«أحمد جمال نموذجًا»
د. جميل محمود هاشم مغربي
الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية - كلية الآداب
جامعة الملك عبد العزيز
ملخص البحث
يتجلى الفرق بين طبيعة الشعر، كتجربة إبداعية، وطبيعة النثر، كعملية عقلية، بصورة أكثر وضوحًا، لدى أولئك الأدباء الذين استهلوا حياتهم بالدخول إلى الأدب عبر بوابة الشعر، ثم قيّض الله لهم الانتقال إلى عالم الفكر، وما يستتبعه من ممارسة عقلية، تنأى به عن عالم الشعر، وما يكتنفه من خيال وتجنيح، إلى عالم الفكر وما يقتضيه من وضوح ومباشرة، وجدلية تتطلع إلي الإقناع عبر الحجة والدليل.
ولم يكن اختيار اجمد جمال باعتباره المثال الوحيد في بابه، ولكن باعتباره نموذجًا واضحًا بين الأدباء السعوديين لحالة الشروع في قرض الشعر، على نية الاستمرار فيه من خلال إطلاق اسم (الطلائع) على ديوانه الأول والوحيد، ثم إغلاق الباب على موهبة الشعر، والانتقال الى ميدان الفكر، والعكوف على الدراسات المتشعبة عنه.
واقتضى ذلك مواكبة مرحلة التكوين والإرهاصات الشعرية الأولى لأحمد جمال، إلى ان استوت تلك الموهبة على سوقها، وتبلورت مرحلة الشعر في حياته.
وتعين قبل الوصول الى عالم الفكر، ان نعبر الجسر الفاصل بين الحقلين، فوقف الباحث أمام قضية نقدية هامة لمناقشة طبيعة الشعر، وطبيعة النثر، وإيراد آراء وأقوال النقاد، من قدماء ومعاصرين، حول مظاهر الاختلاف بين الشعر والنثر وخصائص لغة كل منهما، وتوظيف الخيال في الشعر، والركون إلى الحقائق والأدلة في النثر.
ثم حاول البحث تلمس بواعث انتقال أحمد جمال من الشعر إلى النثر، دون ان يغفل التمثيل على هذا الانتقال بنموذجين بارزين سبقا أحمد جمال إلى نفس المسار، وهما الأستاذ مصطفى صادق الرافعى، والأستاذ سيد قطب، ﵏ جميعا.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
ثم أفضى البحث الى حقبة الفكر في حياة أحمد جمال، وهى المرحلة التي كرّس لها قدرًا كبيرًا من جهده، ومنحها جلّ وقته واهتمامه، فانتج فيها عددًا من المؤلفات في ميادين الثقافة الإسلامية، وقضايا الفكر الإسلامي، وشئون المسلمين.
واقتضت معالجتنا وتحليلنا لهذه المرحلة إيراد بعض النصوص من مؤلفاته كاملة دون ابتسار، خشية الإخلال بالإطار العام، وحرصًا على ان يقف القارئ الذي لم تتح له فرصة الاطلاع على مؤلفات الأستاذ أحمد جمال الوقوف على تلك النصوص كاملة، إذ لا يكفى الحكم مع غياب النص. وإيراده كاملًا وإن طال أجدى من ابتسار النص والإخلال بالقصد وحفزنا على ذلك القناعة بان هيكلية كل بحث تنبع من داخله وخطته يرسمها مدلول البحث نفسه.
وانتهى البحث إلى عقد موازنة بين أحمد جمال ومن شاركه في انتهاج النهج نفسه، وهما المرحومان الرافعى وسيد قطب، كشفت عن اتساع مساحة الاهتمام والإسهام الفكري لأحمد جمال حيث شملت التفسير وعلوم الحديث والدراسات الفكرية والاجتماعية وقضايا الأقليات المسلمة، وغير ذلك. بينما انحصرت جهود سيد قطب في نطاق التفسير البياني والدراسات البيانية، وتصدى الرافعى لمهمة الدفاع عن القضايا التي تمس العقيدة، ومكونات الفكر الإسلامي، مع استمرار إسهامه في القضايا الأدبية.
وهى موازنة لا تقدح في جهودهما، ولا تمسّ المكانة السامية التي ظل يحظى بها ولا يزال كل منهما، في الجانب الأدبي، أو في إسهاماتهما في الدراسات الإسلامية كعلمين مميزين في كل منهما.
ثم رست سفينة البحث على مرفأ النتائج.
• • •
المقدمة:
تناقش هذه الدراسة ظاهرة انتقال الأدباء من دوحة الشعر التي استهلّوا بها حياتهم الأدبية إلى دوحة النثر وما يتفرّع عنها من دراسات دينية وفكرية واجتماعية وتربوية.
[ ٢ / ٤٢١ ]
وانتقت الدراسة الأستاذ أحمد جمال، ﵀، كنموذج يتمحور حوله البحث، لما يمثّله نتاجه من سمات تجسد بعض ملامح هذه الظاهرة، حيث استهلّ حياته الأدبية شاعرًا في ديوانه الطّلائع، ثم عزف عن قول الشعر، وعكف على الدراسات الدينية وما يتشعّب منها من اتجاهات، كالتفسير، والسيرة، النبوية (على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم)، والقضايا الفكرية، والتربوية، والاجتماعية، والاقتصادية، وتعيّن تبعًا لذلك استعراض البواعث التي حدت بالشعراء للانتقال من الشعر، ليتحولوا إلى عالم الفكر والدراسات، دون عودة إلى نبع الشعر. كما اقتضى ذلك وقفة خاصة، لاستعراض طبيعة الشعر، وتبيان خصائصه المميزة كعملية خلق لغوي ترتكز على الخيال كعنصر فعّال في توليد الصور، وبلورة الأحاسيس، والمشاعر، وتحديد الفوارق بينه وبين النثر الذي يقوم على الوضوح، والمباشرة، ومحاولة الوصول إلى الفكرة، بعيدًا عن الغموض، والاستغراق في الخيال، معتمدين في ذلك على آراء وأقوال أبرز النقاد من مختلف العصور الأدبية، قديمها وحديثها، انتهاء بآراء النقاد المعاصرين.
وإذا كان احمد جمال نفسه يذهب في تعليله لهجر الشعر، إلي عالم النثر، بعدم طاقته على الانحباس لنظم بيت من الشعر، بسبب ازدحام الحياة بأسباب هذا الانصراف عن نظم القوافي، وتصيد كلمات القافية الواحدة، ومراقبة الوزن بما يشبه المخاض كما سيتضح فيما بعد، فان البحث يتجاوز هذا التعليل دون ان يغفله إلى رؤية نقدية تشمل المباينة بين لغة الشعر ولغة النثر والفوارق الوظيفية والتاثيرية لكل منهما بما يستدعي توظيف الخيال في الأول والحرص على المباشرة والوضوح في الثاني.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
وقد استحضرت هذه الدراسة نموذجين بارزين سبقا أحمد جمال في الانتقال من عالم الشعر إلى عالم النثر، ونجحا في الجنسين الأدبيين، وهما الأستاذ سيّد قطب، والأستاذ مصطفى صادق الرافعي، رحمهما الله، مع الاستشهاد بعمل من أعمالهما في كلّ من الشعر والنثر، ليتسنى الوقوف على الخصائص الأسلوبية، والملامح الفنية، والاتجاهات الفكرية لكل شخصية، بما يتيح تشكيل صورة كاملة، ووضع تصور واف، بما يخدم الموازنة من جانب، ويقتضي الاقتضاب بما يتواءم مع طبيعة البحث. ثم أردفت ذلك باستعراض التوجّهات الفكرية التي أبحر قلم الأستاذ أحمد جمال في عبابها، لتبيان المساحة الفكرية التي ساحت فيها يراعته، وتقديم صورة كلية لتوجهاته الفكرية، بما يكشف عن غزارة إنتاجه، وتنوع الموضوعات التي طرقها، من تفسير وسيرة وتربية وفكر واقتصاد، وإبراز السمات والخصائص الأسلوبية لكل فرع طرقه، ليفضي بنا ذلك إلى تحديد النتائج بعد الموازنة.
ويتعيّن أن أشير إلى أن سمة الوضوح التي يتصف به فكر أحمد جمال، اقتضت النزوع نحو الاستشهاد، وإيراد النصوص كاملة، وعدم ابتسارها، لتقديم صورة كلّية واضحة تفصح عن ملامح فكره، وتوجهه الأسلوبي، باعتباره من الشخصيات الأدبية التي تحبذ الوضوح والجلاء في تناول القضايا الفكرية التي تشرئب نحو الإقناع والتأثير، وهو بذلك يريح الباحث من خلال تقديم نفسه واضحًا وجليًا، فلا يعوز الباحث سوى قليل من الجهد عند الاستنباط، وإعمال الفكر، للوصول إلى المرامي والأهداف.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
وذلك يتجانس مع طبيعة البحث القائم على الموازنة وإبراز الخصائص ويخالف رغبة الباحث الراغب في أن يظل صوته متصلًا دون خفوت. لذلك لم يتجانس هذا التوجه مع رغبتي في البحث، ولكنه تساوق مع مقتضيات المنهج العلمي، خاصة في الجانب الفكري من نتاج أحمد جمال، إذ خفت صوتي فيه كثيرًا، وعولت فيه على الاستشهاد بأقوال الشخصية. ومرد ذلك هو طبيعة المنهج العلمي، الذي اختطّه أحمد جمال لنفسه، بانتقاله من واحة الشعر الوارفة الظلال والأخيلة، إلى عالم الفكر المتوهج والمشرق، بما لا يستدعي تدخّل الباحث بالتحليل والاستنباط إلا باليسير من الجهد والاستنتاج إذ أسهم الأستاذ جمال في تقديم رؤاه وأفكاره، واضحة جلية، خاصة وأنه يغمس يراعته في بحوث في مجالات الفكر، والدراسات الإسلامية بما يقتضي الوضوح والائتلاق للوصول إلى الإقناع والتأثير. وحرص البحث على مناقشة كل موضوع وجزئية بتجرد وحيدة سائلًا الله ﷿ أن يلهمنا الصواب في القول والعمل، مستمطرًا إياه شآبيب الرحمة والمغفرة، على أرواح وأر ماس هؤلاء الأعلام،وأن يجعل ما قدموه في موازين أعمالهم، وقد حلوا بساحة أكرم الأكرمين.
التكوين والإرهاصات:
يتسنم الكاتب والمفكر الإسلامي أحمد محمد جمال ذروة إعجاب متنام،كمحصّلة للاهتمام الذي كان يحفه من قارئيه ومحبيه، ويتبوأ منزلة فريدة، قلّ أن يحظى بها مضارعوه من أرباب اليراع، ليس لأنه مفكر نذر نفسه وفكره وقلمه لقضايا عقيدته، مناقشة ودفاعًا وتحليلًا فحسب، بل لأنه إضافة إلى ذلك، استهل حياته منذ يفاعته، منتهجًا سبل التوجه الإسلامي قولا وعملا ومبدأ، متجافيًا عمّا يخدش هذا المسار، ويمسه بشائنة، أو ظن، مقتنعًا بأن القدوة هي أنجع السبل للاقناع والتوجيه، محققا بذلك التضامن الرائع، بين المنهج والسلوك كوسيلة مثلى تغري الآخرين بالمحاكاة والاحتذاء.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
وللتدليل على ذلك من حياة أحمد جمال، فلقد قيض له أن يمنى بداء الربو مع صداع شديد في العقد الثاني من حياته، وأخذ يلتمس الدواء ليبلّ من مرضه، فعرض نفسه على الأطباء، فنصحه أحدهم بأن يتجرع شيئا من الخمر، ليبرأ من دائه، فاندهش أحمد جمال لذلك، وتحركت شاعريته بقصيدة حول مرضه، منها قوله في الرد على وصفة الطبيب
المحرّمة، حيث قال:
زعم الطبيب بأن بالصهباء
تشتدّ أعصابي ويحسم دائي
فرفضتها وأنا المريض ولم أكن
لأريد بالخمر الحلال دوائي
آمنت أن الله لم يجعل لنا
فيما نهانا عنه أيّ شفاء
آمنت أن الله سوف يقيمني
من علّتي فبه عقدت رجائي
وبحرمة الله التي عظّمتها
تشتدّ أعصابي ويبرأ دائى (١)
وعزوفًا عن اليسير، وحرصًا على التحدي والإصرار، يدلف أحمد جمال إلى عالم الأدب عبر بوابة الشعر، متنكبًا عن بوابة النثر التي عُرف بها فيما بعد، ويذكر الاستاذ محمد على الجفرى على لسان الاستاذ احمد جمال، في ترجمته لحياته في كتابة (الاديب المكى): إن ديوان الشاعر العراقي معروف الرصافي هو أول كتاب قرأه وحفظ منه القصيدة التالية:
يا قوم لا تتكلّموا
إنّ الكلام محرّم
ناموا ولا تستيقظوا
ما فاز إلا النوّم
ودعوا التفهُّم جانبًا
فالخير أن لا تفهموا
وتثثبّتوا في جهلكم
فالشرُّ أن تتعلموا
أما السياسة فاتركوا
أبدا وإلاّ تندموا
لا يستحقّ كرامة
إلاّ الأصم الأبكم
وإذا ظُلمتم فأضحكوا
طربا ولا تتظلّموا (٢)
ولعلّ ديوان الرصافي كان من المحفّزات التي قادته إلى أن يستهلّ حياته بكتابة الشعر، كما بدأها بقراءة الشعر.
كما كان للمناخ الذي عاشه أحمد جمال دورٌ وتأثيرٌ في اتجاه بوصلته الأدبية صوب الشعر، فلقد سأل خدنه وصديقه على امتداد مراحل العمر، عبد العزيز الرفاعي (﵀) حينما جمعتهما مقاعد الدراسة، عن قراءته (فقال: عبث الوليد قال أحمد جمال: وما عبث الوليد؟
قال الرفاعي: أحد مصنفات فليسوف العربية الكبير.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
قال جمال: ومن هو؟
قال الرفاعي: أبو العلاء المعري طبعا.
قال جمال: وما موضوعه؟
قال الرفاعي: كتاب يتحدث عن البحتري الشاعر.
قال جمال: وأنت تقرأ كتابا كهذا؟! .
قال الرفاعي: أصارحك القول، إنني حاولت أن أفهم ماذا يريد أن يقول أبو العلاء، فاستعصى على فهمه. فقد كانت لغته ومحتواه فوق مستواي، ولكني أكابر نفسي بأنني قرأت أبا العلاء المعري) (٣) .
ولقد بدا من تأثير صداقة الرفاعي لأحمد جمال، وكذلك ارتباطه الحميم بشقيقه الذي يكبره سنًا صالح أنهم كانوا يرتادون المجالس الأدبية، فنما نتيجة لذلك تطلّع أحمد جمال في أن يصبح شاعرا تنصت لشعره الأسماع، وترحل به الركبان، مثل شوقي وحافظ إبراهيم (٤) (رحمهما الله)، ولعل صدى ذلك الإعجاب بشوقي والاهتمام المبكر بشعره يتجلّى في قيامه بتشطير بيت له وهو:
(أكذب نفسي عنك في كل ما أرى)
وأهزأ بالواشي إذا جاء يوقع
أصمّ لدى لغو العواذل مسمعي
(وأسمع أذني فيك ما ليس تسمع) (٥)
ومن المعروف لدى المتخصصين من الباحثين والدارسين ان الأدب العربي عرف ظاهرة الجمع بين الشعر والنثر لدى جمهرة من الأدباء كالمعري الذي تعاطي الشعر في ديوانيه (سقط الزند) في مرحلة الصبا و(اللزوميات) في مرحلة النضج وضم إليهما أعماله النثرية (رسالة الغفران) و(رسالة الصاهل والشاحج) و(رسالة الملائكة) و(الفصول والغايات) (٦) .
وليس آخر هؤلاء الأدباء العقاد الذي جمع بين الشعر والنثر، لكن المفارقة تكمن في الأدب الحجازي، والذي دأب أدباؤه على الجمع بين الشعر والنثر في الأغلب والأعم، إذ استهلّ أحد أكثر شعرائه شهرة أعماله بكتاب نثري، وهو الأستاذ محمد حسن عواد في (خواطر مصرحة) (٧)، واستهلّ أحد أشهر كتابه ولغوييه ومفكريه، وهو الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار حياته الأدبية بإصدار ديوان شعري هو (الهوى والشباب) (٨) .
حقبة الشّعر:
[ ٢ / ٤٢٦ ]
ويتجانس مع هذا التوجه ما حدث من انتقال في حياة الأستاذ أحمد جمال الذي عُرف بالأعمال الفكرية العديدة والدراسات الدينية المتعاقبة فقد استهلّ حياته الأدبية والفكرية شاعرًا، إلى جانب إسهاماته في الأجناس الأدبية الأخرى.
فلقد أصدر في مطلع شبابه ديوانًا ضمّ العديد من القصائد والمقطوعات الشعرية، التي نشرت من قبل في صحف المملكة ومصر وغيرهما، وسمّاه (الطلائع) (٩) واسم الديوان ينطوي على مفارقة تكمن في أن هذه الطلائع لم يردفها الشاعر بتوابع تلحق بها، فقد انقضّت الطلائع على مدلولها واستحالت كما قال الشاعر نفسه إلى (الخواتيم) إذ لم يتسن للشاعر - بإرادته - أن ينشر، ولعله لم ينظم بعدها شعرًا، يدلّل على استمرار اهتمامه بهذا الجنس الأدبي، لا لضمور في المقدرة الشعرية أو نضوب في معينها الممدّ والمتدفق، بل لسبب جلي وواضح، يسهل عزوه إلى عكوف أديبنا على قضايا الإسلام والأمة الإسلامية.
ولذلك حينما قام نادي مكة الأدبي بإعادة نشر هذا الديوان، عمد إلى نشره تحت مسمى جديد، وهو (وداعا أيها الشعر)، في إشارة من الشاعر إلى تغيير مساره الفكري والثقافي، حيث يبين بواعث هذا التغيير بقوله: (أما أنا فهذا بعض شعري الذي قلته منذ صباي ثم شبابي، وقد سميت الطبعة الأولى من ديواني (الطلائع) لأني كنت أحسب أني سأظل شاعرًا، وأقول الشعر في مختلف مجالات الحياة وأحداثها ومسالكها. ولكن الله ﷿ أراد غير ذلك، فوجّهني إلى أدب الدراسات الإسلامية، فكتبت فيها المقالات، وألّفت الكتب، وألقيت المحاضرات ودرستها لطلاب الجامعة، في مكة المكرمة وجدة، وفي المؤتمرات الداخلية والخارجية.
وبذلك التوجيه الذي أراده الله لي، كانت (الطلائع) (الخواتيم) ولكنها ذكريات عزيزة (١٠) .
[ ٢ / ٤٢٧ ]
والأمر يمثل ظاهرة تضاهي المنافسة المعروفة -بشد الحبل- ويكون الخاسر فيها في الأغلب والأعم هو الشعر فلقد دلف من بوابة الشعر الأستاذ مصطفى صادق الرافعي والأستاذ سيد قطب ثم عادا ادراجهما ليلجا بوابة الدراسات الإسلامية.
والمرء يكمن قدره فيه، ويتوارى بين طيّات نفسه، حتى يتزامن مع أوان حينه، لينبلج على أديم الواقع متجسدًا وملموسًا، ومن يقرأ شعر أحمد جمال بعين ناقدة نافذة، ورؤى مستقبلية تتخطى تلال الزمان، وتستشرف غده، ليستطيع القطع بأن الشاعر سيتوقف عند مرحلة محددة، وسيسلم العصا -على غرار إبطال سباق التتابع- للكاتب والمفكر الإسلامي.
فالتوجه الديني والخلقي سمة تلتمع بين ثنايا شعر يمثل صبا الشاعر ويفاعته، وهي فترة تمثل فورة التمرّد والجموح لدى أقرانه من الشعراء، وخير ما يمثل الشاعر في هذه الحقبة، قصيدته التي يرد بها على شاعر رمز لنفسه ح، س ولعله الشاعر الأستاذ حسين سرحان، الذي نظم قصيدة في خمسة عشر بيتا جاء فيها.
ذكرتك والسحر الغريب مرفرف
على شفتيك الّلعس أو خدك الدامي
ومنها:
مضى لك يوم في صباك محجّل
ويا ربّ يوم في الغرام كأعوام
ويا ربّ عطف لان منك على يد
منزّرة النعمى مكثّرة الذّام
ومنها:
وفي كلّ نفس من غرورك بضعة
تلوح وتخفى في جلاء وإبهام
فأنشأ الأستاذ أحمد جمال قصيدته المعنونة ب (إفك مدفوع) وهو عنوان له دلالته المتجذّرة في الثقافة الإسلامية ويقول فيها:
رميت أخاك العفّ في عرضه السامي
فوا بؤس مرمي، ويا بئس من رام
زعمت خلاف العقل والنقل أنني
فتى مثل اترابي أسام لمستام
وما ظفرت بالوصل مني خشارة
ولا سقيت في الحب من فيضي الطامي
ولا لان عطفي - وهو صعب- على يد
منزّرة النعمى مكثّرة الذّام
وأصوب ما أحجوه أنك ناضح
بما فيك.. هل ما فيك نبعة إجرام
فلو جئت تستفتي صحائف حاضري
وغابرتي، أعظمتني أيّ إعظام
حبست صباي الغض للدرس، أستقي
من المنهل الأقصى لا ملأ أيامي
[ ٢ / ٤٢٨ ]
فأي فتى لا يملأ الجدُ يومه
يلم بأرجاس الصبا أيّ إلمام
وكم أقدمت صوبي (ظباء) فمسّني
هواها مساس النور لامس إظلام
فأكرب أن تقتادني سورة الهوى
إلى نيل ما يبذلن بغية إكرامي
فأذكر نفس وهي أمّالة العلا
فارتد طوع النفس عن زور آرامي
عناق. وتقبيل. وشكوى. ومعتب
مشاغل أدريها عن المطمح السامي
ستضحك عيابًا علىّ حصانتي
وترجم آمالي بخبل والآمي
فأنت غريب اللب إلا عن الهوى
هوى العيش تبغيه لذاذة آثام
رويدك ما الدنيا علالة بائس
وليست كما تحجو علالة مجرام
لباس هي الدنيا لجان ومحسن
سيجزيهما بالعدل أحكم علاّم
فمن كان عريان الحجى في معاشه
سيكسى بأخراه غلالة إضرام
وما أنا لولا أن أتيت بظنّة
مسوّأة - مدّاح نفسي لأفدام
عفا الله عما نلت مني بفاحش
من الشعر واستبقي عن السوء إحجامي (١١)
وبعض عناوين القصائد يكرّس ما ذهبنا إليه، ويشي بهذا البرق الذي سيعقبه مطر هتّان من الدراسات الإسلامية، فهي تتراوح بين ذكر (ثور)، أي الجبل، (عام بأية سلم جئت يا عام)، والقصيدتان ارتبطتا بمسمى اتحد في إطار (من وحي الهجرة) ثم العنوان التالي لقصيدة كان حقها السبق وهي (الحجُ أسمح فرصة) ثم (لم نبن دنيا ولا دينا حميناه) وهو عنوان مستقى من آخر أبيات القصيدة، ثم تقفوها مجموعة من القصائد والمقطّعات ك (بكاء ودعاء) و(ابتهال في الحرب) و(تضرعات) و(صلاة) و(شكوى) . ينتظمها فصل من الديوان سماه الشاعر (صلوات وتسابيح)، وبحسب القارىء هذه الأسماء والمضامين صوى وإشارات، تدلّ على المنحى الإسلامي بين دفتي الديوان.
على أن هناك بعض العناوين ذوات الصيغ الدينية وإن تجافت القصائد مضمونًا عن تحقيق توجهات مسمياتها، مثل (الجبرية في الحب) و(مصير الرياض المغفلات) و(معدلة الأقدار) و(زجر) و(مذهبي) و(انتقام) و(صبر على جبر) .
[ ٢ / ٤٢٩ ]
ورغم ما نمّت عليه من توجهات دينية والتزام خلقي دلالات هذه العناوين ومسميات هذه القصائد والمقطّعات إلاّ أن الشاعر استطاع تحقيق المعادلة التي توخاها والمرمى الذى استهدفه فطافت شاعريته رياض الشعر المخضوضرة وجابت آفاقه المتوردة كقوله:
قسمًا ما استطبت بعدك حبا
يا حبيبا قد طاب بعدا وقربا
ذكرياتي وذكرياتك ذخري
من هناء الشباب قبلا وغبّا (١٢)
دون أن يفقد الشاعر سمات الالتزام الذي ضربه على شاعريته، ودون أن يندّ عن المسار الذي اختطّه لنفسه، كما في قوله في قصيدته هجر بهجر:
أذكر فما زلت مذكارا لسالفنا
أيام ألفتنا ساعات نجوانا
أيام كنت توافيني على شغف
فنختلي وعفاف الحب طيعانا (١٣)
إلا أن هذا العقال لم يكن ليتواءم مع انطلاقة الشعر النافرة، فأفضى الى ما جسده طرفة في قوله:
لكالطّول المرخى وثنياه باليد بيد أن أخطر القضايا التي ينطوي عليها شعر أحمد جمال، وتستوجب التأمّل والدراسة - في نظري- تتصل بمعجمه اللغوي الثري والمتنامي، وقدرته الفذة على التوليد والاشتقاق، بما يرتقي به إلى معارج التسمية بالشاعر الخلاق، فاللغة لديه لم تكن أسيرة القوالب النمطية، والصيغ المحكية، والعبارات التقليدية، رغم أنها سمة تفشت في تلك الفترة، ولم يفلت من زمامها إلا قلّة من الشعراء المبدعين، وبوسعك أن تلحظ بعض الصيغ والمفردات فيما قرأته من نماذج شعره، كقوله: (أسام) (لمستام) (منزرة) (ما أحجوه) (غابرتي) (فأكرب) (أمالة) (أدريها) (تحجوه) (مجرام) (مسوّأة) (طيعانا) لتتحقق من أن الشعر واللغة خسرتا بانحسار شاعرية الشاعر وجزرها عن الامتداد إلى عوالم أرحب تثري من خلالها المحتوى اللغوي، وتضيف إلى المعجم الكثير من الدلالات والتراكيب المخصبة والمتوالدة في نماء وازدهار، شأن الشعراء الذين كان يتبعهم اللغويون ليتلقفوا ما ابتكروه وأبدعوه من دلالات وصيغ.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
وفي الديوان الكثير من النماذج والشواهد على بنى الألفاظ التي منحها الشاعر دفقة الحياة بإعادتها للاستخدام، ووهبها القدرة على الحركة، بعد أن كانت مواتا متوارية في المعاجم وكتب اللغة.
وبوسعنا أن نقرر مطمئنين، أن السدّ الذي بناه الأستاذ أحمد جمال ليحول دون استمرارية تيار شاعريته وتدفقه، كان أمرًا حتميًا، رغم قدرته على استمرار جريانه وتدفقه إلى جانب بقية التيارات، التي حفل بها قلمه ورعاها فكره.
ولكن المتأمّل يتبيّن له تعذّر الجمع بين التيار الشعري وتوجه الفكر الإسلامي، فالشعر يتمحور حول الخلق اللغوي ويستلزم ضربا من التهويم والتحليق في عوالم الخيال وغابات الألفاظ، ومن أخص سماته أنه يستدعى قدرا من الغموض الذي تمليه طبيعته كما يستنتج ذلك أشهر دارس للغموض وليم أمبسون (William Empson) في كتابه المشهور (Seven Types of Ambiguity) . حيث يقول: (ان الغموض ليس مطلبًا لذاته، ولا يعتد به كخدعة نسعى الى ايجادها ولكنه يتولد من الحالة الخاصة التى تبرر وجوده) (١٤) .
لكي تتاح للقارىء فرصة إعمال الفكر والإسهام في خلق نصّه الخاص به والمتشكّل من خلال قراءته، وفق المنهج المعروف نقديا بمعاودة القراءة (Re-Reading)، ولن ننأى عن ذلك بعيدا في الاستشهاد والتمثيل، اذ سنورد قصيدة لشاعرنا يفوق عنوانها مضمونها غموضا، وهي قصيدة (مؤوف)، ويقول فيها:
جمالك يغري العقل بالسبح في الهوى
فبادرة الوجدان أعذر في السبح
جمالك يوحي بالثناء لماهر
أجادك تذكارا على بارىء سمح
ولكن سرًا فيك.. ينهش علمه
فؤادي ويمتاح المدامع للسفح
إذا الوردة الفيحاء سيم صيانها
بكف أثيم الكف تعجل للصوح
وتأنف أنف الطيبين شميمها
ويرتدّ عنها الطرف يبخل باللمح
أخي-وندائي ها هنا عطف اّسف-
على بلبل يستبدل الطين بالدوح
لهاتك بالذكر الأجلّ شجية
محبّبة الترتيل بالسّنح والبرح
وصوتك رقّاص الترانيم موفز
عواطف مروىّ العواطف للنضح
[ ٢ / ٤٣١ ]
ووجهك ومّاض التقاسيم يطّبي
تغزّل مكبوح التغزّل للجمح
فليتك من حسن بخلقك بائن
وخلقك- للحسن المروئي تستوحي
أخي-وهتافي ليس توليف آبد-
فما ائتلف البحران: عذب إلى ملح
ولكنني - من حيرتي فيك - ابتغي
لديك بيانا سوف اطويه في جنحي
ترى الزين لا يؤتى الكمال؟ أم العلا
محال على نبت الجرافات في السفح
أم الزارع السهران أغفى بربوة
فئيفت قطوف الباغ بالفلح والقدح
أم الجذر معلول اللقاح فسارب
إلى الفرع؟ أم ماذا؟ وويحك أم ويحي (١٥)
بينما عالم الفكر الإسلامي الذي نذر أحمد جمال له نفسه يتسم بالوضوح والجلاء، فألق أفكاره، وسُطوع حججه مسألتان تستلزمهما اللغة وظيفيا لتبيان الخصائص والمزايا، ولمقارعة الحجة بالحجة، بل وحتى في مسائل التوعية وقضايا التنوير، يستدعي الأمر أن يصل ألق الفكرة عبر شعاع اللفظ مؤتلقًا جليًا، لا لبس فيه ولا غموض، إلى فئات تتباين ثقافتها ويتدرج وعيها، وتتفاوت درجة تقبلها، لتتضح الرؤية، وتستبين المسائل المتفاوتة غموضا ووضوحا.
طبيعية الشعر وطبيعة النثر:
عكف بعض الباحثين من النقاد على دراسة طبيعة الشعر وطبيعة النثر، وأما الشعر، فهو كما وصفه الناقد محمد مندور بقوله: (وأما الشعر فإنه بمجرد أن اهتدى إليه الإنسان أصبح فنًا جميلًا، لا يُستخدم لأغراض الحياة العادية، بل ينظم بطريقة خاصة ولأهداف خاصة) (١٦) .
ويعمّق هذا المفهوم باللجوء إلى الموازنة بين طبيعة الشعر وطبيعة النثر الدكتور عز الدين إسماعيل، حينما ينسب بتحفظ الانفعالات إلى الشعر، والأفكار إلى النثر، في قوله: (فالشعر هو الصورة التعبيرية الأدبية الأولى التي ظهرت في حياة الإنسان منذ العصور الأولى. وهذه الأقدمية ترجع إلى أنه كان في تلك العصور ضرورة حيوية بيلوجية.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
إنه الطريقة الوحيدة التي اهتدى إليها الإنسان بحكم تكوينه البيلوجي والنفسي للتعبير والتنفيس عن انفعالاته. ومنذ ذلك الوقت تحددت لذلك الفن خصائص، استطعنا أن نتبينها في وضوح عندما ظهر أسلوب آخر للتعبير واستخدام اللغة هو النثر، فقد لوحظ أن الإنسان قد اهتدى إلى هذا الأسلوب، عندما أراد أن يعبر عن أفكاره، ومن هنا ارتبطت (الانفعالات) بالشعر، و(الأفكار) بالنثر. ولكن الخطأ في الفهم يأتي عادة من النظر إلى (الانفعالات) و(الأفكار) على أنها أشياء متعارضة أو متناقضة. وهذا من شأنه أن يجر إلى أخطاء كثيرة في فهم الشعر والنثر على السواء. وليس هناك تعارض، بل هو مجرد اختلاف) (١٧) .
وهذا التقسيم بين ميداني الشعر والنثر، وربط الشعر بالانفعال والنثر بالأفكار، جال بأذهان بعض الباحثين، لارتباطه بنشاط المبدع وقدراته في التأثير على المتلقي، وتولد معه التساؤل: (إذا كانت أهمية الشعر نابعة من طريقته الخاصة في تقديم المعنى، وتأثيره في المتلقى، فهل ينحصر دوره في إحداث نوع من المتعة الشكلية الذهنية الخالصة، فيعجب المتلقى -مثلا- ببراعة الشاعر، ومهارته في الدلالة على معانيه فحسب؟ أم أن دور الشعر يتجاوز حدود هذه المتعة، ليصل إلى إثارة انفعالات المتلقي، إثارة خاصة تفضي به إلى اتخاذ وقفة سلوكية محددة؟ إن الإجابة عن مثل هذه الأسئلة تساهم - بلا شك - في معرفة تصور الناقد القديم لحقيقة الدور الذي يمكن أن يقوم به الشعر في المجتمع الإنساني، وتكشف في نفس الوقت عن تعدد الأدوار التي تعطي للشعر أهميته كنشاط إنساني متميز) (١٨) .
وكأن تأثير الشعر في المتلقي ها هنا يشكل انعكاسًا وامتدادًا للمفهوم المتوارث حول أثر الشعر في متلقيه عند القدماء.
وكما يصوره ابن طباطبا بقوله:
[ ٢ / ٤٣٣ ]
(فإذا ورد عليك الشعر اللطيف المعنى، الحلو اللفظ، التام البيان، المعتدل الوزن، مازج الروح ولاءم الفهم، وكان أنفذ من نفث السحر، وأخفى دبيبًا من الرقى، وأشد إطرابا من الغناء فسلّ السخائم، وحلل العقد، وسخّى الشحيح، وشجّع الجبان وكان كالخمر في لطف دبيبه وإلهائه، وهزّه واثارته، وقد قال النبي (: (إن من البيان لسحرا) (١٩) .
ونقطة الالتقاء بين المبدع والمتلقي، تكمن في جوهرها في ميدان النص، والمتشكل من النسيج اللغوي، وما يلونه من أخيلة وصور، ولذلك ينبه في الفصل بين لغة الشعر ولغة النثر الدكتور مصطفي ناصف، حتى في المواطن التي تستدعي المناداة بقيم أخلاقية، بقوله: (وما ينبغي أن نخلط التعبير المباشر عن القيم الخلقية بالتعبير الفني، إن الشاعر لا يصف الفضائل ولكنه يعانيها، وقد اتسع ديوان الشعر العربي لتعبيره المتواتر، بتلك الطريقة، عن الآداب والاخلاق، ثم نضبت الصورة الشعرية في كثير من النماذج لأن وصف الفضائل والآداب غاية لا تتصل في كثير بالمعاناة والتجربة التي يلح عليها المحدثون في التفرقة بين الشعر والنص الخلقي والعلمي والفلسفي) (٢٠) .
وهو ما يكرّسه بإيضاح الدكتور عز الدين إسماعيل، ملخصا آراء الناقد الأمريكي المعاصر دونالد استوفر، حيث يقول:
(اللغة في الشعر هي أول ظاهرة تحتاج إلى النظرة. وواضح أن لغة الشعر تختلف عن لغة العلم والفلسفة، فالعلم والفلسفة في حاجة إلى لغة تصل إلى الهدف مباشرة أو توصل إليه. ولا بأس في الاستغناء عن اللغة المألوفة إذا وجدت اللغة التي تؤدي إلى هذا الهدف من أقرب طريق كما هو الشأن في لغة الجبر (أ+ ب = ج مثلا) .
[ ٢ / ٤٣٤ ]
أما اللغة في الشعر فلها شأن آخر، إن لها شخصية كاملة تتأثر وتؤثر وهي تنقل الأثر من المبدع إلى المتلقي نقلا أمينًا. وليست المسألة مجرد نقل أمين فحسب، ولكنه النقل الأمين عن المبدع عندما يفكر أولًا وقبل كل شيء باعتباره فرداَ. لذلك كانت لغة الشعر ممتلئة بالمحتوى الذي تنقله نقلا أمينًا. وهي بعد لغة فردية في مقابل اللغة العامة التي يستخدمها العلم. وهذه الفردية هي السبب في أن ألفاظ الشعر أكثر حيوية من التحديدات التي يضمها المعجم. والألفاظ الشعرية تعين على بعث الجو بأصواتها. فالعلاقة بين الأصوات في الشعر - كالموسيقا تماما - يمكن أن تثير متعة تذوق الانسجام الحي، سواء بالأجزاء المكررة أو المنوعة أو المتناسبة.
والكلمة الشعرية لذلك يجب أن تكون أحسن كلمة تتوافر فيها عناصر ثلاثة: المحتوى العقلي، والإيحاء عن طريق المخيلة، والصوت الخالص، ويجب أن يكون اتصالها بالكلمات الأخرى اتصالا إيقاعيا يؤدي هذا التلوين الإيقاعي إلى الغاية المطلوبة) (٢١) .
وإدراك أحمد جمال للتفريق بين وظيفة الشعر ووظيفة النثر لكي يحدد المنهج الذي يسلكه، لم يكن عسيرًا، لتغلغل التفريق بين ماهية الشعر، وما هية النثر، في عمق تربتنا الثقافية، فلقد ناقش حازم القرطاجني في (المنهاج) الفوارق بين الماهيتين، متكئًا على آراء الفارابى وابن سينا، مبينًا ورود الكذب في الشعر، والذي يفسره بالخيال في قوله:
(فلذلك كان الرأي الصحيح في الشعر أن مقدماته تكون صادقة وتكون كاذبة، وليس يعدَّ بعد شعرًا من حيث هو صدق ولا من حيث هو كذب بل من حيث هو كلام مخيّل) (٢٢) .
[ ٢ / ٤٣٥ ]
ويستفيض في إيضاح هذة النقطة الدكتور محمد جابر عصفور بقوله: (تخاطب الفلسفة - شأنها في ذلك شأن العلم - الجانب العقلي الخالص من المتلقي بلغتها المجردة، وبقضاياها أو بحججها الصحيحة التي تعتمد - أكثر ما تعتمد - على البرهان. أما الشعر فإنه يخاطب بمخيلاته - وقد تكون صادقة أو كاذبة، موجودة أو ممكنة أو ممتنعة - الجانب الذاتي من المتلقي.
وإذا كانت الفلسفة تخاطب الجانب العقلي الخالص من المتلقي، فلا بد أن تقترن لغتها بالوضوح البالغ والتحديد الصارم الذي لا يترك مجالًا للاختلاف أو الإبهام أو اللبس، أما الشعر، فلأنه يخاطب الجانب الذاتي من المتلقي لا يتحقق فيه الوضوح أو التحديد على نحو ما يتحققان في المستويات الفلسفية. بل ربما كان الغموض مطلوبًا في الشعر، ما دام يؤدى وظيفة داخل سياق القصيدة) (٢٣) .
وباختصار فإن الفكر عالم عقلاني، والشعر عالم خيالي، والفكر يصور أو يعالج الواقع القائم والمتجسد، بينما يستهدف الشعر تحسين الواقع وتزيينه، من خلال عملية خلق لغوى، أو تقديم تجربة لغوية، وهذا ما يفسّر أو يفسّر به موقف أفلاطون في جمهوريته، حينما اصطفى من الشعر ما يؤدي وظيفة تربوية، أو بعبارة أكثر دقة، اصطفى من الشعراء من لا تؤدى أساطيرهم إلى إفساد النشء (٢٤) .
بواعث الانتقال من الشعر إلى النثر:
وهذا ما يفسر أيضًا انتقال الكثير من الشعراء ذوى النزعة الدينية العميقة، والعاطفة العقدية الكامنة، إلى الضفة الأخرى من النهر، مع أول بارقة تلوح وتحاول المساس بالعقيدة ومكوناتها أو بالمجتمع الإسلامي وأعرافه وقيمه، كسرب الظباء حينما يستوفز ويتحفز مع بارقة الخطر التي تلوح في أفق عالمه الساكن الوديع، كي يعود إلى الموقع الآمن بمنأى عن الخطر، ويترقب ويراقب من يتربصون للإيقاع به في شراكهم.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
فكأن مرحلة الشّعر تمثل الهدوء الذي يسبق العاصفة، أو هي بتصوير آخر مرحلة الاسترخاء والاستجمام، المقصود به التهيؤ لخوض عمار معركة، أو الاشتراك في منازلة، أو منافسة رياضية.
وإن شئت من منظور آخر، فهي مرحلة تسخين، كما ينتهجها الرياضي استعدادًا للنزال والتنافس، ليحظى بالتفوق في مباراته.
أو هي فترة التدريب، ليتسنى للكاتب أن يحقق ارتفاع منسوب اللغة في معجمه، وتوسيع مقدرته اللغوية، من خلال الاستفادة من المرحلة الشّعرية بالتوليد والاشتقاق.
فالشاعر أقدر على خلق اللغة من الناثر، وتحوير استخدام اللغة بما تتيحه أنظمتها من اشتقاق ونحت وتركيب.
فحاجة الشاعر للّغة تفوق حاجة الناثر، فهو يحاول خلق لغة مطواعة، يهيمن عليها في مواجهة قيود الشعر الفنية وتخطى حواجزها الموسيقية.
فالشعر يحتاج إلى لغة خاصة تتجانس مع إيقاعيته، وتغطي مختلف موضوعاته ومناسباته المختلفة، التي نعني بها مناخ القصيدة من عاطفة في الرثاء والحب، إلى النبرة الخطابية في الحماسة والتحفيز، أو الجزالة والفخامة في الفخر.
فاللغة في الشّعر تتجانس مع مناخ القصيدة ومضمونها، وعنصر الخيال يظل الجذوة التي يقتبس منها الشاعر لإيقاد فكرته.
واللغة في الشعر إشاريّة تعتمد على الاختزال والرمز والإيماء والإيحاء، وتتباين في ذلك عن لغة النثر، المتميزة بالشفافية والوضوح والمباشرة في الوصول إلى الهدف المتوخى.
ولما كانت هذه اللغة، أعني لغة الفكر الإسلامي، والقضايا الإسلامية، لغة حسم ووضوح، فإنها تتفاوت وظيفيًا صراحة ورقّة، بحسب مقتضيات الدور الذي ينيطه الكاتب بنفسه، وبحسب مناخ الخطر الذي يكتنف الكاتب، وبعبارة أدق وأشمل، يكتنف معتقده وقيمه.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
وأحمد جمال من حيث الحدة والصرامة الأسلوبية ورقتها وشاعريتها كمعيار، يتبوأ منزلة وسطى بين شاعرين انتقلا إلى مخيم الفكر الإسلامي، هما الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، والأستاذ سيد قطب (رحمهما الله) .
رحلة الرافعي من الشعر إلى النثر:
من المفارقة العجيبة أن الرافعي الذي غرق واستغرق أدبه وفنه في رومانسية مغرقة في التراخي والحلم الحزين وهموم الذات، إن لم يكن باعثها حبه وهيامه بمي زيادة، كما اتهم بذلك (٢٥)، فتأجّج الولوع بالمدرسة الرومانسية ربما كان يكمن خلف ذلك، فقد كانت تشهد أوج ازدهارها في مناخنا الأدبي، وانعكست على صفحة شعره كما في قوله (٢٦):
نرى النهر ينساب عن شاطىء
ليجريه الشاطىء المستقر
كذا يتدافع بحر الحياة
فإنّ له رحمة الله بر
لآمنت يا ربُّ مثل الصغير
وراء الوجود أبوه الأبر
نفرّ من الهمّ في زعمنا
ولكنه هو منّا يفر
ومنذ رأى في السماء الغيوم
تقيم بها أبدًا لا تمر؟
وهل في الوجود سوى سائر
تدافع: شيء لشيء يجر
فمن عرف الكون عرفانه
ففي كل حال له ما يسر
تعيش على الأرض جرذانها
فكيف تعيش وفي الأرض هر؟
لعمرك ما تستقرّ الهموم
تقيم بها أبدًا لا تمر
ومنذ رأى في السماء الغيوم
على مؤمن روحه فيه حر
وفي الدهر يسر وفي الدهر عسر
وفي العمر حلو وفي العمر مر
ولكنها حركات الحيا
ة منها الحياة لنا تستمر
ويأتي الشتا أغبرًا كالحًا
لأن الربيع به مستسر
فلا دام في نفعه نافع
ولا دام في ضرّه ما يضر
ومنذ رأى في السماء الغيوم
تقيم بها أبدا لا تمر
فكن مرحًا لا تقر الأسى
فعادة كلّ أمرىء ما يقر
وما سر حظّك إلا لديك
بلى!! فرح القلب للقلب سر
تعود الحياة هلاكا لمن
أراد الحياة على ما يصر
فخذها حصى إن تكن من حصى
ودرّا إذا كان في الحّظ در
ومنذ رأى في السماء الغيوم
تقيم بها أبدًا لا تمر؟
ولا تزد الشر في وهمه
بوهمك.. ذانك شرّ وشر
خفاف السحاب تطير البروق
وترمى الصواعق إذ تكفهر
[ ٢ / ٤٣٨ ]
وهذي الهموم كمثل النساء
يضاعفهن خيالُ يغُر
حصاة.. يثقّل بالقلب من
توهمها جبل مشمخر
ومنذُ رأى في السماء الغيوم
تقيم بها أبدا لا تمر؟
وهي قصيدة رومانسية، تشف عن نزعة إيمانية كامنة، لا يعسر الاهتداء إليها، وتتبع خطوطها بين ثنايا القصيدة وبين غيوم المناخ الرومانسي. فكأنها الغلاف الذي يشفّ عما تحته، كما تشي بتلك الرومانسية بل وتوحي بها عناوين كتبه.
ومن أراد أن يرسم لوحة لأدب الرافعي يتعيّن أن يحتضن إطارها مسارين مميزين يحكمان مسيرة الرافعي الأدبية:
١- الاتجاه العاطفي ويتجلى في الرومانسية التي انطوت عليها كتبه مثل (أوراق الورد) و(حديث القمر) و(السحاب الأحمر) الذي يقول فيه:
(رأيت وجه فتاة عرفتها قديما في ربوة من لبنان ينتهي الوصف إلى جمالها ثم يقف، كنت أرى الشمس كأنما تجرى في شعرها ذهبا، وتتوقد في خدها ياقوتًا، وتسطع في ثغرها لؤلؤة، وكنت أرى الورد الذي يزرعه الناس في رياضهم، فإذا تأمّلت شفتيها، رأيت وردتين من الورد، الذي يزرعه الله في جنته، وكانت لها حينا خفّة العصفور، وحينا كبرياء الطاووس، ودائما وداعة الحمامة المستأنسة، وكانت روحها عطرة، تنضح نفح المسك إذا تشامت الأرواح العزلة بالحاسة الشعرية التي فيها. وكنت إذا رأيتها بجملة النظر من بعيد، صور لها قلبي من الحسن، والهوى ما يموت فيه موتةً ثم يحيا، فإذا جالستها وأمعنت النظر فيها رأيتها في التفصيل شيئا بعد شىء، كما أنظر نجما بعد نجم بعد نجم: كلها شعاع وكلها نور وكلها حسن.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
وما نظرت مرة إلى النساء حولها إلا وجدت من الفرق بينها وبينهن ما يتضاعف من جهتها عاليًا عاليًا، ويتضاعف منهن نازلًا نازلًا، كأنه ليس في الأمر إلا أنها أخذت من السماء ووضعت بينهن. هي كالفتنة المحتومة تنبعث إلى آخرها فليس منها شيء إلا هو يحسّن شيئا ويشوق إلى شيء، وبعضها يزين بعضها. لقد تراخى الزمن بي وبها! فلو عدت لأحصيت مائة وخمسين قمرا منذ فارقتها، وما أحسب الأرض إلا انصدعت بيننا عن اقيانوس عظيم من الزمن، تملؤه الأيام والليالي فلا يخاض ولا يعبر ولا ينظر فيه أهل ساحل أهل ساحل غيره.
وعلى أن هذا الزمن قد محا في قلبي من بعدها واثبت، فلا تزال تنشقّ لها زفرة من صدري كلما عرضت ذكراها، كأن القلب يسألني بلغته. أين هي؟
والقلب الكريم لا ينسى شيئا أحبه ولا شيئا ألفه، إذ الحياة فيه إنما هي الشعور، والشعور يتصل بالمعدوم اتصاله بالموجود على قياس واحد، فكأن القلب يحمل فيما يحمل من المعجزات بعض السّر الأزلي الذي يحيط بالأبعاد كلها إحاطة واحدة، لأنها كلها كائنة فيه، فليس بينك وبين أبعد ما مر من حياتك إلا خطوة من الفكر. هي للماضي اقصر من التفاتة العين للحاضر.
ليس بجمال إلا ذلك الروح الذي يرفع النفس إلى أفق الحقيقة الجميلة، ثم ينفخ فيها مثل القوة التي يطير بها الطير ويدعها بعد ذلك تترامى بين أفق إلى أفق، فإما انتهى المحب إلى حيث يصير هو في نفسه حقيقة من الحقائق، وإما انكفأ من أعاليه وبه ما بالطيارة الهاوية: دفعت راكبها إلى حيث ترمى به ميتا أو كالمغشي عليه من مس الموت) (٢٧) .
[ ٢ / ٤٤٠ ]
وجوهر المفارقة يكمن في أنّ الرافعي مزّق غلالة الرومانسية التي كان يتوشّح بها، لينبري فجأة كالفارس الكميّ الشاكي السلاح، ليجرّد حسام اللغة، ويقوّم سنان حروفه، في مواجهة الدكتور طه حسين حينما ألف في عام ١٩٢٦م كتابه (في الشعر الجاهلي)، والذي أصدره في العام الذي يليه بعنوان (في الأدب الجاهلي) وتبنّى فيه نظرية (رينيه ديكارت) في الشك المفضي الى اليقين، وإن كان طه حسين قد ضخّم في حقيقة الأمر ما تبناه وطرحه المستشرق مرجليوت الأستاذ في مدرسة الألسن التي أسسها رفاعة رافع الطهطاوي بمصر في بحثه المسمى ب (أصول الشعر العربي) (٢٨) .
فألّف الرافعي (المعركة بين القديم والجديد) و(تحت راية القرآن) ليصب فيهما جام لغته وغضبه على الدكتور طه حسين بمفردات نيزكية حادة وحارقة، كقوله: (لم ينفرد الأستاذ طه حسين بانتحال الجديد والتجديد، ولا هو أول من زعم ذلك أو حامى عنه أو كابر عليه، فقد سبقه آخرون لكنه أول من اجترأ على الأدب العربي بالمسخ والتكلّف وقال فيه بالرأي الأحمق) (٢٩) .
وقوله في الموضع نفسه: (وإنّ من عجز عن أن يعلو لا يعجزه أن يسفل، بيد أنا لم نجد ولم نعرف غير هذا الأستاذ أحدًا يرضى لنفسه أن يُمتدح بالعيب ويتحسّن بالقبح) (٣٠) .
وهول صدمة الرافعي في ثقافة أمته ومكونات نتاجها الأدبي المسحوق تحت سنابك (الشك) والنفي، هي ما يبرر استهلاله كتابه على جلالة مسماه (تحت راية القرآن) ليقول في مقدمته:
(وإنّ طائفة من الذباب لو أصابت حاميًا مدافعًا من النسور، فجاءت تطنّ لتلوذ به وتنضوي إليه، ثم قصف النسر قصفة بجناحيه لأهلكها، أو بعثرها، وشردها) (٣١) .
[ ٢ / ٤٤١ ]
بينما يمثل (وحي القلم) أحد أشهر أعمال الرافعي التي تحتضن جملة من المقالات التي نشرتها الصحف، ويعكس المحصّلة الثقافية الرصينة التي تمتع بها الرافعي، وجملة من الخصائص الأسلوبية التي عرف بها، كما يضم بين جنباته بعضًا من معاركة الأدبية والثقافية بشكل عام تمثل امتدادًا لما عرفه المتلقي في (تحت راية القرآن) وتجسد ثباته على موقفه الفكري في التحاور والدفاع عن الثقافة، من منطلق ديني، دون أن يضعف أو يحيد عن الثوابت.
رحلة سيّد قطب من الشعر إلى النثر:
وشاعر آخر اقتنص فرصة هدوء التيار الشعري، ليسبح إلى الضفة الأخرى، والتي كان ينتظره على مرفئها مجد جديد ضمن أحضان التفسير البياني، والدراسات التصويرية والبيانية للقرآن، وأعني به الأستاذ سيد قطب، والذي ينسحب عليه ما ينسحب على خدينه من كمون النزعة الإيمانية المتوارية بين ثنايا أبياته، وتطل بين نسيج شعره العاطفي، حيث يقول:
الآن والايام مد برة
تولول بالنواح
والأفق مخضوب الأديم
، وقد تأذّن بالرواح
أقبلت ويحك تبسمين
، فأين كنت لدى الصباح
وجه الخريف يطلّ فاس
تمعي لإعوال الرياح
* * * *
بعثرت أيام الشّباب
، فويح أيام الشباب
لا نستقي إلا على
رنق، وأنفسنا غضاب
لم تصف كاس حياتنا
يوما، ولا لذّ الشراب
والآن تنطلقين في
لهف إليّ وفي ارتقاب
* * * *
عيناك والهتان
لاهفتان كلهما دعاء
وحنين ملهوف تطلّ
ع في قنوت للسماء
ويحي فأين أنا؟ وأي
ن حنين أيامي الظّماء
صمت الخريف يلفني
وعليه شارات المساء
ذهب الزمان هناك بالأ
سحار، فامض أنت عني
ما عاد يوقظني ندا
ؤك خلسة، من بعد وهن
ماتت مناي جميعها
فعلام يخدعني التمنّي
فرق الزمان طريقنا
فامض، وحسبك ذاك مني
* * * *
هذي خطاي على الطري
ق وتلك - واجفة - خطاك
الريح تطمسها فلا
خطو ولا أثر هناك
شبحان قد عبرا فلم
نشعر بهذا، أو بذاك
تتلوهما الأشباح والأ
يّام ماضية دراك (٣٢)
[ ٢ / ٤٤٢ ]
فإذا كان المقطع الثاني من القصيدة عبرّ عن الشباب ونزقه، فإن المقطع الثالث أتى ليمسح صورة ذلك الشباب المبعثر بتلك المشاعر التي تشع من عينين والهتين تضجّان باللهفة والدعاء والتطلع الخاشع في قنوت للسماء، وكلها ومضات إيمانية، تلتمع خلف مشاعر عاطفية وتومض بين حنايا قصيدة غزلية، ولذلك كان من الميسور لشاعر مثل سيد قطب أن تحتضنه، أو يولع ببيان القرآن، فهو التوجه المتجانس مع الشفافية الروحية، والتطلع الإيماني لديه، فاصطبغت أعماله بألوان الاهتمام البياني، كما في تفسيره في ظلال القرآن أو دراسته (التصوير الفني في القرآن) ورديفتها (مشاهد القيامة في القرآن) مستثنين من ذلك عمله الفكري مثل (معالم في الطريق) . ولنسترح ونستروح بتلك المشاهد التي يستعرضها سيد قطب حينما يقول: (والآن فلنعرض شطرًا من قصص حقيقية، بعدما عرضنا قصص الأمثال.
١ - لنعرض مشهدًا من قصة إبراهيم، وهو يبني الكعبة مع ابنه اسماعيل، وكأنما نحن نشهدهما يبنيان ويدعوان الآن، لا قبل اليوم بأجيال وأزمان.
﴿وإذ يرفع ابراهيمُ القواعدَ من البيت وإسماعيل. ربنّا تقبّل منّا إنّك أنت السميعُ العليم. ربّنا واجعلنا مسلمين لك، ومن ذريتنا أمةّ مسلمة لك، وارنا مناسكنا، وتب علينا، إنّك أنت التوّاب الرحيم، ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلّمهم الكتاب والحكمة، ويزكّيهم. إنك أنت العزيز الحكيم﴾ .
لقد انتهى الدعاء، وانتهى المشهد، وسدل الستار.
هنا حركة عجيبة في الانتقال من الخبر إلى الدعاء، هي التي أحيت المشهد وردته حاضرا، فالخبر: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) كان كأنما هو الإشارة برفع السّتار ليظهر المشهد: البيت، وإبراهيم وإسماعيل، يدعوان هذا الدعاء الطويل.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
وكم في الانتقال من الحكاية إلى الدعاء من إعجاز فني بارز، يزيد وضوحا لو فرضت استمرار الحكاية، ورأيت كم كانت الصورة تنقص لو قيل: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان: ربناالخ.
إنها في هذه الصورة حكاية، وفي الصورة القرآنية حياة. وهذا هو الفارق الكبير. إن الحياة في النص لتثب متحركة حاضرة. وسّر الحركة كلّه في حذف لفظة واحدة. وذلك هو الإعجاز.
٢- ثم لنعرض مشهدًا من قصة الطوفان: (وهي تجري بهم في موج كالجبال) . وفي هذه اللحظة الرهيبة، تتنبه في نوح عاطفة الأبوة، فإنّ هناك ابنا له لم يؤمن، وإنه ليعلم أنه مغرق مع المغرقين. ولكن ها هو ذا الموج يطغى فيتغلب (الإنسان) في نفس نوح على (النبي)، ويروح في لهفة وضراعة ينادي ابنه جاهرًا: (ونادي نوح ابنه - وكان في معزل - يابنيّ اركب معنا، ولا تكن مع الكافرين) ولكنّ البنوّة العاقة لا تحفل هذه الضراعة اللاهفة، والفتوة العاتية لا ترى الخلاص إلا في فتوتها الخاصة:
(قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) . ثم ها هي ذى الأبوّة الملهوفة ترسل النداء الأخير: (قال: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) . وفي لحظة تتغير صفحة الموقف، فها هي الموجة العاتية تبتلع كل شيء: (وحال بينهما الموج فكان من المُغرقين) .
إن السامع ليمسك أنفاسه في هذه اللحظات القصار، (وهي تجري بهم في موج كالجبال) ونوح الوالد الملهوف يبعث النداء، وابنه الفتى المغرور، يأبى إجابة الدعاء، والموجة القوية العاتية، تحسم الموقف في لحظة سريعة وخاطفة.
وإن الهول هنا ليقاس بمداه في النفس الحية - بين الوالد والمولود - كما يقاس بمداه في الطبيعة - حيث يطغى الموج على الذرى والوديان. وإنهما لمتكافئان، في الطبيعة الصامتة، وفي نفس الإنسان) (٣٢) .
حقبة الفكر:
[ ٢ / ٤٤٤ ]
بيد أن الأستاذ أحمد جمال قد احتذى الوسطية، في توجهه الأسلوبي، أو لنقل إن المناخ العام قد هيمن على توجهه الأسلوبي، تبعا للموضوعات والطروحات التي يناقشها ويخوض غمارها، فهي تتوزع بين قضايا فقهية وفكرية وما يتصل بروايات وأحداث السيرة النبوية، إضافة إلى ما يتصل بمشكلات العالم الإسلامي والمسلمين في شتى بقاعهم ومختلف اصقاعهم.
أو تبعا للموضع أو الموضوع، كما يتجسد في القضايا الاجتماعية التي تناولها في الصحف والمجلات، وهي طروحات تتسم بخصائص أسلوبية تجنح إلى البساطة والوضوح، ليتسنى للسّواد الأعظم من القراء استيعاب مضامينها والتفاعل مع طروحاتها.
ولذلك فإن نبرة الخطاب لدى الأستاذ جمال تتباين حسب الموضع والموضوع وقد قيّض الله له أن عاش في بلد لم تطأه قدم مستعمر، ولم يترك على ثراها أثرا من فتنه ومحنه وموبقاته، والمستثيرة لغضبة ونقمة الغيارى من كتّاب وسواهم، لذا لا يبدو محتدًا إلا حينما تنتهك المحرّمات، أو يتحايل على حلّها، وتسويغها، كما هو الشأن في قناعته بأن دعوى تحرير المرأة تستهدف التغرير بها للخروج والانحلال بدعوى التطور، والمشاركة والاستجابة لمتطلبات العصر ومسلتزمات الحضارة فأطلق زأرته المشهورة في كتابه المعروف (مكانك تحمدي) وهو عنوان ينطوي على مفارقة لطيفة إذ يعيد المفكر في حالة تلبسه بالغضب، حميّة للعقيدة، وغيرة على الحرمات، إلى جذوره الشعرية، كما يكشف عن بعض مصادره الأدبية فقد استقاه من أبيات الشاعر عمرو بن الإطنابة الحماسية التي يقول فيها:
أبت لي عفتي وأبى بلائي
وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإقدامي على المكروه نفسي
وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت
مكانك تحمدى أو تستريحي
لأكسبها مآثر صالحات
وأحمي بعد عن عرض صحيح
بذي شطب كمثل الملح صاف
ونفس ما تقر على القبيح (٣٣)
[ ٢ / ٤٤٥ ]
ويدعم حجته بالاستشهاد ببعض آراء المفكرين الغربيين وأعلامهم حيث يقول: (وقال (شامفور): إن أكثر ميلنا الى النساء جنسي، أما التوافق الروحي والعقلي فضعيف جدًا، وشكا (روزفلت) أحد رؤساء أمريكا السابقين من عرض النساء أنفسهن لمزاولة الأعمال العامة بأجور أقل لانهن يقفلن بذلك الباب أمام الرجال الذين هم أحوج منهن الى المال، وقال: إن واجب المرأة المتزوجة أن تنهض بأعباء البيت، وتنظم شئون الأسرة، وعلى الفتاة أن تتزوج وتعيش من كدح زوجها ليتسنى لنا أن نربح من جهود المرأة في دائرة البيت أضعاف ما نربحه من جهودها في الاعمال الأخرى) (٣٤) .
ولا يفوت المؤلف قبل تفصيل القول في مكانة المرأة في الشريعة الإسلامية، أن يعرج على عقد مقارنة سريعة، لتبيان موقف العقائد والمجتمعات الأخرى من المرأة، وأساليب تعاملهم معها حيث يقول:
(لا تعرف مكانة المرأة في التشريع الإسلامي، على حقيقتها، إلا بعد معرفة النظرة التي كان ينظر بها إلى المرأة في الحضارات والتشريعات السابقة، وإلا بعد إدراك المعاملة التي كانت تعامل بها قبل الإسلام، فقد كانت المرأة:
- عند الإغريق والفرس متاعا للبيع والشراء، وكان الرجل صاحب سلطة عليها سواء كان أبا أو زوجا.. إذ لا أهلية فيها للتصرف.
- وفي الهند كان حق الحياة أو حقها في الحياة ينتهي بوفاة زوجها، فتحرق على جثته، وإن سلمت من عملية الحرق عاشت ملعونة منبوذة طوال حياتها.
- وفي الجاهلة العربية كانوا يئدون البنات، وكان الابن يرث زوجة أبيه بعد وفاته كما يرث متاعه، ويتحكم في تصرفاتها وفي حياتها. وعندما جاء الإسلام حرم هذه الشرعة الجاهلية: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) (٣٥) .
- وعند قدماء المصريين المرأة هي علة الخطيئة، وسبب المصائب والنكبات.
- وفي القانون الروماني: كانت المرأة قاصرا لا تستقل بحقوق منفصلة عن زوجها ولا تتصرف في أموالها إلا بإذنه.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
- وفي ظل التصور الرهباني المسيحي كانت المرأة منبع المعاصي والفجور، وهي للرجل باب من أبواب جهنم، من حيث هي سبب تحريكه وحثه على الإثارة، وجمالها سلاح إبليس لا يوازيه سلاح من أسلحته المتنوعة الأخرى.
- وفي أوربا المسيحية - بصفة عامة - إلى ما قبل قرون تعتبر المرأة مصدر الشرور والآثام، وخليفة الشيطان وليس لها حق التصرف في أموالها، وتنسلخ من رابطة أسرتها ونسبها إلى رابطة زوجها ونسبه، وكان الفلاسفة ورجال الكنيسة يطيلون الجدل حول كون المرأة شيئا أم شخصا؟ وهل لها روح إنسانية كالرجال؟ وهل تستحق مثله الحياة الأخرى؟ .
- وانتهى المؤتمر الذي ناقش قضية المرأة في فرنسا عام ٥٨٦ إلى قرار: أن المرأة خلقت لخدمة الرجل، دون أن تشارك في أوامره ونواهيه برأي أو مشورة.
- وحتى سنة ١٨٠٥ كان القانون في بريطانيا يعطي الزوج الحق في بيع زوجته لرجل آخر بسبب الكراهية أو الحاجة المادية. ثم صدر بعد ذلك قانون التحريم والمرأة الحديثة في الغرب - الذي يزعم أنه حر ومتحضر ومتقدم علميا - ماذا يرى الزائر هناك عنها؟ يرى المظاهرات التي تطالب فيها المرأة بالحرية.. وتصرخ من ظلم الحضارة الغربية للمرأة.. إن المرأة هناك تذهب إلى العمل وتعود منه لتبقى في غرفتها وهي تعمل كالرجال ولكنها تعطى أجرًا أقل. وهي حرة في أن تنام مع من تشاء ولكنها وحدها تتحمل الثمن، فإما أن تدفع ١٥٠ جنيها أجرة عملية الإجهاض، أو أن تعيش أمًا غير متزوجة لترعى طفلها غير الشرعي.
والمرأة الفرنسية - بحكم القانون - تابعة لزوجها شخصيا واسميا، حيث تتسمى باسم أسرته، ونظام الإرث الإنجليزي يسمح للزوج بالوصية بكل ماله لمن يشاء، حتى الكلاب والقطط. باسم الحرية الشخصية. وبهذا تحرم المرأة من حقها في مال زوجها.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
أما المرأة الروسية فهي تعمل ايضا، ولكن بقسوة أكثر.. لا أنوثة تبدو عليها، ولا مساحيق على وجهها. تمسك بالمنجل والجرافة والمكنسة وتعمل في البناء وكنس
الشوارع. وقد تشققت يداها من خشونة العمل. بل أدهى من ذلك تعمل الروسية في درس الحبوب في المزارع بدلا من الآلات الدارسة. بل بدلا من الثور، كما هي الحال في البلدان المتخلفة. وتعيب الكاتبة الأمريكية مريم جميلة (٣٥) على (النسائيين) - أي دعاة تحرير المرأة المسلمة في العالم الإسلامي - تعيب عليهم فهمهم الخاطئ لمعنى (التحرير)، على أنه الإباحية المطلقة للنساء في الاختلاط بالرجل حيث شئن وأنى ذهبن، دون قيد ولا شرط، وفي اختيار الأزياء غير المحتشمة وفي توظيفها خارج البيت. في الأسواق والمسارح ودور السينما، وفي مساهمتها في الحياة العامة، مهما تمزقت أوصال الأسرة، وانتهكت حرمات العفة والإباء. هذا ما تقوله (الكاتبة الأمريكية) التي ولدت وعاشت حياة حرة طليقة من كل قيد. حيث السفور والاختلاط، وعمل المرأة إلى جانب الرجل في كل مكان، وانطلاق الفتاة من تقاليد الأسرة وآدابها، ومصادقتها للفتيان، والذهاب معهم إلى ابعد حدود الحرية والانطلاق - تقول ذلك الكاتبة الأمريكية والغربية المتحررة، وتدعو بإخلاص بعد اعتناقها للإسلام ومعرفتها أحكامه وآدابه - إلى أن يعرف النساء المسلمات نعمة الله عليهن بهذا الدين الذي جاءت أحكامه وآدابه صائنة لحرمتهن، راعية لكرامتهن، محافظة على عفافهن وحيائهن من الانتهاك والضياع.
ويؤيد هذا الرأي (رو برت ولزلي) وهو إنجليزي فيقول: (إن اكتساب المسلمين للثقافة الغربية، والعادات الأجنبية البذيئة كتقصير النساء لملابسهن حتى تتكشف أفخاذهن.. ليس من الإسلام، لأنه غاية الفساد) (٣٦) .
[ ٢ / ٤٤٨ ]
والباعث على تأليف هذا الكتاب (مكانك تحمدي) يفسر الوضوح والمباشرة في أسلوب التناول، حيث يمثل موقفا مناهضا لدعوة نجمت في المجتمع الإسلامي، تحض على مشاركة المرأة في العمل وبناء المجتمع، فاقتضت مقارعة الحجج أن يلوذ الكتاب بالوضوح والتلقائية، وإيراد الشواهد والأقوال، وتحليلها في يسر وسهولة، ولكي يتحقق من منظور آخر تأثير أفكار الكتاب في أكبر عدد من المتلقين، على اختلاف مشاربهم وثقافاتهم، وبازاء قضية خلافية انقسم حولها المجتمع. وينسحب الحكم نفسه على كتاب (نحو تربية إسلامية)، إذ يستشهد فيه بقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي عن علاقة المدرس بطلابه: (إنها علاقة مدرس بتلاميذه، وإن ساعة الدرس ليست إلا وسيلة لتوطيد التعارف بينه وبينهم، وليست البحوث التي يلقيها عليهم إلا طريقا لاكتشاف مشكلاتهم، ومحاولة إيجاد حلول لها) (٣٧) .
وكما هو دأب الأستاذ أحمد جمال، فإن المفاهيم التربوية مستقاة من تعاليم الإسلام، ويؤكد على الرجوع إلى التعاليم الإسلامية، لاستنباط الأسس التربوية، لتعويد الناشئة على احتذائها، والالتزام بقيمها، كما في قوله: (إذا كان الخبراء النفسيون العصريون يقررون أن كثيرا من الأمراض النفسية والعصبية.. مرجعها ما وقعت عليه أنظار هؤلاء المرضى وهم أطفال، من مشاهد جنسية لآبائهم وأمهاتهم. فقد سبق علم النفس الإسلامي إلى تحذيرات وقائيه، تمنع حدوث هذه الأمراض النفسية والعصبية مستقبلا، يقول الله ﵎:
(يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانهم، والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات، من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم) (٣٨) .
[ ٢ / ٤٤٩ ]
فالأطفال ممنوعون - في منهج علم النفس الإسلامي - أن يقتحموا على آبائهم وأمهاتهم خلواتهم الثلاث: قبل الفجر وبعد الظهر، وبعد العشاء، فهي ساعات راحة ونوم، وتحرر من الثياب الساترة، ومباشرة لما أحل الله لهم (٣٩) .
ويأتي متدرجا في الترتيب التصنيفي ليقترب من نفس المدار كتيب (ماذا في الحجاز) وهو كتيب يتباين عنوانه عن موضوعه، إذ يحمل عنوانه نبرة الخطاب السياسي، ولذلك فهو يغري من يسمعه بالبحث عنه، ومعرفة محتواه، ولكن مضمونه يمثل مسحا للتطور التعليمي والتربوي في الحجاز، وما شيد به من مدارس ومعاهد أهلية وحكومية في بواكير نشأة التعليم في العهد السعودي في هذا الإقليم، مع التعريج على ذكر الأنشطة ذوات العلاقة بالحركة التعليمية، كالصحافة والطباعة، مردفة بذكر نماذج لرجال التعليم والأدب، خاتما ذلك بتقديم نماذج من الشعر الحجازي، وكأنه الشهادة على ما وصل إليه التعليم في هذا الإقليم في تلك الحقبة. ومبرر اختيار هذا العنوان يفصح عنه المؤلف بقوله:
(وليس الدافع إلى إرسال هذه الإيماءة اللافتة إلى ما في الحجاز الحديث، هو أن في الحجاز شيئًا عظيما جدًا جدًا! لا فبصريح الاعتراف ليس الحجاز هذا الشيء العظيم، ولكن هناك - على كل حال - شيئًا.. حرام على إخواننا العرب المسلمين، في مد أقطارهم الدانية والقاصية، أن يجهلوه أو يتجاهلوه، ويصروا - بعد التعريف والتذكير - أن يظلوا جاهلين أو متجاهلين، إنما الدافع كل الدافع ما جاء في المزاعم التوالي:
زعموا أننا نعيش كسالى
ما لنا في الجلال غير ادّكاره
زعموا أننا صنائع بر
همّنا في السؤال أو في ابتكاره
زعموا أنّنا نموت ونحيا
في هوى يومنا وفي استدباره
زعم الماكرون أشياء أخرى
لم أرد ذكرها من استحقاره
[ ٢ / ٤٥٠ ]
لا، بل سأذكرها أنا ولا أحقرها، لأن التّهم الكواذب لا تحتقر أولا وإنّما تدحض وتنقض عروة عروة، وعلى المتهم (الصدوق!!) بعد أن يرى عروش اتهاماته (الصوادق!!) خاوية هاوية، أن يتولى احتقارها بنفسه، وإلا فمن حق المتهم البرىء المحفوظ له، أن يشنّ إغارة الاحتقار. لقد زعموا أننا في مجال المعيشة الاقتصادية الاجتماعية نتخذ من الجبال أكنانا، ومن جلود الأنعام أكسية، ليس في حجازنا قصور، ولا دور ولا حدائق ولا فنادق، وحجّتهم الداحضة، أننا نعيش بواد غير ذي زرع، عند بيت الله المحرم. وزعموا أيضا أننا - في مجال الثقافة العامة بنوعيها تعليما وأدبا - نعيش أميين جهلاء، ليس في حجازنا مدارس ولا معاهد، ولا علماء ولا أدباء، ولا آثار لهؤلاء وهؤلاء.
وزعموا ما شاء لهم الهوى أنْ يزعموا غير هذا و(أجمل!) من هذا (جمالا) يغضي القلم حياء منه فيؤثر الصمت، لأن الصمت في هذا المقام فحسب هو الذهب بعينه.
زعموا حتى دلاّهم بغرور ما زعموا، فتساءلوا - استكثارا علينا - لم نبعث الإرساليات العلمية إلى الخارج؟ ما دام الحجاز ودايا غير ذي زرع صالح، وتربة صالحة، وحق لهم أن يزعموا تلك المزاعم الجاهلة، وأن يستكثروا علينا الثقافة الاجتماعية والاقتصادية، والدينية والعلمية، والسياسية والعمرانية، فقد دلاّهم جهلهم بغرور إلى غرور.
[ ٢ / ٤٥١ ]
ويعزينا قليلا أو كثيرا، أن حجازنا لم يكن أولى فرائس هذا الاتهام الذي تضربنا به إحدى يدينا! فمنذ عام ويزيد تألّم الأستاذ على الطنطاوي باسم الأدب السوري، لإغفال أدباء مصر لهم، وكان ذلك في خطاب مفتوح نشره في مجلة الثقافة التي تصدر في مصر العزيزة، ومنذ شهرين إلا قليلا تكررت الشكوى ولكن بقلم الأستاذ تقي الدين خليل، باسم الأدب اللبناني وكان ذلك في مجلة آخر ساعة المصرية أيضًا. أما نحن الحجازيين فقد ضاقت مجلات مصر وصحفها على أدبنا بما رحبت لأدب غيرنا، فكم طويت لنا من رسائل عتاب، وكم أهملت لنا من مقالات شعر ونثر وخطاب! قد تعتذر بأنها غثة تافهة والرد حاضر على هذا الاعتذار المظنون، ذلك أنه ما كل ما تنشره مجلات مصر وصحفها غير غث ولا تافه، فلتكن موائدها في ضيافتنا الغثاثة والتفاهة، ولها منا موعدة التواضع الجم، والتسامح الشديد) (٤٠) .
ويأتي منسجما مع المسار التربوي، ومتجانسا مع الطروحات الفكرية للاستاذ احمد جمال خاصة في كتابه (مكانك تحمدي)، كتاب (تعليم البنات بين ظواهر الحاضر ومخاطر المستقبل) .
[ ٢ / ٤٥٢ ]
والكتاب الذي نشر طبعته الأولى نادي الطائف الأدبي عام ١٤٠٩ - ١٩٨٨هـ، يمثل محاضرة ألقاها المؤلف في كلية الشريعة بالرياض يوم ٥/٤/١٣٩٨هـ، بدعوة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، تحمل نفس العنوان، ولذلك يوميء المؤلف في مقدمة كتابه إلى تمسكه بمواقفه حيث يقول: (وعنوانها صريح في تحديد موضوعها، وما توقعته من مخاطر مستقبل تعليم البنات تحقق فعلا. فقد بدت في الأفق مشكلات عديدة.. منها ظاهرة الطلاق المتزايد بين الأزواج والزوجات، نتيجة لما تشعر به الزوجة المتعلمة من مساواة ثقافية أو علمية مع زوجها، وربما يزيد راتبها إذا كانت مدرسة أو طبيبة.. فهي تتعامل معه بمشاعر الندّ تجاه الندّ، لا بعواطف الزوجة نحو زوجها. وهو بالتالي ربما يشعر بمركب النقص تجاه زوجته المساوية له، أو المتفوقة عليه ثقافيا أو اقتصاديا.
كما أن بعض الشباب من الذكور يحجم عن الزواج بالجامعيات.. لأنه يخشى أن تتعامل معه زوجته الجامعية بكبرياء المثقفة، وغطرسة الموظفة. وقد نشأت في مجتمعنا ظاهرة أخرى، ظاهرة (العنوسة)، أي تأخر كثير من المتعلمات المتخرجات من الجامعات عن الزواج، حتى اصبح بعضهن لا تستحي من الحديث بالرغبة في الزواج، بل إن بعضهن تزوجن أزواجا لهن زوجات وأولاد، ورضين مبدأ تعدد الزوجات!!
وهناك ظاهرة إهمال الزوجات العاملات لبيوتهن وأولادهن وأزواجهن، وصحفنا تفيض بالحديث عنهن، وعن الخادمات الأعجميات، وغير المسلمات، اللائي أصبحن مسؤولات عن تربية أطفالنا، رجال المستقبل، وآمال الغد.
ومع ذلك تشكو هؤلاء العاملات مرّ الشكوى من الإرهاق الذي يعانينه من العمل خارج البيت، ومتاعب الأسرة التي تنتظرهن عند العودة من أعمالهن.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
وقد ضممت إلى المحاضرة حوارا جرى بيني وبين الطالبات والمدرسات في كليتي التربية للبنات بمكة وجدة، لاشتماله على موضوعات تتصل بالقضايا التي تتضمنها المحاضرة، مع ظواهر جديدة، في مجال التعليم النسوي، والعمل النسوي أيضًا.
وأضفت أيضًا فصلا ثالثا، يتضمن عبرًا ودروسًا من تجارب الأمم والمجتمعات العربية والأوربية، التي سبقتنا الى تعليم المرأة وتوظيفها، وما تعانيه من مشكلات وأزمات، بسبب عدم التوفيق بين مسؤولية المرأة العاملة كزوجة وأم وبين واجباتها الوظيفية خارج البيت (٤١) .
ومع ذلك فإن المؤلف يستدرك ما يحمله العنوان في تضاعيفه من إيحاءات ويبرز موقفه بوضوح من تعليم المرأة وحاجة المجتمع له، في حقول تقتضي الاستفادة من قدرات المرأة وإسهاماتها، حيث يقول: (وهو عنوان قد يوهم المستمع أني أعارض تعليم المرأة وتشغيلها خارج البيت فيما تستطيعه، وما يتفق مع طبيعتها الرقيقة، ولا يخالف ما شرع الله لها من حجاب وآداب.
ومخافة من هذا الإيهام، الذي قد يحدثه عنوان المحاضرة بدأتها بالقول: ٠إني في كل ما كتبت وما تحدثت، عبر أجهزة الإعلام الثلاثة (الصحافة، والاذاعة، والتلفاز)،كنت وما أزال أدعو الى تعليم المرأة، وتوظيفها في أعمال مناسبة للطبيعة وآداب الشريعة وذلك:
أولًا - لان الإسلام نفسه - يحثّ على تعليم الرجل والمرأة.. كل حسب استطاعته وحاجته، وحاجة المجتمع إليه والبيت والأسرة لا يداران إدرة صحيحة قويمة إلا بزوجة مسعدة، وأم مرشدة، والشباب الذين هم الأبناء والبنات، لا ينشأون التنشئة الصالحة الناجحة، إلا إذا كان آباؤهم قد أخذوا من الثقافة الدينية والاجتماعية والاقتصادية، والتربوية، بحظ وفير.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
ثانيًا: لأن أخلاقنا الإسلامية تمنع من الاختلاط بين الرجال والنساء في العمل خارج البيت، ومجتمعنا كما يحتاج إلى تعليم الذكور من الشباب وتطبيبهم وتمريضهم وإدارة شؤونهم، يحتاج تماما إلى تعليم الإناث من الشابات وتطبيبهن وتمريضهن وإدارة شئونهن.
فلابد، من مدرسات وطبيبات وممرضات ومديرات ومفتشات ومرشدات اجتماعيات، يتولين العمل في المؤسسات النسائية، ويكفينا عواقب الحاجة إلى الرجال.. وعمل الرجال مع النساء لإدارة شؤون النساء، مما رأيناه رأي العين في المجتمعات الأخرى، التي سبقتنا إلى هذه المفاسد والمنكرات.
وإذن فتعليم البنات وتوظيفهن في حدود الطبع والشرع: حاجة لازمة لا ريب فيها، ولا جدال حولها، ولا اختلاف عليها) (٤٢) .
على أن ذروة الاهتمام التأليفي لدى الأستاذ أحمد جمال تتمحور حول الدراسات الدينية، تفسيرًا وفكرًا وقضايا وآراء ودراسات، مع الاحتزاز بالإشارة الى اصطباغ سائر أعماله، من تربوية وفكرية وصحفية وأدبية، بالصبغة الدينية وعدم مبارحته لمسارها، وتوجهاتها، وآدابها.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
ومن أهم أعماله في حقل التفسير كتابه (مأدبة الله في الأرض) فقد هدف في هذا الكتاب الى جمع الآيات التي تتناول موضوعا واحدا، وتفسيرها، أو كما يصرح بقوله: (وقد نشأ عندي خلال دارستي للقرآن الكريم، حب لتفسيره تفسيرًا موضوعيًا.. أي جمع الآيات المتحدثة عن موضوع واحد، وتأمّلها ثم الحديث عنها بما يفتح الله. وقد بدأت تنفيذ هذه الفكرة بكتابي (على مائدة القرآن: دين ودولة) الذي صدرت الطبعة الأولى منه سنة ١٣٧١هـ (١٩٥١م)، ثم تكررت طبعاته سنة ١٣٩٣هـ (١٩٧٣م) وسنة ١٤٠٠هـ (١٩٨٠م) (٤٣) وتناولت فيه موضوعات تتعلق بالعبادات والأخلاق، وبالتربية والأخلاق وبالعلم والعلماء والتعليم، ونظام الحكم والمجتمع، والفوارق بين الذكر والأنثى، وحقوق الرجل والمرأة، ونظام الاقتصاد الخ ونلاحظ أن معظم كتب التفسير القديمة والحديثة اتبعت طريق التفسير للسور مرتبة كما هي في المصحف. وهي طريق نافعة لا شك فيها، ولكن التفسير الموضوعي - من وجهة نظري - أفضل وأجمل، وأجمع لفهم القارىء، لكي يدرس أو يدرك حقيقة التوجيه القرآني في الموضوع الواحد، أو القضية الواحدة.. وكيف تدرّج القرآن في طرح الموضوع أو القضية، وفي الإقناع بتحريم الحرام، وتحليل الحلال، والاحتجاج بصواب الهدى، وبطلان الضلال) (٤٤) .
ويذكر الدكتور عبد الفتاح شلبي في التمهيد أن (كتاب مأدبة الله في الأرض يشتمل على سبعة فصول، أوردها المؤلف على النسق التالي:
الفصل الأول: عن القرآن فهمه وتدبره وفضله.
الفصل الثاني: عن العقائد والعبادات.
الفصل الثالث: عن الإنسان، خلقا وتدبيرا، فردا وجماعة، ذكرا وأنثى، اهتداء وزيغا.
الفصل الرابع: عن القرآن كمنهج تربوي للفرد والمجتمع، والدولة والأمّة.
الفصل الخامس: عن جهاد الأعداء، وترقّب النصر.
الفصل السادس: عن بعض قصص الأنبياء.
الفصل السابع: عن بعض قصص اليهود والمنافقين) (٤٥) .
[ ٢ / ٤٥٦ ]
وأحمد جمال في هذا الكتاب لم يقف عند حدود اّراء وأقوال القدماء، بل يوسّع آفاق التناول فيورد ما ذكره المفسرون والعلماء، ويستأنس برأي المفسرين المعاصرين، كإيراده تفسير الإمام ابن كثير عن الإمام البخاري (روي عن النبي (أنه قال لأصحابه: أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فشقّ ذلك عليهم وقالوا: أيّنا يطيق ذلك يا رسول الله؟
فقال: قل هو الله أحد ثلث القرآن العظيم.
ثم يسأل أحمد جمال: لماذا كانت سورة الإخلاص ثلث القرآن؟ .
وبعد أن يعرّج على أن عقيدة التوحيد هي الأساس والقاعدة والعماد لنظام الإسلام
كلّه، يورد قول الإمام الغزالي: إن مهمات القرآن العظيم هي معرفة الله، ومعرفة الآخرة، ومعرفة الصراط المستقيم. فهذه المعارف الثلاث هي المهمة، والباقي توابع، وسورة الإخلاص تشتمل على واحدة من هذه الثلاث، وهي معرفة الله، وتقديسه وتوحيده عن مشارك في الجنس والفرع، وهو المراد بنفي الأصل والفروع والكفء.
والوصف (بالصمد)، يشعر بأنه السيد الذي لا يقصد في الحوائج سواه.
واستئناسه بآراء المعاصرين يتجلى في تضمين رأي الدكتور عبد الجليل عبد الرحيم، في تعقيبه على معنى الحديث النبوي الشريف بأن سورة الإخلاص: هي ثلث القرآن الكريم: (إن الذي يخطر في هذا الموضوع أن الدين بأسره إنّما هو معرفة الله، بسائر شؤونه وتجليات أسمائه وصفاته، ثم العمل بموجب هذه المعرفة، وضبط السلوك عليها، مع الإخلاص لله في العلم والعمل) (٤٦) .
وتأبى الحاسة الصحفية التي عانقت أحمد جمال طوال حياته أن تتوارى عن مؤازرته في توجهه الديني، كما تؤازره معطيات المعاصرة بإنجازاتها العلمية في الاستفادة مما ينشر ويبث هنا وهناك، لتعضيد ما يذهب إليه من آراء، ففي تفسيره لقوله تعالي (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنّه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) (٤٧) .
[ ٢ / ٤٥٧ ]
يستهلّ تفسير الآية بذكر أقوال بعض قدامى المفسرين، مردفا ذلك بما فتح الله به عليه، ويعقب بإيراد أقوال بعض رواد الفضاء، حينما تجلّى لهم بديع صنع الله في خلق هذا الكون، وتناغم كواكبه ونجومه في منظومة المجرات السماوية، فيما أتيح لهم مشاهدته عبر رحلاتهم الفضائية، فيورد أقوال جيمس اورين، الذي تحول إلى قسيس ليتفرغ للتأمّل في اعتقاده بالله والرائد ميشيل، وأخيرًا الرائد شيبرد، الذي يقول: (إنّ رحلتي إلى القمر، وسّعت نظري إلى ابعد مما وراء حياتنا اليومية لقد كنت محدود التفكير، حين أتصور أنّ بلدي هو كل شيء في العالم، حتّى إذا سنحت لي فرصة النظر لكل هذا العالم عرفت ضخامة هذا الكون، وضآلة مجموعتنا الشمسية، وكم من آلاف السنين يبعد عنا أقرب نجم لأرضنا، وعندما غادرنا الأرض ونظرنا إليها من عل، وجدنا كوكبنا ليس بالكوكب الذي يذكر) (٤٨) .
ويأتي في نفس المسار كتاب (القرآن الكريم كتاب أحكمت آياته)، إلا أنه في (مأدبة الله في الأرض) تمثلّ روح المعاصرة، من خلال الاستشهاد بأقوال وآراء بعض العلماء والمفكرين ورجال الفضاء لتبيان ما وصلوا إليه من قناعات من خلال الاكتشافات العلمية، التي تشهد بوحدانية الله، وعظمة الخالق المبدع في أرجاء هذا الكون وتكوينه، من مجرّات وكواكب، تجعل الملحد يتطامن أمم عظمة الخالق، وروعة البناء والتكوين.
بينما اقتصر في (القرآن الكريم كتاب أحكمت آياته) على مناقشة آراء بعض المفسرين والعلماء القدامى والمعاصرين بما أوردوه من آراء وأقوال، في اجتهاد علمي، لمناقشة هذه الآراء ودحض بعضها ولذلك يحدّد في المقدمة موقفه من هذه الآراء، والمؤلفات التي تضمنتها بقوله:
[ ٢ / ٤٥٨ ]
(وهذه الفصول الأربعة عشر، هي تعقيبات متأنية ومتعمقة، على بعض الكتب القديمة والحديثة، التي وضعها علماء قدامى وكتاب معاصرون، حول القرآن الكريم: آياته وكلماته ومعانيه، وقد أسرف بعضهم في القول بنسخ معظم آيات القرآن، وهذا يعني أن الأحكام والمقاصد الأخلاقية لهذه الآيات أبطلت. كما أفرط فريق منهم في توهم الإشكال أو الاضطراب في آيات أخرى من القرآن، ثم محاولة الرد لبيان سلامة التركيب القرآني، لفظًا ومعنى.
وقد صدرت قديما مؤلفات تحمل عناوين: (مشكل القرآن - أو غريب القرآن - أو مشكل الحديث النبوي - أو غريب الحديث النبوي) وفي رأينا: أنه لا مشكل، ولا غريب، ولا متناقض، ولا متعارض، في آيات القرآن الكريم، والحديث النبوي الحكيم الثابت سندًا ومتنًا.
وإنما الغرابة والاستغراب، والإشكال والاضطراب، في عقولنا نحن البشر، حيث نعجز أحيانا عن فهم آية، أو وعي حديث نبوي، أو نتوهم تناقضًا، أو اضطرابًا في أحدهما.
ولذلك أرى أن لا ينسب الإشكال أو الاضطراب إلى القرآن والحديث، وإنما ينسبان الى عقولنا وأفهامنا، كما أرى أن توهم بعض علمائنا، الغابرين والحاضرين، لهذا الاضطراب أو الإشكال، في آيات القرآن وأحاديث الرسول ﵊، أو افتعال هذه المشكلات والتناقضات، مما يفتح الباب لزلزلة أفكار الشباب، وبخاصة في عهدنا الحاضر، الذي يفيض بالمبادىء الهدامة، والتيارات الملحدة، والايحاءات المفسدة للعقيدة والأخلاق. وفي فصول أخرى من الكتاب، نقد لكتب تناول مؤلفوها القرآن، تناولهم لكلام البشر، وقاسوا قصصه على قصصهم، وعباراته على عباراتهم، وزعموا أن قصص القرآن كالأساطير، أو هي أساطير تماماالخ.
وقد تناولت نقدهم جميعا، وتصحيح ما اعتقدته من أخطاء وزلاّت في آرائهم: جوانب شتى من العقيدة والفقه والخلق واللغة) (٤٩) .
[ ٢ / ٤٥٩ ]
والمؤلف حصر مناقشة المؤلفين في الجزء الأول من الكتاب ولم يلتزم التسلسل التاريخي للمؤلفين، أو الكتب، وإنما ناقش ما تضمنته هذه المؤلفات من آراء دون تسلسل زمني، فهو يناقش آراء الشيخ محمد أمين الشنقيطي من المعاصرين بعد ابن حزم من المتقدمين، وقبل (المفيد في مشكل القرآن)، المنسوب لسلطان العلماء. العز ابن عبد السلام، ويقدم نقده لكتاب الدكتور مصطفى محمود في كتاب (القرآن محاولة لفهم عصري) على مناقشته للخطيب الإسكافي في كتاب (درة التنزيل وغرة التأويل)، والذي يردفه بنقد المستشرق اليهودي جولد تسيهر في كتابه (المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن)
ويحمد للمؤلف تكريسه للقيم الخلقية الإسلامية في مناقشة المؤلفين، فالهدف يتسامى للبحث عن الحقيقة، وينأى عن الغض والتجريح، فهو يقول: (لفضيلة الشيخ محمد أمين الشنقيطي - ﵀ - قدم صدق، ويد طولى في تفسير القرآن الكريم، وله كتاب قيم في ذلك، وهو (أضواء في علوم القرآن)، وقد سعدت بقراءة مقالاته المتتابعة في مجلة الجامعة تحت عنوان (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)، صال فيه وجال بعلمه الواسع وفكره الثاقب، وانتفعت بآرائه ونظرياته في التوفيق بين بعض المفهومات القرآنية، وبعضها الآخر، وإني لأدعو له حسن الجزاء، وجزيل المثوبة) (٥٠) .
وإذا كان أحمد جمال في الثناء على المؤلف دمثا وكريما، فإنه في المناقشة العلمية يتجافى عن المجاملة، وينتصب للتصدي للحقيقة العلمية، كما في قوله: (علّق الشيخ على هذه الآية (ذق إنك أنت العزيز الكريم) (٥١) بقوله: إنه يتوهم من ظاهرها ثبوت العزة والكرامة لأهل النار، مع أنّ الآيات القرآنية مصرحة بخلاف ذلك، مثل قوله: (سيدخلون جهنم داخرين) (٥٢) أي صاغرين أذلاء، وقوله: (ولهم عذاب مهين) (٥٣) .
[ ٢ / ٤٦٠ ]
والجواب أنها نزلت في أبي جهل لما قال: أيوعدني محمد؟ وليس بين جبليها أعز ولا أكرم مني، فلمّا عذبه الله قال: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) في زعمك الكاذب.
قلت: إن سباق الآية، أو سياقها لا يساعد على تخصيص نزولها بأبي جهل، فهي عامة في كل كافر: (إنّ شجرت الزَقوم * طَعام الأثيم * كالمُهل يغلي في البُطُون* كغلي الحَميم * خُذُوهُ فاعلتوُه إلى سَوَاءِ الجَحيم * ثُم صُبوا فَوقَ رأسه من عَذاب الحميم * ذُق إنَّك أنت العَزيزُ الكريم) (٥٤) .
فالعذاب بالأكل من شجرة الزقوم عام للآثمين جميعا، والتقريع بقوله: (ذق إنك أنت العزيز الكريم)، شامل لكل واحد منهم بدون استثناء. ولو فرضنا - جدلا - أن الآية نازلة في أبي جهل، فلا تعارض بينها وبين الآيات الأخرى، ولا اضطراب في معناها. فالآيات التي تقرر الذل والهوان للمعذبين في النار، تقرر حقيقة مادية واقعة،لا ريب فيها، والآية موضوع البحث، تحكي موقف الملائكة - ملائكة العذاب طبعا- وهي تسخر من المعذبين في النار، وتذكرهم بحالهم في الدنيا من عز وغنى وجاه وسلطان وكرامة، وفي هذا النداء والتذكير: زيادة عذاب، ومضاعفة هوان.
وهو أسلوب عربي بليغ معروف، ويسمي بتأكيد الذّمّ بما يشبه المدح، ومنه قول الشاعر:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وفي المقابل: تأكيد المدح بما يشبه الذم، ومنه قول الشاعر أيضًا:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
بهنّ فلول من قراع الكتائب (٥٥)
[ ٢ / ٤٦١ ]
وإذا كان الأستاذ أحمد جمال قد خصّص هذا الجزء لمناقشة الآراء والمؤلفات التي اختلف معها، ومع توجهات مؤلفيها فإنه أفرد الجزء الثاني لاستعراض بعض المفهومات القرآنية، بينما مزج بين الاتجاهين في الجزء الثالث. والمؤلف كان يهدف الى إنجاز مشروع علمي، يتوخى تفسير القرآن، ودراسة ما يتصل به من قضايا ومباحث، ولذلك يقول: (والمجموعة - على هذه الصورة - تشكل جزءا آخر من تفسير القرآن) (٥٦) وكأن في ذلك إشارة إلى المؤلفات الأخرى، التي ذكرها الأستاذ عبد الله عبد الجبار للمؤلف بقوله:
(ما وراء الآيات - يبحث فيه عن القصص الرمزي في القرآن. دين ودولة - عرض للفكرة الإسلامية، عقيدة وتربية وحكما، في ضوء القرآن. مع المفسرين والكتاب - نقد ودراسات لمذاهب وآراء القدامى والمحدثين والكتب الثلاثة الأخيرة من سلسلة على مائدة القرآن) (٥٧) .
ومع ذلك فإن أحمد جمال لم ينتهج التهج التقليدي في التفسير، والقائم على ذكر السور مرتبة وفق ترتيب المصحف والشروع في تفسير آياتها تباعا، بل جنح إلى انتقاء الآيات، التي تنطوي على مفهومات ارتأى الوقوف عندها بالتفسير والتحليل،أو وفق ما تمليه الآراء التي آثر مناقشة أصحابها، والرد عليهم.
والملاحظ أن الدراسات الدينية، تحظى بنصيب الأسد من مشروع أحمد جمال الثقافي، وتحتل المساحة الكبرى من اهتماماته الفكرية، عقب عزوفه عن الشعر، وتتوزع إضافة إلى ما سبق، على مجال الدعوة، والتي يمثلها كتابه (خطوات على طريق الدعوة) وقضايا المسلمين، كما في كتابه (المسلمون حديث ذو شجون) ومجال الفتيا،وهو يمثل الفتاوى التي كانت ترد عليه، ويردّ على أصحابها في صحف (المدينة) و(المسلمون) و(الشرق الأوسط)، ويتضمنها كتاب (يسألونك)، ومجال التدريس الجامعي لمادة الثقافة الإسلامية، في جامعتي الملك عبد العزيز بجدة وأم القرى بمكة المكرمة، وضمّن هذه المحاضرات كتابه (محاضرات في الثقافة الإسلامية)
[ ٢ / ٤٦٢ ]
وكان من الضروري أن يندرج ضمن اهتمامات الأستاذ جمال الدفاع عن الإسلام ضد خصومه، والرد عليهم، كما يمثل ذلك كتابه (مفتريات على الإسلام)، وأن يصدع بآرائه في وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية، ووجوب الحكم بما أنزل الله والالتفاف حول عقيدة التوحيد، والتمسك بها، كما في كتابه (قضايا معاصرة في محكمة الفكر الإسلامي) ولذلك يستهل الكتاب في الفصل الأول ببحثه حول (تحكيم الشريعة الإسلامية واجب في كل زمان ومكان)، ويردفه بفصل، (جهاد النفس أولًا)، ثم (الميدان الأول للدعاة الإسلاميين)، ثم يمضي في الحديث عن (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمكافحة الجريمة)، و(الإسلام دين السلام) ثم (الإسلام بالمرصاد لتحديات أعدائه)
[ ٢ / ٤٦٣ ]
وكأنه في ذلك ينطلق من التأصيل، وهو تحكيم الشريعة، وتأسيس المسلم الخليق بالمسؤولية المنوطة به، وهو من يجاهد نفسه ليصبح بالتالي داعية إلى حياض ربه، لينتقل به خارج تخوم العالم الإسلامي، حينما يناقش اتهامات أعداء العقيدة، ليؤكد أن الإسلام دين السلام، وأنه بالمرصاد لأعدائه، وكل من يتربص به، أو يصمه بالإرهاب، أو يتطلع للنيل منه، أو تقويض قوته وانتشاره، حتى إذا فرغ من ذلك عاد لتناول القضايا الداخلية، التي يتردد صداها في العالم الإسلامي ويقف المسلمون منها موقف انقسام، بدعوى الضغوط الاقتصادية، كقضية (تناسل المسلمين بين التحديد والتنظيم)، ثم يعرج المؤلف على تبيان (الاستعمار الذاتي في العالم الإسلامي)، ويجلّى حقيقته بقوله: (خلال العقدين الخامس والسادس تخلصت الدول العربية والإسلامية من الاستعمار الغربي المباشر، ولكنها دخلت في (استعمار) جديد، باختيارها وطوعها وكان الأول استعمارا أجنبيا بالحديد والنار، وكانت سلطة وسيطرة مباشرة على سياسة البلاد العربية والإسلامية، واقتصادها وثقافتها.. أما الاستعمار الجديد، فكان عن طريق الفكر والقلم واللسان، أو عن طريق التحالف المزعوم، والصداقة المفتراة! لقد تقبل قادة الثورات التحررية، في البلاد العربية والإسلامية، بعد فوزهم بالحكم والقيادة والسيطرة على مقاليد الأمور في شعوبهم وأوطانهم، تقبّلوا واعتنقوا وارتضوا المباديء التالية:
فكرة القومية والعنصرية.
والعلمانية - فصل الدولة عن الدين.
والاشتراكية الاقتصادية.
ثم الشيوعية الخالصة) (٥٨) .
ثم ينتقل المؤلف إلى بعض القضايا التي كانت تشغل المجتمع، في المملكة خاصة، مع إرهاصات النهضة السعودية كقضية (تعليم البنات بين ظواهر الحاضر- ومخاطر المستقبل) وقضية أخرى يختتم بها المؤلف كتابه، تدور (حول التصوير المحرم: أهو المرقوم أم المجسم) .
[ ٢ / ٤٦٤ ]
وغنى عن القول أن الفصل قبل الأخير (تعليم البنات)، قد أفرد له المؤلف كتيبا مستقلا، عرّجنا على ذكره، وتناوله فيما سلف.
وبحكم الانطلاقة الأولى من دوحة الأدب، بجناحي الشعر في ديوان (الطلائع)، والقصة في القصص الاجتماعية (سعد قال لي)، فإن دائرة الاهتمام لدى الأستاذ أحمد جمال تتسع بحكم الحس الأدبي، لتشمل تناول (القصص الرمزي في القرآن) وليت المؤلف أبقى على العنوان الأصلي للكتاب، وهو (ما وراء الآيات)، أو انتقى له عنوانا يتناسب وموضوعه القائم على ذكر بعض الآيات المتضمنة لمواقف وقصص، مع ذكر أسباب النزول، لما لمصطلح الرمزية من ظلال وتداعيات، تتباين مع المراد الذي هدف إليه المؤلف، وتضمنته الآيات والسور الكريمات، وهي الملاحظة التي أومأ إليها المؤلف نفسه في هامش مقدمته حينما قال: (اعترض بعض قراء الكتاب على وصف هذا اللون من قصص القرآن بأنه (رمزي) وقال: إنّ في هذا تشبيها بأدباء المهجر الذين عرف عنهم هذا اللون من الأدب.. وقد رددت على المعترض بأن (الرمز) يعنى في اللغة العربية: الإشارة دون الإفصاح. والآيات التي تناولتها بالبحث والبيان ترمز الى قصص وأخبار وحوادث دون أن تذكرها) (٥٩) .
ويعلّل ذلك في المتن بقوله: (وقد اخترت للكتاب اسم (القصص الرمزي في القرآن) بديلا عن الاسم الأول (ما وراء الآيات) لمناسبته للموضوعات، أو القضايا التي ترمز لها الآيات، ولا تفصح عنها) (٦٠) .
[ ٢ / ٤٦٥ ]
ويؤكد موضوعية ملاحظتنا - وهي لا تتناقض مع احترامنا وتقديرنا لأستاذنا الجليل أحمد جمال - إخفاق الأستاذ الدكتور حسن ضياء الدين عِتر في الوصول الى تعليل مقنع - مع تقديرنا لجهده وعلمه - حينما سوّغ هذا التحول من الاسم الأول الى الاسم الثاني، مؤكدا على ما ذكره الأستاذ أحمد جمال في مقدمته، ومعتمدا عليه بالكلية في قوله عن القصص القرآني: (أفرد الأستاذ الداعية له كتابا مستقلًا بعنوان: (القصص الرمزي في القرآن) ولعل خيالك يجمح فيدفعك الى التساؤل: هل قصد الأستاذ الداعية أن في القرآن قصصا رمزيا بالإطلاق المعهود في عصرنا للقصص الرمزي والشعر الرمزي، إذ يسمع أحدنا الشاعر - مثلا - يقول: أنا حبيبتي نصف برتقالة!!؟ إذن أين طاح النصف الثاني!!؟؟
ويأخذ المؤلف ﵀ عليه أو على بعض القراء سوء الظن، فيجيب في ختام تقديمه لكتابه بقوله: (وقد اخترت للكتاب اسم (القصص الرمزي في القرآن) بديلا عن الاسم الأول (ما وراء الآيات) لمناسبته للموضوعات أو القضايا التي ترمز لها الآيات ولا تفصح عنها) (٦١) .
لكنه فصّل مراده من كتابه تفصيلا في مطلع تقديمه، إذ يفيدك بتقريره الضمنى أن قصص القرآن قصص حقيقي، واقعي. ويعلن صراحة أنه نوعان:
أولًا: قصص نزل به القرآن، وذكر أحداثه الحقيقية وله أهداف عظيمة. قال الله ﷿: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين) (٦٢) .
[ ٢ / ٤٦٦ ]
ثانيًا: قصص نزل من أجله القرآن، فلم يذكر أحداثه ووقائعه ومشكلاته، إنما ذكّر بها تذكيرًا، بأن أشار إليها، أو رمز لها برمز جلي لا لبس في مراده منها، وهي التي جاء القرآن العظيم ليعطي فيها العبرة والموعظة، أو الحكم أو الحل، أو يكشف سرّ أصحابها، من براءة أو خيانة، وصدق أو كذب، ووفاء أو غدر، وهو ما سمّاه المتحدثون القدامى عن علوم القرآن باسم (أسباب النزول) (٦٣) . لذلك يتعين أن نورد إحدى تلك القصص، ليتسنى للقارىء الإسهام والمشاركة في الحكم، ولكي يتحقق الهدف الأساسي من بحثنا، وهو الوقوف على المظاهر الأسلوبية التي تميزّ أدب أحمد جمال، وتوجهه الفكري، حيث يقول في قصة: (يهودي متهم - يبرئه القرآن)
يقول الله ﷿ - في سورة النساء:
(إناّ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما (١٠٥) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (١٠٦) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيمًا (١٠٧) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا (١٠٨) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلًا (١٠٩) ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيمًا (١١٠) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيمًا (١١١) ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يرم به بريئًا فقد احتمل بهتانًا وإثما مبينًا (١١٢) .
ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا (١١٥) .
كان بنو أبيرق، من أهل المدينة مردوا على النفاق، وكان أحدهم (طعمة) يقول الشعر سفها، يريد أن يبلغ به الصحابة العلية، وما هو ببالغهم.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
وكان بيت أبيرق هؤلاء، بيت فاقة في الجاهلية والإسلام، والفاقة - كما تعلمون- إحدى السبل، بل أهدى السبل إلى (النفاق) وإلى الاستراق. هي إحدى السبل إلى النفاق لصاحبها الذي يستطيع أن يأكل بلسانه، يحركه بالكذب في المدح والقدح وهي إحدى السبل إلى الاستراق لصاحبها الذي لا يقدر على صناعة الكلام، فيعتاض عنها بيده يحركها في أموال الناس هنا وهناك التماسًا أو اختلاسًا.
ولذلك حقت الكلمة المأثورة (كاد الفقر أن يكون كفرًا)، وكذلك مدّ طعمة بن أبيرق، في ظلام الليل يده إلى درع قتادة بن النعمان، وكانت في جراب تملؤه نخالة دقيق، فجعلت النخالة تتناثر من ثقب في الجراب على طول الطريق، حتى انتهى طعمة الى داره، فبدا له أن ينصرف (بفضيحته) من بابه إلى باب جاره اليهودي (زيد بن السمين) ليأتمنه عليها الى ميعاد. وحين أصبح قتادة افتقد درعه، ووجد النخالة - اثر جرابها - تخط خطًا فاتبعه، فإذا هو يهديه الى دار طعمة، وإذا طعمة يحلف بالله ما أخذها، وما له بها من علم، ثم اتبع قتادة بقية الأثر الى منزل اليهودي (زيد)، فطرق الباب، وكان جواب زيد بعد خطاب قتادة في شأن درعه: إنها وديعة طعمة لديه!! لقد افتضح طعمة! وأسفت الفضيحة قومه، فأوحى إليهم أسفهم، أن ينكر صاحبهم الوديعة، وأن يعجلوهم إلى النبي (، ليجادلوا بين يديه عن طعمة، ويرموا بإثمه اليهودي، وتناسوا أن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة. وساعفهم في مسعاهم، ما غلب في ذلك العهد على المسلمين - ولم يكونوا هم من صادقيهم- من أمانة وصدق، وما غلب على اليهود من خيانة وكذب، مما حبّب الى النبى ﵊ أن يكون الفلح في هذه القضية للمسلمين على اليهود.
ولم يكن النبي (إلا بشرًا يقضي بين الناس بنحو مما يسمع، ولعل بعض هؤلاء الناس ألحن بحجتهم من بعض وكذلك كان قوم طعمة الخونة ألحن بحجتهم من زيد بن السمين.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
يقول (: أيها الناس إّنّما أنا بشر، وإنكم تختصمون الى ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضى له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بحق أخيه، فلا يأخذهفإنما أقضي له بقطعة من النار.
ولكن الله بالمرصاد لكل جارم ولكل ظالم، فما هم نبيه - الذي لا يعلم الغيب - أن يفرض عقابا على زيد المتهم البراء حتى أدركه بوحيه ونهيه ولما كان النفاق - في نفس صاحبه - مرضا لا تشفيه الآيات البيّنات، بل تزيده إلى رجسه رجسًا، وإلى تعسه تعسًا، وإلى استكباره نفورًا: مرّ طعمة بالآيات المبرئة لزيد، والمرغبة له في التوبة، والاستغفار كأن لم يسمعها، وفر إلى مكة معلنًا كفره الصراح، ومعيدا جريمته في بيت مضيفه (الحجاج السلمي)، لم يرع فيها حرمتين: حرمة الفعلة، وحرمة التضييف. هذه قصة زيد بن السمين اليهودي المتهم، الذي برّأه القرآن. كتاب الإسلام، دين العدل بين الناس جميعا. وهذا هو القرآن يرمز لهذا العدل ويخّلده: (إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا) الخ.
ذلك فصل من فصول القرآن في قضية قد يحسبها العابرون بتلاوته هينة، وهي عند الله عظيمة.. الله الذي يعدل في محاكمة عباده، بين مسلمهم ويهوديهم ونصرانيهم، ويريد من عباده أن يعدلوا. الله الذي لا تناله في أحكامه الهدايا وصلات القرابة والصحابة، ويريد منا ألا تنالنا - الله الذي يقول الحق ويهدي السبيل ويريد منا أن نقول الحق، ونهدي السبيل.
انظروا ماذا في دنيانا بين الناس من مظالم؟ مظالم يبكيها الضعفاء ولا يباليها الأقوياء.. مظالم سببها (الميل) ولا شيء غير الميل، الميل في جانب الكسب للأنفس والكسب للأموال من حرام وحلال.
إننا نريد أن نكسب أنفس رؤسائنا وأصدقائنا، ولو بالكذب والظلم نكذب في مدحهم وقدح أعدائهم - على عكس الواقع - لنرضيهم، ونظلم أعداءهم بما ننزل بهم من حيف، ونمنعهم من حق، لنسر أولئك الأقرباء والأصدقاء والرؤساء.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
ونريد أن نكسب المال الجم، مهما كانت الوسائل والحبائل.. غشًا في الصناعة، واحتكارًا للبضاعة، أو غبنًا للأخ في الوطن واللغة والدين، أو أكلًا لأموال الأيتام، أو فسوقًا عن وصايا الموتى، وشروط أصحاب الأوقاف الخيرية، وغير ذلك من سبل الآثام والحرام.
أنحن إذن مسلمون؟!
لقد أدّبنا القرآن، كتاب الإسلام، دين الحق والعدل والخير، فما راعينا أدبه، وأرهبنا فما بالينا رهبه، وظللنا نعيش - وعسى أن لا يطول بنا هذا العيش - كالغرباء بلا أدلاء، أو كتلك (الأشياء)، وما أدراك ما تلك الأشياء. إن القرآن الكريم يضع بتلك الآيات الروائع، دستورًا خالدًا، ونبراسًا راشداللقضاة الذين يحكمون بين الناس، وللمحامين الذين يتصدون للدفاع عنهم، لئلا تمنعهم عن قول الحق، حكما أو دفاعًا، وحدة جنس، أو صلة قربي، أو شفاعة صحبة، أو وساطة ذي سلطان.
وحسبهم زجرًا وردعًا وتأديبًا..أن الله سبحانه يقول لنبيه الكريم، وهو من هو عدلاَ وفضلًا: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما) وهذا هو الدرس الصارخ الأول للقضاة. ثم يقول لأصحابه والمسلمين في عهده: (ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة.. أم من يكون عليهم وكيلًا) وهذا هو الدرس الصارخ الثاني، للمحامين (٦٤) .
فالملاحظ أن التناول في هذا الكتاب يتجه صوب الأسباب والمواقف التي شكلت بواعث أفضت الى نزول هذه الآيات، ولا تستهدف تحليل رموز وإشارات انطوت عليها الآيات، فهو يتناول ما خلف الآيات من أسباب النزول، ولا يحلّل ما تضمنته الآيات من رموز، ولذلك فإن هذه الملاحظة تنصب على العنوان، وبالتالي فهي ليست نقدًا يستهدف المؤلف، أو المؤلف ولا تقدح في أهمية الموضوع، أو أسلوب تناوله، بقدر ما تنحصر في إطار الملاحظة على العنوان، وهو أمر خلافي، لتباين وجهات النظر حوله، باختلاف زاوية الرؤية.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
والحكم نفسه، قد ينسحب على كتاب آخر وهو (في مدرسة النبوة) فإن المطالع لعنوان هذا المؤلف لأول وهلة يتبادر إلى ذهنه أن الموضوع ينصب على تناول السيرة النبوية، وما في حياة الرسول (من مواقف وأحداث، أو هذا ما عنّ لي وتبادر إلى ذهني، على أقل تقدير، فإذا ما تصفح القارئ الكتاب، أو وقف على مقدمته، وجد أنه يتضمن دروسًا في الحديث النبوي الشريف، وما يتصل به من قضايا في التدوين والسند والمصطلح، ألقاها الأستاذ احمد جمال في مسجد السندي بحي الزاهر بمكة المكرمة، وهي فكرة حسنة، من حيث التطبيق أو النشر، حيث حرص على الإيجاز في الإلقاء، بأن لا يتجاوز الدرس الواحد أكثر من ثلاث أو خمس دقائق، حرصا منه على التخفيف، وملاحظة أحوال الناس، من مرض أو شيخوخة أو قضاء حاجة أو مواصلة عمل في متجر أو مكتب، ثم جمع هذه الدروس في هذا الكتاب، ومن تلك القضايا التي تناولها الأستاذ أحمد جمال حديثه (حول تدوين السنة والحديث الضعيف) الذي قال فيه: (بدعوة من الدكتور حسن خفاجي عميد كلية التربية بمكة المكرمة اجتمعنا بمكتبة الحرم المكي، ثم بداره مساء الخميس ١١/١٠/١٣٨٧هـ للاستماع إلى رأي الدكتور فؤاد سيزجين، وهو تركي الاصل، يدرس في جامعة فرانكفورت بألمانيا الغربية - حول كتابة السنة النبوية منذ القرن الأول الهجري.
وكان الحضور: الشيخ على الطنطاوي، والدكتور محمد أمين المصري، والأستاذ محمد القاسمي، والأستاذ صلاح الأزهري، ومعالي الشيخ محمد سرور الصبان، والأستاذ صفوت السقا أميني، وآخرين من المدرسين والطلاب والشباب. استدل المحاضر على رأيه بأن السنة مكتوبة منذ العهد الأول، بصحف عبد الله بن عمرو بن العاص وسمرة بن جندب وجابر بن عبد الله والأشج الكوفي الأشجعي وهمّام بن منبّه وبكتاب زيد بن ثابت في الفرائض.
[ ٢ / ٤٧١ ]
وقال: إلى سنة ٧٠هـ كانت هناك كتابة متفرقة للحديث النبوي، ثم بدأ الجمع والتدوين والتصنيف عندما أمر عمر بن عبد العزيز بكتابة الحديث النبوي، وقد توفي سنة ١٠١هـ.
وكان رأي الأستاذين على الطنطاوي ومحمد أمين المصري، أن الدكتور فؤاد غير موفق في بحثه، وأنه ينحو نحو المستشرقين!
وهو يقول: إنه بمحاولته إثبات كتابة السنة النبوية منذ القرن الهجري الأول إنما يرد على المستشرقين - وعلى رأسهم قولدزهير-، الذين يزعمون أن الحديث النبوي اختلقه الصحابة، ولم يقله الرسول (، لأنه لم يدون في حياته، ويستحيل أن تصح الرواية الشفاهية (الأسانيد) لإثبات أن هذه الأحاديث من كلام الرسول (.
وشاركت في الحوار فقلت موجها الكلام إلى الأستاذ الطنطاوي والدكتور المصري: إنكما تردان على دعوى الدكتور فؤاد بالنهي الوارد عن الرسول (بعدم الكتابة عنه في قوله: (لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب شيئا فليمحه) . وأرى أن هذا النهي كان في بداية العهد بالإسلام، خوفا من التباس القرآن بالحديث،ثم أذن بالكتابة، بعد أن قوي الإيمان واستقر القرآن في الصدور، بدليل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (اكتب عني فو الله لا يخرج منه - وأمسك بلسانه - إلا الحق) أو كما قال (- كما حدث بالنسبة لزيارة القبور، فقد نهى الرسول (عنها في بادئ الأمر لحداثة العهد بالأصنام والأوثان وخوفًا من العودة الى الوثنية، ثم أذن بها (: (ألا فزوروها فإنها تذكّر الآخرة)
[ ٢ / ٤٧٢ ]
ثم تطرق الكلام والجدال بيننا إلى الحديث الضعيف، فكان من رأي الشيخين الطنطاوي والمصري أن (الحديث الضعيف) هو سبب البلبلة في قضية الأخذ بالسنة النبوية، وما جرت من مشكلات وخلافات، وأنه ينبغي إهماله كليًا. وكان من رأي الذي شاركني فيه الأستاذ محمد على الصابوني والأستاذ خير الله طاهر، أن الحديث الضعيف يؤخذ به في فضائل الأعمال، ومناقب الرجال - كما هو رأي السلف-، وأنه يتأيّد بغيره من الأحاديث فيصبح قوي الاعتبار، وأن الضعف إنّما هو في السند وليس في المتن، وقد كان أبو حنيفة يقدمه على القياس، الذي هو الأصل الثالث من أصول التشريع الإسلامي.
فقال الدكتور المصري: إن الحديث الضعيف هو سبب الخلاف بين الأئمة والفقهاء، فهذا يراه قويا، وهذا يراه صحيحًا أو حسنًا، ويجب أن ينتهي هذا الخلاف.
قلت للدكتور أمين: إن هذا دليل على دراسة هؤلاء الأئمة للأسانيد، والاجتهاد في تنقية السنة النبوية، ومعرفة صحيحها من ضعيفها، وليس الحديث الضعيف وحده هو سبب الخلاف في فقه السنة، فقد اختلفوا في الأخذ بمفهوم الحديث الصحيح أيضًا، فهذا فهمه على وجه، وذاك فهمه على وجه آخر، من حيث المعنى لا من حيث السند فحسب.
كما أن الخلاف في فقه السنة بدأ بين الصحابة قبل الأئمة - وفي حياة الرسول (نفسه، وبعد وفاته، فقد اختلفوا في فهم قوله (: (لا يصلينّ أحدكم العصر إلا في بني قريظة) فبعضهم صلاّها في الطريق، لأنه فهم من أمر الرسول، أنه الحثّ على الاسراع، وبعضهم صلاّها في بني قريظة، لأنه أخذ الأمر بحرفه، وقد أقرّ الرسول (كلا الفريقين على عمله.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
كما اختلف أبو بكر وعمر على قتال مانعي الزكاة، فأبو بكر فهم من حديث الرسول (: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله) . أن قتال مانعي الزكاة صحيح بالاستثناء الوارد في الحديث النبوي (إلا بحقه)، ولذلك قال أبو بكر ردا على اعتراض عمر: (والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المالالخ) في حين أن عمر فهم من الحديث نفسه، ألا يقاتل الخليفة من أقرّ بالشهادة فقط، ولو أهمل الصلاة ومنع الزكاة، ولكن عمر رجع الى رأى أبي بكر لما رأى صحة فهمه وسلامة عمله وثمرة قتال مانعي الزكاة من استقرار الحكم الإسلامي، الذي كان معرضاّ للانهيار لو سكت أبو بكر عن المرتدين.
ثم هناك اختلافات الصحابة واجتهاداتهم، وقد سمعوا حديث الرسول (من فمه مباشرة، فلأبي بكر آراؤه وسياسته وفقهه - ولعمر كذلك - ولابن مسعود - ولابن عباس أيضا، مما لا يتسع المجال لتفصيله.
وإذا فالحديث الضعيف ليس سببا في اختلاف الأئمة المتأخرين عن عهد الرسول (.
وكان من تعليق الأستاذ الطنطاوي على قولي: إن حديث الرسول ﵊ جاء تكميلا وتفصيلا للقرآن الكريم، وأمرنا في القرآن نفسه بإطاعته في قوله ﵎: (من يطع الرسول فقد أطاع الله.. ومن تولّى فما أرسلناك عليهم حفيظا) (٦٥) .
وفي قوله سبحانه (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (٦٦) .
قال الأستاذ الطنطاوي: هذه - أي الآية الأخيرة - نزلت في تقسيم الفيء.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
فقلت: إن العبرة في فقه القرآن، وتطبيق أحكامه ومواعظه، بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما يقول علماء الأصول، ورويت حديث عبد الله بن مسعود، الذي رواه علقمة قال: (لعن عبد الله - أى ابن مسعود - الواشمات - والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن، المغيّرات خلق الله، فقالت أم يعقوب ما هذا؟ قال عبد الله: ما لي لا ألعن من لعن رسول الله وفي كتاب الله قالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته! قال: والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه: (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)
وهكذا استدل ابن مسعود بالآية على عموم حكمها، باتباع الرسول فيما ينهى وفيما أمر، وكثير من آيات القرآن على عموم حكمها، باتباع الرسول فيما ينهى وفيما يأمر، وكثير من آيات القرآن نزلت في حوادث خاصة، سحب الفقهاء حكمها على القضايا الأخرى.
ثم إن السنة النبوية - قولا وفعلا وإقرارًا - مذكورة في القرآن باسم (الحكمة) في قوله ﵎: (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) (٦٧) وقوله ﷿: (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيما) (٦٨) .
وقال ابن كثير: (يعني القرآن والسنة) كما قاله الحسن وقتادة ومقاتل بن حيان وأبو مالك والزمخشري في الكشاف والشافعي في (الرسالة) وابن رشد في مقدمته المدونة للإمام مالك) (٦٩) .
فهذا الدرس يشتمل على قضيتين، تتصلان بالسنة النبوية المطهرة، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهما:
١ - تدوين الحديث.
٢ - حكم الحديث الضعيف.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
وجل الدروس تتناول الأحاديث النبوية بالتحليل والشرح والاستنباط، لاستقاء الأحكام والقيم، التي يجب أن تحتذى، ولا تعرج على ذكر سيرة الرسول (، من مولده ومبعثه وهجرته وغزواته، وما اعترى حياته من معوّقات ومكابدة ومجاهدة، وما عاشه من نصر وتمكين في سبيل نشر الدعوة، وما بيّنه لأصحابه من عظات ومواقف إلى وفاته (، كما قد يوحي عنوان الكتاب، ولعل عذر المؤلف في أن مدرسة النبوّة تشتمل كل ذلك، ولكننا نؤثر العنوان المحدد لمؤلف مثل الأستاذ جمال، متعدد القدرات، ومتنوع المواهب، في التأليف في شتى ضروب المعرفة الدينية، من تفسير وحديث، كأن يكون عنوان كتابه في ظلال الأحاديث، أو دروس من الحديث، خاصة وأن مدرسة النبوة شاملة،بل إن السنة تشتمل ما ورد عنه (من قول أو فعل أو تقرير.
والتعدد في القدرات، والتنوع في المؤلفات، لدى الأستاذ أحمد جمال لا يقتصر على دائرة التناول الديني، فهو بحكم ارتباطه بالصحافة، والتزامه بالكتابة في عدد من الصحف والمجلات، تنوعت موضوعاته، وتعددت اهتماماته، ومن ثمرة ذلك، كتابه (الصحافة في نصف عمود) والذي يتناول في أحد موضوعاته (أدب أطفالنا كما ينبغي أن يكون) بقوله:
(الأستاذ طاهر زمخشري: الأديب.. والشاعر والإذاعي المعروف - وصديقي العزيز علىّ،الكريم عندي، قبل ذلك كله- ظفر بامتياز مجلة للأطفال باسم (الروضة) وقد أشارت (الندوة) الى هذا النبأ في حينه، وهو الآن بسبيل إصدارها قوية - جذابة، لائقة بأطفالنا.. فلذات أكبادنا التي تمشى على الأرض،كما يقول شاعر قديم.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
ومن حق الصديق الزمخشري على، وعلى كل كاتب في بلادنا يهتم بشئون التربية والتعليم والصحافة المدرسية أن يبذل له من ذات نفسه ما يجد من معارف وتجارب ومآخذ ومقترحات، تنفع الأستاذ الزمخشري في توجيه مجلته (الروضة) نحو الطريق السوية.. على منهاج مدروس مرسوم. ومن رأي - إن كان لي رأي يتقبّله الصديق الزمخشري- أن تمتاز (الروضة) السعودية بشخصية مستقلة تنم عن بيئتها، وتعرف بسماتها.
وأن يكتب ما ينشر فيها حول تقاليد أطفالنا في التربية والتعليم، بعد دراسة وتمحيص، بعيدا عن التقليد والمحاكاة: فلكل بيئة أعرافها وأحكامها.
وأن تراعي استعمال الألفاظ والتعابير الوطنية الخاصة بنا، فمن الملاحظ أن لغتنا -في الإذاعة والصحافة - بالنسبة لموضوعات الأسرة والأطفال - خليط من مصرية وسورية ولبنانية وفلسطينية وسعودية! مع الأسف الشديد.
وأن تحذر (الروضة) الدعوة - معبرة أو مصورة أو مقصوصة - إلى النظريات والأفكار التربوية الوافدة من الخارج قبل معرفة التجارب التي مرت بمن سبقنا إليها، والنتائج التي انتهوا عندها.
وأن لا يكتب في (الروضة) كل من هبّ ودبّ، من الذين ينقلون ويقتبسون الأفكار والآراء والنظريات مخدوعين ببريقها، جاهلين لمفاهيمها ومعطياتها، قاصدين - قبل كل شئ - أن تظهر أسماؤهم فوق مقالات تربوية وعلمية أو تحتها، وأن يشار إليهم بأوصاف المربين الكبار!
باختصار، على (الروضة) وهي تصدر في بلاد العروبة والإسلام أن تلتزم آداب العروبة والإسلام، ففيها المغنم والمغنى لأفضل تربية وأرفع تعليم للكبار والصغار على سواء) (٧٠) .
ومن أهم ما يلمحه الدارس لإنتاج أحمد جمال خارج دائرة الدراسات الدينية:
[ ٢ / ٤٧٧ ]
١ - أن نتاجه لم يخل من مسحه دينية واضحة، تقتاد الموضوعات الى مسار أخلاقي، وتحدها بسياج من القيم والمثل كي لا تحيد عن المنهج المرسوم،فهيمنة التوجه الديني ظاهرة وجلية على أدبه، ومجمل إنتاجه في المجالات الاجتماعية والفكرية، ولذلك يذهب عبد الله عبد الجبار، بعد أن صنّفه ضمن التيار الكلاسيكي الى أن: (احمد جمال في كتاباته الاجتماعية أيضا،كثيرا ما يؤكد آراءه بنصوص دينيه من الكتاب والسنة) (٧١) .
٢ - أن الأدب ظل إلى جانبه - وإن تخلّى عن الشعر - رافدًا ومعينا فمقالاته في الصحافة تنقسم إلى قسمين:
أ - مقالات دينية.
ب - مقالات في موضوعات شتى تهيمن عليها سمتان: القيم الدينية والنزعة الأدبية ومن يقرأ موضوعات كتابه (الصحافة في نصف عمود) يجد أن عنوان الفصل الأول (في المحيط الأدبي) ويجد بين عناوين الموضوعات (شقشقة هدرت ثم قرت) و(بين الشيوخ والشباب) و(أدب الحيوانات) (الغذاء الفكري أم الغذاء الصحي) و(شهوة الكلام كشهوة الطعام) و(لماذا لا يكون لنا مجمع لغوي) و(هؤلاء إن لم يكونوا أدباء فماذا يكونون) و(المؤتمر الأدبي في موسم الحج) و(ماذا يقرأ شبابنا) و(ماذا نقرأ ولماذا نقرأ) و(نصيحة للأدباء الشباب) و(زيدان أديب غير مفهوم) و(تراجم الأدباء) و(المتاجرة بالأدب) و(عندما يكون العالم أديبا) و(إحياء سوق عكاظ) و(المطلوب من الصحافة العربية) و(هل الأدب سخرية وضحك على الذقون) و(الشاعر المجهول) و(أدباؤنا يجب أن يشاركوا في هذا المجال) و(حول السرقات الأدبية) و(الذين يستحقون التكريم) و(أسوة حسنة للأندية الأدبية)
[ ٢ / ٤٧٨ ]
وكل هذه الموضوعات ذوات صبغة أدبية، وتفصح عن اهتمام أدبي ظل كامنا في نفس الأستاذ أحمد جمال يطل برأسه بين آونة وأخرى، ليس من خلال الموضوعات الأدبية التي تطرق إليها في الصحافة فحسب، بل من خلال دراساته الأدبية والاجتماعية أيضا، فهو حينما يتناول قضايا الشباب ومشكلاته من خلال كتيبه (من أجل الشباب) يأبى إلا أن يكون المدخل متصلا بالأدب من خلال بوابة اللغة، للإفصاح عن شدة اهتمامه باللغة والأدب، حيث يتحدث عن الشباب في اللغة بقوله:
(إذا طالعنا المعاجم العربية نجد حديثها عن الشباب على النحو التالي:
الشباب هو الفتاء والحداثة - واصله من شبّ النار إذا أوقدها، فتلألأت ضياءً ونورًا. ويقال: شب الجواد إذا رفع يديه معا إلى أعلى. فالشباب -إذن - يعني الطموح والارتفاع والتحفز.
الناشئ: هو من بلغ العاشرة أو جاوزها قليلًا. والمراهق من كاد يبلغ الحلم أو بلغه والشباب بين الثلاثين والأربعين.
الكاعب " هي التي برز ثدياها والناهد: إذا زاد بروزهما. والنصف: هي التي بين الشباب والكهولة) (٧٢) .
وينبني على ذلك أن الأديب لم يتوار داخل شخصية أحمد جمال، فلقد ظل كامنا يعمل في صمت، فهو وإن لم يستطع أن يتوازى، ويسير جنبا إلى جنب مع شخصية المفكر الإسلامي، المهتم بالتفسير والمباحث الفقهية وقضايا المجتمع المسلم وأحوال الأقليات الإسلامية والتركيز على تناول شخصية الفرد المسلم ودارسة أحوال المجتمع الإسلامي، فإنه لم يختف بالكلية، بل ظل في كل تلك الدراسات وسواها، المؤازر والمعين الذي يمد المفكر أحمد جمال بلغته ومفرداته وأسلوبه، بل ربما بمادته، حين يسعفه التداعي في استحضار الموروث الأدبي، وأحمد جمال نفسه يأخذ بيدنا للوصول إلى هذه النتيجة وحلّ هذه الإشكالية، حينما يقول:
[ ٢ / ٤٧٩ ]
(ما زال هناك - بيننا- من يظن (الأديب) هو الذي يكتب القصة العاطفية، أو ينظم القصيدة الغزلية، أو هو الذي يمارس الكتابة على مبدأ (الفن للفن) ولا أريد أن أعيد ما كتبته ردًا على الأستاذ الأنصاري في الأدب أو ما قلته من قبل عن (الالتزام) التزام الأديب بشؤون بيئته، وانفعاله بالحياة حوله، ومشاركة الاحياء في مجتمعه، في آلامهم وآمالهم، بالمعالجة والإصلاح.
وإنما قرأت - أخيرًا نبأ أتأيّد به في وجهة نظري عن الأدب والأديب، وهو أن العالم الأزهري الشيخ أحمد الشرباصي - وهو خطيب أديب - وضع رسالته لنيل الدكتوراة عن رشيد رضا وأثره في الأدب واللغة العربية تحدث فيها عن السيد رشيد رضا - ﵀ - كمفكر إسلامي ومفسر قرآني، ومشتغل بالحديث النبوي، وخطيب وشاعر، ومهتم بشؤون اللغة العربية. وقد نال الأستاذ الشرباصي شهادة الدكتوراه من الجامعة المصرية، بعد مناقشة هذه الرسالة بين يدي هيئة علمية أدبية من أساتذة الجامعة. والعبرة، أو موضع الاستدلال من النبأ، هو اعتبار الشيخ رشيد رضا المعروف كمفسر للقرآن الكريم: أديبًا كبيرًا له (أثر في الأدب واللغة العربية) وأن تعطي شهادة الدكتوراة لمقدم الرسالة، على أساس صدق دعواه وتدليله عليها بما لا يقبل الجدل أو الرفض.
فماذا يري الحاصرون (للأديب) في نطاق العاطفة الفنية أو الفن العاطفي (٧٣) .
[ ٢ / ٤٨٠ ]
وإذا كان هذا الرأي يمثل الجانب التنظيري في القضية، فإن الجانب العملي والتطبيقي يتجسد في نزوع أحمد جمال نحو إصدار كتاب (أدب وأدباء)، ليدلّل بأسلوب عملي على أن جذوة الأدب في دخيلته لم تخب، وأن اهتمامه الأدبي لا زال متأججا في دخيلته، لم تطفئه بقية الاهتمامات، وإنما ظل مستعرًا، ليمدها بطاقة الاستمرار، وروافد العطاء، من أفكار وأسلوب يخيم فوقهما الوضوح بدرجة لا تقبل التأويل، ولا تنطوي على التواء ومواربة، يلجأ معها الدارس إلى الاستنباط وكدّ الذهن في الوصول إلى مضامينه، وترهقه في الكشف عما يتوارى خلف السطور، بل تريح الدارس بتقديم الفكرة واضحة، والرأي جليا، والكلمة نقية من الالتباس والتضاد.
ولذلك فعوز الدارس لإنتاج أحمد جمال إلى الاستشهاد بأقواله وآرائه، يفوق الاعتماد على الاستنباط والتأويل.
وولوج أحمد جمال عالم الفكر جعل عبارته الأدبية في تناوله لقضايا الأدب، تتساوق مع التوجه الفكري، بتجانسها مع الوضوح والمباشرة في الوصول إلى الفكرة، شأن كل من يتصدى للقضايا الإسلامية، ونأى بعبارته عن ظلال الأدب، بما تنطوي عليه أساليبه من محسّنات، أو غموض، أو اهتمام لفظي، تتوارى المعاني عن البروز بوضوح بين ثناياه، أو تستوجب إعمال الفكر للوصول إلى المرامي والمعاني، لغموضها أو لصعوبة الوصول إليها إلا بالتحليل والاستنباط.
وللوقوف على هذا الملمح من خصائص أدب احمد جمال نلتمسه في كتابه أدب
وأدباء، وهو يتناول فكرة تهمّ هذا البحث، حينما يرد على تساؤل أحد أقرانه من الأدباء، بتساؤل آخر هو (هل يبدأ الأديب شاعرًا؟) ويجيب:
[ ٢ / ٤٨١ ]
(إن الأديب في الأعم الأغلب يبدأ شاعرًا، لا أن الأديب ينبغي أن يكون شاعرًا، أو إلا فما هو بأديب، ودليلي على رأي هو أن كثيرًا من أدبائنا السعوديين بدأوا شعراء ثم اشتغلوا بالنثر، وانصرفوا عن الشعر وفي مقدمتهم الأساتذة عبد الله عريف، ومحمد عمر توفيق، وعلى حافظ ومحمد على مغربي والساسي والزواوي والرفاعي وغيرهم، ممن لا تحضرني أسماؤهم الآن.
وكذلك شأن الأدباء العرب أيضًا، كالعقاد والمازني وزكي مبارك وأمثالهم، فقد بدأوا شعراء، ثم انصرفوا عن الشعر إلى النثر.
وعلة ذلك ازدحام الحياة بأسباب هذا الانصراف عن نظم القوافي وتصيّد كلمات القافية الواحدة، ومراقبة الوزن.. بما يشبه المخاض!
إن ازدحام الحياة بالمشكلات والمطالب الحيوية للمجتمعات أرغم هؤلاء الأدباء على الاندفاع في تيارها، والاشتراك في معالجة شؤونها - بالأسلوب السهل الميسر- وأعني به النثر.
وبالمناسبة كنت قد أصدرت مجموعة أشعاري في عام ١٣٦٦هـ باسم (الطلائع)، على أمل أنه الجزء الأول، وأني اتبعه بأجزاء أخرى، فإذا به رغمًا عني يكون (الخواتيم)، فلم أعد أطيق الانحباس لنظم بيت واحد من الشعر (٧٤)؟
الموازنة والنتائج:
وهذه الشواهد تؤكد أن الأستاذ أحمد جمال يتبوأ منزلة وسطى، بين من انتقلوا من ساحل الشعر إلى ساحل الفكر الإسلامي، أو من دوحة الشعر الى خندق الفكر الإسلامي، وتحديدًا بين الأستاذ سيد قطب والأستاذ مصطفي صادق الرافعي ليس على سبيل المفاضلة في المكانة والقيمة الأدبية والعلمية، وإنّما في تنوع موضوعات التأليف، ونصوص التناول الفكري.
فإذا كان الأستاذ سيد قطب بارح عالم الشعر إلى ساحة الدراسات البيانية للقرآن، كما في (التصوير الفني للقرآن) و(مشاهد القيامة في القرآن)، أو في تفسيره المشهور (في ظلال القرآن) .
[ ٢ / ٤٨٢ ]
والأستاذ مصطفي صادق الرافعي غادر عالم الشعر إلى توجهين متباينين، هما رومانسيته كما في (السحاب الأحمر) و(أوراق الورد)، وصرامته في الدفاع عن الإسلام، كما في رده على الدكتور طه حسين في (تحت راية القرآن)، فإن ساحة التناول عند أحمد جمال امتدت بامتداد المسافة بين الشعر والفكر، وتعددت موضوعاته بين فكرية وتربوية واقتصادية وأدبية، إضافة الى الركيزة الأساسية التي أوى الى ركنها الثابت، وحصنها المستقر، وهي التفسير والدراسات القرآنية والفقهية والسنة وشئون الدعوة والأقلياّت الإسلامية، وما يرتبط بهذه الموضوعات.
ولذلك فقد احتذى الوسطية في توجهه الأسلوبي، أو لنقل إن المناخ العام قد هيمن على تشكيل وبلورة توجهه الأسلوبي وفقا للموضوعات والطروحات التي يناقشها، ويخوض غمارها.
ونخلص من ذلك، الى أن المسافة بين الشعر والفكر تقاس بوحدتي اللفظ والخيال، إذ أن العقل هو ذات العقل القادر على الخلق والتوليد، كما يري تشومسكي في نظريته عن خواص اللغة: (الخاصية العامة الثانية للّغة الإنسانية التي سنتحدث عنها هنا هي طابعها الإبداعي (أو لا محدوديتها)، ويقصد بذلك مقدرة جميع الناطقين بلغة ما على تكوين عدد ضخم غير محدود من الجمل، أو فهمه، دون أن يكون قد سبق لهم أن سمعوا بها من قبل، بل ربما لم يسبق أن تحدث بها أحد) (٧٥) .
إلا أن مجال الشعر يستدعي الخلق والتوليد، والابتكار اللفظي والخيالي، فاللفظ هو الحد الفاصل بين الخطاب النثري والخطاب الشعري، كما تبيّن لنا فيما سبق، كما أن الخيال هو أداة التحليق من عالم الواقع المعاش، إلى آفاق التجنيح الشعري، دون أن نغفل أن المناخ الشعري نفسه، المتمثل في الانكباب على قراءة نماذجه وإبداعاته، هو البيئة المؤازرة على الإخصاب والتوالد والتنامي.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
ويبدو أن الشاعر في قرارة الأستاذ أحمد جمال كان طموحا وتواقا للاستمرار من خلال إطلاق اسم الطلائع على ديوانه الأول، على أنه جزء من شعره سيتبعه بأجزاء أخر كما ذكر، ولكن الشاعر أخفق في ذلك.
ثم أبى أن يستسلم ويستقر ويركن إلى الدعة كما شاء له، فأخذ يطلّ ويشرئب من موضع تواريه، فبدا على غلاف أحد أعمال الأستاذ أحمد جمال الفكرية، في صورة عنوان استقطع من جزء من بيت وهو (مكانك تحمدي) إلا أن المفكر في نفس الذات أقسره على التواري والانزواء الى أن قبض الأستاذ أحمد جمال ﵀ وهو كما علّل ذلك فيما سبق ب (ازدحام الحياة بالمشكلات والمطالب الحيوية للمجتمعات) (٧٦) .
ولذلك فإن عزوف الأستاذ احمد جمال عن قراءة الشعر - كما يبدو - ونظمه، وانصرافه بالكلية الى القضايا الفكرية من دينية واجتماعية أفضى الى انتقاله من ظلال اللفظ المتلون الى وهج الحقيقة الساطع فأضحى مفكرًا بعد أن كان شاعرًا.
الهوامش والتعليقات
الأديب المكي أحمد محمد جمال، محمد علي الجفري ص ٥٧.
السابق ص ٣٢.
السابق ص ٤٢ وعبث الوليد هو شرح مختصر لأبي العلاء المعري على ديوان البحتري سنذكره في ثبت المصادر والمراجع.
الأديب المكي ص ٤٢.
السابق ص ٥٢.
أفردت الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطىء فصلًا من كتابها (الغفران) لدراسة الغفران بين آثار أبي العلاء فعقدت لها موازنة مع رسالة الملائكة ومع ديوانه اللزوميات ومع كتابه الفصول والغايات ص ٢٦١- ٢٧١.
أصدر الأستاذ محمد حسن عواد (خواطر مصرحة) عام ١٣٤٥هـ وتحدث الدكتور عمر الطيب الساسي عن الكتاب وترجم لمؤلفه في كتابه (الموجز في تاريخ الأديب السعودي) ص ٦٦.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
العطار هو أول من أقدم على جمع شعره ونشره في ديوان مستقل في سنة ١٣٦٥هـ ١٩٤٦م من بين أقرانه ومن سبقوه من الرُّواد في الأدب السعودي الحديث وقد كتب مقدمة ديوان (الهوى والشباب) الدكتور طه حسين (﵀) وأثنى عليه وتنبأ له بمستقبل زاهر في الشعر ولكن العطار لم يواصل سيره في نظم الشعر، رغم أصالته المبكرة فيه لأن العلم صرفه عنه. الموجز في الأدب السعودي ص ١٨٧ وترجمة العطار ص ١٨٤ من الموجز. ولقد درس الدكتور عمر الساسي ظاهرة استهلال العواد حياته بالتأليف والعطار حياته بالشعر في بحثه المخطوط والمجاز للنشر من مجلة جامعة أم القرى بعنوان (ظاهرة التطور العكسي بعد اكتشاف الذات والقدرات الفعلية) .
طبع بدار الكتاب العربي بمصر بدون تاريخ وذكر الناشر في مقدمته أن (صاحب الطلائع ليس غريبًا عن قراء الأدب العربي في مد أقطارهم جميعًا فهم قد قرأوا الكثير من شعره ونثره في كبريات المجلات والجرائد في مصر والشام والعراق: الثقافة، الصباح، الساعة ١٢، الرابطة الإسلامية، الكتاب، الإخوان المسلمون، الشرق الجديد، الجمهور ببيروت، العرفان بصيدا، الرحاب ببغداد..الخ. وفي جرائد ومجلات الحجاز: أم القرى، صوت الحجاز، جريدة المدينة المنور، المنهل، تارة باسمه الصريح وتارات برمزيه المعروفين (ابن محمد) و(الفتى المعهدي) وأرّخ الناشر لمقدمته بصفر ١٣٦٦هـ وجاء في الصفحة الأولى من (وداعًا أيها الشعر) أن تاريخ الطبعة الأولى ١٣٦٦هـ والطبعة الثانية سنة ١٣٩٧هـ وقد ذكر الأستاذ أحمد جمال ذلك ونصّ عليه في كتابه أدب وأدباء ص ١٢٢.
ص ٦.
الطلائع ص ٩٧-٩٨.
السابق ص ٧٤.
السابق ص ٧٤.
London، ١٩٨٤-P٢٣٥.
الطلائع ص ٣٩.
الأدب وفنونه ص ١٢.
الأدب وفنونه ص ١٣٠-١٣١.
نقد الشعر في القرن الرابع الهجري ص ٢٩٢.
عيار الشعر ص ٢٩.
الصورة الأدبية ص ٢٣٩.
الأسس الجمالية في النقد العربي ٣٥٠.
ص ٦٣.
مفهوم الشعر ص ٣٢٧-٣٢٨.
جمهورية افلاطون ص ٦٦.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
لم نكترث لتوثيق هذا الأمر على أن الاهتمام الأدبي المشترك كرّس الصلة بين الرافعي ومي فهو يخاطبها في إحدى رسائله قائلًا: سيدتي الآنسة النابغة..
لو أن فصل الكلام عندنا أمّا قبل بدلًا من أمّا بعد لحسن ذلك عندي إذ أشير بها إلى هنية كانت في قصرها كحياة الزهر، وفي منفعتها كزاد الدهر، وأي بليغ يراك ولا يعرف منك فنًا جديدًا في حسن معانيه وبيانه، ويعرفك ولا يرى فيك أبدع البديع في ما يعانيه من افتتانه.
لله الحمد أن جعلنا أن نتلقى الماء ولم يجشمنا أن نصعد من أجله إلى السماء، ولك الفضل إذ قبلت وصفك على قدر ما يخط بالحبر لا ما يخط بالدماء.
قدمت مع البريد شيئًا من كتبي ولاريب أنها قد رأت في كتابي إياها معنى من النقص فاليوم يسرني أن أهديها إليك لتستمتع من نظرك إليها بمعنى الكمال.
وحفظك الله للفضل والأدب وللمعجب بك.
مصطفى صادق الرافعي
مي زيادة وأعلام عصرها رسائل مخطوطة لم تنشر ص ٢١٠.
وينظر في ذلك كتاب (في صالون العقاد كانت لنا أيام) ص ١٣١ وكتاب أحمد جمال نفسه أدب وأدباء ص ٨٢-٨٣.
من الشعر الحديث ص ١٢٥-١٢٦.
ص ٢٧-٢٩.
مقدمة في أصول الشعر العربي ص ٥.
تحت راية القرآن ص ٩٧.
السابق ص ٥.
من الشعر الحديث ص ٢٢٩-٢٣٠.
التصوير الفني في القرآن ص ٥٠-٥٢.
الحماسة البصرية ١/٣.
ص ٤٤.
من الآية ١٩ من سورة النساء.
اسمها قبل أن تُسلّم: مارجريت ماركوس المؤلف ص ٤٩.
ص ٤٧-٥٠.
ص ٩٦ والاستشهاد مأخوذ من كتاب الدكتور البوطي (تجربة التربية الإسلامية) كما ذكر المؤلف دون تحديد الصفحة.
الآية ٥٨ من سورة النور.
ص ٨٤-٨٥.
ص ١٣-١٥ ويحسن أن نلاحظ أن المؤلف لم يحدد تاريخ نشر مقالتي الأستاذ علي الطنطاوي والتي اكتفى بالإشارة الى أنها نشرت منذ عام أو يزيد ومقالة الأستاذ تقي الدين خليل التي أشار الى أنها نشرت منذ شهرين إلا قليلًا على أن تاريخ الطبعة الأولى للكتاب سنة ١٣٦٤هـ - ١٩٤٥م وكتبت مقدمة الطبعة الأولى في ١/٩/١٣٦٤هـ.
ص ٥--٧.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
ص ١٣-١٥.
صدرت الطبعة الرابعة من كتاب (على مائدة القرآن دين ودولة) سنة ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م) .
مأدبة الله في الأرض المقدمة ٢٣-٢٤.
ص ٩-١٠.
ص ٥٧-٥٨.
الآية ٥٣ من سورة فصلت.
ص ٩١-٩٢.
١/٥-٦.
السابق ١/٧٩.
الآية ٤٩ ص سورة الدخان.
الآية ٦٠ من سورة غافر.
الآية ١٧٨ من سورة آل عمران.
الآيات ٤٣-٤٩ من سورة الدخان.
القرآن الكريم كتاب أحكمت آياته ١/٩٨ - ٩٩.
السابق ١/٦ - ٧.
التيارات الأدبية الحديثة في قلب الجزيرة العربية، النثر: فن المقالة ص ٦٧.
ص ١٥٨-١٥٩.
هامش المقدمة ص ١١.
نفسه.
الآية ١٢٠ من سورة هود
العناية بتفسير آي القرآن الكريم ضمن كتاب أحمد جمال الداعية - المفسر - الأديب ص ١٤٠ - ١٤١.
القصص الرمزي في القرآن ص ٧٤-٧٨.
الآية ٨٠ من سورة النساء.
من الآية ٧ من سورة الحشر.
الآية ١٦٤ من سورة آل عمران.
الآية ١١٣ من سورة النساء.
ص ٢٠-٢٥.
ص ٨٧-٨٨.
التيارات الأدبية الحديثة في قلب الجزيرة العربية، النثر، فن المقالة ص ٦٧.
ص ١٥.
الصحافة في نصف عمود ص ٥٤.
ص ١٢١-١٢٢.
كتاب (نعوم تشومسكى) ص١٦.
أدب وأدباء ص ١٢٢.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم
إبراهيم العريض:
- من الشعر الحديث، ط ١، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٥٨.
أحمد بن سليمان التنوخي (أبو العلاء المعري) .
- رسالة الصاهل والشاحج، تحقيق د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطىء)، دار المعارف بمصر، ١٩٧٥م.
- رسالة الغفران، تحقيق الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطىء)، ط ٥، دار المعارف بمصر، ١٩٦٩.
- رسالة الملائكة، المكتب التجاري للطباعة والتوزيع والنشر، بيروت، بدون تاريخ.
- سقط الزند: شرح الدكتور ن رضا، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، ١٩٦٥م.
- عبث الوليد، ط ٨، نشر أسعد الطرابزوني الحسيني، مكتبة النهضة المصرية دون تاريخ.
- الفصول والغايات: تحقيق محمد حسن زناتي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٧م.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
- اللزوميات: تحقيق أمين عبد العزيز الخانجي، مكتبة الخانجي، القاهرة، دون تاريخ.
أحمد جمال:
- أدب وأدباء، ط ١، دار الثقافة، مكة المكرمة، ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م
- تعليم البنات بين ظاهر الحاضر ومخاطر المستقبل:، ط١، نادي الطائف الأدبي، ١٤٠٩هـ - ١٩٨٨م.
- خطوات على طريق الدعوة، سلسلة دعوة الحق، رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م.
- دين ودولة، ط٤، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م.
- الصحافة في نصف عمود، ط١، دار الثقافة، مكة المكرمة، ١٤١٢هـ - ١٩٩١م
- الطلائع (ديوان)، دار الكتاب العربي، مصر، ١٩٦٦م.
- في مدرسة النبوة، ط١، نادي مكة الثقافي الأدبي، ١٤١٤هـ.
- القرآن الكريم كتاب أحكمت آياته، ط٤، دار إحياء العلوم، بيروت، ١٤١٢هـ - ١٩٩١م.
- القصص الرمزي في القرآن، ط٤، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥.
- قضايا معاصرة في محكمة الفكر الإسلامي، ط٢، دار الصحوة، القاهرة، ١٤٠٧هـ - ١٩٨٦م.
- مأدبة الله في الأرض، ط٢، دار إحياء العلوم، بيروت، ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م.
- ماذا في الحجاز، ط٢، دار الثقافة، مكة المكرمة، ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م.
- المسلمون حديث ذون شجون، سلسلة دعوة الحق، رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، ١٤١١هـ - ١٩٩١م.
- مكانك تحمدي، ط٥، دار إحياء العلوم، بيروت، ١٤٠٦هـ.
- من، أجل الشباب، ط٣، دار الرفاعي، الرياض، ١٤٠٨هـ.
- نحو تربية إسلامية، ط٣، دار إحياء العلوم، بيروت، ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م.
- وداعًا أيها الشعر، ط٢، نادي مكة الثقافي، ١٣٩٧هـ
- يسألونك، ط١، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م.
افلاطون:
- الجمهورية تحقيق حنا خباز، ط١، دار القلم، بيروت، ١٩٦٩م.
أنيس منصور:
- في صالون العقاد كانت لنا أيام، ط١، دار الشروق، بيروت - القاهرة، ١٤٠٣هـ ١٩٨٣م.
البصري:
- الحماسة البصرية، عالم الكتب، بيروت ١٣٨٣هـ - ١٩٦٣م.
جابر عصفور (الدكتور):
[ ٢ / ٤٨٨ ]
- مفهوم الشعر، مطبعة دار نشر الثقافة بالفجالة، نشر دار الإصلاح بالدمام دون تاريخ.
جون ليونز:
- نعوم تشومسكى ترجمة د. بابكر عمر عبد الماجد، المعهد الإسلامي للترجمة، منظمة المؤتمر الإسلامي الخرطوم ١٩٩٧م.
حازم القرطاجني (ابو الحسن):
- منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، ط٢، دا رالغرب الإسلامي، بيروت ١٩٨١م.
د. س مرجليوث:
- أصول الشعر العربي، ط١، مؤسسة الرسالة، ١٣٩٨هـ - ١٩٧٨م.
سلمى الحفار الكزبري:
- مي زيادة وأعلام عصرها، رسائل مخطوطة لم تنشر، جمع وتقديم وتحقيق ط١، مؤسسة نوفل، بيروت ١٩٨٢م.
سيد قطب:
- التصوير الفني في القرآن، دار المعارف بمصر ١٣٨٦هـ - ١٩٦٣م.
عائشة عبد الرحمن الدكتور (بنت الشاطىء):
- الغفران، ط٣، دار المعارف بمصر ١٩٦٨م.
عبد الله عبد الجبار:
- التيارات الأدبية الحديثة في قلب الجزيرة العربية، قسم النثر، مطبوع على الآلة، محاضرات ألقيت على طلبة معهد الدراسات العربية العالية بجامعة الدول العربية ١٩٥٩م - ١٩٦٠م.
عز الدين إسماعيل:
- الأدب وفنونه، ط٧، دار الفكر العربي بمصر ١٩٧٨م.
- الأسس الجمالية في النقد العربي عرض وتفسير ومقارنة، دار الفكر العربي - بيروت بدون تاريخ.
عمر الطيب الساسي (الدكتور):
- ظاهرة التطور العكسي بعد اكتشاف الذات والقدرات الفعلية، بحث مجاز للنشر في مجلة جامعة أم القرى وحصلت عليه بإهداء شخصي من أستاذنا الباحث.
- الموجز في تاريخ الأدب العربي السعودي، ط١، تهامة، جدة، ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦م.
قاسم مومنى (الدكتور):
- نقد الشعر في القرن الرابع الهجري، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة ١٩٨٢م.
محسن باروم (السيد) وآخرون:
- أحمد محمد جمال ﵀ الداعية - المفسر - الأديب، سلسلة دعوة الحق ١٤٤ - رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، ذو الحجة ١٤١٤هـ.
محمد أحمد بن طباطبا العلوي:
[ ٢ / ٤٨٩ ]
- عيار الشعر، تحقيق د. محمد زغلول سلام، منشأة المعارف، الإسكندرية، ١٩٨٠م.
محمد علي حسن الجفري:
- الأديب المكي، مؤسسة عكاظ، جدة، ١٤١٥هـ.
محمد مندور (الدكتور):
- الأدب وفنونه، ط٢، دار نهضة مصر.
مصطفى صادق الرافعي:
- تحت راية القرآن، ط٦، مطبقة الاستقامة، القاهرة، ١٣٨٥هـ - ١٩٦٦م.
- السحاب الأحمر، تحقيق محمد سعيد العريان، ط٧، المكتبة التجارية بمصر، ١٩٨٥م.
- وحي القلم، دار الكتاب العربي، بيروت، بدون تاريخ.
مصطفى ناصف (الدكتور):
- الصورة الأدبية، ط٢، دار الأندلس، بيروت ١٤٠١هـ - ١٩٨١م.
المراجع الأجنبية
- EMPSON، WILLIAM - SEVEN TYPES OF AMBIGUITY،
THE HOGARTH PRESS،
LONDON، ١٩٨٤.
[ ٢ / ٤٩٠ ]