في الشعر الجاهلي
د. عبد الله خلف العسَّاف
الأستاذ المساعد بقسم الدراسات الإسلامية والعربية -
جامعة الملك فهد للبترول والمعادن
ملخص البحث
لقد عكس الشعر الجاهلي مجموعة من القيم الجمالية التي من أبرزها: الجميل والقبيح والتراجيدي والجليل ٠ وعبّر عن هذه القيم من خلال نظام بنائي جمالي مميّز انسجم وطبيعة تلك القيم ٠
وقد بُني احتفاء الشعر الجاهلي بالتراجيدي عبر حالتين ٠ تتمثّل الأولى بتجسيده الدائم لموت " الجميل " وما يخلّفه من مآسٍ متنوعة برزت في موقف الطلل، وموقفي الرحيل والاغتراب ٠ وتتمثّل الثانية بتجسيد الشعر الجاهلي لخيبات الأمل التي كانت تنتاب الشاعر بسبب التناقض بين واقعه وبين " المَثَل الأعلى " الذي يطمح إليه ٠ وكانت - دائمًا - القبيلةُ بأنظمتها الصارمة تقف سدًّا قاسيًا بين حلم الشاعر، ووسائل تحقيقه. وكان لشعر الصعاليك الدور الأكبر في تجسيد هذه الحالة، ممّا يدفعنا إلى اعتباره " الظاهرة التراجيدية " الأولى في الشعر الجاهلي بلا منازع ٠
• • •
هدف البحث:
يشكل هذا البحث منظومة من أربعة أبحاث أخرى تتكامل معًا لترسم صورة لأصول نشوء "المُثُل الجمالية " في الشعر العربي، وبخاصّة " عمود الشعر " الذي نشأ في العصر الجاهلي، وغدا فيما بعد، " مثَلًا جماليًا " للشعر العربي في العصور اللاحقة حتى العصر الحديث، مدعومًا بالوعي الجمالي التقليدي ٠
مقدمة البحث:
التراجيديا، كما أكّد " أرسطو "، هي كلُّ ما يثير فينا الشفقة والحزن ٠ وقد اعتبر، حينها، أن المسرحية التراجيدية تشكّل ضرورة هامة للناس؛ لأنها تطهّر الكاتب حين يبدعها، والمتلقي حين يشاهدها، أو يتلقاها بصيغة معينة، وبخاصة إذا تقاطعت مع جوانب من مشكلاته المكبوتة ٠
[ ٧ / ٤١١ ]
و" التراجيدي " مصطلح جمالي مبنيّ - من حيث المفهوم المجرّد - على كلّ ما له علاقة بالمأساة ٠ ويقابله المأساوي، أو المأسوي ٠ وهو يشكّل، بعد تحوّله من المفهوم إلى القيمة، أحدَ الموضوعات الأثيرية التي تستهوي المبدعين ٠ لذلك فالتراجيدي يُعَدُّ من أبرز مظاهر الإبداع الأساسية إلى جانب الجميل والقبيح والكوميدي والجليل ٠
وللحضور التراجيدي المميّز في العمل الفني أسباب كثيرة، أبرزها اثنان: يتمثّل الأول في موت الجميل الذي يولِّد، غالبًا، شعورًا مأساويًّا بمستوى معيّن لدى المبدع الذي يجسّده في عمله الفني تعبيرًا أو تصويرًا ٠ ويتمثّل السبب الثاني في عدم الانسجام بين " المَثَل الأعلى " الذي يرغب الإنسان في تحقيقه، وبين محيطه الاجتماعي والثقافي ٠ أي الشعور الذي يتولّد لدى المبدع حين تُقيّدُ طموحاته، وآماله لأسباب معينة، أو تنكسر ٠ وهذا يولّد غالبًا إحساسًا عميقًا بالحزن، أو بخيبة الأمل ٠
لذلك فالتراجيدي، في الفن، قيمة جمالية تعني التعبير عن المأساة بسبب انعكاس حدث معيّن على المبدع يُجسّده عادة عبر الصورة الفنية، أو بوسائل أخرى ٠
و" علم الجمال " يتناول التراجيدي بوصفه مفهومًا جماليًا حُوِّل إلى قيمة في العمل الإبداعي ٠ وهو لذلك يدرس التراجيدي في الفن عبر مستويين:
أ -: قيمة التراجيدي التي تحوّلت من الفكرة المجرّدة إلى الإحساس الذاتي المصاغ صياغة فنية، وملامحها، وعلاقتها بالقيم الأخرى من حيث المساحة والمجاورة والبنية ونمط التفاعل ٠
ب -: الشكل الفني الذي جسّد المبدعُ موضوعَه فيه، ومدى انعكاس المحتوى التراجيدي وتغلغله ضمن هذا الشكل الفني عبر الموسيقى والإيقاع، والمفردة، والصورة الفنية، والمناخ ٠ فإذا حدث مثلُ هذا التعالق فغالبًا ما يكون المبدع موفّقًا ٠
والشعر الجاهلي أعطى مساحة واسعة للتراجيدي في نصوصه ٠ حتى لا يمكن لنا أن نقرأ هذا الشعر دون الاهتمام بهذا الجانب ٠
[ ٧ / ٤١٢ ]
إنّ الفراغ، والرحيل، والفراق والتنقل، وعدم الاستقرار، واتّساع الصحراء غير المحدود، والظلمة الموحشة، والخوف، والصدام بين بعض الشعراء، وأنظمة قبائلهم، كلّها أسباب أساسية كانت وراء الحضور العنيف للتراجيدي في الشعر الجاهلي ٠
ومن يقرأ هذا الشعر يحسُّ بنبرة حزن غالبًا ما تكون عاليةً يردّدها الشعراء في كلّ نصوصهم دون استثناء ٠ ويرافق تلك النبرة شعورٌ بالألم والقلق والوحدة وما إلى ذلك ٠ حتّى ليخيّل إليَّ أنّ الشاعر الجاهلي لو أراد أن يقدّم الفرح، فهو سيقدّمه عبر التراجيدي ٠
وسنفصّل - فيما يلي - بأبرز مظاهر التراجيدي في الشعر الجاهلي:
أوّلًا -: موقف الطّلل:
لقد كانت معظم القبائل العربية تعاني من نقص في المياه، والكلأ، لها، ولمواشيها بسبب طبيعة الجزيرة العربية الجافة آنذاك، ممّا يدفعها إلى أن تنتقل من مكان إلى آخر للبحث عنه في فصل الربيع غالبًا ٠ وكانوا يُطلقون على أماكن تجمّع المياه والعشب اسم " دارة " ٠ ويحدث أحيانًا أن تلتقي حول دارة من الدارات قبيلتان أو أكثر جاءتا من مكانين مختلفين في الجزيرة العربية، فيتمّ التعارف بين أفراد القبيلتين ٠ وهو لا يتجاوز علاقة الجوار التي ستنتهي بانتهاء فصل الربيع، لتعود كلّ قبيلة إلى موطنها ٠ وتشاء المصادفة، أحيانًا، أن تنشأ علاقة عاطفية بين شاعر من هذه القبيلة، وفتاة من القبيلة الأخرى، وتلك العلاقةُ تولِّدُ ذكريات جميلة، ترتبط بأشياء متنوعة في المكان؛ لكن " التنقّل وعدم الاستقرار "، وانتهاء فصل الربيع يجعل القبيلتين تعودان إلى ديارهما، ويُجهز على الّلحظات الجميلة بين الأحبة ٠
ويحدثُ، بعد سنوات، أن يتذكّر الشاعر تلك الّلحظات الجميلة التي مرّت به، فيربطها بكلِّ ما كان يجري في المكان ٠ إنّ تجسيد الشاعر لهذا الموقف بأشكال مختلفة هو الأساس في الوقوف على الأطلال في الشعر الجاهلي ٠
[ ٧ / ٤١٣ ]
وتجدر الإشارة هنا إلى أن " الماء " لم يكن السبب الوحيد في رحيل القبائل وتنقّلها من مكان إلى آخر، وإنما كان للحروب بين بعض القبائل، وما يمكن أن تخلّفه من ضحايا، الأثرُ الكبير في تغيير القبيلة لموطنها الأصلي.
لقد كان الشاعر يعود إلى الديار، على وجه الحقيقة أو الحلم، فلا يعرفها فيتكوّن لديه أوّلُ الشعور بالمأساة، وحين يتعرّف إليها بعد لأيٍّ، يكتشف أن الديار فارغة لا أحدَ فيها بعد أن كانت تنبض بالحركة والحياة والحب ٠ وهذا الأمر يُصَعِّدُ لديه الشعور التراجيدي الذي يتضخّم أكثر حين يتركُ الشاعرُ العنانَ لذكرياته التي تنقله إلى الزمان الجميل، البعيد، وما جرى فيه من لقاءات لا تُنسى ٠ثمّ يصحو من ذكرياته فيبلغ الشعور بالمأساة لديه ذروته ٠
ذلك كان هو المسار العام الذي اتبعه الشاعر الجاهلي للتعبير عن التراجيدي، وتشكيله في موقف الطّلل٠ ومّما كان يعمّق هذا الشعور التراجيدي أكثر هو الإحساسُ الشديد بالزمن؛ الماضي المزدهر، والحاضر الذي أقفر ٠
ومن استعراض لمطالع بعض النصوص الشعرية في العصر الجاهلي نجد أنّ " التراجيدي " هو أبرزُ ما يواجهنا فيها من حيث موقعه في أوّل كلِّ نصّ، ومن حيث تضخّم الشعور المأساوي فيه ٠
فامرؤ القيس يدعو إلى تعميم الشعور بالمأساة لعلَّ ذلك يخفّف عنه شدّة وقعها:
قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
بسقطِ الّلوى بين الدَّخول فحوملِ
فتوضح فالمقراةِ لم يعفُ رسمُها
لِمَا نسجَتْها من جنوبٍ وشمألِ
ترى بَعَرَ الأرآم في عَرَصاتها
وقيعانها كأنّه حبُّ فلفلِ (١)
والشاعر هنا يركّز بوضوح على التفاصيل الجزئيّة في المكان، ويربطها بغياب الأحبة الذين ملؤوا تلك التفاصيل، واليوم لا أحدَ فيها ٠
ويفصّل الحارث بن حلّزة أشياء المكان لأهميتها القصوى في بناء الموقف التراجيدي قائلًا:
فا لمحيّاة فا لصّفاحُ فأعنا
قُ فِتاقٍ فغاربٌ فالوفاءُ
فرياضُ القطا فأدويةُ الشُّرْ
[ ٧ / ٤١٤ ]
بُبِ، فا لشعبتانِ فا لأبلاءُ
لا أرى مَنْ عهدتُ فيها فأبكي ال
يومَ دلْهًا وماَ يُحيرً البكاءُ
وبعينيكَ أوقدتْ هندٌ النّا
ر َ أخيرا ً تُلوي بها العلياءُ
فتنوّرتَ نا رَها من بعيدٍ
بخُزارى، هيهاتَ منكَ الصِّلاءُ (١)
والشاعر، كما هو ملاحَظ بعد أن يُفصّل أشياء المكان، ينتقل إلى استثارة الشعور التراجيدي لدى المتلقي بعد أن يربط تلك التفاصيل بخلوّها من أهلها الذين كانوا يشغلونها ٠
ويترك النابغة التفصيل بأسماء الأمكنة ليفصّل بأشياء جزئية أخرى تتعلّق بالبيت، ربما كانت الحبيبة تستخدمها ٠ وهذه الأشياء تستثير لدى الشاعر شعورًا بالأسى والحزن، وبخاصة بعد أن يصحو من ذكرياته، ليكتشف أنّ كلّ شيء في المكان متروك ولا أحد فيه، أو حوله ٠ يقول:
يا دارَ ميَّةَ بالعلياء، فالسَّندِ
أقوتْ وطالَ عليها سالفُ الأبدِ
وقفتُ فيها أصيلانًا أسائلُها
عيَّتْ جوابًا وما بالربع من أحدِ
إ لاّ الأواريّ لأيًا ما أبيّنها
والنؤيُ كالحوض بالمظلومة الجَلدِ
أمستْ خلاءً وأمسى أهلهُا احتملوا
أخنى عليها الذي أخنى على لُبدِ (٢)
وممّا يزيد الأمر بؤسًا، ويجعل الشاعر أكثر شقاءً انطماس معالم الأمكنة، وصعوبة التعرف إليها ٠ ومن خلال مقارنة واضحة بين ما كان يجري في هذه الأمكنة، وبين قَفْرها الآن ينمو الشعور بخيبة الأمل، فيحسُّ أنّ الجميل ذهب، والأكثر من ذلك شعوره الأكيد بأنّ ذلك الجميل لن يعود أبدًا ٠
يقول عبيد بن الأبرص مؤكّدًا ذلك:
لمنِ الديارُ أقفرت بالجنابِ
غيرَ نُؤيٍ، ودمنةٍ كالكتابِ
غيّرتها الصَّبا ونَفْحُ جنوبٍ
وشمالٍ تذرو دُقاقَ الُّترابِ
أوحشتْ بعدَ ضُمَّرٍ كالسّعالي
من بناتِ الوجيهِ أو حَلاّبِ (٣)
ويدعم هذا الموقف طرفة بن العبد قائلًا:
لخولة أطلالٌ ببرقة ثهمدِ
تلوحُ كباقي الوشم في ظاهر اليد (٤)
[ ٧ / ٤١٥ ]
وكان بعض الشعراء يواجه صعوبات كثيرة في التعرّف إلى تلك الأماكن التي أضحت رسومًا ٠ وحين يجدها كان يقول لها كلامًا جميلًا، وكأنّه يعزّي نفسه بما جرى لها ٠ ولكن هذا لا ينفي عمقَ الشعور التراحيدي لديه بل يؤكّده ٠
فهذا عنترة ينادي أطلال عبلة، ويحيّيها مرّتين بعد أن أضناه تعبُ البحث عنها:
يا دارَ عبلةَ بالجواءِ تكلّمي
وعمي صباحًا دار عبلة واسلمي
فوقفتُ فيها ناقتي وكأنه
فدَنٌ، لأقضي حاجةَ المتلوّمِ
وتحلُّ عبلةُ بالجواء، وأهلنا
بالحزن، فالصمّان، فالمتثلّمِ
حُيّيتَ من طلل تقادمَ عهدُه
أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثمِ (١)
ويعود زهير بن أبي سُلمى إلى الديار بعد عشرين سنة، فيرصد لنا مشاعرَ مأساويّة مركّزًا فيها على تفاصيل المكان والزمان، ولا ينسى أن يحيّي التفاصيل بعد أن يتعرّف إليها ٠ يقول:
مراجعُ وشمٍ في نواشرِ معصمِ
ودارٌ لها با لرّقمتين كأنّها
فلأيًا عَرفتُ الدار بعد توهُّم
وقفتُ بها من بعد عشرين حجةً
ونؤيًا كجذم الحوض لم يتثلّمِ
أثافيَّ سُفعًا في معرَّسِ مرجلٍ
ألا أنعم صباحًا أيّها الربعُ واسلمِ (٢)
فلمّا عرفتُ الدارَ قلتُ لربعها
ويلخّص لبيد كلَّ ما تطرّق إليه غيرُه قائلًا:
بمنىً تأ بّدَ غولُها فرجامُها
عّفتِ الديارُ محلُّها فمقامها
خَلَقًا كما ضمِنَ الوحيّ سلامُها
فمدافعُ الرّيَّانِ عُرّيَ رسمها
حججٌ خلون حلالها وحرامُها
دمنٌ تجرَّمَ بعد عهدِ أنيسها
عوذًا تأجَّلَ با لفضاء بهامُها (٣)
وا لعِينُ ساكنة على أطلائها
[ ٧ / ٤١٦ ]
من خلال قراءة مجملة للنصوص الطلليّة السابقة نلاحظ أنها بُنيت أساسًا على"التراجيدي"؛ أي لتجسّد عن طريق الشعر الشعورَ المتضخّم بالمأساة ٠ وقد بُني " التراجيدي" فيها على موت الجميل في المكان والزمان ٠فالمكان اندثر، أو أصبح رسمًا يصعب التّعرّف إليه، والزمان لن يعود مرّة أخرى، والّلقاءات الجميلة التي كانت ماتت ٠ وهذا هو المركز الأساسي للتراجيدي في هذه السّياقات ٠ ويمكن تعميمه على الشعر الجاهلي برمّته فيما يخصُّ موقف الأطلال ٠
لقد أكّدت النصوص السّابقة على ما يلي سعيًا وراء تجسيد قيمة التراجيدي فنيًا وجماليًا:
١-: أكّدت جميع النصوص علىعامل الزمن، وعدّته أساسيًّا في صياغة " المأساوي " ٠ ونحن نجد فيها دائمًا زمنين متقابلين هما: " الماضي" الذي ازدهرت فيه الحياة، والحاضر الذي انتعش فيه الموت ٠ وبين الماضي الذي يصرُّ الشاعر على استحضاره، باعتباره موجودًا، وبين الحاضر الذي يراه الشاعر أمامه وقد أصبح أطلالًا دارسة، يكبر الحزن، وتشتعل المأساة، وتحفر أخاديد في مشاعر الشاعر ٠
ويمكن أن نضيف إلى ذلك أنّ الّلقاءات الجميلة التي حدثت في الزمن الماضي كانت مرتبطة بمرحلة الشباب الذي يمثّل القوة والعطاء والنشاط ٠ لذلك فالشباب الذي أفلَ، والديارُ التي أقفرت، والأحبة الذين كانوا سابقًا هنا، وتلاشوا في الماضي، وقلق الشاعر النابع من إصراره على استحضار الماضي، وقناعته الأكيدة بأن الحاضر جعل من الماضي بكلّ ما فيه رمالًا ٠ كلُّ ذلك يُعدُّ مرتكزاتٍ زمنية أساسيّة بُني عليها "الموقف الطّللي" الذي صاغ منه الشاعر الجاهلي " التراجيدي" ٠ وممّا كرّس كلّ ذلك وأكّده أنّ معظم "الأفعال" المستخدمة في النصوص جميعًا هي الأفعال الماضية التي تكشف بشكلٍ حسّي، ومباشر أنّ كلّ شيءٍ انتهى، و"لن يعود" ٠
[ ٧ / ٤١٧ ]
٢-: ركّزت جميع النصوص على تفاصيل المكان، وأشياء البيت بدقّة متناهية إلى جانب حرصها على ذكر عدد من أسماء الأمكنة، ربّما لارتباطها بذكريات محدّدة تتعلّق بالشاعر، وربّما ليعيد إلى نفسه من خلال ذكرها مفصّلة شيئًا من التوازن النفسي أمام الإخفاقات التي يواجهها في الطّلل ٠ ولكن الشيء الأهمّ أنّ اهتمام الشعراء بهذه التفاصيل يؤكّد العمق "التراجيدي"، وتغلغله بتفاصيل المكان وأسمائه، كما يؤكّد حسيّة الصورة الفنية، واتّساع فضائها بربطها بالمكان وبتفاصيله المختلفة ٠
٣ -: على الرغم من تأكيد الشعراء على ذكر الأمكنة والأشياء وكذلك التفاصيل الجزئية، لكنهم أجمعوا على غياب ملامح المكان كليًّا أو جزئيًا ٠ بمعنى أنّ التفاصيل المذكورة وُجدت لأنها مرتبطة بالماضي، وحالة الازدهار التي كانت، بينما يندثر المكان الآن، وتمّحي تلك التفاصيل ٠ لذلك نجد أنّ هؤلاء الشعراء جميعًا أكّدوا معاناتهم الشديدة في التعرّف إلى الديار التي حملت تلك التفاصيل الدقيقة ٠ ولعلَّ انطماس حدود المكان بهجرة الماضي، وحلول القفر مع الحاضر البائس ممّا يزيد من أزمة المعاناة التراجيدية التي يعيشها الشاعر في موقف الطّلل ٠
٤-: ومّما ساهم في وضع الّلمسات الهامة على لوحة التراجيدي في موقف الطّلل المعجمُ اللغوي الذي يوحّد بين النصوص السابقة، ويعكس " مفردات المأساة "، مثل: الصحراء، الوحشة، الموت، البطء، الحزن، الرّمال، الفراغ، الظباء، السّكون، الفراغ، وما إليها ٠
[ ٧ / ٤١٨ ]
إنّ موقف الطّلل بكلّ ما فيه من ميزات أصبح يشكّل - فيما بعد - أحدَ أهمّ أركان عمود الشعر العربي الذي أُسِّس له في العصر الجاهلي، وحاكاه الشعراءُ العرب في العصور التّالية ٠ أعني أنّ موقف الطّلل في الشعر الجاهلي - بمناخه التراجيدي، وشكله المميّز الذي ذكرنا جوانب من ملامحه آنفًا - أصبح يشكّل ضمن عمود الشعر جانبًا أساسيًّا من " المَثَل الجمالي " الذي اتّخذ منه الشعراء الآخرون في العصور التّالية هدفًا يسعون لمحاكاته من خلال افتتاح القصيدة به ٠ وكذلك الالتزام ببعض قوانينه، ومفرداته، وصوره، وتراكيبه٠ والأهمّ من ذلك كلّه التزام هؤلاء الشعراء بالمناخ البكائي للتراجيدي الذي بُني عليه موقفُ الطّلل في الشعر الجاهلي ٠ وما وقوفُهم على الأطلال سوى نوع من أنواع المحاكاة لمَثَل جمالي أسّسَه، ورسم ملامحه الشاعرُ الجاهلي ٠
[ ٧ / ٤١٩ ]
نخلص ممّا سبق إلى أنّ التراجيدي في موقف الطلل بوصفه " قيمة جمالية " و" شكلًا فنيًّا " أصبح " مَثَلًا جماليًّا " - فيما بعد - حاكاه الشعر العربي، وكان يُقاس جمال ما يكتب بقياس " المَثَل " الذي وُضعت أُسسه في العصر الجاهلي ٠ أعني قاسوا ما كتبوه شعريًّا على مستوى التراجيدي وشكله الفني في الشعر الجاهلي، وكذلك فعلوا مع النقد ومقاييسه المختلفة ٠ وربما كان لاستهجان أغلب النقّاد في العصر العباسي ما فعله أبو نواس في مقدّمة القصيدة أوضح الأثر لفعل " المَثَل الجمالي " المذكور في تقييمهم للإبداع؛ أعني أن هذا " المَثَل " لم يؤثّر في الإبداع الشعري العربي اللاحق فحسب، وإنما ساهم في صياغة " الوعي الجمالي النقدي " الذي كان يقيس النقّادُ جمالَ النصوص، أو قبحها على أساسه. وكذلك ظلّ النقد – كالشعر – حتى العصر الحديث. وما حدث في النقد العربي القديم من سعي بعض النقّاد للتجاوز والتخطّي ليس سوى إشارات عابرة، أو أصوات مخنوقة لم تستطع التأثير في الإطار العام للوعي الجمالي النقدي الذي أسّسه " التراجيدي " في هذا المجال منذ العصر الجاهلي.
ثانيًا -: موقف الرّحيل:
يمكن اعتبار هذا الموقف متمّمًا لموقف الطّلل في رسم صورة التراجيدي التي جسّدها الشعر العربي في العصر الجاهلي ٠ وهو نابع منه ومرتبط به ارتباطًا وثيقًا ٠ وتتشكّل أُسس هذا الموقف، غالبًا، حين ينتهي فصل الربيع، وتقرّر القبائل العودةَ إلى ديارها، فيتمّ التحضير للرّحيل قبل أيام من موعده، أو قد يكون الرحيل مفاجئًا ٠ وقد تحدّث الشاعر الجاهلي كثيرًا عن هذا الموقف الصّعب، وعبّر عن انعكاسه السلبي عليه ٠
[ ٧ / ٤٢٠ ]
فالرّحيلُ يعني الإجهازَ على الّلحظات السعيدة التي خفقَ فيها قلبهُ، والتي قد لا تعود مرّة أخرى ٠ وهي عادة لا تعود بدليل أنّ الشعراء كانوا يقفون على الأطلال في نصوصهم، إلى جانب أنّهم كانوا يبالغون في تجسيد المأساة التي يخلّفها مشهدُ الرحيل، وكأنّهم يدركون أنّ الّلقاء لن يتمّ ثانية بينهم وبين مَن يحبون ٠ والشاعر الجاهلي كان يدُاخل بين موقف الرحيل هذا وموقف الطّلل ٠ فالرحيل إلى القفر، والطّلل يؤكّدان أنّ الحياة السعيدة التي أشرقت ذات يوم لن تعود ثانية ٠ والفعلُ الذي استخدمه الشاعر في موقف الرحيل هو الماضي، وما يمتلكه من إيحاء قوي في تشكيل المأساة في النصّ ٠
وسنمرّ فيما يلي بشعاب بعض النصوص من الشعر الجاهلي التي تناولت موقف الرّحيل عبر مجموعة من المحطّات ٠ يقول امرؤ القيس:
كأنّي غداةَ البيِن يومَ تحمّلوا
لدى سمُراتِ الحيِّ ناقفُ حنظلِ
وقوفًا بها صحبي عليَّ مطيّهم
يقولون: لا تهلكْ أسىً وتجمّلِ (١)
يُلاحَظ هنا أنّ الشاعر يجسّد صورتين: الأولى متحرّكة، والثانية ثابتة؛ في الأولى تتجلّى الحياة، وفي الثانية يخيّم الموت ٠ فالشاعر يجسّد لحظةَ الفراق حين كان القوم يجهّزون للرحيل، بينما هو في الطّرف الآخر ثابتٌ لا يتحرّك ٠ وكأنّ الطرف الأول المتحرّك امتصَّ منه حركته، أي حياته، فخيّم عليه السكون / الموت ٠ إنّ وجودَها معه يعني الحياة، ورحيلَها يعني الموت ٠ ويمكن أنْ نتخيّل كم سيكون الشعورُ بالمأساة كبيرًا في مثل هذا الموقف ٠
[ ٧ / ٤٢١ ]
وقد استنفر الشاعر – لرسم ذلك الشعور - مفردات ذات طابع واحد لإعطاء " التراجيدي" مساحة كبيرة، مثل: " الغداة " إذ قد يكون الرّحيل في مثل هذا الوقت مستثيرًا للحزن أكثر من غيره، ثمّ " البين "، و" تحمّلوا "؛ أي بداية المغادرة، ثمّ " ناقف حنظل "، و" مطيّهم "، و" الأسى "، و" شدّة الاحتمال " لما في ذلك الموقف من هول ٠ والصورة المركزيّة هنا تتمثّل في لجوء الشاعر إلى سمُرات الحيِّ " وهو شجر الطّلح الضخم " ليُعلن عن سكونه، ودهشته، وعدم قدرته على الحركة؛ فهو كالمشلول واقفٌ بثبات تلك الأشجار في ذلك المكان، أو كأنه أصبح جزء ًا منها ٠
ولابدّ لنا من الإشارة إلى أنّ " قيمة التراجيدي " في موقف الرّحيل في الشعر الجاهلي كانت تتشكّل دائمًا من الصورتين المذكورتين: الأولى التي تفيض بالحركة والحياة، والثانية التي تنوء بالبؤس والشقاء والحزن ٠
وقريبًا من هذا المشهد يركّز "طرفة بن العبد" على صورة الظعائن، وزمن الرحيل، قائلًا:
خلايا سفين بالنواصف من دَدِ
كأنَّ حدوج المالكيّة غدوةً
يجور بها الملاّحُ طورًا ويهتدي (١)
عدوليةٌ أو من سفيِن ابنِ يامنٍ
ويأمر الأعشى نفسَه، وربّما مَن معه أيضًا لوداع هريرة بمزيد من الأسى والحزن قائلًا:
ودّع هريرة إنّ الرّكبَ مرتحلُ
وهل تُطيقُ وداعًا أيّها الرّجلُ (٢)
ويربط لبيد - وقد داهمه الأسى - زمنَ الرّحيل بمشهد الظعن الذي غادر المكان، فجعل كلَّ شيء بعده عاريًا، لا حياة فيه:
منها، وغودر نُؤيُها، وثُمامها
عَريَتْ وكان بها الجميع فأبكروا
فتكنّسوا قُطُنًا تَصِرُّ خيامُها (٣)
شاقتْكَ ظُعنُ الحيّ حين تحمّلوا
والحارث بن حلّزة يؤكّد أنّها لم تغادر فجأة، بل أخبرته بذلك ٠ وربّما كان ذلك هو سبب معاناته الشديدة، وبخاصة أنّه لا يستطيع أن يفعل شيئًا ٠ يقول:
ربَّ ثاوٍ يملُّ منه الثّواءُ
آذنتنا ببينها أسماءُ
[ ٧ / ٤٢٢ ]
ء فأدنى ديارَها الخلصاءُ (١)
بعد عهدٍ ببُرقةَ شمّا
ويفصّل عنترة تفصيلًا دقيقًا في العدّة والعدد، والّلون والزمن مشهد الرّحيل ليؤكّد تصاعد أزمته، أو كأنّه يريد أن يقول: تعالوا، وانظروا، وقدّروا: كم هي مصيبتي كبيرة، ولا تحتمل ٠ وسببها هو هذا الرحيل:
إن كنتِ أزمعتِ الفراق فإنّما
زُمّتْ ركابُكمُ بليلٍ مظلمِ
ما راعني إ لا حمولةُ أهلها
وسْط الدّيارِ تسفُّ حبَّ الخمخمِ
فيها اثنتانِ وأ ربعونَ حلوبة
سودًا كخافية الغرابِ الأسحمِ (٢)
ويعلن النابغة عن إعدامه للمستقبل؛ لأنَّ الأحبةَ فيه سيرحلون ٠ يقول:
أفِدَ التَّرَحُلُ غير أنّ ركابنا
لمّا تزَلْ برحالنا، وكأنْ قد
زعمَ البوارحُ أنّ رحلتنا غدًا
وبذاكَ خبّرنا الغدافُ الأسود
لا مرحبًا بغدٍ ولا أهلًا به
إنْ كان تفريقُ الأحبّةِ في غدِ (٣)
تُجمِع هذه النصوص على تشكيل " التراجيدي " من خلال تأكيدها على الأشياء التالية:
١-: ربطت الرّحيل بزمن معيّن هو " الغداة، وغدوة، وأبكروا "٠
ولعلّ إجماعها على ربط الرّحيل بهذا الزمن المبكّر من الصباح يؤكّد رغبة الشعراء الشديدة في استثارة الشعور بالحزن أكثر من اعتنائهم بتصوير المشهد نفسه ٠
٢-: ركّزت النصوص على رسم تفاصيل التهيّؤ للرّحيل بدقّة متناهية، مثل كأنّ حدوج المالكية خلايا سفين، والديار قد عريت حين تحملوا، فتكنّسوا قطنًا،وزُمّت ركابكم بليل معظم، والإبل وسط الديار تسفُّ - من جوعها - حَبَّ الخمخم، وفيها اثنتان وأربعون حلوبة سودًا
[ ٧ / ٤٢٣ ]
إنّ الغاية من وراء تركيز الشاعر الجاهلي على مثل هذه التفاصيل في موقف الرحيل ليست رسم صورة فنية جميلة لقافلة الحبيبة الرّاحلة، وإنّما لاستنفار الشعور بالحزن وتعميمه؛ أي لاستنهاض الشعور عند المتلقّي الذي يرغب الشاعر في أنْ يشاركه فيه ٠ ولا ننسَ أنْ نربط هذه التفاصيل بتأكيد الشعراء على زمن الرحيل المبكّر ٠ فكلاهما يصبُّ في الهدف المذكور نفسه ٠
٣-: انشغلت جميع النصوص برسم صورتين مركزيّتين متقابلتين متوازيتين جسّدت من خلالهما موقف الرّحيل ٠ تتضمّن الأولى رحيل الحبيبة، وتقابلها في الاتجاه الآخر صورةُ الشاعر الحبيب المتشبّع بالمأساة ٠ والصورة الأولى يكوّنها مجموعةٌ من الناس والإبل والأغراض المختلفة اللازمة للرحيل ٠ والصورة المقابلة يبدو فيها الشاعرُ وحيدًا، لا يشاركه الهمَّ إلاّ أشياء الطبيعة الصامتة ٠ وقد سعى الشعراء إلى تضخيم الصورة الأولى بتزويدها بالحركة والصخب إلى جانب العدد الكبير، وذلك لتصغير حجم الصورة الثانية؛ لأجل الهدف الذي ذكرناه آنفًا، وهو تضخيم المأساة وتعميمها عبر تعاطفنا الشديد مع ذلك الشخص الذي انكسر أجملُ ما عنده، ولا يستطيع أن يفعل أيّ شيء لإعادته إلى ما كان عليه ٠
٤-: جعلت النصوص الّلونَ المرافق لموقف الّرحيل هو الّلون الأسود، واشتقاقاته ٠ وقد ورد هذا الّلون إمّا لفظًا مثل " الغرا ب الأسود "، أو عن طريق الإيحاء به عبر ربطه بزمن الّرحيل، أو كما يعبّر عن ذلك زهير بن أبي سُلمى في الظعائن:
بكرنَ بكورًا واستحرنَ بسُحرةٍ
فهنَّ لوادي الرّسِّ كاليدِ للفمِ (١)
ولسنا بحاجة إلى التذكير لما لهذا الّلون من دلالات، وإ يحاءات هامّة على دعم الموقف التراجيدي ضمن تفاعله مع العناصر المذكورة ٠
٥-: أكّدت النصوص على مقولة " موت المكان " بعد رحيل الأحبة مباشرة ٠ لذلك فهو مكان عارٍ، والشاعر فيه كأنّه ناقف حنظل ٠
[ ٧ / ٤٢٤ ]
٦-: وردت مفردات في النصوص السّابقة ساهمت في تجسيد المناخ التراجيدي، وإنمائه، مثل: الغداة، البين، تحمّلوا، رحلوا، ناقف حنظل، الأسى، التجمّل، الّبر، الوداع، الرّكب، الظّعن، الحي، الخيام، الرّكاب، الّليل المظلم، الخوف، الدّيار، سود، الغراب الأسحم ٠ وهذه المفردات تدخل ضمن المعجم الّلغوي الذي اعتمده موقفُ الطّلل الذي توقّفنا عنده
آنفًا ٠ ولا بدّمن القول في ختام هذا المحور: إنّ جميع النقاط المذكورة التي اتفقت النصوص على إيرادها ساهمت في رسم لوحة تشكيلية لصورة التراجيدي في موقف الرحيل في الشعر الجاهلي ٠
ثالثًا -: الاغتراب: وهو عبارة عن حالة رومانسية تشكّلت لدى الشاعر الجاهلي بسبب عدم قدرته على التفاعل والانسجام مع المحيط الذي ينتمي إليه جزئيًا أو كليًّا ٠ ويهيمن عليه دائمًا شعورٌ شفّاف بالحزن الذي يختلط بالألم والملل والضجر، وما إلى ذلك ٠
وأبرزُ وجه من وجوه الاغتراب في الشعر الجاهلي هو الشعور الكبير بالفراغ ٠ وغالبًا ما يكون هذا الشعور هادئًا غير صاخب؛ بمعنى أنّه شعور ليس صداميًّا كما هو الحال في ظاهرة الصعلكة كما سنرى ٠وقد عبّر عنه امرؤ القيس في معلّقته قائلًا:
وليلٍ كموج البحر أرخى سدولَه
عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلتُ له لمّا تمطّى بصُلبهِ
وأ ردفَ أعجازًا وناءَ بكلكل
ألا أيها الّليل الطّويل ألا انجلي
بصبح وما الإصباح منكَ بأمثلِ
فيا لكَ من ليلٍ كأنّ نجومَهُ
بكلِّ مغار الفتلِ شُدَّت بيذبلِ
كأنّ الثريّا عُلِّقت في مكانها
بأمراسِ كتّانٍ إلى صُمِّ جندلِ (١)
لعلّ الحالة البارزة التي يوحي بها النصّ هي حالة الاختناق التي يصعبُ التخلّص منها؛ فهناك شعور طاغٍ بالفراغ والملل والضجر ٠ وقد رسم الشاعر ذلك عبْر جعل الحسّي أكثر حسيّةً، وتحريك المشهد ضمن الحسّي والمشخّص، وعبرالتضايف، والحوار والتشبيه، وتماهي الأزمنة، والرجاء، والتّعجب ٠
[ ٧ / ٤٢٥ ]
وقد يكون أحدُ وجوه الاغتراب أيضًا الشعور بالظلم من قبل الأهل والقبيلة؛ بمعنى إحساس الشاعر بأنّه متروك أو مهمل من أقرب الناس إليه ٠ ولعلّ إحساس" عنترة " الدائم بالحزن الذي يشكّل الخلفيةَ الأساسية لشعره كاملًا سببُه عائدٌ إلى شعوره بالظلم، وعدم قدرته – بسبب هذا الظلم – على ممارسة حرّيته أو الوصول إلى عبلة ٠
وللاغتراب في الشعر الجاهلي إلى جانب ما تقدّم وجوهٌ مختلفة أخرى، أبرزها: الشعور بالخوف من الموت ٠ وقد ردّد الشعراءُ هذا كثيرًا ٠فطرفة بن العبد يقول:
أرى الموتَ يعتامُ الكرامَ ويصطفي
عقيلةَ مالِ الفاحشِ المتشدّد
لعمرُكَ إنّ الموتَ ما أخطأَ الفتى
لكا لطولِ المرخّى، وثِنياه با ليدِ (١)
ويقول زهير بن أبي سُلمى أيضًا مؤكّدًا أنّ الخوف لا يأتي من الموت نفسه، وإنّما من عدم قدرة هذا الموت على التّمييز بين الشاب والعجوز ٠لذلك فالإنسان يعيش في قلق دائم٠
رأيتُ المنايا خبطَ عشواء مَنْ تصب
تمتْهُ ٠ومَنْ تخطئ يُعمَّرْ فيهرمِ (٢)
أمّا الذي يُخطئه الموت، فإنه سيواجه مشكلة أخرى تجعله مغتربًا وقلقًا ومضطربًا على الدوام هي الشيخوخة التي يقول فيها زهير أيضًا:
سئمتُ تكاليفَ الحياة ومَنْ يعشْ
ثمانينَ حولًا لا أبا لكَ يسْأمٍ (٣)
ويلخّص السموءل قلقَ الشاعر الجاهلي واغترابه من الموت بقوله:
كيفَ السّلامةُ إنْ أردتُ سلامةً
والموتُ يطلبُني، ولستُ أفوتُ
ميتًا خُلِقتُ، ولم أكنْ من قبلها
شيئًا يموتُ، فمتُّ حيثُ حُييتُ (٤)
وقضيةُ الموت هذه شغلت قبل ذلك أيضًا الإنسانَ البدائي فعبّر عنها من خلال بحثه الدائم عن الخلود ٠ وما أسطورة " الموت والانبعاث " التي جسّدتها الأساطير البدائية، وكذلك انشغال "جلجامش " بالبحث عن وسائل لاستمرار الحياة وخلودها إلا من قبيل انعكاس أثر الموت على الإنسان، وما خلّفه ويخلّفه من شعور دائم بالقلق ومن ثَمّ الاغتراب ٠
[ ٧ / ٤٢٦ ]
ولابدّ من التأكيد أن الاغتراب ظاهرة أساسية من الظواهر التي تناولها الشعر الجاهلي واعتنى بها ٠ وهي تتداخل مع موقف الطلل والرحيل المذكورين لتساهم معهما في تكوين الأسس الجمالية التي بُني عليها "التراجيدي" في الشعر الجاهلي.
رابعًا -: ظاهرة الصعلكة:
يمكن اعتبار ظاهرة الصعلكة ظاهرة تراجيدية ٠ بل يمكن التعامل معها على أنّها كذلك لاعتبارين أساسيين: يتمثّل الأوّل في أنّ السبب الرئيسي الذي أفرزها عائد إلى عدم التواؤم بين رغبات الأفراد وقبائلهم؛ بمعنى أنّهم لم يستطيعوا تنفيذ ما يطمحون إليه من رغبات وأحلام وغيرها على حيّز الواقع بسبب الموانع والضوابط التي كانت تفرضها عليهم قبائلهم ٠ والصعلكة – على ضوء ذلك – تمثّل التصادمَ بين رغبة الفرد والجماعة، بين ما يرغب فيه، وما يُفرض عليه ٠ ولعلّ هذا التصادم الذي كَسَر الحلمَ الذاتي، وزعزع الثقةَ بالقبيلة هو الذي جعل من الصعلكة ظاهرة تراجيدية ٠
ويعود الاعتبار الثاني الذي يؤكد أن الصعلكة " ظاهرة تراجيدية " إلى نصوص الشعراء الصعاليك التي تعكس دون استثناء ذلك الشعورَ الرومانسي الذي يهيمن على الفرد مثل: الحزن والإحباط والتمزّق والشعور الدائم بأنّه متروك؛ أي إنّ المناخ العام الذي يوحي به شعر الصعاليك هو مناخ تراجيدي٠ وصحيح أنّنا نقرأ، دائمًا، في أشعارهم تحدّيًا للمجتمع الذي نفاهم، وللطبيعة، ونراهم يجسّدون قدراتهم في الشجاعة والعدْوِ والكرم والإيثار، ومقاومة الجوع والعطش والوحوش الكاسرة والظلام المخيف، وجفاف الصحراء ٠ لكنّ كلّ هذا لا ينفي أنّ أشعارهم مبطّنة بمساحة واسعة من الحزن وامتدادا ته، بل إنّ الجانب الظاهر الذي يتمثّل في التحدي المذكور لهو نوعٌ من أنواع ردِّ الفعل على حالة تراجيدية عميقة زرعها المجتمع في نفوسهم حين أهملهم، وظلمهم، وطردهم ٠
[ ٧ / ٤٢٧ ]
ونحن نستغرب حين نقرأ، مثلًا، دراسة متخصّصة في شعر الصعاليك، وهي ذاتُ سمعة علمية لا نشكّ بأهميتها، كدراسة يوسف خليف " الشعراء الصعاليك " (١) التي تمتدّ حتى ثلاثمئة وخمسين صفحة والتي تناول فيها، تقريبًا، كلَّ ما يتعلّق بموضوعه، ولكنّ هذا التناول كان أُفقيًّا؛ بمعنى أنّه لم يتطرّق إلى الجانب الأهمّ في شعرهم الذي يمكنُ اعتباره القوّة التي تكمنُ وراء شعريّة شعرهم، وقوّة فنّهم، وتأثيره واستمراره حتى اليوم ٠ هذا الجانب هو الجانب التراجيدي ٠ وهو يمثّل النبضَ الحيّ الذي يحرّك فيه الخيوط الفنية والجمالية كافة ٠ ويمكن القول: إنّه وراء الخصوصيّة التي تميّز شعرَ الصعاليك من غيرهم في العصر الجاهلي، وهو سببٌ أساسي من أسباب تفرّدهم، إلى جانب أنّ النكهة التراجيدية تتناغم وأسباب نشوء الظاهرة المميّزة ٠
ولابدّ من الإشارة إلى أنّ المؤلّف تناول هذا الجانبَ ضمن فقرة وحيدة لا تتجاوز سبع صفحات، عنوانها " أحاديث التشرّد " ٠ وقد قرأ " التشرّد " قراءة سطحية، ولم يستغلّه للبحث عمّا هو أعمق في تلك الظاهرة، وبخاصّة أنّ موضوع " التشرّد " خلّف في شعر الصعاليك مشاعر مأساويّة لا يكاد نصٌّ يخلو منها، على الرّغم من أنّه ليس دائمًا ظاهرًا فيه ٠ وقد اهتمّ المؤلّف في هذه الفقرة بإحصاء أنواع " حيوانات الصحراء " التي تناولها الشعراء الصعاليك، وكيف رسم هؤلاء صورَ بعض تلك الحيوانات كالأسد والضبع والحمار الوحشي وغيرهم ٠
لقد قدّمت دراسةُ " يوسف خليف " معلومات وثائقية هامّة، ولكنّها لم تقترب من روح شعر الصعاليك ٠
[ ٧ / ٤٢٨ ]
ونحن بحاجة ملحّة إلى أنْ نقرأ شعرنا القديم بطريقة تتناسب وطبيعته ٠ إذ ليس بالضرورة تطبيق كلّ المناهج، أو أكثرها حداثة في النقد على الظاهرة؛ فكلّ هذا ليس هو المهم، بل نعتقد أنّ معرفة الزاوية الصحيحة لقراءة الظاهرة هي الأهم للتغلغل إلى أعماقها، وجوهر روحها وشعريّتها ٠ فدراسة " يوسف خليف " المذكورة تناولت ظاهرة الصعاليك ضمن معطيات تنطبق على أيّ ظاهرة أخرى في أي عصر، ولم تبحث عن المدخل الخاص الذي يميّز تلك الظاهرة ٠ ولذلك لم تقدّم سوى ما هو وثائقي وخارجي بالنسبة إليها ٠ ومثلُ هذه الدراسة كثيرٌ في نقدنا الحديث الذي تناول الشعر العربي القديم، وظَلَمَهُ٠
لقد انطوى شعر الصعاليك على مقولات مثل: الاغتراب، والأسى، والمرارة، والظلم، والإهمال، والاضطهاد، والجوع والفقر ٠ وهذه ساهمت جميعها بإثبات " هويّة التراجيدي " ٠ ولعلّ عروة بن الورد يبيّن سبب كلّ ذلك بقوله:
وسائلةٍ: أين الرّحيلُ؟ وسائلٍ
ومَنْ يسألُ الصعلوكَ: أين مذاهبه
مذاهبُه أنّ الفجاجَ عريضةٌ
إذا ضنَّ عنه بالفعال أقاربه (١)
ويمكن الزعم أنّ " لامية الشنفرى " هي أبرزُ ما يمثّل انكسار الحلم الذاتي وزعزعة الثقة بالقبيلة ٠ وهي التي تردّد المقولات المذكورة، وتؤكّدها؛ فهو يبدؤها بحزن شديد، وعتاب لأهله الذين ضيّقوا عليه ٠ وهو يؤكّد لهم أنّ الأرض فسيحة، ويمكن له أنْ يستبدلهم بغيرهم ٠ فهو أصبح – بعد الذي لحقه في قبيلته – يفضّل وحوش الصحراء عليهم، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن صبره على الجوع وما يعانيه من تشرّد وشقاء ٠يقول:
أقيموا بني أميّ صدورَ مطيكم
فإني إلى قومٍ سواكم لأميلُ
وفي الأرضِ منأىً للكريم عن الأذى
وفيها لمن خاف القِلَى متعزَّلُ
ولي دونكم أهْلونَ سيد عملَّس
وأرقطُ زهلولٍ وعرفاءُ جيألُ
همُ الأهلُ لا مستودعُ السّرِ ذائعٌ
لديهم ولا الجاني بما حرَّ يُخذلُ (٢)
[ ٧ / ٤٢٩ ]
فالشنفرى يطلب من أهله - ونبرة الحزن بادية عليه - أنْ يستغنوا عنه، لأنّه يميل إلى غيرهم٠ وهذا الميلُ ليس عقوقًا منه، وإنّما بسبب ما لحقَهُ من ظلم وأذى وقطيعة ٠ ولعلّ هذا المنطلق يشكّل مدخلًا لقراءة هذه القصيدة ٠ ولم ينسَ الشاعر أنْ يتوقّف عند تشرّده وجوعه وصبره إلى جانب تصريحه بأنه يفضّل وحوش الصحراء على قومه، لأنّ تلك الوحوش تحافظ على سرِّ الإنسان وتحترمه ٠ والسؤال الذي يُثار هنا: هل تغمر البهجةُ الشاعرَ وهو يفتخر بأنّه استطاع مصادقةَ أشرس أنواع الحيوانات الصحراويّة كما يزعم بعض النقاد الذين فسّروا ذلك بإبراز الشاعر لقوّته وقدرته، ومن ثَمّ سعادته؟ إنّ الإجابة ستكون بالنفي؛ لأنّ هذين البيتين يكشفان عن شخص بائس ومتعب وحزين ومرهق، ويكاد يختنق ممّا جرى له ٠ ولعلّ أبسط ما يدلّ على ذلك شكواه من أنّ هذه الحيوانات تكتم السرَّ؛ أي إنّ البشر لا يكتمون السرّ ٠ والشاعر بهذا يكشف عن معاناته الشديدة من جرّاء ذلك ٠ ثمّ ما الذي يدفع شخصًا ما إلى الخروج على القبيلة والهجرة إلى الصحراء، وموالفة الوحوش، والأفاعي، ومقاومة الجوع والتشرّد لولا المعاناة الشديدة التي دفعته إلى ذلك ٠
إنّ نصَّ الشنفرى ينطوي على الفخر بالذات، ولكنّه فخرٌ مبنيّ على ألمٍ لا يقاوَم ٠ وليس من الممكن قراءة هذا النصّ إلاّ ضمن المعطى التراجيدي الذي يحكمُه ٠
ونحن نرغب أنْ نختمَ هذه الفقرة بالدّعوة إلى إعادة النّظر في ظاهرة الصعلكة في العصر الجاهلي من منطلق كونها " ظاهرة تراجيدية "٠ ونعتقد أنّ دراستها على هذا الأساس ستجعلنا نضع أيدينا على حقائق فنيّة وجماليّة هامّة تتعلّق بروح شعر الصعاليك وجوهره؛ وستنقلنا من الخارج إلى الدّاخل، أي من الهامشي إلى الجوهري، وستجيب عن تساؤلاتنا الكثيرة التي لم تُجدِ معها الطرائق السابقة نفعًا ٠
الحواشي والتعليقات
[ ٧ / ٤٣٠ ]
١-: الخطيب التبريزي: شرح القصائد العشر، تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة، ط٢، ١٩٦٤م، ص/ ٤٧ ٠
٢-٣-: نفسه / ٤٣٢ – ٥٣٢ ٠
٤-: عبيد بن الأبرص: ديوانه، بيروت، ١٩٧٩م٠
٥-: الخطيب التبريزي: شرح القصائد العشر: / ١٣٣ ٠
٦-٧-: نفسه / ٣١٨ – ٢٠٣ ٠
٨-: نفسه / ٢٤١ – ٢٤٨ ٠
٩-١٠ -: نفسه / ٥٤ – ١٣٥ ٠
١١-١٢-: نفسه / ٤٨٣-٢٥١ ٠
١٣-١٤-: نفسه / ٤٣١-٣٢٦ ٠
١٥-: النابغة الذبياني: ديوانه، تحقيق كرم البستاني، بيروت، بلا تاريخ.
١٦-: الخطيب التبريزي: شرح القصائد العشر / ٢٠٦.
١٧-١٨: نفسه / ١٠٠-١٧٩ ٠
١٩-٢٠-: نفسه / ٢٣٩ ٠
٢١-: عروة بن الورد والسموءل: ديوانهما، ص/٨٣ ٠
٢٢-: يوسف خليف: الشعراء الصعاليك
٢٣-: نفسه / ١٩٠ ٠
٢٤-: الشنفرى: لاميّة العرب، بيروت، ١٩٧٤م، ص/٨١ ٠
المصادر والمراجع
١-: الخطيب التبريزي: شرح القصائد العشر، تحقيق: محيي الدين
عبيد الحميد، القاهرة، ط٢، ١٩٦٤م٠
٢-: الشنفرى: لاميّة العرب، بيروت، ١٩٧٤م٠
٣-: عبيد بن الأبرص ك ديوانه، بيروت ١٩٧٩م٠
٤-: عروة بن الورد والسموءل: ديوانهما، بيروت، بلا تاريخ ٠
٥-: النابغة الذبياني: ديوانه،، بيروت، بلا تاريخ ٠
٦-: يوسف خليف: الشعراء الصعاليك.
[ ٧ / ٤٣١ ]