مفهومها، وأهميتها، وحكم إيجادها، وخصائصها
د. أحمد العوضي
أستاذ مساعد في قسم الشريعة - كلية الآداب - جامعة مؤتة - الأردن
ملخص البحث
تبحث هذه الدراسة في السلطة السياسية في النظام الإسلامي، فتوضح مفهوم السلطة في اللغة العربية، والقرآن الكريم والسنة النبوية، ومفهوم السلطة السياسية في الاصطلاح الوضعي.
كذلك، توضح أهمية وجود السلطة السياسية في المجتمع، وحكم إيجادها في المجتمع الإسلامي، وأبرز خصائصها في النظام الإسلامي.
وقد تضمنت هذه الدراسة بيان أهم الاستنتاجات التي توصل إليها الباحث.
• • •
المقدمة:
لقد كثرت الدراسات في الفقه الدستوري الوضعي حول السلطة السياسية فبيَّنت مفهومها وأهميتها وخصائصها، وذلك من جملة مباحث كثيرة تتشكل من مجموعها نظرية الدولة في الفقه الدستوري الوضعي.
ولعل السلطة السياسية في الإسلام لم تحظ بدراسات معاصرة متخصصة على غرار تلك الدراسات التي حظيت بها السلطة السياسية في الفقه الوضعي. وذلك على الرغم من الثروة الفقهية الرائعة التي تركها فقهاؤنا - ﵏ -، في هذا الجانب، من خلال بحوثهم المطولة في الإمامة، التي شكلت أهم البحوث الرئيسية في كتب العقائد وعلم الكلام.
لذلك رأيت أن أخصص دراسة حول السلطة السياسية في الإسلام، من حيث مفهومها وأهميتها وحكم إيجادها وخصائصها، وأرجو أن تكون هذه الدراسة نافعة في مجالها، غير خالية من جديد.
وقد جعلتها في خمسة مطالب وخاتمة، على النحو الآتي:
المطلب الأول: مفهوم السلطة في اللغة العربية والقرآن والسنة.
المطلب الثاني: السلطة السياسية في الاصطلاح.
المطلب الثالث: أهمية السلطة السياسية العليا في المجتمع الإسلامي.
المطلب الرابع: حكم إيجاد السلطة السياسية في الإسلام.
المطلب الخامس: خصائص السلطة السياسية في الإسلام.
[ ١ / ٣١١ ]
الخاتمة: وتشتمل على أبرز الاستنتاجات في هذه الدراسة.
المطلب الأول: مفهوم السلطة في اللغة والقرآن والسنة.
أولًا: السلطة في اللغة:
السلطة اسم من السلطان. والسلطان: الوالي، وجمعه سلاطين. والسلطان: صاحب الحجة، أو صاحب الشدة والحدة والسطوة، أو صاحب القدرة. والسلطان: من السليط، والسليط: ما يضاء به (١) .
وبالرجوع إلى لسان العرب (٢) وتاج العروس (٣) وهما من أوسع معاجم اللغة، وجدت أربعة معان اشتقت منها كلمة “ سلطان ”، وهذه المعاني هي:
١ - الحجة والبرهان، ولا يجمع بهذا المعنى؛ لأنه يعامل معاملة المصدر. وسمي الخليفة سلطانًا لأنه ذو حجة بها تقتنع الرعية، ولها تخضع.
٢ - الشدة والحدة والسطوة، فسلطان كل شيءٍ حدته وشدته وسطوته. وسمي الوالي سلطانًا، لما يتمتع به من شدة وحدة وسطوة.
٣ - القدرة، فمن جعلت له قدرة، فهو في اللغة ذو سلطان. كقولك: قد جعلت له سلطانًا على أخذ حقي من فلان: أي قدرة.
٤ - السليط، وهو ما يضاء به، والسلطان، كالمصباح يضيء الأرض، ويستنير به الناس.
ويمكن القول أن حقيقة السلطة في اللغة القدرة والسطوة.
ثانيًا: السلطة في القرآن الكريم:
_________________
(١) ابن منظور، جمال الدين، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط٣، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م، ج٦، ص ٣٢٦. والزبيدي، محمد مرتضي، تاج العروس من جواهر القاموس، دار الفكر بيروت، دراسة وتحقيق علي يسري، ج١٠، ص ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٢) ابن منظور، لسان العرب، ج٦، ص ٣٢٦، مصدر سابق.
(٣) الزبيدي، تاج العروس، ج١٠، ص ٢٩٢ - ٢٩٣، مصدر سابق.
[ ١ / ٣١٢ ]
لم ترد كلمة “ سلطة ” في القرآن الكريم، ولكن ورد بعض مشتقات الفعل “ سَلَطَ ” من ذلك: الفعل الماضي “ سلِّط ”، والفعل المضارع “ يسلِّط ”، والاسم“ سلطان ”، فوردت كلمة “ سلّط ” في الآية القرآنية الكريمة: ﴿ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم﴾ (١)، ولم ترد في غير هذا الموطن. ووردت كلمة “ يسلط ” في الآية القرآنية الكريمة: ﴿ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ (٢) . ولم ترد في غير هذا الموطن، ووردت كلمة “ سلطان ” في سبعة وثلاثين موطنًا.
وبالرجوع إلى كتب التفسير وجدت للسلطان في القرآن الكريم معنيين:
الأول: الحجة القوية القاطعة، وهي ما أطلق عليها القرآن “ برهانًا ” في عدة مواطن، منها: قال تعالى: ﴿تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿أم اتخذوا من دون الله آلهة قل هاتوا برهانكم﴾ (٤) .
وقد جاء هذا المعنى موافقًا للمعنى اللغوي، من حيث كون القوة في الإثبات هي حقيقة الحجة.
ومن الآيات القرآنية التي ورد فيها لفظ السلطان بمعنى البرهان ما يأتي:
١ - قال تعالى: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ (٥) .
وقال تعالى: ﴿ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين﴾ (٦) .
وقال تعالى على لسان سليمان في توعده للهدهد ﴿لأعذبنه عذابًا شديدًا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين﴾ (٧) .
الثاني: القدرة القاهرة، والقوة الغالبة، أي السيطرة.
وجاء هذا المعنى الثاني موافقًا للمعنى اللغوي من حيث كون القوة المادية هي أبرز مظاهر السلطة.
_________________
(١) سورة النساء، الآية (٩٠) .
(٢) سورة الحشر، الآية (٦) .
(٣) سورة البقرة، الآية (١١١) .
(٤) سورة الأنبياء، الآية (٦٤) .
(٥) سورة النجم، الآية (٢٣) .
(٦) سورة المؤمنون، الآية (٤٥) .
(٧) سورة النمل، الآية (٢١) .
[ ١ / ٣١٣ ]
وقد درج المفسرون على تفسير كلمة “ سلطان ” بالحجة، ولكن في بعض الآيات فسرها بعض المفسرين بالقدرة والقوة، دون أن ينكروا تفسيرها بالحجة، فجعلوها تحتمل المعنيين، فمن المواطن التي فسروا “ السلطان ” فيها “ بالقوة ” ما يأتي:
١ - قال تعالى: ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا﴾ (١) .
قال الطبري: « فقال بعضهم: معنى ذلك: واجعل لي مُلْكًا ناصرًا ينصرني على من ناوأني وعزًا أقيم به دينك وأدفع به عنه من أراده بسوء وقال آخرون بل عنى بذلك حجة بيِّنة» (٢) وعدَّ القول الأول أولى الأقوال.
وقال ابن الجوزي: «وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه التسليط على الكافرين بالسيف. والثاني: أنه الحجة البينة والثالث: المُلْك العزيز، الذي يقهر به العصاة» (٣) وقال الزمخشري: «غلبة وتسلطًا، أو حجة واضحة» (٤) .
٢ - وقال تعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان﴾ (٥) . أي بقوة تسيطرون بها على قوانين السماء والأرض وسمعتهما لتنفذوا منهما.
قال الزمخشري: «يعني بقوة وقهر وغلبة، وأنى لكم ذلك» (٦) .
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية (٨٠) .
(٢) الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥هـ - ١٩٩٥ م، المجلد ٩، جزء ١٥، ص ١٨٨.
(٣) الجوزي، عبد الرحمن بن علي، زاد المسير في علم التفسير، دار الفكر، بيروت، ط١، ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م، ج٥، ص ٥٦.
(٤) الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ومعه حاشية الجرجاني، وكتاب الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، لابن المنير، الإسكندراني، دار الفكر، ط١، ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م، ج١، ص ٥٥٢.
(٥) سورة الرحمن، الآية (٣٣) .
(٦) الزمخشري، ج٤، ص ٤٧، مصدر سابق.
[ ١ / ٣١٤ ]
وقال الرازي: «لا تنفذون إلا بقوة، وليس لكم قوة» (١) .
وقال ابن عاشور: «السلطان القدرة» (٢) .
٣ - وقال تعالى على لسان من يؤتى يوم القيامة كتابه بشماله: ﴿هلك عني سلطانية﴾ (٣) .
قال الشوكاني: « يعني سلطاني الذي في الدنيا، أي الملك» (٤) .
وقال ابن عاشور: «ومعنى هلاك السلطان هنا عدم الانتفاع به يومئذ، فهو هلاك مجازي» (٥) .
وقال الطبري: «ذهبت عني حجتي وضلت، فلا حجة لي أحتج بها وقال آخرون: عنى بالسلطان في هذا الموضع الملك» (٦)، يقصد القوة.
فتدل أقوال المفسرين السابقة على أن لفظ “ السلطان ” ورد في القرآن بمعنى القوة، وعلى القول الآخر من أقوال المفسرين بأن السلطان في القرآن الحجة والبرهان، نقول أن الحجة والبرهان سُمِّيا كذلك لقوة دلالتهما في الإثبات، فمرجع معنى كلمة السلطان في القرآن إلى القوة والشدة. وقد سبق أن السلطة لغة مشتقة من السلطان، فتكون السلطة واردة في القرآن بمعناها وهو القدرة والسيطرة.
ثالثًا: السلطة في السنة النبوية:
ورد لفظ “ السلطان ” في السنة النبوية بمعنى الإمام. والبيت والحجة، فمن ذلك:
_________________
(١) الرازي، محمد بن عمر، التفسير الكبير ومفاتيح الغيب، دار الفكر، بيروت، ١٤١٤هـ - ١٩٩٥م، ج٢٩، ص ١١٤.
(٢) ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، دون ناشر ج٢٧، ص ٢٥٩.
(٣) سورة الحاقة، الآية (٢٩) .
(٤) الشوكاني، محمد بن علي، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في التفسير، عالم الكتب، دون ناشر، ج٥، ص ٢٨٥.
(٥) ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج٢٩، ص ١٣٦، مصدر سابق.
(٦) الطبري، محمد بن جرير جامع البيان، عن تأويل آي القرآن، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥هـ - ١٩٩٥ م، مجلد ٤، جزء ٢٩، ص ٧٧، ٧٨، مصدر سابق.
[ ١ / ٣١٥ ]
١ - قول النبي ش: «من خرج عن السلطان شبرًا مات ميتة الجاهلية» (١) والسلطان هنا ظاهر في أن معناه الإمام: وقد أطلق الحنفية لقب “ السلطان ” على “ الوالي الذي لا والي فوقه ” (٢)، والبعض أطلقه على من تحت سلطته ملوك (٣) فيكون السلطان في السنة النبوية واردًا بمعنى صاحب السلطة العليا في الدولة.
ونحن هنا نميز بين مصطلح السلطة العليا في الدولة ومصطلح السيادة، فإن السيادة هي الاختصاص بالأمر والنهي اللذين لا يعارضان، وهي في الإسلام لله وحده، بينما السلطة في الإسلام للأمة.
٢ - عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ش: «ولا يومنَّ الرجل الرجل في سلطانه» (٤) .
قال البغوي: «“ سلطانه ” هنا معناها “ بيته ”» (٥) .
_________________
(١) البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، عالم الكتب، بيروت، د ت، ج٩، كتاب الأحكام، ص ٥٩.
(٢) البابرتي، أكمل الدين محمد بن محمود شرح العناية على الهداية، مع شرح فتح القدير لابن الهمام، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د ت، ج٢، ص ٢٦.
(٣) السيوطي، جلال الدين، حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، دار إحياء التراث العربي، ط ١٩٧٦ م، ج٢، ص ١٢٥، والكتاني، عبد الحي، التراتيب الإدارية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د ت، ج ١، ص ١٤.
(٤) صحيح / مسلم، صحيح، كتاب المساجد، دار الكتب العلمية، بيروت، د ت، ج٢، ص ٢٧٠.
(٥) البغوي، الحسين بن مسعود، شرح السنة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م، ج٢، ص ٣٩٨.
[ ١ / ٣١٦ ]
٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ش: «صاحب الدين له سلطان على صاحبه حتى يقضيه» (١) . والسلطان هنا معناها “ الحجة ”.
المطلب الثاني: السلطة السياسية في الاصطلاح:
تمهيد: مصطلح “ السلطة السياسية ” بهذا التركيب لم يُعرف في الفقه الإسلامي، ولكن عرف مضمونه، والفقه الإسلامي أسبق إلى التشريع في مجال السلطة السياسية من الفقه الدستوري الوضعي، ولبيان ذلك إن السلطة العامة العليا في حقيقتها هي السيطرة، أي القدرة على الإلزام التي يتمتع بها صاحب الولاية العامة العليا وهو الإمام، وهذه القدرة شرعت في الإسلام للإمام في مجال التشريع والتنفيذ على حد سواء، ففي مجال التشريع والقضاء، شرع للإمام المجتهد أن يتخير من الآراء الخلافية في شؤون التشريع، وما تبناه يلزم القضاة أن يتركوا اجتهادهم - إن كانوا مجتهدين - فيه إلى اجتهاده، وقد قرر الفقهاء قاعدة تدخل في مجالها هذه الحالة، نصها: «حكم الحاكم يقطع النزاع» (٢) . لكن إذا لم يكن الإمام مجتهدًا فيجب عليه أن يعين من أهل الاجتهاد من يكتفي بهم الاستنباط الأحكام الشرعية ويقرر تنفيذ ما أوصله إليه اجتهادهم.
ويمكن أن يجعل الأمر لاجتهاد القضاة، إن كانوا بلغوا رتبة الاجتهاد، أو أن يقيدهم بمذهب فقهي يعتمدونه في فصل الخصومات، ورأيه في ذلك كله ملزم.
_________________
(١) ضعيف / ابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني، تحقيق صدقي العطار، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥هـ - ١٩٩٥ م، ج٢، ص ١٣، حديث رقم ٢٤٢٥ - والحديث ضعيف، في إسناده حسين بن قيس المعروف بحنش.
(٢) القرافي، أحمد بن إدريس، الفروق، دار إحياء الكتب العربية، ط١، ١٣٥٤هـ - ج٢، ص ١٠٣، الفرق ٧٧.
[ ١ / ٣١٧ ]
وفي مجال التنفيذ، الإمام يترأس جميع موظفي السلطة التنفيذية، سواء في ذلك وزير التفويض ووزراء التنفيذ والأمراء على الولايات وقادة الجيوش ورؤساء مديرو - الإدارات المختلفة في الدولة، وقادة الأجهزة الأمنية على اختلافهم (١) .
وقد عرف الإسلام السلطة السياسية العليا منذ أقام الرسول ش الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، في اليوم الأول من وصوله مهاجرًا إليها.
تعريف السلطة السياسية العليا:
عرفت السلطة في الفقه الدستوري الوضعي تعريفين: تعريفًا معنويًا، وتعريفًا ماديًا.
١ - التعريف المعنوي: هي «القوة والقدرة على السيطرة التي يمارسها الحاكم أو مجموع الحكام على المحكومين» (٢) وتتمثل «في إصدار القواعد القانونية الملزمة للأفراد وفي إمكانية فرض هذه القواعد على الأفراد باستخدام القوة المادية» (٣) .
٢ - التعريف المادي: وعرفت السلطة السياسية العليا في الفقه الدستوري الوضعي تعريفًا ماديًا، هو: «أجهزة الدولة التي تقوم بممارسة السلطة بمعناها المعنوي. أي ما يطلق عليه عادة لفظ “ الحكومة ” وأجهزتها التنفيذية» (٤) .
مناقشة:
تعريف السلطة بالقوة تعريف مسلم في الجملة، ذلك أن السيطرة ثمرة القوة، فبالقوة يكتسب صاحب الولاية صفة “ السيطرة ” التي هي: الإلزام النافذ، بالقوة، دون نظر إلى رضا الملزَم، ومظهر السيطرة هو نفاذ مقتضيات الولاية.
فلا غنى لصاحب الولاية عن القوة، لتكون له السيطرة، التي تنفذ بها مقتضيات ولايته، فالقوة هي جوهر السلطة السياسية في الدولة.
_________________
(١) خلاف، عبد الوهاب، السياسة الشرعية، أو نظم الدولة الإسلامية، المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٥٠ هـ، ص ٥٠.
(٢) عبد الهادي، ماهر، السلطة السياسية في نظرية الدولة، دار النهضة العربية، القاهرة، ط٢، ١٩٨٤ م، ص ٣٩.
(٣) المرجع السابق، ص ٣٩.
(٤) المرجع السابق، ص ٣٩.
[ ١ / ٣١٨ ]
ولو عرَّف السلطة بالسيطرة لكان التعريف أدق.
ويؤخذ عليه من وجهة النظر الإسلامية أنه قال: «التي يمارسها الحاكم أو مجموع الحكام» . وهذا يصح في النظام غير الإسلامي عندما تكون السلطة التنفيذية في الدولة متمثلة في مجلس حاكم أو جمعية حاكمة، أو مجلس وزراء، فإن من النظم الديمقراطية البرلمانية ما تكون السلطة السياسية فيها لمجلس الوزراء، فلا يكون لرئيس الدولة دور فاعل في ميدان السلطة التنفيذية، ذلك أنه يمارس سلطانه بواسطة وزرائه (١)، فلا يحتل مركز الصدارة من الناحية الواقعية في مجال ممارسة شؤون الحكم والسياسة (٢) .
ولا يصح التعريف من وجهة النظر الإسلامية، ذلك أنه في النظام الإسلامي يتولى الإمام رسم السياسة العامة في الدولة، والإشراف على تنفيذها بنفسه، فهو رجل الحكم والسياسة الأول في الدولة ومن سواه، إما أن يكونوا منفذين تحت يده، أو مفوضين من قِبَله، ومكلفين بالتقيد بسياسته.
لكن إذا فرغ منصب الإمام بسبب وفاة أو عجز أو غير ذلك، فهل يتولى السلطة مؤقتًا نائب الإمام أو مجلس جماعي؟ لعل في الأمر سعة والله أعلم.
ومن جهة أخرى تفترق السلطة السياسية العليا في الدولة الإسلامية، من حيث الصلاحيات التشريعية عنها في الفقه الدستوري الوضعي، فواضع التشريع في الفقه الوضعي هو السلطة التشريعية، المتمثلة في مجلس النواب، بينما في النظام الإسلامي المشرع الله، لذلك ينحصر دور السلطة التشريعية في تفهم نصوص المشرع – الله وحده - واستنباط التشريعات في صورتها القانونية من تلك النصوص، ليتم إلزام المحكومين بالتقيد بها. ولذلك يمكن أن تعرف السلطة السياسية بتعريف غير هذا التعريف.
_________________
(١) متولي، عبد الحميد، القانون الدستوري والأنظمة، منشأة المعارف، الإسكندرية، ط٦، ١٩٧٦ م، ص ٢٩٥.
(٢) خليل، محسن، النظم السياسية والقانون الدستوري، منشأة المعارف، الإسكندرية، ١٩٧١ م، ص ٢٨٢.
[ ١ / ٣١٩ ]
تعريف السلطة السياسية في الفقه الإسلامي:
أولًا: التعريف المعنوي:
السلطة السياسية العليا، هي: السيطرة العليا العامة في الدولة.
وهذه السيطرة يمارسها وفق النظرية الإسلامية في الدولة الخليفة أو من يفوضه الخليفة.
ثانيًا: التعريف المادي:
المؤسسة المختصة بممارسة السيطرة العليا العامة في الدولة:
وفي النظام الإسلامي يوجد مؤسسة واحدة تمارس السلطة العليا في الدولة، هي مؤسسة “ الخلافة ” وصاحبها الخليفة، ويتفرع عنها مؤسسة أخرى هي وزارة التفويض، وصاحبها وزير التفويض.
ووزير التفويض كما عرفه الفراء (١)، والماوردي (٢): «من يفوض إليه الإمام تدبير الأمور برأيه وإمضائها على اجتهاده» . وعرفه ابن جماعة (٣) بأنه: من «يفوض إليه الإمام أو السلطان جميع الأمور المتعلقة به، يدبرها برأيه ويمضيها على اجتهاده» وهو ملزم بمطالعة الإمام في الخطير من الأمور دون اليسير، فإن شاء الإمام أمضاه، وإن شاء رده (٤) .
المطلب الثالث: أهمية السلطة السياسية في المجتمع الإسلامي:
الإسلام دين هداية: هداية في التصور والاعتقاد، وهداية في تقويم السلوك الإنساني وتنظيم العلاقات الإنسانية، فهو عقيدة ونظام.
والتشريع جزءٌ تكويني في حقيقته، ولذلك لا محل في الفكر الإسلامي لمبدأ “ فصل الدين عن الحياة ”، أو ما يسمى “ فصل الدين عن الدولة ”.
_________________
(١) الفراء، أبو يعلى، الأحكام السلطانية، تحقيق محمد حامد الفقي، دار الفكر، ط٣، ١٣٩٤هـ، ص ٢٩.
(٢) الماوردي، علي بن محمد، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، دار الكتب العلمية، بيروت، د ت، ص ٢٥.
(٣) ابن جماعة، بدر الدين، تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام، تحقيق فؤاد عبد المنعم، رئاسة المحاكم الشرعية، قطر، ط٢، ١٤٠٧ هـ، ص ٧٧.
(٤) المرجع السابق، ص ٧٧.
[ ١ / ٣٢٠ ]
كذلك، الإسلام لا يعرف في جانب العقيدة التجريدات الذهنية، ولا التأملات الفلسفية ولا الترف الفكري، ذلك أن العقيدة الإسلامية عقيدة واقعية، أنزلت لتعالج بمقرراتها، وبما ينبثق عنها من تشريع، واقع الحياة البشرية، الفكري والسلوكي معًا فهي عقيدة الفكرة والحركة، لا عقيدة العزلة، عقيدة تقويم الواقع، لا عقيدة التسليم له. فالعقيدة الإسلامية تُصلح الأفكار، والتشريع الإسلامي يقوِّم السلوك وينظم العلاقات، ومن هنا فالعقيدة في الإسلام سلوكية، والسلوك في الإسلام عقدي.
ولكن الإيمان الذي تصنعه العقيدة الإسلامية في نفس المسلم قد يضعف، فيضعف الالتزام بأحكام التشريع، لذلك، لا غنى للمسلمين عن سلطة سياسية عليا فيهم، تحمل العقيدة وتحميها، وتتفهم التشريع الإسلامي وتنفذه، وتنظم سلوك الأمة في المجتمع على أساسه، وقد صرح الغزالي بضرورة إيجاد السلطة السياسية العليا في الدولة، فقال: «فبان أن السلطان ضروري في نظام الدنيا، ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة» (١) .
هذا، وضرورة السلطة السياسية في نظرية الدولة في الإسلام تنشأ عن أهمية الغاية التي تمثل الباعث على تشريعها، وهو تحقيق مصالح إنسانية كبرى، والناس قد يُبَطئون في تحقيق مصالحهم، أو يفرطون، فتلحقهم بذلك مفاسد، فيصبح من الضروري وجود سلطة سياسية عامة عليا، يكون صلب وظيفتها «حمل الناس على مراشدهم» (٢)، وأساس عملها «السياسة لاستصلاح الخلق، وإرشادهم إلى الطريق المستقيم» (٣) .
_________________
(١) الغزالي، محمد بن محمد، الاقتصاد في الاعتقاد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط٢، د ت، ص ١٨٦، ١٨٧.
(٢) الماوردي، الأحكام السلطانية، ص ٥، مصدر سابق.
(٣) الغزالي، محمد بن محمد، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، د ت، ج١، ص ١٢.
[ ١ / ٣٢١ ]
هذا، وإن من أهداف الإسلام بناء العقلية الإنسانية على أساس الهداية العقدية الإسلامية، وتنظيم العلاقات الفردية والدولية على أساس من هداية الإسلام التشريعية، إذ دون ذلك لا يقوم العدل، ولا يستقر الأمن، فلا يسعد الناس، ولا تتحقق كرامتهم.
والتشريع الإسلامي أساسه التقييد المانع من العدوان، والتنظيم الواقي من الفوضى، والنفس الإنسانية غالبًا ما تكره التقييد والنظام إلا إذا كانت مصلحتها فيهما عاجلة، ولذلك، لزم وجود سلطة تُلزم بالقيود من يتشوف إلى التفلت، وتُكره على التقيُّد بالنظام من يكرهه، لكي يسعد الجميع وتتحقق الكرامة والأمن للجميع.
ومن جهة أخرى، يمثل النظام الإسلامي العدل، وكثير من الناس لا يذعنون للعدل، فلزم إكراههم على الإذعان إليه، والصغار ولو كرهًا أمامه، إذا لم يذعنوا له طوعًا، وهنا نتذكر مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في النظام السياسي الإسلامي، فإنه إحدى الوظائف السياسية الرئيسية للسلطة السياسية في الدولة الإسلامية، قال تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ (١) وقال تعالى: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ (٢) . غير أن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يؤتي أكله إذا لم تقم به جهة مسيطرة، فلزم لتحقيق ذلك إيجاد سلطة سياسية عامة عليا في المجتمع
المسلم، تتكفل بمالا يُكلف به الأفراد أو لا يطيقونه من أشكال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك، مثلًا: تنفيذ العقوبات الشرعية على مستحقيها.
ومن جهة ثالثة، إن التوحيد الذي هو أُسُّ العقيدة الإسلامية، يقتضي من الأمة المسلمة تحقيق مظاهره في واقع حياتها.
وأهم مظهرين تقتضي العقيدة الإسلامية وجودهما في حياة الأمة المسلمة، هما:
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية (١٠٤) .
(٢) سورة الحج، الآية (٤١) .
[ ١ / ٣٢٢ ]
المظهر الأول: النظام “ التشريع ” القانوني الإسلامي:
إن التوحيد في العقيدة الإسلامية يقتضي التوحيد في التشريع، بأن يكون المشرع في المجتمع الإسلامي هو الله وحده، وذلك بأن يكون المرجع التشريعي الوحيد هو الإرادة التشريعية الإلهية لا غير، وهي متمثلة بالوحي “ القرآن والسنة ”، قال تعالى: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا﴾ (٣) . والرد إلى الله والرسول، يكون بالرد إلى القرآن والسنة: «فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر» (٤) .
المظهر الثاني: التوحيد على سلطة سياسية عامة واحدة.
إن الأمة المسلمة مالم تتوحد سياسيًا، تكون قد فرطت بتكليف إلهي تقتضيه عقيدتها، فينعكس ذلك سلبًا على كمال اتصافها بالحفاظ على مظاهر هذه العقيدة.
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية (٥٤) .
(٢) سورة النساء، الآية (٦٥) .
(٣) سورة النساء، الآية (٥٩) .
(٤) ابن كثير، عماد الدين إسماعيل، تفسير القرآن العظيم، دار الفيحاء، دمشق، ودار السلام، الرياض، ط١، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م، ج١، ص ٦٩.
[ ١ / ٣٢٣ ]
وأخذًا من هذه الحقيقة للعقيدة الإسلامية يمكن القول إن السلطة السياسية في المجتمع المسلم، ووحدتها، وكون التشريع الذي تحكم به هو التشريع الإسلامي لا غير هي مظاهر تقتضيها العقيدة الإسلامية، باعتبارها عقيدة ذات أثر سلوكي في جميع جوانب الحياة، سواء السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقد لا يتيسر للأمة في زمان ما أو قطر ما أن تأتي بكل ما أمرت به فيجب عليها أن تقصد الكمال ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، ومالا تستطيعه لا تكلفة، وما لا يدرك كله ولا يترك جله.
المطلب الرابع: حكم إيجاد السلطة السياسية في الإسلام:
المسلمون متفقون سوى النجدات من الخوارج، وهشام الفوطي من المعتزلة (١) على أن إيجاد السلطة السياسية واجب على المسلمين.
لكن الشيعة يجعلونها حقًا لأئمتهم خاصة، بناءًا على نظرية النص لديهم ويرون بطلانها إذا خرجت عن النص وعن أئمتهم.
وقد نسب إلى أبي بكر الأصم القول بعدم الوجوب، ومن عبارات العلماء الذين نقلوا الاتفاق، ما يأتي:
١ - قال ابن حزم: «اتفق جميع أهل السنة والمرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيها أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أى بها رسول الله، حاشا النجدات من الخوارج، فإنهم
قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم وقول هذه الفرقة ساقط، يكفي للرد عليه وإبطاله إجماع كل من ذكرنا» (٢) .
_________________
(١) فيما سيأتي بعض أقوال العلماء الذين نقلوا الاتفاق، وذكروا من شذ وخالف.
(٢) ابن حزم، أبو علي محمد، الفصل في الملل والأهواء والنحل، مكتبة محمد علي صبيح، القاهرة، د ت، ج٤، ص ١٢٠.
[ ١ / ٣٢٤ ]
٢ - وقال الجويني: «اتفق المنتمون إلى الإسلام على تفرق المذاهب وتباين المطالب على ثبوت الإمامة، ثم أطبقوا على أن سبيل إثباتها النص أو الاختيار» (١) .
٣ - وقال ابن خلدون: «إن نصب الإمام واجب، قد عُرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين؛ لأن أصحاب رسول الله ش عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر ﵁ وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من بعد ذلك، ولم يُترك الناس فوضى في عصر من الأعصار واستقر ذلك إجماعًا دالًا على وجوب نصب الإمام» (٢) .
٤ - وقال الماوردي: «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها واجب بالإجماع، وإن شذ عنهم الأصم» (٣) .
٥ - وطريق الوجوب عند أهل السنة السمع، قال ابن الهمام: «ونصب الإمام واجب سمعًا لا عقلًا» (٤) .
هذه النصوص تعاضدت في نقل اتفاق الأمة المسلمة على وجوب إيجاد السلطة السياسية في المجتمع الإسلامي، وهو اتفاق لا يقدح فيه مخالفة النجدات ولا مخالفة هشام الفوطي، ذلك أنه خلاف لا ينبني على دليل مسلَّم، ويعارض رأيًا يستند إلى نصوص تشريعية، ولا يصح معارضة استدلال يستند إلى نص باستدلال يستند إلى نظر مجرد، وعلى الرغم من ذلك سنبين خطأ مذهبهم.
أولًا: النجدات: استدل النجدات بأدلة عقلية من أظهرها:
_________________
(١) الجويني، أبو المعالي عبد الملك، غياث الأمم في الثبات الظُّلم، الشؤون الدينية، قطر، ط١، ١٤٠٠ هـ، ص ٥٤.
(٢) ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة، دار الفكر، بيروت، ط١، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م، ط٢، ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٨ م، هـ١، ٢٣٩.
(٣) الماوردي، الأحكام السلطانية الولايات الدينية، ص ٤، مصدر سابق.
(٤) ابن الهمام، الكمال، المسايرة في علم الكلام والعقائد والتوحيد المنجية في الآخرة، المطبعة المحمودية، القاهرة، ط٢، ص ١٥٦.
[ ١ / ٣٢٥ ]
١ - نصب الإمام يثير الفتنة، لتنازع الناس بسبب ذلك (١) وما يثير الفتنة يكون غير واجب. وقالوا بعدم الوجوب ولم يقولوا بالتحريم، لاحتمال أن يتفق الناس على تنصيب إمام دون حصول فتنة (٢) .
٢ - العربان في البوادي تنتظم أمورهم الدينية والدنيوية مع عدم وجود سلطان له فيهم الرياسة، فلا حاجة لنصب إمام، فلا يكون واجبًا (٣) .
٣ - الانتفاع بالإمام يحصل بالوصول إليه، وآحاد الناس لا يستطيعون الوصول إليه، فلا يتحقق الانتفاع العام به، فلا يكون نصبه واجبًا (٤) .
وهذه أدلة لا تصمد أمام النقد، أما قولهم: نصب الإمام يثير الفتنة، يرد عليه بأن الفتنة في عدم نصب الإمام أعظم وأدوم، وعلى التسليم بأن نصب الإمام يثير فتنة، يكون ترك الفتنة الأشد إلى الفتنة الأخف واجبًا، فيكون نصب إمام واجبًا.
وأما قولهم أن العربان تنتظم أمورهم دون سلطان يترأسهم ويدبر أمورهم، فغير مسلم، فإن أعمال الغزو والسلب والنهب في البوادي لعلها أكثر وأخطر منها في الحاضرة وذلك لأن سيطرة السلطان عليهم أخف.
وأما قولهم أن آحاد الناس لا يصلون إلى السلطان، فلا ينتفعون به، فيمكن الرد عليه بأن الإسلام يفرض على السلطان أن يوصل النفع إلى مستحقه، وأن يمكِّن كل ذي حاجة من الوصول إليه أو إلى نوابه، كل في مكانه واختصاصه.
ثانيًا: هشام الفوطي:
_________________
(١) الإيجي، عضد الدين، المواقف، شرح الشريف الجرجاني، مطبعة السعادة، ط١، ١٩٠٧ م، ج٨، ص ٣٤٩.
(٢) التفتازاني، سعد الدين مسعود بن عمر، شرح مقاصد الطالبين في علوم أصول الدين، للتفتازاني نفسه، مطبعة دار الطباعة، الاستانة، ١٢٧٧ هـ، ص ٢٠٣.
(٣) الإيجي، المواقف، ج٨، ص ٣٤٧، مصدر سابق.
(٤) المصدر السابق، ٨، ٣٤٧.
[ ١ / ٣٢٦ ]
ذهب هشام الفوطي إلى أن نصب الإمام واجب عند ظهور العدل ولا يجب عند ظهور الفتن (١) استدل بأن نصب الإمام حال الفتنة يزيد في الفتنة، فلا يجب (٢) .
ويرد عليه بأن هذه دعوى تعارض دلالات النصوص التشريعية المطلقة الدالة على وجوب نصب إمام، دون تفريق بين حال العدل وحال ظهور الفتن.
ويمكن أن يرد عليه أيضًا بأن عدم نصب إمام من أخطر أسباب الفتنة، قال الإمام أحمد: «الفتنة إذا لم يكن إمام يقوم بأمر الناس» (٣) وقال التفتازاني: «عند فساد الزمان واختلاف الآراء واستيلاء الظلمة، احتياج الناس إلى الإمام أشد وانقيادهم له أسهل» (٤) .
ثالثًا: أبو بكر الأصم:
نسب إلى أبي بكر الأصم أنه كان يقول بعدم وجوب الإمامة وذلك أخذًا من قوله: «لو أنصف الناس بعضهم بعضًا، وزال التظالم وما يوجب إقامة الحد لاستغنى الناس عن الإمام (٥) .
_________________
(١) البغدادي، عبد القاهر بن طاهر، أصول الدين دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط١، د ت، ص ٢٧١. والشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، نهاية الإقدام في علم الكلام، مكتبة المتنبي، القاهرة، ص ٤٨١. والتفتازاني، شرح مقاصد الطالبين، ص ٢٠٠، مصدر سابق.
(٢) البغدادي، عبد القاهر بن طاهر، أصول الدين، ص ٢٧٢، مصدر سابق.
(٣) الفراء، الأحكام السلطانية، ص ٣، مصدر سابق.
(٤) التفتازاني، سعد الدين، شرح العقائد النسفية للنسفي، مصطفى البابي الحلبي، د ت، ص ١٣٩.
(٥) التفتازاني، شرح مقاصد الطالبين، ص ٢٠٠، مصدر سابق، والبغدادي، أصول الدين ص ٢٧١، مصدر سابق، والشهرستاني، نهاية الإقدام، ص ٤٨١، مصدر سابق.
[ ١ / ٣٢٧ ]
ونحن لا نسلم هذه النسبة إلى أبي بكر الأصم، فإن عبارته لا تفيد ذلك، فقد علّق القول بعدم الوجوب على وجود التناصف، وهو ما جعل البعض ينسب إليه القول بوجوب نصب الإمام في حال عدم التناصف (١) .
ولكن ما دام التناصف دون سلطة سياسية غير ممكن في الواقع وإن كان ممكنًا عقلًا لا نستطيع أن ننسب إلى الأصم القول بعدم وجوب نصب إمام، وهذا ما فهمه القاضي عبد الجبار المعتزلي وصرح به إذ علق على عبارة الأصم قائلًا: «والمعلوم من حال الناس خلاف ذلك، فإذن عُلم من قوله أن إقامة الإمام واجب» (٢) .
وعلى هذا يمكن القول بعدم وجود دليل يسلم من الطعون للقائلين بعدم وجوب نصب إمام، وهم النجدات من الخوارج، ولا لمن قال بعدم وجوبه حال الفتن، وهو هشام الفوطي، ولا لمن قال بعدم وجوبه حال تناصف الناس، وهو الأصم، على التسليم بأن عبارته تفيد ذلك.
وهنا يمكن الاستدلال بإجماع الصحابة ﵃ على وجوب نصب إمام؛ إذ لم ينقل أن أحدًا منهم ذهب إلى عدم وجوب نصب إمام. قال الجويني: «وأما أصحاب رسول الله ش فقد رأوا البدار إلى نصب الإمام حقًا، فتركوا لسبب التشاغل به تجهيز رسول الله ش ودفنه مخافة أن تتغشاهم هاجمة محنة» (٣) .
_________________
(١) الإيجي، المواقف، ج٨، ص ٣٤٥، مصدر سابق، التفتازاني، شرح مقاصد الطالبين، ص ٢٠٠، مصدر سابق، والرازي، فخر الدين بن محمد بن عمر، الأربعين في أصول الدين، حيد آباد، ١٣٥٣ هـ، ط١، ص ٤٢٧.
(٢) الهمذاني، عبد الجبار بن أحمد، المغني في أبواب التوحيد والعدل، تحقيق عبد الحليم محمود وسليمان دنيا، ١٩٦٦ م، ج٢٠، قسم١، ص ٤٨.
(٣) الجويني، غيان الأمم، ص ٥٤، مصدر سابق.
[ ١ / ٣٢٨ ]
وقد صرحت السنة النبوية بتحريم أن يبيت المسلمون ليلتين وليس لهم إمام فقد قال ش: «لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين وليس في عنقه بيعة إمام (١) . والحديث ظاهر في تحريم المبيت ليلتين دون بيعة لإمام، ويدل دلالة نصية (٢) على وجوب تنصيب إمام.
ومما سبق يتبين أن إيجاد سلطة سياسية في المجتمع الإسلامي واجب. وكون مشروعية إيجاد السلطة السياسية من رتبة الواجب يدل على أهميتها، وأنها من المقاصد التي لا تستغني الأمة عن تحقيقها، فهي التي تنهض بالمصالح العامة في المجتمع، وتتكفل برعاية مصالح الأفراد وحقوقهم وحمايتها، لذلك كانت السلطة السياسية في الإسلام من المقاصد التي لا يفضلها غيرها من المقاصد السياسية.
هذا، والذي يدرك المهام الجسام التي تنوء بها السلطة السياسية يدرك أهمية هذه السلطة، ولذلك، فإن السلطة السياسية قضية سياسية أساسية في الإسلام، فبوجودها توجد الدولة، وبانتفائها تنتفي الدولة، ودون الدولة لا تحمى عقيدة الإسلام، ولا تظهر شريعته.
المطلب الخامس: خصائص السلطة السياسية في الإسلام:
أبرز خصائص السلطة السياسية ما يأتي:
أولًا: اعتمادها على القوة المسيطرة - أي القوة القاهرة -:
إن القوة المسيطرة ضرورية للسلطة السياسية في المجتمع إذ دون ذلك لا يستتب الأمن، ولا يستقر النظام، ولا يذعن الناس للقانون الذي ما وجدت السلطة إلا لتنفذه، وتحقق مصالح الناس على أساسه.
_________________
(١) القشيري، مسلم بن الحجاج، الصحيح بشرح النووي، دار الفكر العربي، ١٩٨٣ م، ج٨، ص ١٣٨.
(٢) دلالة الظاهر: هي ما يتبادر من معنى اللفظ بمجرد قراءاته دون اعتماد دليل خارجي، ودلالة النص، هي: دلالة اللفظ على معناه المقصود من سوقه أصالة مع احتمال التأويل. الدريني، فتحي، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي، الشركة المتحدة، د ت، ص ٤٣، ص ٥١.
[ ١ / ٣٢٩ ]
ودون سلطة سياسية تمسك القوة في المجتمع لا تقوم الدولة، ذلك أن القوة هي الوسيلة الملزمة للأفراد الحاملة لهم على الامتثال للنظام التشريعي في المجتمع فحاجة السلطة السياسية للقوة تنشأ من كون عمل السلطة في حقيقته يقوم على الإكراه على امتثال القانون، وإجبار الفرد على عمل مالا يرغب وتقييد حريته، لذلك، لا يكون للسلطة معنى إلا إذا اقترنت بقوة مسيطرة (١) .
ثانيًا: انفرادها بحيازة القوة القاهرة:
لا يكفي للسلطة السياسية أن تحوز القوة المسيطرة، فلابد من أن تنفرد بحيازة هذه القوة، بحيث لا يكون في المجتمع قوة تدانيها، فإن وجود جهة في المجتمع تحوز قوة تنافس قوة السلطة السياسية من شأنه أن يهدد السلطة السياسية نفسها، ذلك، أن أية جهة لاسيما التنظيمات إذا حازت السلاح تتجرأ على مخالفة النظام وعصيان السلطة والخروج عن طاعتها، بل والخروج عليها للإطاحة بها.
وفي الإسلام لا تأبى قواعد الشريعة أن يكون من صلاحيات السلطة السياسية في المجتمع تجريد المواطنين من أي نوع من أنواع الأسلحة التي قد تستخدم في تهديد الأمن، أو في معارضة السلطة السياسية، بل ولا أجد ما يمنع شرعًا السلطة السياسية في الدولة الإسلامية من سن القوانين التي تحضر اقتناء أسلحة معينة بالاسم أو النوع أو الصفة، وحضر الاتجار بها، وقد وجدنا فقهاءنا تعرضوا لحكم بيع الأسلحة في أوقات الفتنة وذهبوا في ذلك إلى التحريم، لما في ذلك من الإعانة على المعصية (٢) فإن امتلاك الأسلحة من قِبَل أية جهة في المجتمع قد يغريها باقتراف العصيان أو سلوك مسالك الفتنة وتهديد الأمن والاستقرار في الدولة.
_________________
(١) عبد الهادي، ماهر، السلطة السياسية في نظرية الدولة، ص ٦٢، مرجع سابق.
(٢) ابن قاسم، عبد الرحمن بن محمد، حاشية الروض المربع، شرح زاد المستنقع، ط١، ١٣٩٨ م، ج٤، ص ٣٧٤.
[ ١ / ٣٣٠ ]
هذا، وإن أظهر ما يميز السلطة السياسية عن أي تنظيم سياسي أو اجتماعي في الدولة امتلاك السلطة القوة المسيطرة، وحقها في حظر حيازة أي سلاح من قِبَل أي تنظيم سياسي أو اجتماعي في الدولة، وحقها في استخدام أي إجراء مشروع وقائي أو علاجي يكفل خلو الدولة من قوة منافسة لقوة السلطة السياسية.
وقد لاحظ الفقهاء المسلمون أهمية القوة المادية بالنسبة للسلطة السياسية في الدولة الإسلامية، فحرصوا على توافرها لها منذ لحظة انعقاد البيعة، وذلك إذا لم تتوافر قاهرة مسيطرة، من جيش وشرطة يكونان رهن أمر الإمام، فاشترطوا في المبايعين حتى تنعقد الإمامة بمبايعتهم أن يكونوا من أهل الشوكة، ويقصدون بالشوكة، أي القوة، فمن نصوصهم في ذلك:
١ - قال ابن تيمية: «الإمامة تثبت عندهم - أهل السنة - بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إمامًا حتى يوافق أهل الشوكة، الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فالإمامة ملك وسلطان، والملك لا يصير مُلْكًا بموافقة واحد واثنين ولا أربعة، إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم، بحيث يصير ملكًا بذلك، ولو قُدِّر أن عمر وطائفة معه بايعوا أبا بكر وامتنع سائر الصحابة عن البيعة لم يصر إمامًا بذلك، وإنما صار إمامًا بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة، ولهذا لم يضر تخلف سعد بن عبادة؛ لأن ذلك لا يقدح في مقصود الولاية، فإن المقصود حصول القدرة والسلطان اللذين بهما تحصل مصالح الأمة، وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك، فمن قال: يصير إمامًا بموافقة واحد واثنين وأربعة، وليسوا هم أهل القدرة والشوكة فقد غلط، كما أن من ظن أن تخلف الواحد والاثنين والعشرة يضر فقد غلط» (١) .
_________________
(١) ابن تيمية، تقي الدين، منهاج السنة النبوية، دار الكتب العلمية، بيروت، وبهامشه صريح المعقول، ج١، ص ١٤٢.
[ ١ / ٣٣١ ]
فابن تيمية في هذا النص يقرر أهمية اتصاف المبايعين بالشوكة، أي القوة، كي تنعقد البيعة بمبايعتهم، إذ دون ذلك لا يذعن الناس للنظام، ولا تستقر الأوضاع السياسية في الدولة، ولا تخضع الأقلية لرأي الأغلبية. وعلى هذا المعنى جاء قول الشهرستاني:
«ولو عقد واحد ولم يسمع من الباقين نكير كفى ذلك» (١)، وقول النووي: «تنعقد الإمامة ببيعة واحد انحصر الحل والعقد فيه» (٢)، لأنه يكون حينئذ صاحب الشوكة في الدولة، وكذا لو كان أهل الحل والعقد عددًا قليلًا، ولكنهم أهل شوكة، وقد علل الرملي ذلك، فقال: «لأن الأمر ينتظم بهم ويتبعهم سائر الناس» (٣) .
٢ - وقال الغزالي: «والذي نختاره أنه يكتفى بشخص واحد يعقد البيعة للإمام، مهما كان ذلك الواحد مطاعًا ذا شوكة لا تطال، ومهما إذا مال إلى جانب مال بسببه الجماهير، ولم يخالفه إلا من لا يُكترَث بمخالفته، فالشخص الواحد المتبوع المطاع، بهذه الصفة يكفي، إذ في موافقته موافقة الجماهير، فإن لم يحصل هذا الغرض إلا لشخص واحد أو ثلاثة فلابد من اتفاقهم، وليس المقصود أعيان المبايعين، إنما الغرض قيام شوكة الإمام بالأتباع والأشياع، وذلك يحصل بكل مستول مطاع، ونحن نقول: لما بايع عمر أبا بكر لم تنعقد البيعة له بمجرد بيعته، ولكن بتتابع الأيدي إلى البيعة، بسبب مبادرته، ولو لم يبايعوه لما انعقدت الإمامة، فإن شرط ابتداء الانعقاد قيام الشوكة وإنصراف القلوب إلى المشايعة ومطابقة البواطن على المبايعة» (٤) .
_________________
(١) الشهرستاني، نهاية الأقدام، ص ٤١٦، مصدر سابق.
(٢) الرملي، محمد بن أحمد، نهاية المحتاج في شرح ألفاظ المنهاج، دار الفكر، الطبعة الأخيرة، ١٩٨٤م، ج٧، ص ١٨٠.
(٣) المصدر السابق.
(٤) الغزالي، محمد بن محمد، فضائح الباطنية، تحقيق عبد الرحمن بدوي، دار الكتب الثقافية، الكويت، د ت، ص ١٧٦.
[ ١ / ٣٣٢ ]
٣ - وقال الجويني: «إن بايع رجل واحد، مرموق، كثير الأتباع والأشياع، مطاع في قومه، وكانت منعته تقيد استتباب الأمن واستقرار السلطة، انعقدت بيعة. وقد يبايع رجال لا تفيد مبايعتهم شوكة ومنة قهرية، فلست أرى للإمامة استقرارًا» (١) .
والشوكة فيما مضى كانت تحصل بالقوة الناشئة من الكثرة العددية، من قبل أشياع وأتباع المبايعين، وذلك لعدم وجود قوة عسكرية ضاربة تقدم الولاء للسلطان على الولاء للقبيلة، وإنما كانت الجيوش من أبناء القبائل الذين يغلب عليهم الولاء للقبيلة على الولاء للسلطان، ولذلك كان شرط البيعة اتصاف من يعقد البيعة من أهل الحل والعقد للإمام بالشوكة، ولعل شوكة قريش آنذاك كانت علة اشتراط القرشية في الإمام وهو ما قرره ابن خلدون (٢)، فإن قريشًا كانت تمثل بكثرتها قوة ضاربة يحصل بها الاستقرار للإمام إذا كان من قريش، وتُخشى معارضتها إذا جُعلت الإمامة في غيرها، فإن الناس كانوا ينقادون لها، ولكنها قد لا تنقاد لغيرها، وبإنتهاء شوكتها انتهت القرشية شرطًا من شروط استحقاق الإمامة - والله أعلم -.
وإن عبارات العلماء السابقين لتدل على أهمية تفرد السلطة السياسية في المجتمع بالقوة القاهرة، إذ دون قوة قاهرة لا يحترم في المجتمع نظام، وتنزع من قلوب المتمردين والمجرمين المهابة من السلطة الحاكمة.
وتنبه هنا إلى أن الإسلام يجعل أهمية كبرى لرضا الأمة قاطبة أو رضا الأغلبية منهم بأفراد السلطة السياسية، وذلك لتكون الأمة ذاتها قوة في يد أشخاص السلطة السياسية يستعين بهم لبسط سلطان وممارسة اختصاصاته.
ثالثًا: عامة عليا:
_________________
(١) الجويني، غياث الأمم، ص ٧٥، مصدر سابق.
(٢) ابن خلدون، المقدمة، ص ٢٤٣، مصدر سابق.
[ ١ / ٣٣٣ ]
ومعنى كون السلطة السياسية سلطة عامة أي أن سيطرتها تمتد إلى الأفراد والهيئات والمؤسسات كافة التابعة للدولة، فإذا وجدت سلطةمماثلة لها، تعددت السلطات السياسية في المجتمع، فيفسد المعنى الحقيقي للسلطة السياسية وهو الحكم المسيطر المتفرد في المجتمع، وبذلك تفقد الدولة مضمونها السيادي الداخلي المتمثل بواحدية السلطة العامة فيها، فتعم الفوضى ويختل الأمن، وينهدم الاستقرار.
ولكيلا تتعدد السلطات السياسية الحاكمة في الدولة شرع في الإسلام قتل من بويع بالإمامة بعد حصول بيعة شرعية لإمام موجود. فقد قال ش: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» (١)، وذلك لأنه سيمثل من حيث الواقع سلطة سياسية، ولو لم تكن سلطته شرعية، ويريد أن تكون سلطته هي العليا والعامة في الدولة، ومع وجود سلطتين يفقد المجتمع الأمن والاستقرار السياسي، فلابد أن تكون السلطة السياسية في المجتمع واحدة عامة عليا، ذلك أن السلطات السياسية متى تعددت فقدت كل منها مضمونها، كليًا أو جزئيًا.
ومن أجل تحقيق وحدة السلطة السياسية في المجتمع الإسلامي، واستقرارها، جاء «الأمر بقتال من خرج على الإمام أو أراد تفريق كلمة المسلمين» (٢)، كما سبق.
رابعًا: قابليتها لأن تتفرع عنها سلطات وأجهزة للحكم والإدارة:
_________________
(١) القشيري، مسلم بن الحجاج، الصحيح بشرح النووي، الدار الثقافية العربية، بيروت، ط١، ١٣٤٩ هـ - ١٩٣٠ م، ج١٢، ص ٢٤٢.
(٢) النووي، محيي الدين، شرح صحيح مسلم، الدار الثقافية العربية، بيروت، ط١، ١٣٤٩ هـ - ١٩٣٠ م، ج١٢، ٢٤١، مصدر سابق.
[ ١ / ٣٣٤ ]
وهذا يكون بحسب حاجة الأمة، ومتطلبات العصر. ويكون لها تجاه ما تفرع عنها من الأجهزة والإدارات والمؤسسات حق الإشراف عليها وتحديد صلاحياتها والتعديل فيها بحسب ما تقتضيه المصلحة العامة للأمة، فإن «تصرف الإمام على الرعية منوط بمصلحتها» (١)
_________________
(١) ابن نجيم، زين العابدين إبراهيم، الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٥ م، ص ١٢٣، والسيوطي، جلال الدين، الأشباه والنظائر، مصطفى البابي الحلبي، د ت، ص ١٢١. المصادر والمراجع
(٢) الإيجي، عضد الدين، المواقف، شرح الشريف الجرجاني، مطبعة السعادة، ط١، ١٩٠٧ م.
(٣) البابرتي، أكمل الدين محمد بن محمود شرح العناية على الهداية، مع شرح فتح القدير لابن الهمام، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د ت.
(٤) البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، عالم الكتب، بيروت، د ت.
(٥) البغدادي، عبد القاهر بن طاهر، أصول الدين، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط١، د ت.
(٦) البغوي، الحسين بن مسعود، شرح السنة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م، ج٢، ص ٣٩٨.
(٧) التفتازاني سعد الدين شرح العقائد النسفية للنسفي، مصطفى البابي الحلبي، د ت.
(٨) التفتازاني، سعد الدين مسعود بن عمر، شرح مقاصد الطالبين في علوم أصول الدين، للتفتازاني نفسه، مطبعة دار الطباعة، الاستانة، ١٢٧٧ هـ.
(٩) ابن تيمية، تقي الدين، منهاج السنة النبوية، دار الكتب العلمية، بيروت، د ت وبهامشه صريح المعقول.
(١٠) ابن جماعة، بدر الدين، تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام، تحقيق فؤاد عبد المنعم، رئاسة المحاكم الشرعية، قطر، ط٢، ١٤٠٧ هـ. الجوزي، عبد الرحمن بن علي، زاد المسير في علم التفسير، دار الفكر، بيروت، ط١، ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧ م.
(١١) الجوزي، عبد الرحمن بن علي، زاد المسير في علم التفسير، دار الفكر، بيروت، ط١، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.
(١٢) الجويني، أبو المعالي عبد الملك، غياث الأمم في الثبات الظُّلم، الشؤون الدينية، قطر، ط١، ١٤٠٠ هـ.
(١٣) ابن حزم، أبو علي محمد، الفصل في الملل والأهواء والنحل، مكتبة محمد علي صبيح، القاهرة، د ت.
(١٤) خلاف، عبد الوهاب، السياسة الشرعية، أو نظم الدولة الإسلامية، المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٥٠ هـ.
(١٥) ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة، دار الفكر، بيروت، ط١، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م، ط٢، ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٨ م.
(١٦) خليل، محسن، النظم السياسية والقانون الدستوري، منشأة المعارف، الإسكندرية، ١٩٧١ م.
(١٧) الدريني، فتحي، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي، الشركة المتحدة، د ت.
(١٨) الرازي، فخر الدين بن محمد بن عمر، الأربعين في أصول الدين، حيدر آباد، ط١، ١٣٥٣هـ.
(١٩) الرازي، محمد بن عمر، التفسير الكبير ومفاتيح الغيب، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.
(٢٠) الرملي، محمد بن أحمد، نهاية المحتاج في شرح ألفاظ المنهاج، دار الفكر، الطبعة الأخيرة، ١٩٨٤ م.
(٢١) الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس من جواهر القابوس، دراسة وتحقيق علي يسري، دار الفكر، بيروت، دت.
(٢٢) الزمخشري، محمود بن عمر، الكاشف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ومعه حاشية الجرجاني، وكتاب الإنصاف فيما تضمنه الكاشف من الإعتزال، لإبن المنير، الإسكندراني، دار الفكر، ط١، ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م.
(٢٣) السيوطي، جلال الدين، الأشباه والنظائر، مصطفى البابي الحلبي، د ت.
(٢٤) السيوطي، جلال الدين، حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، دار إحياء التراث العربي، ط ١٩٧٦ م.
(٢٥) الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، نهاية الإقدام في علم الكلام، مكتبه المتنبي، القاهرة.
(٢٦) الشوكاني، محمد بن علي، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في التفسير، عالم الكتب، دون ناشر.
(٢٧) الطبري، محمدبن جرير، جامع البيان عن تأويل أي القرآن، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥ هـ، ١٩٩٥ م.
(٢٨) ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، دون ناشر.
(٢٩) عبد الهادي، ماهر، السلطة السياسية في نظرية الدولة، دار النهضة العربية، القاهرة، ط٢، ١٩٨٤ م.
(٣٠) الغزالي، محمد بن محمد، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، د ت.
(٣١) الغزالي، محمد بن محمد، الاقتصاد في الاعتقاد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط٢، د ت.
(٣٢) الغزالي، محمد بن محمد، فضائح الباطنية، تحقيق عبد الرحمن بدوي، دار الكتب الثقافية، الكويت، د ت.
(٣٣) الفراء، أبو يعلى، الأحكام السلطانية، تحقيق محمد حامد الفقي، دار الفكر، ط٣، ١٣٩٤ هـ.
(٣٤) القرافي، أحمد بن إدريس، الفروق، دار إحياء الكتب العربية، ط١، ١٣٥٤ هـ.
(٣٥) ابن قاسم، عبد الرحمن بن محمد، حاشية الروض المربع، شرح زاد المستنقع، ط١، ١٣٩٨م.
(٣٦) والكتاني، عبد الحي، التراتيب الإدارية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د ت.
(٣٧) ابن كثير، عماد الدين إسماعيل، تفسير القرآن العظيم، دار الفيحاء، دمشق، ودار السلام، الرياض، ط١، ١٤١٤ هـ، ١٩٩٤ م.
(٣٨) القشيري، مسلم بن الحجاج، الصحيح بشرح النووي، الدار الثقافية العربية، بيروت، ط١، ١٣٤٩ هـ - ١٩٣٠ م، ودار الفكر العربي، ١٩٨٣ م.
(٣٩) ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، السنن، تحقيق صدقي العطار، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.
(٤٠) الماوردي، علي بن محمد، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، دار الكتب العلمية، بيروت، د ت.
(٤١) متولي، عبد الحميد، القانون الدستوري والأنظمة، منشأة المعارف، الإسكندرية، ط٦، ١٩٧٦ م.
(٤٢) مسلم، صحيح مسلم، دار الكتب العلمية، بيروت، د ت.
(٤٣) ابن منظور، جمال الدين، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط٣، ١٤١٣هـ - ١٩٩٣ م.
(٤٤) ابن نجيم، زين العابدين إبراهيم، الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٥ م.
(٤٥) النووي، محيي الدين، شرح صحيح مسلم، الدار الثقافية العربية، بيروت، ط١، ١٣٤٩هـ - ١٩٣٠ م.
(٤٦) الهمذاني، عبد الجبار بن أحمد، المغني في أبواب التوحيد والعدل، تحقيق عبد الحليم محمود وسليمان دنيا، ١٩٦٦ م.
(٤٧) ابن الهمام، الكمال، المسايرة في علم الكلام والعقائد والتوحيد المنجية في الآخرة، المطبعة المحمودية، القاهرة، ط٢.
[ ١ / ٣٣٥ ]
كذلك لها حق إلغاء بعض الأجهزة أو الإدارات أو المؤسسات التي يظهر لها أنها استنفذت أغراضها المقصودة من إنشائها.
الهوامش والتعليقات
[ ١ / ٣٣٦ ]