى: «يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده، لينذر يوم التلاق» (١٩٣)، وقال تعالى: «أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه» (١٩٤) وإذا كان روح القدس معروفًا في كلام الأنبياء المتقدمين والمتأخرين أنها أمر ينزله الله على أنبيائه وصالحي عباده سواء كان ملائكة تنزل بالوحي والنصر، أو وحيًا وتأييدًا مع الملك وبدون الملك، وليس المراد بروح القدس أنها حياة الله القائمة به، كما قال (المسيح): «عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس» (١٩٥)، ومراده مروا الناس أن يؤمنوا بالله ونبيه الذي أرسله، وبالملك الذي أنزل عليه الوحي الذي جاء به، فيكون ذلك أمرًا لهم بالإيمان
[ ٨ / ٢٤٨ ]
بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهذا هو الحق الذي يدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول، فتفسير كلام المعصوم بهذا التفسير الذي يوافق سائر ألفاظ الكتب التي عندهم ويوافق القرآن والعقل أولى من تفسيره بما يخالف صريح المعقول وصحيح المنقول، وهذا تفسير ظاهر ليس فيه تكلف، ولا هو من التأويل الذي هو صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره، بل هو تفسير له بما يدل ظاهره عليه باللغة المعروفة والعبارة المألوفة في خطاب المسيح وخطاب سائر الأنبياء» (١٩٦) .
خ أن ما جاء في رسائل بولس من عبارات تنسب إلى الروح القدس مايمكن أن ينسب إلى أسماء الله وصفاته وأعماله وعبادته، وبالأخص قوله:
«نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم، آمين» (١٩٧)، هذه العبارات هي التي حملت النصارى على الاعتقاد بألوهية المسيح وألوهية الروح القدس، وهي التي فتحت الباب إلى القول بالتثليث، ومع ذلك فإن استدلالهم بهذه العبارات باطل ومردود، للأدلة الآتية:
١ أنه ليس فيها مايدل على أن لفظ الروح القدس معناه الإله، وليس فيها مايدل على مايمكن أن ينسب إليه من أسماء الله وصفاته وأعماله وعبادته، وأنه على زعمهم الأقنوم الثالث في ثالوثهم المقدس، بل الحق أنها تدل على معنى القوة والثبات التي يؤيد الله بها من يشاء من عباده المؤمنين، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص العهد القديم والعهد الجديد، فلفظ الروح القدس لاتخرج عن هذا المعنى الذي سبق بيانه في الفقرات السابقة، ولاعن المعاني التي سبق بيانها عند الحديث عن حقيقة الروح القدس في المبحث الأول.
[ ٨ / ٢٤٩ ]
٢ أنه على فرض أن بولس يعني بهذه العبارات ألوهية المسيح وألوهية الروح القدس، فإنه يكون قد خالف أقوال المسيح ﵇ التي تدل على بطلان هذا الزعم الباطل، ويكون قد دعا إلى عقيدة تخالف العقيدة التي دعا إليها المسيح، وشرع خلاف شريعة المسيح، علمًا أنه ليس من تلاميذ المسيح ولا من رسله، ولم يشاهد المسيح إطلاقًا، ولا سمعه يبشر بدعوته، بل كان من أشد اليهود عداء للمسيح وأتباعه، فقد كان يسافر من القدس إلى دمشق ليأتي بالنصارى لعقابهم وإنزال الأذى بهم (١٩٨)، ثم بعد زعمه الانضواء تحت ظل النصرانية، ظل موضع شك تلاميذ المسيح في صدق دعواه؛ لأنهم رأوا منه مايخالف دين المسيح ﵇ فقد اختلف بولس مع برنابا أحد تلاميذ المسيح (١٩٩)، كما أن بطرس رئيس الحواريين أنكر على بولس دعوته التي خالف بها دعوة المسيح (٢٠٠)، كما قامت ضده طوائف النصارى في آسيا، ورفضت تعاليمه وإنجيله كما اعترف بذلك في رسالته الثانية إلى تيموثاوس (٢٠١)، وحين يئس من قبول نصارى الشرق في عصره لتعاليمه الغريبة، فقد التجأ إلى الشعوب الأوربية، وصار يبث بينهم تعاليمه شيئا
فشيئا، حتى تمكن منهم، فأباح لهم كافة المحرمات، ورفع عنهم جميع التكاليف من الشريعة الموسوية التي جاء بها المسيح ﵇ فوافق مذهبه مشارب الوثنيين في أوربا، فكثر تابعوه ومقلدوه في حياته وبعد مماته، التي خالفوا فيها عقيدة المسيح وأتباعه، كما دل على ذلك رسالته إلى أهل رومية التي أبطل فيها شريعة التوراة (٢٠٢) .
وبهذا يتبين أن بولس هو الذي وضع البذور التي نقل بها النصرانية من التوحيد إلى التثليث، ووافقت فكرة التثليث الجماهير التي كانت قد نفرت من اليهودية لتعصبها، ومن الوثنية لبدائيتها، فوجدت في الدين الجديد ملجأ لها، وبخاصة أنه أصبح غير بعيد عن معارفهم السابقة التي ألفوها وورثوها عن أجدادهم (٢٠٣) .
[ ٨ / ٢٥٠ ]
وهذا التحريف لدين المسيح الحق الذي أحدثه بولس، اعترف به بعض علماء النصارى قديمًا وحديثًا، يقول جورجيا هاركنس من علمائهم: «وهذا التثليث افترضه بولس في نهاية رسالته الثانية إلى كورنثوس، حيث يعطي الكنيسة بركته بقوله: «نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم، آمين» (٢٠٤)، وتستعمل هذه الكلمات كبركة في ختام خدمات العبادة لقرون عديدة» (٢٠٥) .
وهذا الباب الذي فتحه بولس على النصرانية، ظل كما يقول الدكتور أحمد شلبي: «مفتوحًا، واستطاع بعض أتباع بولس أن يصيروا من آباء الكنيسة وذوي الرأي فيها، وتم امتزاج تقريبًا بين آراء مدرسة الإسكندرية وبين المسيحية الجديدة»، ثم ذكر الدكتور شلبي قول (ليون جوتيه): «إن المسيحية تشربت كثيرًا من الآراء والأفكار الفلسفية اليونانية، فاللاهوت المسيحي مقتبس من المعين الذي صبت فيه الإفلاطونية الحديثة، ولذا نجد بينهما مشابهات كثيرة» » (٢٠٦) .
وهكذا فإن بولس سواء قال بألوهية المسيح وألوهية الروح القدس أولم يقل، وسواء قال بالتثليث أولم يقل، فإن أقواله تلك حملت النصارى من بعده على القول بالتثليث، وأصبحت كلماته التي جاء بها في رسائله كتابًا مقدسًا، له ماللإنجيل من حرمة واحترام، فتناولها الشراح والدارسون من رجال الدين بكل مايملكون من طاقات البحث والنظر، وخرجوها على كل وجه ممكن أو غير ممكن، فكانت منها تلك الفلسفة اللاهوتية التي شغلت العقل النصراني ولاتزال تشغله، فكانت سببًا من أكبر الأسباب في نقل ديانة المسيح ﵇ من التوحيد إلى الشرك (٢٠٧) .
[ ٨ / ٢٥١ ]
ومع صريح ما تدل عليه ظاهر نصوص كتبهم المقدسة بشأن حقيقة الروح القدس، وبطلان اعتقاد النصارى ألوهيته، وأنه الأقنوم الإلهي الثالث في ثالوثهم المقدس، فإنهم يعتقدون أنه غير ملاك الله جبريل ﵇ كما يعتقدون خصوصية حلول الروح القدس على المسيح وعلى المؤمنين من أتباعه وأنه يلهمهم، وبيان ذلك والرد عليه في المبحث القادم إن شاء الله.
المبحث الرابع: الروح القدس والمسيح عند النصارى
علمنا فيما سبق حقيقة الروح في الكتاب والسنة وفي العهد القديم وفي العهد الجديد، وأنه ورد ذكرها فيها مضافة إلى الله، وإلى القدس، وبدون إضافة، وأنها قد تكون المراد منها الوحي الإلهي، أو القوة والثبات والنصرة التي يؤيد الله بها من يشاء من عباده المؤمنين، أو جبريل ﵇ أو المسيح ﵇ حسب مناسبة ورودها في التوراة والإنجيل والقرآن، التي تقدم ذكر شواهد منها للدلالة على ذلك.
وفي هذا المبحث سيكون الحديث إن شاء الله في الرد على اعتقاد النصارى أن الروح القدس غير جبريل ﵇ وعلى اعتقادهم خصوصية حلول الروح القدس على المسيح وعلى المؤمنين من أتباعه وأنه يلهمهم، وبيان ذلك فيما يأتي:
المطلب الأول: جبريل والروح القدس:
يعتقد النصارى أن ملاك الله جبريل ﵇ غير الروح القدس، ويستدلون على الفرق بينهما ببعض النصوص من كتابهم المقدس، التي تذكر ملاك الله جبريل أنه يأتي بالبشارة لمن يرسله الله إليهم، وأنهم بعد هذه البشارة يحل عليهم الروح القدس، وهذا هو دليلهم على الفرق بينهما.
[ ٨ / ٢٥٢ ]
واستنادًا على هذا الفرق بينهما فإن جبريل في تعريفهم هو: «ملاك ذي رتبة رفيعة، أرسل ليفسر رؤيا لدانيال، وبعث مرة في زيارة لنفس النبي ليعطيه فهمًا، وليعلن له نبوة السبعين أسبوعًا، وقد أرسل إلى أورشليم ليحمل البشارة لزكريا في شأن ولادة يوحنا المعمدان، وأرسل أيضًا إلى الناصرة ليبشر العذراء مريم بأنها ستكون أمًا للمسيح، وقد وصف جبرائيل نفسه بأنه واقف أمام الله» (٢٠٨) .
ومن النصوص التي ذكرت بشارة ملاك الله جبريل لمن أرسله الله إليهم، ثم حلول روح القدس عليهم، بشارة جبريل لزكريا بميلاد يوحنا وقوله له:
«ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس» (٢٠٩)، وبشارة جبريل لمريم بميلاد المسيح وقوله لها: «الروح القدس يحل عليك» (٢١٠)، وحينما قامت مريم بزيارة إليصابات زوجة زكريا وسلمت عليها: «فلما سمعت إليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت إليصابات من الروح القدس» (٢١١)، وكذلك زكريا: «وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس» (٢١٢) .
فهذه النصوص من أدلتهم على الفرق بين جبريل والروح القدس، ثم بعد حين من الزمن اعتقدوا ألوهيته وقالوا في قانون إيمانهم إنه: «الرب المحيي المنبثق من الآب، المسجود له والممجد مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء» (٢١٣)، واستدلالهم بتلك النصوص مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول، وبيان ذلك:
١ أن الروح القدس في عقيدتهم هو الإله الذي حبلت منه العذراء مريم ببشارة جبريل لها لتلد المسيح (الابن)، فالأقنوم الثالث حل في بطن مريم لتلد الأقنوم الثاني (الابن) .
[ ٨ / ٢٥٣ ]
وهذا الاعتقاد ظاهر البطلان؛ إذ كيف يكون الروح القدس جبريل ﵇ وهو أحد الملائكة المخلوقين من الله كما عرفنا حقيقته يبشر مريم الإنسان المخلوق، بحلول الإله الروح القدس عليها، لتلد الإله المسيح، فهذا يتنافى مع مقام الإله ﷾ الذي له الخلق والأمر، وهذا افتراء على الله، تعالى الله عن قولهم.
٢ ثم على فرض صحة قولهم كيف يتجسد الإله الأعلى الأقنوم الثاني وهو المسيح، من الإله الأدنى الأقنوم الثالث وهو الروح القدس، في بطن الإنسان المخلوق مريم، وهذا أيضًا من الافتراء والقول على الله وعلى رسله وملائكته بغير علم.
٣ كما أن الروح القدس الإله على زعمهم هو الذي حل في أناس مختارين لكتابة الوحي الإلهي، فكيف يكون الوحي الإلهي من الله الأب، إلى الله الروح القدس، ومن ثم إلى أناس مختارين؟ وهذا أيضًا من التناقض والافتراء.
٤ كما أن في الإنجيل أن أبا يحيى امتلأ من الروح القدس: «وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس» (٢١٤)، وكذلك أم يحيى حين زارتها مريم أم المسيح وسلمت عليها: «فلما سمعت إليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت إليصابات من الروح القدس» (٢١٥)، فهل يعني هذا أن الروح القدس، وهو الإله حسب عقيدتهم حل أيضًا في هؤلاء؟ تعلى الله عن قولهم.
[ ٨ / ٢٥٤ ]
٥ وإذا كان الروح القدس الإله في عقيدتهم، له كل هذه الأفعال والأعمال، فما هي فائدة وجود إله ثان هو المسيح، وما هو أثره في حياتهم؟ أليس من الواجب على النصارى حينئذ أن يتوجهوا في دعائهم إلى الروح القدس بدلًا من المسيح الذي على زعمهم: «صعد إلى السموات وجلس عن يمين الأب» (٢١٦)، والذي على زعمهم أيضًا: «يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات الذي ليس لملكه انقضاء» (٢١٧)، وزعمهم هذا يخالف صريح المعقول، وصحيح المنقول، فالمسيح ﵇ أمرهم أن يتوجهوا في صلاتهم إلى الله وحده الذي له الملك والقوة والمجد إلى الأبد، قال ﵇: «فصلوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السموات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفانا اعطنا اليوم، واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن للمذنبين إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير، لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد آمين» (٢١٨) .
ثم قال لهم المسيح: «فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضًا أبوكم السماوي، وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلاتكم» (٢١٩)، وفي الإنجيل: «ونعلم أن الله لا يسمع للخطاة، ولكن إن كان أحد يتقي الله ويفعل مشيئته فلهذا يسمع» (٢٢٠)، وقال المسيح ﵇: «ليس كل من يقول لي يارب يا رب يدخل ملكوات السموات، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات» (٢٢١) .
هذه النصوص وغيرها، تفيد أن المسيح ﵇ كان يأمر تلاميذه بالتوجه إلى الله في الصلاة وطلب المغفرة؛ لأن الله لا يستجيب لأحد مالم يتقه ويفعل مشيئته، ولا أحد يدخل ملكوت السموات ما لم يفعل إرادة الله وحده.
[ ٨ / ٢٥٥ ]
ولو كان المسيح نفسه، أو الروح القدس، لهم شيء من هذه الصفات الإلهية، لكان المسيح أولى بها من الروح القدس، فكيف وأن المسيح نفسه يأمر تلاميذة وكل المؤمنين به أن يكون توجههم لله دون سواه، قال المسيح ﵇: «لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد» (٢٢٢)، وقال أيضًا: «وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته، أنا مجدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته» (٢٢٣) .
فالمسيح ﵇ عبد الله ورسوله، وكذلك الروح القدس هو ملاك الله جبريل ﵇ فهو رسول الله بالوحي للأنبياء، وبالنصر والتأييد لهم ولغيرهم من أولياء الله الصالحين، كما تبين لنا ذلك عند الحديث عن حقيقة الروح القدس.
٦ كما أن في قولهم في قانون إيمانهم: إن الروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب حسب عقيدة الارثوذكس أو المنبثق من الأب والابن حسب عقيدة الكاثوليك والبروتستانت قولهم هذا فيه تناقض واضطراب، فكيف يكون الروح القدس ربًا محييًا وهو منبثق من موجد الحياة وهو الله ﷾، أو منبثقًا من الآب والابن، والابن حسب زعمهم مولود من الآب، ومعلوم أن الابن متأخرًا عن وجود الآب، وهذا يعني أن الانبثاق من الابن جاء متأخرًا، فهل هذا الانبثاق جاء على مرحتلين هذا على فرض صحة معتقدهم الواقع أنهم لن يجيبوا على ذلك بأفضل مما جاء في قانون إيمانهم المقدس.
[ ٨ / ٢٥٦ ]
٧ ثم إن الروح القدس المنبثق من الآب، أو من الآب والابن، والابن هو المسيح عندهم مولود من الآب، فهل الانبثاق والولادة شيء واحد أم يختلفان؟، وهم لن يقولوا إن المسيح مولود من الآب ولادة تناسلية من الله، ولا يعتقدون ذلك، بل سيقولون إن الولادة روحية، لأن المسيح حسب أعتقادهم هو الكلمة التي خرجت من الذات وهو الله فصارت الكلمة ابنًا للذات، وصارت الذات أبًا للكلمة، وصارت كلًا من الذات والكلمة أقنومًا قائمًا بذاته، يدعى الأول الله الأب، ويدعى الثاني الله الابن (٢٢٤) .
والروح القدس عندهم يمثل عنصر الحياة في الثالوث المقدس، ويعتبر أقنومًا قائمًا بذاته، وإلهًا مستقلًا بنفسه، والثالوث المقدس ثلاثة أقانيم هي: الذات والنطق والحياة، فالذات هو الله الآب، والنطق أو الكلمة هو الله الابن، والحياة هي الله الروح القدس، ويعتقدون أن الذات والد النطق أو الكلمة، والكلمة مولودة من الذات، والحياة منبثقة من الذات أو من الذات والكلمة على خلاف بين الكنائس (٢٢٥) .
ويتضح أنه لا يوجد فرق بين معنى الانبثاق، ومعنى الولادة، إذا كانت روحية، فكلاهما: الابن وهو الكلمة مولود من الله، والروح القدس وهو الحياة منبثق من الله، فيلزم أن يكون الابن والروح القدس أخوين، وأن الله أبوهما، تعالى الله وتقدس عن ذلك.
[ ٨ / ٢٥٧ ]
يقول ابن تيمية ﵀: «فقولهم: المنبثق من الآب الذي هو مسجود له وممجد، يمتنع أن يقال هذا في حياة الرب القائمة به، فإنها ليست منبثقة منه كسائر الصفات، إذ لو كان القائم بنفسه منبثقًا لكان علمه وقدرته، وسائر صفاته منبثقة منه، بل الانبثاق في الكلام أظهر منه في الحياة فإن الكلام يخرج من المتكلم، وأما الحياة فلا تخرج من الحي، فلو كان في الصفات ما هو منبثق لكان الصفة التي يسمونها الابن، ويقولون: هي العلم والكلام أو النطق والحكمة أولى بأن تكون من الحياة التي هي أبعد عن ذلك من الكلام، وقد قالوا أيضًا: إنه مع الآب مسجودًا له وممجد، والصفة القائمة بالرب ليست معه مسجودًا لها، وقالوا: هو ناطق في الأنبياء وصفة الرب القائمة به لا تنطق في الأنبياء، بل هذا كله صفة روح القدس الذي يجعله الله في قلوب الأنبياء، أو صفة ملك من الملائكة كجبريل، فإذا كان هذا منبثقًا من الأب، والانبثاق الخروج، فأي تبعيض وتجزئة أبلغ من هذا. وإذا شبهوه بانبثاق الشعاع من الشمس كان هذا باطلًا من وجوه، منها: أن الشعاع عرض قائم بالهواء والأرض، وليس جوهرًا قائمًا بنفسه، وهذا عندهم حي مسجود له، وهو جوهر. ومنها: أن ذلك الشعاع القائم بالهواء والأرض ليس صفة للشمس، ولا قائمًا بها وحياة الرب صفة قائمة به. ومنها: أن الانبثاق خصوا به روح القدس، ولم يقولوا في الكلمة إنها منبثقة، والانبثاق لو كان حقًا لكان الكلام أشبه منه بالحياة، وكلما تدبر أجهل العقلاء كلامهم في الأمانة وغيرها وجد فيه من التناقض والفساد ما لا يخفى على العباد، ووجد فيه من مناقضة التوراة والإنجيل، وسائر كتب الله ما لا يخفى على من تدبر هذا وهذا، ووجد فيه من مناقضة صريح المعقول ما لا يخفى إلا على معاند أو جهول، فقولهم متناقض في نفسه، مخالف لصريح المعقول، وصحيح المنقول عن جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم وسلامه
[ ٨ / ٢٥٨ ]
أجمعين» (٢٢٦) .
المطلب الثاني: المسيح والروح القدس:
ثبت كما علمنا بالأدلة الصريحة، أن الروح القدس هو جبريل، وجبريل هو الروح القدس، وعليه فإن زعم النصارى حلول الروح القدس على المسيح وحلوله على الملهمين من أتباعه دون سواهم باطل، وبيان ذلك:
١ أنه قد ثبت بالأدلة الصريحة، أن الروح القدس هو ملاك الله الذي ينزل بالوحي الإلهي، وهو الذي يؤيد الله به أنبياءه ورسله، ومن يشاء من عباده وأوليائه الصالحين وأهل التوراة وهم اليهود يعلمون أن روح القدس هو جبريل ﵇: «ولكنهم تمردوا وأحزنوا روح قدسه، فتحول لهم عدوًا وهو حاربهم» (٢٢٧)، لذلك حرصوا على سؤال الأنبياء عن الروح الذي يأتي بالوحي من السماء، فإن كان جبريل أعرضوا عن النبي ولم يسمعوا دعوته، وقد سبق الحديث في بيان عداوتهم له وعن سؤالهم النبي ﷺ، عن الذي يأتيه بالوحي، فلما أخبرهم النبي ﷺ أنه جبريل، قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب وبالقتال، ذاك عدونا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالقطر والرحمة تابعناك، فأنزل الله تعالى: «قل من كان عدوًا لجبريل فإنه نزله على قلبك» إلى قوله: «فإن الله عدو للكافرين» (٢٢٨) .
٢ أن جبريل ﵇ هو روح الله الذي جاء في الإنجيل أن مريم:
«وجدت حبلى من الروح القدس» (٢٢٩)، وهو العلامة التي عرف بها يحيى ﵇ المسيح أنه يرى: «الروح القدس نازلًا ومستقراَ عليه» (٢٣٠)، وهو الذي أخبر الله عنه أنه أيد به المسيح ﵇، قال تعالى: «وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس» (٢٣١)، وقوله تعالى: «إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس» (٢٣٢)، وهو الذي بأمر الله نفخ الروح في مريم، قال تعالى: «والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين» (٢٣٣) .
[ ٨ / ٢٥٩ ]
وهو أيضًا الذي نزل بالوحي على النبي ﷺ، قال تعالى: «قل نزله روح القدس من ربك بالحق» (٢٣٤)، وقوله تعالى: «نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين» (٢٣٥)، وغير ذلك من الأعمال التي أوكل الله بها جبريل ﵇، كما تقدم بيان ذلك.
٣ أن الروح القدس يسمى أيضًا روح الله، ويسمى الروح بدون إضافة ورد ذكر ذلك في التوراة والإنجيل والقرآن:
١.ففي التوراة أنه يهب القوة: «فكان عليه روح الرب وقضى لإسرائيل وخرج للحرب» (٢٣٦)، وجاء أيضًا: «فحل عليه روح الرب فشقه كشق الجدي وليس في يده شيء» (٢٣٧)، وجاء أيضًا: «وحل عليه روح الرب فنزل إلى أشقلون وقتل منهم ثلاثين رجلًا وأخذ سلبهم» (٢٣٨)، وأنه يهب الحكمة والفهم والمعرفة: «وملأته من روح الله بالحكمة والفهم والمعرفة وكل صنعة» (٢٣٩)، وأنه يهب قلبًا جديدًا وروحًا جديدًا: «وأعطيكم قلبًا جديدًا وأجعل روحًا جديدًا في داخلكم وأجعل روحي في داخلكم وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها» (٢٤٠)، وغيرذلك من النصوص (٢٤١) .
٢. كما جاء في الإنجيل أن الروح القدس مؤيد للمسيح في دعوته ومعجزاته، إذ جاء فيه: «وأما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس، وكان يقتاد بالروح في البرية» (٢٤٢)، وجاء فيه: «ورجع يسوع بقوة الروح إلى الجليل وكان يعلم في مجامعهم» (٢٤٣)، ويقول المسيح عليه
[ ٨ / ٢٦٠ ]
السلام: «روح الرب عليَّ لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب» (٢٤٤)، وأن الروح هو الذي أيد المسيح في إجراء المعجزات، ففي سفر أعمال الرسل: «يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذي جال يصنع خيرًا ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه» (٢٤٥)، فالروح القدس في هذه النصوص هي القوة التي أيَّد الله بها المسيح ﵇ والتي استطاع بها صنع المعجزات وشفاء الأمراض، وهذه القوة العلوية التي تسمى الروح القدس ليست قوة مادية منظورة، وليست إلهًا قائمًا بذاته كما يعتقد النصارى وإنما هي قوة روحية قدسية من لدن الله تعالى، كما أيد بها من سبقه من أنبيائه ورسله وأوليائه الصالحين، وهذا هو المعنى الذي دل عليه قول المسيح ﵇: «إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله» (٢٤٦)، فالمسيح ﵇ يشفي الأمراض ويخرج الشياطين بروح الله، أي بقوة من الله، ولا يتصور أحد أن روح الله التي يقصدها المسيح هنا هي الله ذاته، أو أنها جزء من الله.
كما جاء في الإنجيل أن المسيح ﵇ أخبر تلاميذه أن روح الله يهب القوة والتأييد فقال: «وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه» (٢٤٧)، وأنه يهب العلم: «وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم» (٢٤٨)، وأنه الذي يلهم للحق: «لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم» (٢٤٩)، وأنه يجب الإيمان به وعدم الكفر به: «لذلك أقول لكم كل خطية وتجديف يغفر للناس، وأما التجديف على الروح فلن يغفر للناس، ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له، وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي» (٢٥٠) .
[ ٨ / ٢٦١ ]
فهذه النصوص من التوراة والإنجيل تفيد أن حلول الروح القدس ليس خاصًا بالمسيح ﵇ ولا بمن يزعم النصارى أنه يلهمهم ويحل عليهم (٢٥١)، وإنما الروح هو الذي يؤيد الله به من يشاء من عباده، وهذا دليل على أن الروح ليس إلهًا كما يعتقد النصارى، وإنما هو ملاك من ملائكة الله، وهو جبريل ﵇.
٣. كما جاء في القرآن الكريم ما يصدق ما جاء في الكتب الإلهية السابقة عن حقيقة الروح القدس، وصفاته، والأعمال الموكولة إليه كما سبق الاستشهاد بهذه الآيات في مواضع سابقة (٢٥٢)، كما ثبت في السنة النبوية، أن النبي ﷺ، قال لحسان بن ثابت: «إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن نبيه» (٢٥٣)، وقوله: «اللهم أيده بروح القدس» (٢٥٤)، ويستشهد ابن تيمية ﵀ في هذا الحديث على عدم خصوصية المسيح بتأييد الروح القدس له دون سواه، فيقول: «فهذا حسان بن ثابت واحد من المؤمنين لما نافح عن الله ورسوله، وهجا المشركين الذين يكذبون الرسول أيده الله بروح القدس وهو جبريل ﵇، وأهل الأرض يعلمون أن محمدًا ﷺ لم يكن يجعل اللاهوت متحدًا بناسوت حسان بن ثابت، فعلم أن إخباره بأن الله أيده بروح القدس لا يقتضي اتحاد اللاهوت بالناسوت، فعلم أن التأييد بروح القدس ليس من خصائص المسيح، وأهل الكتاب يقرون بذلك، وأن غيره من الأنبياء كان مؤيدًا بروح القدس، كداود وغيره، بل يقولون: إن الحواريين كانت فيهم روح القدس، وقد ثبت باتفاق المسلمين واليهود والنصارى أن روح القدس يكون في غير المسيح، بل في غير الأنبياء» (٢٥٥) .
كما بين ابن تيمية ﵀ بعد أن ذكر قول داود ﵇:
[ ٨ / ٢٦٢ ]
«وروح قدسك لا تنزعه مني» (٢٥٦)، عدم خصوصية الروح القدس بالمسيح ﵇ فقال: «هذا دليل على أن روح القدس التي كانت في المسيح من هذا الجنس، فعلم بذلك أن روح القدس لا تختص بالمسيح، وهم يسلمون ذلك، فإن ما في الكتب التي بأيديهم في غير موضع أن روح القدس حلت في غير المسيح، في داود، وفي الحواريين، وفي غيرهم، وحينئذٍ فإن كان روح القدس هو حياة الله، ومن حلت فيه يكون لاهوتًا، لزم أن يكون إلهًا، لزم أن يكون كل هؤلاء فيهم لاهوت وناسوت كالمسيح، وهذا خلاف إجماع المسلمين والنصارى واليهود، ويلزم من ذلك أن يكون المسيح فيه لاهوتان: الكلمة، وروح القدس، فيكون المسيح من الناسوت: أقنومين أقنوم الكلمة، وأقنوم روح القدس، وأيضًا فإن هذه ليست صفة لله قائمة به، فإن صفة الله القائمة به، بل وصفة كل موصوف لا تفارقه وتقوم بغيره، وليس في هذا أن الله اسمه روح القدس، ولا أن حياته اسمها روح القدس، ولا أن روح القدس الذي تجسد منه المسيح، ومن مريم هو حياة الله ﷾، وأنتم قلتم: إنَّا معاشر النصارى لم نسمه بهذه الأسماء من ذات أنفسنا، ولكن الله سمى لاهوته بها، وليس فيما ذكرتموه عن الأنبياء أن الله سمى نفسه، ولا شيئًا من صفاته روح القدس، ولاسمى نفسه ولا شيئًا من صفاته ابنًا، فبطل تسميتكم لصفته التي هي الحياة بروح القدس، ولصفته التي هي العلم بالابن. وأيضًا فأنتم تزعمون أن المسيح مختص بالكلمة والروح، فإذا كانت روح القدس في داود ﵇ والحواريين وغيرهم بطل ما خصصتم به المسيح، وقد علم بالاتفاق أن داود عبد الله ﷿، وإن كانت روح القدس فيه، وكذلك المسيح عبد الله وإن كانت روح القدس فيه، فما ذكرتموه عن الأنبياء، حجة عليكم لأهل الإسلام، لا حجة لكم» (٢٥٧) .
[ ٨ / ٢٦٣ ]
ويدل أيضًا على عدم خصوصية الروح القدس بالمسيح ﵇ ولا بغيره، أن النصارى يقرون أن الروح القدس ناطق في الأنبياء، إذ قالوا في قانون إيمانهم المقدس: «الناطق في الأنبياء» (٢٥٨)، ويسمى في زعمهم حياة الله، وإذا كان كذلك فهذا باطل، إذ يقول ابن تيمية ﵀: «وحياة الله صفة قائمة به لا تحل في غيره، وروح القدس الذي تكون في الأنبياء والصالحين ليس هو حياة الله القائمة به، ولو كان روح القدس الذي في الأنبياء هو أحد الأقانيم الثلاثة لكان كل من الأنبياء إلهًا معبودًا قد اتحد ناسوته باللاهوت كالمسيح عندكم، فإن المسيح لما اتحد به أحد الأقانيم صار ناسوتًا ولاهوتًا، فإذا كان روح القدس الذي هو أحد الأقانيم الثلاثة ناطقًا في الأنبياء كان كل منهم فيه لاهوت وناسوت كالمسيح، وأنتم لا تقرون بالحلول والاتحاد إلا للمسيح وحده مع إثباتكم لغيره ما ثبت له» (٢٥٩)، وقال ﵀ في موضع آخر: «وهم إما أن يسلموا أن روح القدس في حق غيره ليس المراد بها حياة الله، فإذا ثبت أن لها معنى غير الحياة، فلو استعمل في حياة الله أيضًا لم يتعين أن يراد بها ذلك في حق المسيح، فكيف ولم يستعمل في حياة الله في حق المسيح، وأما أن يدعوا أن المراد بها حياة الله في حق الأنبياء والحواريين، فإن قالوا ذلك لزمهم أن يكون اللاهوت حالًا في جميع الأنبياء والحواريين، وحينئذٍ فلا فرق بين هؤلاء وبين المسيح» (٢٦٠) .
وبهذا يتبين حقيقة الروح القدس وأنه جبريل ﵇ وبطلان اعتقاد النصارى ألوهيته، وبطلان اعتقادهم خصوصية المسيح بحلول الروح القدس عليه أو على غيره دون سواهم.
خاتمة البحث:
وبهذا نأتي على ختام هذا البحث في هذه الدراسة العلمية النقدية عن اعتقاد النصارى ألوهية الروح القدس وأنه الرب المحيي، وقد توصلت إلى النتائج الآتية:
[ ٨ / ٢٦٤ ]
١ أن الروح القدس في الكتب الإلهية هو ما يؤيد الله به أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين من النصر والتأييد، ويأتي بمعنى الوحي الإلهي، وبمعنى جبريل ﵇، لكن أهل الكتاب لا سيما اليهود حرفوا معنى الروح القدس عن جبريل ﵇ لزعمهم أنه عدوهم، ثم تابعهم النصارى، وبعدها اختلفوا في تأويله، وآل أمرهم في نهاية الأمر إلى تأليهه، لأن تأليههم للمسيح ﵇ هو الذي قادهم لتأليه الروح القدس، لأنهم تصوروا أنه حين حبلت مريم بحلول الروح القدس فيها، أنها حبلت بالإله المسيح من الإله الروح القدس.
٢ إن إقرار ألوهية الروح القدس، حدث بعد رفع المسيح ﵇ بعدة قرون، وهو من ابتداع الأحبار والرهبان الذين قاوموا عقيدة التوحيد التي جاء بها المسيح ﵇، وكان إقرارهم لهذا الاعتقاد على مراحل عديدة وبعد النزاع والصراع بين التوحيد والوثنية التي تؤيدها الأباطرة الذين كانوا ما زالوا على وثنيتهم، فجاءت قرارات مجامعهم تبعًا لبدعهم وأهوائهم التي ضلوا فيها عن الحق.
٣ أن اعتقادهم ألوهية الروح القدس نتيجة لتأويلهم النصوص المتشابهة وجعلها دليلًا على معتقدهم، وتركهم النصوص المحكمة التي ترد باطلهم وإعراضهم عنها، رغم أنها صريحة في معانيها تؤيدها نصوص الكتب الإلهية السابقة، وأناجيلهم المقدسة، وشهادة القرآن الكريم لما ورد فيها من الحق، ورده لما فيها من الباطل.
٤ أن الروح القدس هو جبريل ﵇، وكان سبب ضلالهم أنهم زعموا أن الروح القدس غير جبريل، لأنهم حينما رأوا نصوصهم تارة تذكر الروح القدس، وتارة تذكر جبريل ظنوا أنهما شيئان مختلفان، فنسبوا إلى الروح القدس الصفات الإلهية التي جعلتهم يعتقدون ألوهيته، ولو تدبروا الأمر لوجدوهما شيئًا واحدًا كما تشهد بذلك نصوصهم المقدسة.
[ ٨ / ٢٦٥ ]
٥ أن الروح القدس ليس خاصًا بالمسيح فقط ولا بمن زعموا حلوله عليهم، بل إن الله أيد به الأنبياء والرسل السابقين وعباده المؤمنين، ونصوصهم شاهدة في أن روح القدس حل في كثير من الأنبياء، وفي الحواريين وفي غيرهم، وأن روح القدس يأتي بمعنى القوة والنصر والتأييد، وبمعنى
الوحي، وهو أيضًا اسم لجبريل ﵇، وهذا يرد باطلهم في الاعتقاد بألوهيته خلاف ما أخبر الله عنه في الكتب الإلهية.
وفي ختام هذه الخاتمة أرجو الله أن أكون قد وفقت للصواب، وأن يكون عملي خالصًا لوجه الله، وبالله التوفيق وهو المستعان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الهوامش والتعليقات
(١) انظر على سبيل المثال:
أإبراهيم لوقا المسيحية في الإسلام، الطبعة الأولى سنة ١٩٣٨، القاهرة.
ب البابا شنودة القرآن والمسيحية، مجلة الهلال، عدد ديسمبر سنة ١٩٧٠ ص ٢١ ٢٧
ج القمص بولس باسيلي المسيح في التوراة والإنجيل والقرآن، دار نوبار للطباعة، القاهرة، الطبعة الرابعة سنة ١٩٩٩.
(٢) سفر الخروج ٣١/٣
(٣) سفر حزقيال ١١/٥
(٤) المرجع السابق ٣٦/٢٦٢٧
(٥) سفر التكوين ٤١/٣٨٤٠
(٦) سفر المزامير ٥١/١٠١٢
(٧) سفر أشعياء ٦٣/١١١٢
(٨) المرجع السابق ٦٣/١٠
(٩) سفر صموئيل الثاني ٢٣/١
(١٠) سفر دانيال ٦/١٦١٧
(١١) المرجع السابق ٩/٢١
(١٢) سفر القضاة ١٤/٦
(١٣) المرجع السابق ١٤/٩
(١٤) المرجع السابق ٣/١٠
(١٥) انظر سفر التكوين ١/٢
(١٦) انظر سفر الجامعة ١٢/٧
(١٧) انظر سفر أيوب ٣٤/١٤
(١٨) أي: أن كل ماسوى كلام الله عزوجل مما يصدر عنه تعالى فهو مخلوق، فكل ماسوى الله فهو مخلوق من مخلوقاته.
(١٩) سفر أشعياء ٦٣/٧١٠
(٢٠) البقرة ٩٧
(٢١) رواه البخاري كتاب التفسير باب قوله تعالى «من كان عدوًا لجبريل» حديث رقم ٤٤٨٠، وكتاب التوحيد باب ذكر الملائكة، حديث رقم ٣٢٠٧
(٢٢) رواه الإمام أحمد في مسنده ج ١ ص ٢٧٣، الطبعة الميمنية عام ١٤٠٥
[ ٨ / ٢٦٦ ]
(٢٣) انظر جامع البيان عن تأويل آي القرآن مج ١ ج ١ ص ٤٣١ ٤٣٥
(٢٤) إنجيل مرقس ١٢/٣٦
(٢٥) إنجيل متى ٢٢/٤٣
(٢٦) سفر أعمال الرسل ٢٨/٢٥٢٦
(٢٧) رسالة بطرس الثانية ٢/٢١
(٢٨) سفر أعمال الرسل ٧/٥١ ٥٢
(٢٩) رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس ٣/٣
(٣٠) إنجيل لوقا ١/١٣١٥
(٣١) المرجع السابق ١/١٣١٥
(٣٢) إنجيل متى ١/١٨
(٣٣) إنجيل لوقا ٣/٢١٢٢
(٣٤) إنجيل يوحنا ١/٣٢٣٣
(٣٥) إنجيل مرقس ١/٩١٠
(٣٦) إنجيل لوقا ٤/١
(٣٧) المرجع السابق ٤/١٤١٥
(٣٨) المرجع السابق ٤/١٨
(٣٩) سفر أعمال الرسل ١٠/٣٨
(٤٠) إنجيل متى ١٠/١٧٢٠، وسفر أعمال الرسل ١/٤٨
(٤١) إنجيل لوقا ١٢/١١١٢، وسفر أعمال الرسل ١/٤٨
(٤٢) إنجيل متى ١٢/٢٤٢٨
(٤٣) المرجع السابق ١٢/٣١ ٣٢
(٤٤) إنجيل مرقس ٣/٢٨٣٠، وإنجيل لوقا ١٢/١٠
(٤٥) إنجيل متى ٣/١٠١٢
(٤٦) ذكر بعض العلماء الكثير من البشارات بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل، وذكروا أن من معاني الروح القدس دلالته على نبوة محمد ﷺ، وأن يحيى والمسيح ﵉ بشرا بنبي الإسلام ولقباه بالروح القدس، وسيأتي الحديث عن الشاهد الدال على ذلك في المبحث الثالث: المطلب الثاني فقره (ج)
(٤٧) إنجيل يوحنا ١/٣٢٣٣
(٤٨) إنجيل متى ٣/١٤١٧
(٤٩) انظر إنجيل متى ٥/٩، ٦/٩١٠،٣٢/٩، وإنجيل يوحنا ٢٠/١٧، ورسالة بولس إلى أهل رومية ٨/١٤١٥
(٥٠) الذاريات ٢٤٣٤
(٥١) انظر صحيح البخاري كتاب بدء الخلق باب إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء، حديث رقم ٣٢٣٤، ٣٢٣٥، ٣٢٣٦، وصحيح مسلم كتاب الإيمان باب قوله تعالى «ولقد رآه نزلة أخرى»، حديث رقم ٢٨٠٢٨٧
(٥٢) انظر صحيح البخاري كتاب الإيمان باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان، حديث رقم ٥٠، وصحيح مسلم كتاب الإيمان باب الإيمان باب الإسلام، حديث رقم ١، ٥، ٧.
(٥٣) ابن القيم الجوزية كتاب الروح ٢٤٠٢٤١
(٥٤) النحل ٢
(٥٥) الشورى ٥٢
(٥٦) غافر ١٥١٦
[ ٨ / ٢٦٧ ]
(٥٧) المجادلة ٢٢
(٥٨) الشعراء ١٩٢١٩٥
(٥٩) البقرة ٨٧
(٦٠) النحل ١٠٢
(٦١) البقرة ٨٧
(٦٢) المائدة ١١٠
(٦٣) الإسراء ٨٥
(٦٤) النبأ ٣٨
(٦٥) القدر ٤
(٦٦) النساء ١٧١
(٦٧) الأنبياء ٩١
(٦٨) التحريم ١٢
(٦٩) انظر ابن كثير تفسير القرآن العظيم ١/٩٩٨
(٧٠) المرجع السابق ١/٩٩٨
(٧١) رواه البخاري كتاب الأنبياء باب قوله تعالى «وإذقالت الملائكة يامريم» حديث رقم ٣٤٣٥، ومسلم كتاب الإيمان باب من لقي الله وهو غير شاك ١/٤٢
(٧٢) الجاثية ١٣
(٧٣) الشمس ١٣
(٧٤) الحج ٢٦
(٧٥) رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري من حديث طويل في شفاعة النبي ﷺ كتاب التوحيد باب قوله تعالى «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة» حديث رقم ٧٤٤٠
(٧٦) انظر ابن كثير تفسير القرآن العظيم ١/٨٩٨٩٠٠
(٧٧) الإمام القرافي هو: هو الشيخ الإمام شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي العلاء إدريس بن عبد الرحمن المصري الصنهاجي الهفشي، من قبيلة صنهاجه من برابرة المغرب، القرافي المالكي الفقيه الأصولي المفسر، ولد بمصر سنة ٦٢٦ هجرية، وكان إمام المالكية في عصره، له مصنفات كثيرة في العقيدة والفقه وأصوله، وله في الرد على النصارى مثل: الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة، تحقيق د. بكر زكي عوض، وأدلة الوحدانية في الرد على النصرانية، تحقيق عبد الرحمن دمشقية، توفي القرافي ﵀ في جمادى الآخرة سنة ٦٨٤ هجرية. (انظر كشف الظنون ٢/١١٥٣، وهدية العارفين ١/٩٩، وحسن المحاضرة ١/١٢٧، والأعلام للزركلي ١/٩٤٩٥)
(٧٨) الأنفال ٤١
(٧٩) الحجر ٤٢
(٨٠) الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة ٨٢٨٦
(٨١) حنا الخضري تاريخ الفكر المسيحي ٤/٦٣١
(٨٢) المرجع السابق ٤/٦٦٥٦٦٦
(٨٣) حنانيا إلياس كساب مجموعة الشرع الكنسي ص ٢٤٧
(٨٤) قاموس الكتاب المقدس، مادة (روح القدس) ص ٤١٤
[ ٨ / ٢٦٨ ]
(٨٥) انظر حنانيا إلياس كساب مجموعة الشرع الكنسي ص ٢٥٨٢٥٩،وزكي شنودة موسوعة تاريخ الأقباط ١/١٧٦
(٨٦) القس يوسف أسعد العذراء في التاريخ الكنسي ص ٥٣
(٨٧) انظر زكي شنودة موسوعة تاريخ الأقباط ١/١٧٩
(٨٨) انظر حنا الخضري تاريخ الفكر المسيحي ٤/٦٦٦
(٨٩) انظر محمد أبو زهرة محاضرات في النصرانية ص ١٥٥
(٩٠) رؤوف شلبي ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ص ٢١٧
(٩١) انظر المرجع السابق ص ٢١٠، ٢١٧
(٩٢) انظر أندرو ملر مختصر تاريخ الكنيسة ١/٣٠١
(٩٣) انظر حنا الخضري تاريخ الفكر المسيحي ٤/٦٣٢
(٩٤) أندروملر مختصر تاريخ الكنيسة ١/٣٠١
(٩٥) زكي شنودة موسوعة تاريخ الأقباط ١/١٨٠
(٩٦) المرجع السابق ١/١٧١
(٩٧) المرجع السابق ١/١٧٢
(٩٨) المرجع السابق ١/١٧٥
(٩٩) المرجع السابق ١/١٧٦١٧٧
(١٠٠) المرجع السابق ١/١٧٨
(١٠١) المرجع السابق ١/١٧٩
(١٠٢) انظر رؤوف شلبي ياأهل اللكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ص ٢٢٩
(١٠٣) حنا جرجس الخضري تاريخ الفكر المسيحي ٤/٦٣١
(١٠٤) موسوعة تاريخ الأقباط ١/١٤٢
(١٠٥) المرجع السابق ١/٢٤٦
(١٠٦) رسالة التثليث والتوحيد ص ٤٥
(١٠٧) المرجع السابق ص ٢٦٠
(١٠٨) انظر حنا الخضري تاريخ الفكر المسيحي ٤/٦٦٦
(١٠٩) انظر زكي شنودة موسوعة تاريخ الأقباط ١/٢٤٦ ٢٤٧
(١١٠) انظر ابن تيمية الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ١/٣١٧
(١١١) محمد أبو زهرة محاضرات في النصرانية ص ١٢١١٢٢
(١١٢) المرجع السابق ص ١٢٣
(١١٣) سفر التكوين ١/٣٦
(١١٤) المرجع السابق ٢/٢٢
(١١٥) سفر أشعياء ٤٧/١٦
(١١٦) سفر الخروج ٢٠/١٧
(١١٧) يسي منصور رسالة التثليث والتوحيد ص ٣٧، ٤٢
(١١٨) القمص ميخائيل جرجس علم اللاهوت العقيدي ١/١٨١
(١١٩) سفر زكريا ٢٢/٨
(١٢٠) سفر هوشع ١٢/٣
(١٢١) سفر التكوين ٤٨/١٥١٦
(١٢٢) الله.. طرق إعلانه عن ذاته ص ١٢
(١٢٣) إنجيل متى ٢٢/٣٠
(١٢٤) المرجع السابق ٢٦/٥٣
(١٢٥) إنجيل لوقا ٢/١٣١٤
(١٢٦) انظر المرجع السابق ١/١٣١٥
[ ٨ / ٢٦٩ ]
(١٢٧) انظر المرجع السابق ١/٢٦٣٥
(١٢٨) انظر رؤيا يوحنا اللاهوتي ٨/٢٦،١٧/١
(١٢٩) انظرإنجيل متى ١/١٩،٢/١٣،٢/١٩٢٠
(١٣٠) إنجيل متى ٢٨/١٩
(١٣١) انظر القمص ميخائيل جرجس علم اللاهوت العقيدي ١/١٤٧ ١٥٠، وانظر زكي شنودة موسوعة تاريخ الأقباط ١/٢٤٦٢٤٧
(١٣٢) ابن تيمية: هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني الدمشقي، أبو العباس، ولد عام ٦٦١ هجرية، يعتبر منكبار الأئمة المجتهدين، ومن علماء الإسلام المشهورين، ومن كبار المصلحين، له تصانيف تزيد على أربعة آلاف كراسة، عالم في التفسير والفقه وأصوله، والحديث والمنطق، من مؤلفاته في جدال النصارى: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، والرسالة القبرصية، توفي ﵀ عام ٧٢٨ هجرية. (انظر الذهبي تذكرة الحفاظ ٤/١٤٩٦، وابن كثير البداية والنهاية ١٤/١٦٣، والشوكاني البدر الطالع ١/٦٣)
(١٣٣) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٢/٩٩
(١٣٤) المتطبب هو: نصر بن يحيى بن عيسى بن سعيد المتطبب، كان نصرانيًا فأسلم، واشتهر بالمهتدي، من نصارى البصرة، وكان طبيبًا وأديبًا، لايعرف سنة ولادته، عاش بعد سنة ٤٤٩ هجرية، كان عالمًا بديانة قومه، أسلم بعد نظر وبحث وروية، كتب رسالة في الرد على النصارى سماها: النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية، كانت وفاته بالبصرة في شهر رمضان سنة ٥٨٩ هجرية (انظر: كشف الظنون ٢/١٩٥٧-١٩٥٨، وهدية العارفين ٢/٤٩٢، ومعجم الأدباء ٢٠/٤٠-٤١، وعيون الأنباء ٢/٣٢٩-٣٣٠، وانظر ترجمة وافية للمتطبب د. محمد السحيم مسلموا أهل الكتاب ١/١٩١-٢٠٠)
(١٣٥) النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية ص ١٢٦
[ ٨ / ٢٧٠ ]
(١٣٦) القرطبي: هو شمس الدين: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري القرطبي، لم يذكر العلماء سنة ولادته، من كبار المفسرين، مؤلف كتاب (الجامع لأحكام القرآن) وله مؤلفات أخرى، وينسب إليه كتاب في الرد على النصارى باسم (الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام، وإظهار محاسن دين الإسلام، وإثبات نبوة محمد ﵇) (انظر نفح الطيب ١/٤٢٨، والديباج المذهب ٣١٧، وتاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان ٢١٩)
(١٣٧) الحج ٧٨
(١٣٨) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ١/ ٦٤٦٥
(١٣٩) انظر المرجع السابق ١/٦٥٧٠
(١٤٠) إنجيل متى ٥/٤٤٤٥
(١٤١) المرجع السابق ٦/١
(١٤٢) انظر إنجيل متى ٦/٤،٦/٩،١٧/١١، ١٧/٢١،٢٦/٥٢-٥٣،ولوقا ١٠/٢٢-٢٣، ويوحنا ٨/٢٥-٢٩
(١٤٣) إنجيل متى ٤/٣
(١٤٤) المرجع السابق ٤/٦
(١٤٥) المرجع السابق ١٦/١٣١٦
(١٤٦) المرجع السابق ٥/٤٥
(١٤٧) المرجع السابق ٦/٩
(١٤٨) انظر المرجع السابق ٥/٩، ويوحنا ٨/٤١
(١٤٩) المائدة ١٨
(١٥٠) المائدة ١٨
(١٥١) ابن كثير تفسير القرآن العظيم ٢/٥٦
(١٥٢) إنجيل متى ١/١٨
(١٥٣) المرجع السابق ١/٢٠
(١٥٤) إنجيل مرقس ١٣/١١
(١٥٥) أعمال الرسل ٥/٣
(١٥٦) انظر قاموس الكتاب المقدس، مادة (الروح القدس) ص ٤١٤، وانظر إلياس مقار إيماني أو (القضايا المسيحية الكبرى) ص ١٨٣
(١٥٧) رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ٣/١٦
(١٥٨) رسالة بولس إلى أهل رومية ٨/١١
(١٥٩) انظر القمص ميخائيل جرجس علم اللاهوت العقيدي ١/١٨١-١٨٩، وانظر زكي شنودة موسوعة تاريخ الأقباط ١/٢٤٦-٢٤٧
(١٦٠) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٢/٢٥١-٢٥٢
(١٦١) إنجيل لوقا ١/١٣-١٥
(١٦٢) انظر على سبيل المثال:
أالقمص ميخائيل جرجس علم اللاهوت العقيدي ١/١٤٧-١٥٠
ب زكي شنودة موسوعة تاريخ الأقباط ١/٢٤٦-٢٤٧
(١٦٣) إنجيل لوقا ١/٢٦-٣٥
(١٦٤) إنجيل متى ١/١٨-٢١
(١٦٥) مريم ١٧
[ ٨ / ٢٧١ ]
(١٦٦) انظر ابن جرير جامع البيان عن تأويل آي القرآن مج ٩ ج ١٦/٦٠
(١٦٧) آل عمران ١٧١
(١٦٨) الجاثية ١٣
(١٦٩) محمد بن علي الشوكاني فتح القدير ١/٥٤٠-٥٤١
(١٧٠) الأنبياء ٩١
(١٧١) التحريم ١٢
(١٧٢) إنجيل لوقا ١/٤١
(١٧٣) المرجع السابق ١/٦٧-٦٨
(١٧٤) المرجع السابق ٢/٢٥-٢٦
(١٧٥) إنجيل متى ٣/١٣-١٧
(١٧٦) إنجيل يوحنا ١/٣٢-٣٣
(١٧٧) رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس ٣/٣
(١٧٨) إنجيل متى ٣/١١
(١٧٩) إنجيل لوقا ٣/١٦
(١٨٠) إنجيل متى ٢٨/١٩
(١٨١) إنجيل يوحنا ١٤/٢٦
(١٨٢) المرجع السابق ١٦/١٣
(١٨٣) المرجع السابق ١٥/٢٦
(١٨٤) عبد الأحد داود، كان اسمه قبل إسلامه: دافيد بنجامين كلداني، كان قسيسًا للروم من طائفة الكلدان، ولد في أروميا من بلاد فارس سنة ١٨٦٧ م، وتلقى تعليمه الابتدائي في تلك المدينة، سافر إلى روما وتلقى العلوم النصرانية فيها، وفي عام ١٨٩٥ م تم ترسيمه كاهنًا، أسهم في كتابة ونشر بعض المقالات عن الكنائس الشرقية، وكان يقوم بمهمة الوعظ والتعليم، كما تقلد مناصب أخرى، هداه الله إلى الإسلام وألف في الرد عليهم ومن كتبه: ١- الإنجيل والصليب، ٢- محمد في الكتاب المقدس. (انظر ترجمة وافية عنه: د. محمد بن عبد الله السحيم مسلموا أهل الكتاب، دار الفرقان للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى عام١٤١٧ هجرية، ج ١ ص٢٣٧-٢٥٩)
(١٨٥) محمد في الكتاب المقدس ص ٢٢٠
(١٨٦) انظر عبد الأحد داود محمد في الكتاب المقدس ص ١١٧ وما بعدها، وانظر إبراهيم خليل أحمد محمد في التوراة والإنجيل والقرآن ص ٨٩
(١٨٧) انظر أحمد حجازي السقا البشارة بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل ٢/٢٦٨-٢٩٩، وكتابه: أقانيم النصارى ص ٤٢-٥٨، وانظر محمد رواس قلعة جي محمد في الكتب المقدسة ص ١١-١٦
(١٨٨) البقرة ٨٧
(١٨٩) البقرة ٢٥٣
(١٩٠) المائدة ١١٠
[ ٨ / ٢٧٢ ]
(١٩١) رواه البخاري كتاب الصلاة باب الشعر في المسجد، حديث ٤٥٣، وكتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة، حديث ٣٢١٣، وكتاب المغازي باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب، حديث ٤١٢٣، وكتاب الأدب باب هجاء المشركين، حديث ٦١٥٢، ورواه مسلم كتاب فضائل الصحابة، حديث ١٥١١٥٣، ١٥٧
(١٩٢) المراجع السابقة نفس الأحاديث
(١٩٣) غافر ١٥
(١٩٤) المجادلة ٢٢
(١٩٥) إنجيل متى ٢٨/١٩
(١٩٦) ابن تيمية الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٢/٩٧-٩٩
(١٩٧) رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس ١٣/١٤
(١٩٨) انظر أعمل الرسل ٨/١-٣، ٩/١-٣، ٢٢/١-١١، وانظر رسالة بولس إلى أهل غلاطية ١/١٣-١٤
(١٩٩) انظر أعمال الرسل ١٥/٣٥-٤١
(٢٠٠) انظر رسالة بطرس الثانية ٣/١٤-١٦
(٢٠١) انظر رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس ١/١٥
(٢٠٢) انظر رسالة بولس إلى أهل رومية ٣/٢٨، ٧/٦
(٢٠٣) انظر د. أحمد شلبي المسيحية ص ٢٣٣
(٢٠٤) رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس ١٣/١٤
(٢٠٥) بماذا يؤمن السيحيون؟ ص ٧١
(٢٠٦) انظر د. أحمد شلبي المسيحية ص ١٣٣-١٣٤، نقلًا عن ليون جوتيه المدخل لدراسة الفلسفة الإسلامية ص ٩٣
(٢٠٧) انظر النقول عن مشاهير رجال اللاهوت النصراني في بيان حقيقة الثالوث:
أالأستاذ عبد الكريم الخطيب المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل ص ٣٠٤-٣١٣
ب الدكتور أحمد شلبي المسيحية ص ١٣٩-١٤٦
(٢٠٨) قاموس الكتاب المقدس مادة (جبرائيل) ص ٢٤٥
(٢٠٩) إنجيل لوقا ١/٥ ١٥
(٢١٠) المرجع السابق ١/٢٦ ٣٥
(٢١١) المرجع السابق ١/٣٩ ٤١
(٢١٢) المرجع السابق ١/٦٧
(٢١٣) حنا الخضري تاريخ الفكر المسيحي ٤/٦٦٦، وزكي شنودة موسوعة تاريخ الأقباط ١/١٤٣
(٢١٤) إنجيل لوقا ١/٦٧٦٨
(٢١٥) المرجع السابق ١/٤١
(٢١٦) حنا الخضري تاريخ الفكر المسيحي٤/٦٦٦، وزكي شنودة موسوعة تارخ الأقباط ١/١٤٣
(٢١٧) المرجعين السابقين نفس الجزء والصفحة
(٢١٨) إنجيل متى ٦/٩-١٣
(٢١٩) المرجع السابق ٦/١٤-١٥
[ ٨ / ٢٧٣ ]
(٢٢٠) إنجيل لوقا ٩/٣١
(٢٢١) إنجيل متى ٧/٢١
(٢٢٢) إنجيل متى ٤/١٠، وإنجيل لوقا ٤/٨
(٢٢٣) إنجيل يوحنا ١٧/٣-٤
(٢٢٤) انظر محمد مجدي مرجان الله واحد أم ثالوث ص ١٠٤
(٢٢٥) انظر المرجع السابق ص ١١٦
(٢٢٦) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٢/١٥٩-١٦٠
(٢٢٧) سفر أشعياء ٦٣/١٠
(٢٢٨) البقرة ٩٧، والحديث سبق تخريجه، انظر هامش (٢١)
(٢٢٩) إنجيل متى ١/١٨
(٢٣٠) إنجيل يوحنا ١/٣٣-٣٤
(٢٣١) البقرة ٨٧
(٢٣٢) المائدة ١١٠
(٢٣٣) الأنبياء ٩١
(٢٣٤) النحل ١٠٢
(٢٣٥) الشعراء ١٩٣- ١٩٥
(٢٣٦) سفر القضاة ٣/١٠
(٢٣٧) المرجع السابق ١٤/٦
(٣٣٧) المرجع السابق ١٤/١٩
(٢٣٩) سفر الخروج ٣١/٣
(٢٤٠) سفر حزقيال ٣٦/٢٦٢٧
(٢٤١) انظر سفر القضاة ١٥/١٤
(٢٤٢) إنجيل لوقا ٤/١
(٢٤٣) المرجع السابق ٤/١٤-١٥
(٢٤٤) المرجع السابق ٤/١٨
(٢٤٥) سفر أعمال الرسل ١٠/٣٨
(٢٤٦) إنجيل متى ١٢/٢٨
(٢٤٧) إنجيل يوحنا ١٤/١٦-١٧، وانظر أعمال الرسل ١/٨
(٢٤٨) إنجيل يوحنا ١٤/٢٦
(٢٤٩) إنجيل متى ١٠/٢٠، ومرقس ١٣/١١، ولوقا ١٢/١٢
(٢٥٠) إنجيل متى ١٢/٣١-٣٢
(٢٥١) انظر أعمال الرسل ٢/٤، ٤/٣١، ٦/٣، ٦/٥، ١١/٢٢-٢٤، ١٣/٥٢، ١٣/٩، وانظر إنجيل لوقا ١/٤١، ٨/٦٧
(٢٥٢) سبق ذكر هذه الآيات عند الحديث عن حقيقة الروح القدس في المبحث الأول
(٢٥٣) سبق تخريج هذا الحديث، انظر هامش (١٩١)
(٢٥٤) سبق تخريج هذا الحديث، انظر هامش (١٩٢)
(٢٥٥) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ١/٢٥٦
(٢٥٦) سفر المزامير ٥١/١١
(٢٥٧) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٢/١٢٥
(٢٥٨) حنانيا إلياس كساب - مجموعة الشرع الكنسي ص ٢٤٧
(٢٥٩) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٢/١٢٠
(٢٦٠) المرجع السابق ٢/.١٤٠
المصادر والمراجع
أولًا: المراجع الإسلامية:
١- القرآن الكريم.
٢- صحيح البخاري.
٣- صحيح مسلم.
٤- مسند الإمام أحمد.
[ ٨ / ٢٧٤ ]
٥- ابراهيم خليل أحمد محمد في التوراة والإنجيل والقرآن، مكتبة الوعي العربي، القاهرة، الطبعة الخامسة، بدون تاريخ.
٦- أحمد حجازي السقا البشارة بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل والقرآن، دار البيان العربي، القاهرة ١٩٧٧م.
٧- أحمد حجازي السقا أقانيم النصارى، دار الأنصار، القاهرة، الطبعة الأولى ١٣٩٧هـ.
٨- أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، مطابع المجد، القاهرة، بدون تاريخ.
٩- أحمد بن إدريس القرافي الأجوبة الفاخرة على الأسئلة الفاجرة، تحقيق د. بكر زكي عوض، مكتبة وهبة، القاهرة، بدون تاريخ.
١٠- إسماعيل بن الخطيب بن كثير تفسير القرآن العظيم، ضبط حسين إبراهيم زهران، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ.
١١- رؤوف شلبي يا أهل الكتاب تعلوا إلى كلمة سواء، دار الاعتصام، القاهرة، الطبعة الثانية ١٤٠٠هـ.
١٢- عبد الأحد داود محمد في الكتاب المقدس، ترجمة فهمي شما، طبع ونشر رئاسة المحاكم الشرعية والشئون الدينية بدولة قطر، الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ.
١٣- عبد الله الترجمان تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب، تحقيق عمر وفيق الداعوق، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ.
١٤- محمد بن جرير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار الفكر، بيروت ١٤٠٥هـ.
١٥- محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية كتاب الروح، تحقيق د. السيد الجميلي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٦هـ.
١٦- محمد بن أحمد القرطبي الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام، تحقيق أحمد حجازي السقا، دار التراث العربي، القاهرة، بدون تاريخ.
١٧- محمد أبو زهرة محاضرات في النصرانية، طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض ١٤٠٤هـ.
١٨- محمد بن علي الشوكاني فتح القدير، دار المعروفة، بيروت، بدون تاريخ.
[ ٨ / ٢٧٥ ]
١٩- محمد مجدي مرجان الله واحد أم ثالوث، دار النهضة العربية، القاهرة، بدون تاريخ.
٢٠- محمد رواس قلعة جي محمد في الكتب المقدسة، دار السلام للطباعة والنشر والتأليف، بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٠هـ.
٢١- نصر بن يحيى المتطبب النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية، تحقيق د. محمد
عبد الله الشرقاوي، دار الصحوة للنشر، القاهرة، ١٤٠٦هـ.
ثانيًا: المراجع النصرانية:
٢٢- كتاب النصارى المقدس:
(أ) العهد القديم، طبعة دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط.
(ب) العهد الجديد، طبعة دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط.
٢٣- أندرو ملر مختصر تاريخ الكنيسة، بدون ناشر ولا تاريخ.
٢٤- إلياس مقار إيماني أو (القضايا المسيحية الكبرى) دار الثقافة، بدون ناشر ولا تاريخ.
٢٥- بطرس عبد الملك وآخرون، قاموس الكتاب المقدس، بدون ناشر ولا تاريخ.
٢٦- حنا جرجس الخضري تاريخ الفكر المسيحي، دار الثقافة، القاهرة ١٩٨١م.
٢٧- حنا نيا إلياس كساب مجموعة الشرع الكنسي، بدون ناشر ولا تاريخ.
٢٨- زكي شنودة موسوعة تاريخ الأقباط، بدون ناشر ولا تاريخ.
٢٩- عوض سمعان الله.. طرق إعلانه عن ذاته، بدون ناشر ولا تاريخ.
٣٠- ميخائيل جرجس علم اللاهوت العقيدي، مركز الدلتا للجمع التصويري بالإسكندرية، الطبعة الأولى ١٩٩٤م.
٣١- يسي منصور رسالة التثليث والتوحيد، بدون ناشر ولا تاريخ.
٣٢- يوسف أسعد العذراء في التاريخ الكنسي، بدون ناشر ولا تاريخ.
[ ٨ / ٢٧٦ ]