د. إبراهيم بن سعيد بن حمد الدوسري
قسم القرآن وعلومه، كلية أصول الدين
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
ملخص البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد:
فهذا بحث في التفسير الموضوعي يتناول دراسة النبيّين الكريمين داود وسليمان ﵉ لإبراز هدايات القرآن الكريم ودلالته من خلال علمهما الذي نوّه الله به في مواضع متعددة من القرآن الكريم، وقد عني هذا البحث بربط قصصهما بموضوعات السور التي ورد فيها ذكرهما ﵉ مع التركيز على محور العلم، ومن ثم ألقي الضوء على علومهما من خلال القرآن الكريم وصلة ذلك بشخصيتهما في دراسة تأصيلية تحليلية تعتمد على تدبر كلام الله تعالى والاطلاع على كتب التفاسير القديمة والحديثة والدراسات العلمية، دون التفات إلى الإسرائيليات وما شابهها، ثم انتهت هذه الدراسة - بحمد الله وتوفيقه - إلى نتائج قيمة تتصل بعلم الله تعالى، وتبرز أهمية العلم ومكانة هذين النبيين الكريمين وشرفهما، كما تضمنت الرد على اليهود وكل من طعن في نبوة داود وسليمان ﵉ أو تنقّص من قدرهما أو أطراهما، كما أكد البحث أن العلم من أبلغ المعجزات التي أُويدا بها، وغير ذلك من النتائج التي تضمنها هذا البحث، فهو يعتبر دراسة جديدة في موضوعه، إذ لم أقف على مؤلف خاص يعني بجانب علمهما مع ما حظيا به ﵉ من إشادة في ذلك، حتى أصبح العلم هو الصبغة الغالبة في قصصهما. والله أعلم.
«««
الحمد لله عالم الغيب والشهادة، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، أما بعد:
[ ١ / ٢ ]
فيقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ (١) ويقول تعالى ذكرُه عنهما ﵉: ﴿وَكُلًاّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (٢) فنوّه الله بعلمهم في كتابه الكريم في تضاعيف قصصهم، وصرّف في مثانيه أنواع علومهم، ولقد انتدبنا الله في سياق قصصهما إلى التدبر والادّكار، فقال جلّ شأنه: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (٣)، وعن مجاهد قال: قلت لابن عباس أنسجد في ص؟، فقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ (٤) حتى أتى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (٥)، فقال: «نبيكم (ممن أمر أن يُقتدى بهم» (٦) .
ولا جرم أن ما اشتمل عليه قصصهما في مجال العلم يعتبر سمة بارزة، فهو حقيق بالدراسة لتأصيل بعض الموضوعات الأساسية وإبراز هدايات القرآن الكريم في هذا الجانب المهم، وذلك ضرب من التفسير الموضوعي.
مواطن ورود قصصهما:
يسوق الله تعالى ذكره القصص في السور حسب موضوعها ومقاصدها، ويعتبر العلم من المحاور التي تدور عليها بعض السور، ومن الأغراض والقضايا التي تحفّل بها القرآن الكريم.
وقد ورد ذكر داود وسليمان ﵉ في تسع سور في المواضع التالية:
أرقام الآيات التي في سليمان ﵇
أرقام الآيات التي في داود ﵇
نوعها
اسم السورة
م
١٠٢
٢٥١
مدنية
البقرة
١
١٦٣
١٦٣
مدنية
النساء
٢
-
٧٨
مدنية
المائدة
٣
٨٤
٨٤
مكية
الأنعام
٤
-
٥٥
مكية
الإسراء
٥
٧٨-٨٢
٧٨-٧٩
مكية
الأنبياء
٦
١٥-٤٤
١٥-١٦
مكية
النمل
٧
١٢-١٤
١٠-١١
مكية
سبأ
٨
٣٠-٤٠
١٧-٣٠
مكية
ص
٩
_________________
(١) سورة النمل، الآية ١٥.
(٢) الأنبياء، الآية ٧٩.
(٣) ص، الآية ٢٩.
(٤) الأنعام، الآية ٨٤.
(٥) الأنعام، الآية ٩٠.
(٦) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ﴾ ٤/١٣٥.
[ ١ / ٣ ]
وقد وقع ترتيب تلكم السور حسب النزول كالتالي: سورة ص، ثم النمل، ثم الإسراء، ثم الأنعام، ثم سبأ، ثم الأنبياء، ثم البقرة، ثم النساء، ثم المائدة (١) .
وهذه السور على أربعة أقسام:
سورةٌ العلمُ أحد مقاصدها الأساسي، وأشير فيها إلى علم داود وسليمان ﵉ وهي سورة البقرة.
السور التي يعتبر العلم من أهم مقاصدها الأساسية، وفصّل فيها قصصهما أو أحدهما وهي سور الأنبياء والنمل وسبأ.
سورةٌ العلمُ ليس من مقاصدها الأساسية، وفصّل فيها قصصهما، وهي سورة ص.
السور التي ذُكرا فيها أو أحدهما على وجه الإيجاز ضمن النبيين أو لأغراض أخرى اقتضاها السياق، وهي سور النساء والمائدة والأنعام والإسراء.
وسألقي الضوء على الأقسام الثلاثة الأول، أما القسم الرابع فلا يستدعي ذلك؛ لأنه ليس على شرط هذا البحث.
القسم الأول/ سورة البقرة:
_________________
(١) انظر الزركشي: البرهان ١/١٩٣.
[ ١ / ٤ ]
نصّ شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ) على أنها اشتملت على «تقرير أصول العلم وقواعد الدين» (١)، وبهذا تظهر المناسبة جلية بين السورة والآيتين التي ورد فيهما ذكر داود وسليمان وهما قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ (٣) ففي الآية الأولى تبرئة من الله تعالى لسليمان من السحر، فإن اليهود كانوا يقولون - افتراءً - «هذا علم سليمان، وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم» (٤)، فمعنى الآية: واتبع اليهود ما كانت تتلوه الشياطين من كتب السحر والشعوذة على عهد ملك سليمان، وقوله جلّ وعلا: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ (٥) لأن اليهود نسبته إلى السحر، «ولكن لما كان السحر كفرًا صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر» (٦) .
وفي الآية الأخرى يمتن الله على داود بما آتاه وعلّمه، وقد استنبط الفخر الرازي (ت٦٠٤ هـ) من هذه الآية أصلًا من أصول التعلم فقال: «فإن: قيل إنه تعالى لما ذكر إنه آتاه الحكمة وكان المراد بالحكمة النبوة، فقد دخل العلم في ذلك، فلِم ذكره بعد ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾؟.
قلنا: المقصود منه التنبيه على أن العبد قط لا ينتهي إلى حالة يستغني عن
_________________
(١) دقائق التفسير ١/١٩٥.
(٢) البقرة، الآية ١٠٢.
(٣) البقرة، الآية ٢٥١.
(٤) الزمخشري: الكشاف ١/٣٠١.
(٥) انظر المصدر السابق، ابن عطية: المحرر ١/٤١٥، ابن العربي: أحكام القرآن ١/٢٨.
(٦) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ٢/٤٣.
[ ١ / ٥ ]
التعلّم، سواء كان نبيًا أو لم يكن، ولهذا السبب قال لمحمد (: ﴿وَقُل رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١») (٢)، ولا يخفى أن قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَهُ﴾ يشير إلى أن المصدر الحقيقي للعلم هو من عند الله تعالى.
ولما كانت سورة البقرة سورة مدنية فقد تناولت ذكرهما ﵉ في قضايا تشريعية: السحر والقتال، وأيضًا وقع مثل ذلك في سورة المائدة، حيث ذكر داود في سياق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ يقول الله جلّ شأنه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (٣) .
القسم الثاني/ سورة الأنبياء:
وهي سورة مكيّة ركزت على الحساب والرسالة وما يتصل بذلك من قضايا العقيدة (٤)، وقد ورد ذكر العلم صريحًا في أولها ووسطها وآخرها دلالة على علم الله المحيط وقدرته جل وعلا على البعث والجزاء كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ *إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ (٨) .
_________________
(١) طه، الآية ١١٤.
(٢) الرازي مفاتيح الغيب ٦/٢٠٤.
(٣) الآيتان ٧٨،٧٩.
(٤) انظر البقاعي: مصاعد النظر ٢/٢٨٦، سيد قطب: الظلال ٤/٢٣٦٤، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ١٧/٦.
(٥) الآية ٤.
(٦) الآية ٢٨.
(٧) الآية ٤٧.
(٨) الآيتان ١٠٩،١١٠.
[ ١ / ٦ ]
وقد ذكر الله فيها جملة من قصص الأنبياء ﵈، فدلّت كل قصة على معنى أو أكثر مما اشتملت عليه السورة (١)، «وقد روعي في تخصيصهم بالذكر ما اشتهر به كل فرد منهم من المزية التي أنعم الله بها عليه» (٢) .
قال الله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًاّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ * وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ * وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ (٣) فافتتح قصصهما بالشهادة والعلم، واختتم بالعلم والحفظ، فلذلك جاء قصصها للدلالة على كمال علم الله، ثم في هذا القصص تنبيه على أن العلم من أفضل النعم وأشرفها حيث زينهما الله بالعلم والفهم (٤) .
سورة النمل:
_________________
(١) انظر البقاعي: مصاعد النظر ٢/٢٨٦.
(٢) محمد الطاهر: التحرير والتنوير ١٧/١١٥.
(٣) الأنبياء، الآيات ٧٨-٨٢.
(٤) الرازي: مفاتيح الغيب ٢٢/١٩٥، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ١٧/١١٥.
[ ١ / ٧ ]
وتسمى سورة سليمان (١)، لما فيها من تفصيل لقصة سليمان في تسع وعشرين آية من ثلاث وتسعين آية عدد آي السورة، والمتدبر لآي هذه السورة تظهر له بوضوح قضية العلم واتخاذها مسلكًا لإبراز سعة علم الله في الأرض وفي السماء وفي العلن وفي الخفاء وفي الغيب والمستقبل، وما دلت عليه الآيات الكونية وعالم الحيوان من براهين ناطقة بلسان الحال والمقال على علم الله جل وعلا، ولذلك نص برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥هـ) على أن «المقصود الأعظم منها إظهار العلم والحكمة» (٢)، وقد تنبه لذلك سيد قطب (ت ١٣٨٧هـ) فقال: «والتركيز في هذه السورة على العلم، علم الله المطلق بالظاهر والباطن، وعلمه بالغيب خاصة، وآياته الكونية التي يكشفها للناس، والعلم الذي وهبه لداود وسليمان، وتعليم سليمان منطق الطير وتنويهه بهذا التعليم، ومن ثم يجيء في مقدمة السورة: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (٣)، ويجيء في التعقيب: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ (٤)، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ* وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٥)، ويجيء في الختام: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ (٦)، ويجيء في قصة سليمان ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧)، وفي قول سليمان: ﴿يَا أَيُّهَا
_________________
(١) انظر السخاوي:جمال القراء ١/٣٧، السيوطي: الإتقان ١/١٥٦، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ١٩/٢١٥.
(٢) مصاعد النظر ٢/٣٣٣.
(٣) الآية ٦.
(٤) الآيتان ٦٥،٦٦.
(٥) الآيتان ٧٤،٧٥.
(٦) الآية ٩٣.
(٧) الآية ١٥.
[ ١ / ٨ ]
النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرَِ﴾ (١)، وفي قول الهدهد: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (٢)، وعندما يريد سليمان استحضار عرش الملكة، لا يقدر على إحضاره في غمضة عين عفريت من الجن، إنما يقدر على هذه: ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٣) .
وهكذا تبرز صفة العلم في جور السورة تظللها بشتى الظلال في سياقها كلها من المطلع إلى الختام، ويمضي سياق السورة كله في هذه الظل، حسب تتابعه الذي أسلفنا» (٤) .
ومن ثَمَّ جاءت قصة سليمان بن داود ﵉ في هذا السياق، وجميع موضوعاتها تدور في محور العلم ومجالاته المتعددة كما سيتضح خلال هذا البحث.
سورة سبأ:
قال تعالى في هذه السورة عن داود وسليمان ﵉: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٥) .
_________________
(١) الآية ١٦.
(٢) الآية ٢٥.
(٣) الآية ٤٠.
(٤) سيد قطب: الظلال ٥/٢٦٢٥.
(٥) الآيات ١٠-١٤.
[ ١ / ٩ ]
تبدو ملامح العلم في هذه الآيات واضحة، حيث أشاد الله بفضله عليهما بما أفاء عليهما من صنوف النعم، نعمة النبوة والحكمة والعلم وغيرها (١)، ومنها إِلاَنَة الحديد لداود وتعليمه صناعة الدروع، ذلك في المجال العسكري، أما في المجال المدني فقد سخر الله لسليمان النحاس ليصنع منه القدور الراسيات وغيرها (٢)، ثم ختم قصصهما برد علم الغيب إلى الله تعالى وحده.
وقد جاء ذلك منسجمًا مع غرض مهم من أغراض هذه السورة، وهو تقرير إحاطة علم الله (٣)، وهو من أهم مقاصدها، إذ جاء في مطلعها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٤) كما ورد في آخرها: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ (٥) .
والمتدبر لكلام الله تعالى في قصة داود وسليمان في هذه الآيات يلحظ أنها ركزت على الجانب العملي الذي هو الترجمة الحقيقية للعلم، وسيأتي لذلك مزيد بسط عند الكلام على علومهما إن شاء الله تعالى.
القسم الثالث / سورة ص:
_________________
(١) انظر ابن العربي: أحكام القرآن ٤/١٥٩٤، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ٢٢/١٥٥.
(٢) انظر الرازي: مفاتيح الغيب ٢٥/٢٥٠، محمد الغزالي: نحو تفسير موضوعي ص٣٣١.
(٣) سيد: الظلال ٥/٢٨٨٨، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ٢٢/١٣٤، محمد الغزالي: نحو تفسير موضوعي ص٣٣١.
(٤) الآيات ١-٣.
(٥) الآية ٤٨.
[ ١ / ١٠ ]
ويقال لها سورة داود (١)، حيث استهل به قصص السورة في أنبياء بني إسرائيل، وبُسطت قصته أكثر من غيرها، وقد أشاد الله فيها بداود بما آتاه من الحكمة وفصل الخطاب، إذ يقول الله فيها: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (٢) وسيقت فيها قصة داود وسليمان لتسلية الرسول (عن تكذيب قومه وأمره بالصبر في قوله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ﴾، واستطراد الثناء عليهما بجميل الصفات (٣) .
وبعد هذه الجولة يمكننا أن نرصد أبعاد شخصية هذين النبيين الكريمين وعلمهما ﵉ من خلال آيات القرآن الكريم.
داود وسليمان ﵉ وعلمهما:
هما من ذرية إبراهيم ﵇، وقد أشار القرآن إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ (٤) والضمير في ﴿ذُرِّيَّتِهِ﴾ جائز أن يعود إلى إبراهيم أو إلى نوح ﵉ (٥) .
_________________
(١) انظر ابن الجوزي: زاد المسير ٧/٩٦، السخاوي: جمال القراء ١/٣٧، البقاعي: نظر الدرر ١٦/٣٢٢، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ٢٣/٢٠١.
(٢) الآية ٢٠، وسيأتي معنى هذه الآية عند الحديث عن علوم داود ﵇.
(٣) انظر: محمد الطاهر: التحرير والتنوير ٢٣/٢٠١.
(٤) الأنعام، الآية ٢٠.
(٥) انظر: الزجاج: معاني القرآن ٢/٢٦٩، ابن عطية: المحرر الوجيز ٥/٢٦٩.
[ ١ / ١١ ]
وكان داود أحد جنود طالوت، وهو الذي قتل خصمهم جالوت كما قال تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ (١) فاشتملت هذه الآية على ثلاث منح لداود: الملك أي: السلطان، والحكمة أي: النبوة، والعلم في قوله جل شأنه: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ أي علمه صنع الدروع وغيرها (٢)، فكان أول نبي جمعت له النبوة والملك في بني إسرائيل (٣)، مع غزارة علم أشار الله إليها في قوله جلّ شأنه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ (٤) .
هذا هو نبي الله داود كما في القرآن الكريم، وكما يعتقده المسلمون خلافًا لليهود إذا لا يعدّونه نبيًا، وخلافًا لمن بالغ في تعظيمه حتى فضّله على أولي العزم كالداودة الذين يزعمون أنه أفضل الأنبياء والرسل (٥) .
ثم ورث سليمان أباه داود ﵉ في العلم والملك (٦) كما قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ (٧)، وقال جلّ شأنه: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ (٨)، وكان سليمان أعظم ملكًا من أبيه وأقضى منه ﵉ (٩)، قال تعالى في سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (١٠)، وأما القضاء فسيأتي الحديث عنه قريبًا.
_________________
(١) البقرة، الآية ٢٥١.
(٢) انظر الطبري: جامع البيان ٢/٦٣٢، ابن عطية: المحرر الوجيز ٢/٢٧١.
(٣) انظر ابن كثير: البداية والنهاية ٢/١٠، التحرير والتنوير ١٧/١١٤.
(٤) النمل، الآية ١٥، انظر الزمخشري: الكشاف ٣/١٣٩ في تفسيرها.
(٥) انظر: انستاس ماري: الداودة، مجلة المشرق، العدد ٢/يناير/١٩٠٣م، ص:٦٠-٦٧.
(٦) الطبري: جامع البيان ١٩/١٤١.
(٧) ص، الآية ٣٠.
(٨) النمل، الآية ١٦.
(٩) انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ١٣/١٦٤.
(١٠) ص، الآية ٣٥.
[ ١ / ١٢ ]
فذلكما النبيان - الكريمان -وإن كانا دون درجة أولي العزم الخمسة لكنهما من جملة الأنبياء الذين امتدحهم الله في القرآن الكريم مدحًا عظيمًا (١)، ولا التفات لما رُميا به مما لا يليق بأفناء الناس فكيف بأنبياء الله؟! .
لقد امتزجت تلكم الهبات الربانية - النبوة والعلم والملك - فأفرزت بفضل الله شخصيتين مكتملتي المواهب سجلت في القرآن الكريم فحقت أخذ العبرة منها.
وفيما يلي ألقي الضوء على علمهما ﵉ وصلته بشخصيتهما الكريمتين:
القضاء:
قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (٢)، الضمير فى ﴿وَآتَيْنَاهُ﴾ راجع إلى داود ﵇، وهو يدل على أن الذي أوتيه من الحكمة وفصل الخطاب من طريق الوحي، وسيأتي الحديث عن الحكمة في آخر البحث، وأما قوله تعالى: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ فالفصل: «تمييز الشيء من الشيء وإبانته عنه» (٣)، «والخَطب والمخاطبة والتخاطب المراجعة في الكلام» (٤)، ومعنى الآية: إصابة القضاء، وهو قول ابن عباس (ت٦٨ هـ) ﵄ ومجاهد (ت ١٠٤هـ) وغيرهما، ويدخل في ذلك من قال: إن معناه: تكليف المدّعى البينة، واليمين على من أنكر، وإنما كان فصل الخطاب قضاء لأن به يفصل بين الخصومة، والخصام نوع من الخطاب (٥)، وقال آخرون: معنى الآية فصاحة الكلام، وسيأتي هذا المعنى مفصلًا في المبحث التالي.
_________________
(١) انظر عبد الرحمن السعدي: تيسير الكريم الرحمن ٦/٥٦٧.
(٢) ص، الآية ٢٠.
(٣) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، مادة (فصل) ٤/٥٠٥.
(٤) الراغب الأصفهاني: المفردات، مادة (خطب) ١٥٠.
(٥) انظر البخاري: صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ﴾ ٤/١٣٤، الطبري ٢٣/١٣٩، ابن عطية: المحرر الوجيز ١٢/٤٣٧، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ١٥/١٦٢، الآلوسي: روح المعاني ٢٣/١٧٧.
[ ١ / ١٣ ]
واختار ابن العربي القول بأنه علم القضاء، ثم قال: «فأما علم القضاء - فلعمر إلهك - إنه لنوع من العلم مجرّد، وفصل منه مؤكد غير معرفة الأحكام » (١)
ويؤيد القول بأنه علم القضاء سياق الآيات بعدها، حيث أردفها جل شأنه بحادثة من أقضيته، وهي قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ * يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الحِسَابِ﴾ (٢)، لا خلاف بين أهل التأويل أن هؤلاء الخصم إنما كانوا ملائكة (٣) .
_________________
(١) أحكام القرآن ٤/١٦٢٧.
(٢) ص، الآيات ٢١-٢٦.
(٣) ابن عطية: المحرر ١٢/٤٣٧.
[ ١ / ١٤ ]
وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ يقول: «دخلوا عليه من غير باب المحراب، والمحراب مقدّم كل مجلس وبيت وأشرفه» (١) وقوله: ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾ يقول: «لا تجر ولا تسرف في حكمك» (٢)، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ يعني الأخوة في الدين (٣)، والنعجة هي المرأة (٤)، ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ أي ضمها إليّ (٥)، ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾: «غلبني في الخصومة أي كان أقوى على الاحتجاج مني» (٦)، قوله تعالى ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾: «يقول: وعلم داود أنما ابتليناه» (٧)، وأكثر العلماء على أن الركوع في قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ هو السجود (٨)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى﴾ «يقول: وإن له عندنا للقربة منا يوم القيامة» (٩) .
وقد حكيت في هذه القصة أقاويل وصور مأخوذة من الإسرائيليات لا تليق بنبي الله داود الذي رفع الله مكانته وأذاع فضله ﵇، ومن خلال تدبر كلام الله لهذا النبأ، وتأمل ما صح من الروايات في تفسير هذه القصة ظهر لي أن الله أرسل ملكين لداود ﵇ فاختصموا إليه في نازلة قد وقع هو في نحوها، فحكم بحكم هو واقع عليه في نازلته، ولما شعر وفهم المراد خرّ ساجدًا فغفر الله له، وذلك أنه ﵇ سأل رجلًا أن يطلق له امرأته ليتزوجها كما كان ذلك جائزًا في صدر الإسلام، فنبهه الله تعالى على ذلك وعاتبه بهذا المثل يشعره أنه كان الأليق بمقامه ألاّ يتشاغل بهذا الأمر وإن كان مباحًا في دينهم.
_________________
(١) الطبري: جامع البيان ٢٣/١٤١.
(٢) المصدر السابق ٢٣/١٤٢.
(٣) ابن عطية: المحرر ١٢/٤٤٣.
(٤) انظر البخاري: صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ﴾ ٤/١٣٥.
(٥) انظر المصدر السابق.
(٦) الزجاج: معاني القرآن.
(٧) الطبري: جامع البيان ٢٢/١٤٥.
(٨) انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ٤/٩٩.
(٩) الطبري: جامع البيان ٢٢/١٤٥.
[ ١ / ١٥ ]
هذا خلاصة ما وقفت عليه مما صح ومما اعتمده كبار الأئمة، فأما غير هذا فلا ينبغي الاجتراء عليه (١) والله أعلم.
وفيما أخبر الله به عن نبيه داود ﵇ من إيتائه إصابة القضاء تنويه صريح بما أنعم الله عليه من هذا العلم، ومن ثَمَّ صدّقه بما ساقه جل وعز من نبأ الخصم، فلقد أبان عما كان يتمتع به ﵇ من حلم على الخصوم بعد ما تسوّروا المحراب، وقالوا له لا تُجر في الحكم، كما أفصح ذلكم النبأ عن مظهر من مظاهر العدل في قضاء داود ﵇، فقد حكم بينهما بالعدل، ثم حذرهما من الظلم منتهزًا فرص الهداية لئلا يفوت وعظ النفوس وتوجيهها وهي متهيئة للاستجابة فحثهما على أن يكونا من الصالحين، مع ما تضمنه ذلك من تسلية للمظلوم (٢) .
أما ما قاله بعض الناس إن داود ﵇ حكم في القضية قبل أن يستمع حجة الخصم الآخر، وأن هذه كانت خطيئته فإنه قول ضعيف لا يعوّل عليه، وذلك مما لا يجوز عند أحد ولا في ملة من الملل، فكيف بمن امتدحه الله بإصابة القضاء؟! (٣) .
_________________
(١) انظر المصدر السابق ٢٢/١٤٦، النحاس: معاني القرآن ٦/١٠١، وإعراب القرآن ٣/٤٦١، الزمخشري: الكشاف ٣/٣٦٦، ابن عطية: المحرر ١٢/٤٣٩، القرطبي ١٥/١٧٥، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ٢٣/٢٣٧.
(٢) انظر الزمخشري: الكشاف ٣/٣٧١، ابن عطية: المحرر ١٢/٤٤٦، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ٢٣/٢٣٩.
(٣) انظر ابن عطية: المحرر ١٢/٤٤٦، ابن العربي: أحكام القرآن ٤/١٦٣٧، الآلوسي: روح المعاني ٢٣/١٨١.
[ ١ / ١٦ ]
وتبرز هذه الصفة - وهي سمة العدل والإنصاف - عند سليمان بن داود ﵉ في قضية الهدهد حينما توعده في قوله: ﴿لأَعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ (١) فلم يقض في شأنه قضاءً نهائيًا قبل أن يستمع منه ويستبين عذره، وحينما أخبره بنبأ سبأ لم يتسرّع أيضًا بل: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٢) .
_________________
(١) النمل، الآية ٢١.
(٢) النمل، الآية ٢٧، وانظر ابن العربي: أحكام القرآن ٣/١٤٥٨، عبد الرحمن السعدي: تفسير الكريم الرحمن ٦/٥٧٣، سيد قطب: في ظلال القرآن ٥/٢٦٣٨.
[ ١ / ١٧ ]
ومن أبرز الأقضية التي أبانت عن مظهر مشرق من مظاهر حكم كل من داود وسليمان ﵉ ما قصه جل شأنه في قوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًاّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (١) فتضمنت هاتان الآيتان التنويه بعلم داود وسليمان ﵉ والإشادة بقضائهما واجتهادهما من خلال حكمهما في الحرث وهو الزرع، وقيل الكَرْم، حين دخلت فيه غنم القوم الآخرين من غير أهل الحرث ليلًا - وذلك معنى النفش: وهو الرعي ليلًا - فرعته وأفسدته، فرأى داود ﵇ أن يدفع الغنم إلى أصحاب الحرث لسبب اقتضى عنده ترجيح ذلك، ولعلّه أن ثمن ذلك الغنم يساوي ثمن ما أتلف من ذلك الحرث، فكان ذلك عدلًا في تعويض ما أتلف، وأما حكم سليمان فرأى أن تدفع الغنم لأصحاب الحرث عامًا كاملًا كيما ينتفعوا من ألبانها وأصوافها ونسلها، ويدفع الحرث إلى أصحاب الغنم ليقوموا بعمارته، فإذا كَمُل الحرث وعاد إلى حالته الأولى رُدّ إلى كل فريق ماله، فرجع داود إلى حكم سليمان لأنه أرفق، وإن كان قضاء داود متوجهًا، إذ الأصل في الغُرْم أن يكون تعويضًا ناجزًا، وفي قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ دليل على أن الأصوب كان مع سليمان، إذ أحرز أن يبقي ملك كل فريق على متاعه، كما تضمن مع العدل والتعويض البناء والتعمير، وفي قوله تعالى: ﴿وَكُلًاّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ دليل أن اجتهاد كل منهم كان على الصواب، فهو احتراس من أن يفهم أن حكم داود ﵇ كان جورًا (٢)
_________________
(١) الأنبياء، الآيتان ٧٨،٧٩.
(٢) انظر الطبري: جامع البيان ١٧/٥١، الزمخشري: الكشاف ٢/٥٨١، ابن عطية: المحرر الوجيز ١٠/١٧٦، ابن العربي: أحكام٠. القرآن ٣/١٢٦٦، سيد قطب: في ظلال القرآن ٤/٢٣٨٩، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ١٧/١١٦.
[ ١ / ١٨ ]
وفي هذه القصة إشارة إلى لون من ألوان اجتهادهما على أساس من العدل ودقة بالغة في فقه القضاء، كما دلت على تعدد طريق القضاء بالحق والتفاضل بين مراتب الاجتهاد (١) .
«قال جمهور الأمة: أن حكمهما كان باجتهاد» (٢)، ولذلك جوّز المحققون ذلك على الأنبياء (٣)، والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين أنهم معصومون عن الغلط مؤيدون من الله ﷿،والوحي من ورائهم تأييدا وتصويبا (٤)، فلهذا عُدّ من علوم داود وسليمان العلم بطريق الاجتهاد، وهو نوع من العلوم المكتسبة غير العلم اللدني (٥) .
وفي هذه القصة دلالة على أن الفطنة والفهم موهبة من الله لا تتوقف على كبر سن ولا صغره (٦) وقريب من هذه الحكومة ما جاء في الصحيحين أن رسول الله (قال: «كانت امرأتان معهما ابنهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى إنما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود ﵇، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود ﵉ فأخبرتاه، فقال ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى» (٧) .
الفصاحة:
_________________
(١) انظر محمد الطاهر: التحرير والتنوير ١٧/١١٥.
(٢) ابن عطية: المحرر الوجيز ١٠/١٧٨.
(٣) انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ١١/٣٠٩، الآلوسي: روح المعاني ١٧/٧٤، محمد الأمين: أضواء البيان ٤/٥٩٧.
(٤) انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ١١/٣٠٩، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ٥/٣٥١، ابن حجر: فتح الباري ١٣/٢٢٢.
(٥) انظر الآلوسي: روح المعاني ١٧/٧٥.
(٦) انظر ابن حجر: فتح الباري ١٣/٢٢١.
(٧) صحيح البخاري، كتاب الفرائض، باب إذا ادّعت المرأة ابنًا ٨/١٢، صحيح مسلم، باب بيان اختلاف المجتهدين ٣/١٣٤٤، رقم الحديث ١٧٢٠، واللفظ للبخاري.
[ ١ / ١٩ ]
قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (١)، سبقت الإشارة إلى هذه الآية في المبحث السابق، والمعنى الآخر في ﴿َفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ أن الله آتى داود ﵇ بلاغة القول، فكان كلامه فصلًا يعبر عن المعنى بأوضح عبارة، لا يأخذه في ذلك حصر ولا ضعف، ولا يحتاج سامعه إلى زيادة تبيان، وهذا القول هو الذي يعطيه لفظ الآية، ويدخل فيه من قال إنه علم القضاء، فكلامه ﵇ في القضايا والخصومات والمحاورة والمخاطبة والمشورات كله من فصل الخطاب، واختار هذا القول جماعة من المحققين (٢) .
وتلكم البلاغة التي أوتيها ﵇ كانت على اللغة العبرية، ويدخل فيها الزبور «المسمى عند اليهود بالمزامير فهو مَثَلٌ في بلاغة القول في لغتهم» (٣) .
وروى ابن جرير بإسناد صحيح عن الشَّعبي أن فصل الخطاب قوله: «أما بعد» (٤)، وينبغي أن يحمل ذلك على أنه قالها بلسانه بمعناها في اللغة العبرية (٥)، وذلك داخل في القول المذكور آنفًا، فمن فصل الخطاب قوله: «أما بعد» (٦) .
_________________
(١) ص، الآية ٢٠.
(٢) انظر الطبري: جامع البيان ٢٣/١٤٠، الزمخشري: الكشاف ٣/٣٦٥، ابن عطية: المحرر الوجيز ١٢/٤٣٤، مفاتيح الغيب: الرازي ١٣/١٨٧، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ٢٣/٢٢٩.
(٣) محمد الطاهر: التحرير والتنوير ٢٣/٢٢٩.
(٤) انظر الطبري: جامع البيان ٢٣/١٤٠، ابن حجر: فتح الباري ١٣/٢١١.
(٥) انظر ابن العربي: أحكام القرآن ٤/١٦٢٩، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ٢٣/٢٢٩.
(٦) انظر الزمخشري: الكشاف ٣/٣٦٥.
[ ١ / ٢٠ ]
وورث سليمان داود ﵉ في فصاحته، ومن أبلغ كلامه تلكم الوثيقة التي أرسلها إلى ملكة سبأ، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (١) قال ابن كثير (ت٧٧٤ هـ): «وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوجازة والفصاحة، فإنه حصّل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها» (٢)، وبنحو ذلك وصفه غير واحد من المفسرين (٣)، ولهذا وصفته الملكة بأنه كتاب كريم لحسن مضمونه وبلاغته وإصابته المعنى (٤) إذ يقول الله تعالى عنها: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ (٥) واستظهر غير واحد من المفسرين أن الكتاب هو ما نص الله عليه باللغة العربية وبهذا الترتيب (٦)، وحينئذ يكون اسمه ﵇ عنوانًا للكتاب بأعلاه أو جانبه أو بظاهره على حسب طريقة الرسائل الملكية في ذلك العهد (٧) .
وقيل إنه كُتب على لغة سليمان، فيكون هذا النص الكريم ترجمة إلى اللغة العربية الفصحى بتضمين دقيق لما اشتملت عليه اللغة التي أنشئ بها من بلاغة (٨) . والله أعلم.
صنائع الحديد والنحاس وغيرهما:
_________________
(١) النمل، الآيتان ٣٠،٣١.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/١٩٩.
(٣) انظر الزمخشري: الكشاف ٣/١٤٦، ابن عطية: المحرر الوجيز ١١/٢٠١ وغيرهما.
(٤) انظر الزمخشري: الكشاف ٣/١٤٦، ابن العربي: أحكام القرآن ٣/١٤٥٩.
(٥) النمل، الآية ٢٩.
(٦) انظر ابن عطية: المحرر الوجيز ١١/٢٠١، أبا حيان: البحر ٧/٧٢، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ٦/١٩٩.
(٧) انظر المصادر السابقة، الآلوسي: روح المعاني ١٩/١٩٥، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ١٩/٢٥٩.
(٨) انظر أباحيان: البحر ٧/٧٣، الآلوسي: روح المعاني ١٩/١٩٤، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ١٩/٢٥٩.
[ ١ / ٢١ ]
قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ (١)، وقال جلّ شأنه: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ (٢) .
الضمير في ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾، ﴿وَأَلَنَّا لَهُ﴾ راجع إلى داود ﵇، والمراد باللبوس في الآية: الدروع (٣)، وسميت لبوسًا لأنها تلبس كالثوب (٤)، والدرع «يلبس عادة على ثوب من النسيج المبطن يشبه الوسادة تحت حلقات المعدن أو صفحات رقيقة» (٥)، والبأس: القتال (٦) .
وتضمنت الآيتان الأخريان مادة الدروع وهي الحديد، ووصفها بأنها سابغات: «وهي التوامّ الكوامل من الدروع» (٧)، قال قتادة (ت ١١٨هـ): «كانت الدروع قبل داود صفائح، وهو أول من سردها وحلّقها» (٨)، «والسرد خرز ما يخشن ويغلظ كنسيج الدروع» (٩) والتقدير: الإحكام (١٠)، والمعنى: أحْكَم نسجها فيما يجمع بين الخفة والحصانة، لأنها لمّا كانت صفائح كانت ثقالًا تعيق المقاتل عن سرعة الحركة، وأمر بالتقدير لئلا يؤدي سردها إلى أن تكون ضعيفة لا تقوى على الدفاع (١١) .
_________________
(١) الأنبياء، الآية ٨٠.
(٢) سبأ، الآيتان ١٠،١١.
(٣) الطبري: جامع البيان ١٦/٥٤.
(٤) انظر ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، مادة (لبس) ٥/٢٣٠.
(٥) صلاح عاشور: تاريخ الدروع وتطورها، مجلة الجندي المسلم، العدد ٣١، ص٣٠.
(٦) الطبري: جامع البيان ١٦/٥٥.
(٧) المصدر السابق ٢٢/٦٦.
(٨) المصدر السابق ١٦/٥٥.
(٩) الراغب الأصفهاني: المفردات، مادة (سرد) ٢٣٠.
(١٠) انظر المصدر السابق مادة (حكم) ٣٩٦.
(١١) انظر ابن عطية: المحرر الوجيز ١٢/١٤٧.
[ ١ / ٢٢ ]
وهذا الفضل الذي أنعم الله به على داود سماه الله علمًا وزاده شرفًا بأن تولى الله جلّ وعلا تعليمه، وفي ذلك «دليل على تعلم أهل الفصل الصنائع، وأن التحرف بها لا ينقص من مناصبهم؛ بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم، إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخلي عن الامتنان» (١)، كما تدل الآيات على أن العلم وفضله وما يتصل به لا يقتصر على الجانب الشرعي فحسب، المهم أن يكون لله جلّ وعلا، وأن يورث صاحبه الإنابة لله تعالى ويتضح ذلك في سورة سبأ من مناسبة قصة داود ﵇ للآية التي قُبيلها وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (٢)، وكذلك في ختم قصة داود في سورة سبأ بقوله جلّ شأنه: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣)، وكذلك في ختم آية الأنبياء: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (٤)، وذلك بتوظيف هذه النعمة فيما يرضي الله ويقتضي شكره، والجهاد في سبيله، ولقد انتفعت البشرية من هذه الدروع وسارت في تطويرها جنبًا إلى جنب مع تطور الأسلحة حتى العصر الحديث (٥) لكنه لم يكن متصلًا بالله، فلذلك انحرف من مساره الصحيح حتى أدى به إلى أن يكون البشر أنفسهم دروعًا للمنشآت العسكرية وغيرها!! فأين ذلك من الحكمة الإلهية: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ (٦)؟ .
_________________
(١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ١٤/٢٦٧.
(٢) الآية ٩.
(٣) الآية ١١.
(٤) الآية ٨٠.
(٥) انظر هاني أبوغريبة: تاريخ الدروع، مجلة تاريخ العرب والعالم، العدد ١٠٧-١١٠، ص٤٦-٥٦.
(٦) الأنبياء، الآية ٨٠.
[ ١ / ٢٣ ]
ولئن نوّه الله بعلم داود في هذا المجال فإنه قد أشاد بعمله، فقال جلّ وعلا: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ (١)، ووصفه في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ﴾ (٢) قال ابن كثير (ت٧٧٤ هـ): «الأيد القوة في العلم والعمل» (٣)، وقد دلت الآيات والأحاديث على أنه كان موصوفًا بخلال لم يشغله مُلك ولا علم ولا صنعة عن التحلي بها، ومنها ما يلي:
أنه كان موصوفًا بفرط شجاعته (٤)، فهو الذي قتل الطاغية جالوت كما سبق، وكان «لا يفر إذا لاقى» (٥) .
ورعه وعفّته، فكان: «لا يأكل إلا من عمل يده» (٦)، قال ابن حجر (ت٨٥٢ هـ): «والذي يظهر أن الذي كان يعمله داود بيده هو نسج الدروع، وأَلاَن الله له الحديد فكان ينسج الدروع ويبيعها ولا يأكل إلا من ثمن ذلك مع كونه كان من كبار الملوك» (٧) .
نسكه وعبادته، فقد روى مسلم (ت٢٦١ هـ) عن الرسول (أنه قال في داود ﵇: «كان أعبد الناس» (٨)، وروى البخاري (ت٢٥٦ هـ) مرفوعًا: «أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه» (٩) .
وثمة صفات أخرى تضمنها البحث، فالتوازن والاعتدال في العلم والعبادة والعمل سنة الأنبياء وسمة العلماء.
_________________
(١) سبأ، الآية ١٣.
(٢) ص، الآية ١٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٧/٤٩.
(٤) ابن حجر: فتح الباري ١٣/٢١١.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ ٤/١٣٤.
(٦) المصدر السابق ٤/١٣٤.
(٧) ابن حجر: الفتح ١٣/٢٩.
(٨) صحيح مسلم، باب النهي عن صوم الدهر ٢/٨١٣، رقم الحديث ١٨٢.
(٩) صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب: أحب الصلاة إلى الله.." ٤/١٣٤.
[ ١ / ٢٤ ]
وإذا كان داود ﵇ أُلين له الحديد، وطوّعه في الصناعة الحربية فإن ابنه نبي الله سليمان ﵇ قد أسال الله له عين النحاس، واتجة إلى الصناعة المدنية، «وسُخر له أهل الصنائع والإبداع» (١)، قال تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ (٢)، ﴿أَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾، «يقول: وأذبنا له عين النحاس، وأجريناها له» (٣)، وقيل: القطر: الفلزّ كله: النحاس والحديد وغيرهما، وعلى الأول جمهور المفسرين واللغويين، وقيل أذبنا له معدن النحاس على نحو ما كان الحديد يلين لداود، فلذلك سماه عين القطر باسم ما آله إليه، فالعين على هذا القول ليست حقيقة ولكنها مستعارة، والذي تشهد به الآثار أنه على الحقيقة كعيون الماء معجزة لنبيه ﵇ (٤) .
_________________
(١) محمد الطاهر: التحرير والتنوير ١٧/١١٤.
(٢) سبأ، الآيتان ١٢،١٣.
(٣) الطبري: جامع البيان ٢٢/٦٩
(٤) انظر المصدر السابق، الزمخشري: الكشاف ٢٢/٢٨٢، ابن عطية: المحرر ١٢/١٤٩، السيوطي: الدر المنثور ٦/٦٧٧، الآلوسي: روح المعاني ٢٢/١١٧، محمد الطاهر: التحرير ٢٢/١٥٩.
[ ١ / ٢٥ ]
وفي قوله جلّ شأنه: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ معجزة أخرى، حيث سخر له الجن استجابةً لدعائه، وذلك في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ (١)، وقال جلّ شأنه: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ (٢)، فهذه خِصِّيصة لسليمان ﵇، فقد روى البخاري (ت٢٥٦هـ) عن النبي (قال: «إن عفريتًا من الجن تفلّت البارحة ليقطع عليّ صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فرددته خاسئًا..» (٣)، فهذا التسخير من الله وحده وله المنّة، وليس كما يعتقده اليهود أن هذا التسخير ما تم له إلا بعلم السحر (٤) .
ثم أخبر الله تعالى ذكره عن بعض ما يعمله الجن لسليمان ﵇، فقال جلّ ذكره: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾، المحاريب: القصور، هذا هو الراجح في الآية (٥) .
_________________
(١) ص، الآيات ٣٥-٣٨.
(٢) الأنبياء، الآية ٨٢.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى ﴿ووهبنا لداود سليمان..﴾ ٤/١٣٥.
(٤) انظر الزمخشري: الكشاف ١/٣٠١.
(٥) انظر الزمخشري: الكشاف ٢٢/٢٨٢، ابن عطية: المحرر ١٢/١٥٠، ابن منظور: لسان العرب، مادة (حرب) ١/٣٠٦، الآلوسي: روح المعاني ٢٢/١١٧، محمد الطاهر: التحرير ٢٢/١٦٠.
[ ١ / ٢٦ ]
التماثيل: الصّور من النحاس وغيره، وكان هذا من الجائز في ذلك الشرع، ثم نسخ بعض أنواعه بشرع سيدنا محمد (على تفصيل من حيث الحرمة والكراهية والإباحة في أنواعها (١) .
والجِفَان: جمع جَفنة، وهي القَصعة العظيمة، شبهت بالجابية، وهي البِركة التي يجبى إليها الماء (٢) .
والقِدْر: اسم لما يطبخ فيه، والراسيات: الثابتات، لا يُزَلن عن أماكنهن لعظمهن ولتداول الطبخ فيهن صباح مساء (٣) .
إن الله سخر لنبيه الكريم تلكم البدائع من الحضارة والصنائع فسخرها ﵇ في الدعوة إلى الله وتعظيمه، وقد تجلّى ذلك في القصر الذي أمر ملكة بلقيس أن تدخله «ليزيدها استعظامًا لأمره وتحقيقًا لنبوته وثباتًا على الدين» (٤)، حيث يقول الله تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) .
_________________
(١) انظر الطبري: جامع البيان ٢٢/٧٠، ابن عطية: المحرر ١٢/١٥٠، ابن العربي: أحكام القرآن ٤/١٦٠٠، القرطبي: الجامع ١٤/٢٧٣.
(٢) انظر الطبري: جامع البيان ٢٢/٧١، ابن عطية: المحرر ١٢/١٥٢، اللسان، مادة (جبي) ١٤/١٢٨، (جفن): ١٣/٨٩.
(٣) انظر الطبري: جامع البيان ٢٢/٧١، الأصفهاني: المفردات، مادة (قدر) ص٣٩٦، محمد الطاهر: التحرير ٢٢/١٦٣.
(٤) الزمخشري: الكشاف ٣/١٥٠.
(٥) النمل، الآية ٤٤.
[ ١ / ٢٧ ]
فبنى هذا القصر من زجاج مُمَلّس، وأجرى من تحته الماء، وجعل الزجاج شفافًا يُرى ما وراءه (١)، فتحقق لسليمان ﵇ ما أراده من هدايتها وإعلان إسلامها: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
وبعد؛ فما أبلغ قول الله في سليمان وداود ﵉،حيث يقول جلّ شأنه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، فلم يعطف ﴿وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بالفاء ولكن عطفه بالواو، «إشعار بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم وشيء من مواجبه، فأضمر ذلك ثم عطف عليه التحميد، كأنه قال: ولقد آتيناهما علمًا فعملا به وعلّماه وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا: الحمد لله» (٣) .
حُسْن الصوت:
_________________
(١) انظر الطبري: جامع البيان ٢٢/١٦٨، الزجاج: معاني القرآن ٤/١٢٢، الزمخشري: الكشاف ٣/١٥٠.
(٢) النمل، الآية ١٥.
(٣) الزمخشري: الكشاف ٣/١٣٩.
[ ١ / ٢٨ ]
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ (١)، اختلف المفسرون في المراد بالفضل المذكور في هذه الآية على أقوال كثيرة، فمنهم من عمّم ذلك على مجموع ما آتاه الله من النبوة والملك والصوت الحسن والعلم وعمل الدروع.. وغير ذلك (٢)، ومنهم من خصّه بنوع من هذه الأنواع (٣)، ومنهم من خصّه بالصوت الحسن وبذلك قطع ابن العربي (٤) (ت٥٤٣ هـ)، ولعله اختار هذا القول نظرًا إلى السياق، لأن الله تعالى أتبعه بقوله: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾، قال الزجّاج (ت٣١١ هـ): «المعنى فقلنا يا جبال أوبي معه» (٥)، وقال العُكبري (ت٦١٦هـ): «أي وقلنا يا جبال، ويجوز أن يكون تفسيرًا للفضل» (٦)، أوّبي: أي رجّعي معه التسبيح (٧)، قال كثير من العلماء إن داود كان ذا صوتٍ حسن، فكان إذا رجع التسبيح والزبور بصوته الشجيّ رجّعت الجبال والطير مثل تسبيحه طربًا لصوته (٨)، وفي الصحيحين أن رسول الله (سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال: «لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود» (٩)، والمراد بالمزمار: الصوت
_________________
(١) سبأ، الآية ١٠.
(٢) انظر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ٦/٤٨٥، محمد الأمين: أضواء البيان ٦/٦١٨.
(٣) انظر ابن العربي: أحكام القرآن ٤/١٥٩٤، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ١٤/٢٦٤
(٤) أحكام القرآن ٤/١٥٩٥.
(٥) معاني القرآن ٤/٢٤٣.
(٦) إملاء ما منّ به الرحمن ٢/١٩٥.
(٧) الزمخشري: الكشاف ٣/٢٨١.
(٨) انظر ابن العربي: أحكام القرآن ٤/١٥٩٦، الرازي: مفاتيح الغيب ١٣/١٨٥، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ٦/٤٨٥، عبد الرحمن السعدي: تيسير الكريم الرحمن ٦/٢٦٤.
(٩) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب حسن الصوت بالقراءة ٦/١١٢، ومسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين وقصرها ١/٥٤٦، رقم الحديث (٢٣٥،٢٣٦) .
[ ١ / ٢٩ ]
الحسن، وأصله الآلة المعروفة، وأطلق اسمها على الصوت للمشابهة، ونص غير واحد على أن المقصود بآل داود: داود نفسه، وإليه المنتهى في حسن الصوت، ولم يعرف من أقاربه أنه كان أعطي من حسن الصوت ما أعطي، ف (آل) هنا مقحمة (١)، ولا يبعد أن يكون آل داود قد أورثوا هذه الهبة، وإنما خُصّ داود ﵇ من بينهم بتسبيح الجبال معه والطير، كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ (٣)، وهذا التسخير معجزة من الله لنبيه داود ﵇، وتسبيح الجبال والطير معه تسبيح حقيقي مسموع، لا يجوز صرفه عن ظاهره إلا بدليل يعوّل عليه (٤)، وقد أشارت الآيات إلى أمرين:
أولاهما: أن وقت التسبيح بالعشي والإشراق، والعشي: من وقت العصر إلى الليل، والإشراق بالغداة وقت الضحى (٥) .
ثانيهما: أن ذلك مقصور على الجبال والطير فقط، فكان «إذا سّبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه، واجتماعها إليه كأن حشرها» (٦) .
وكذلك الصوت الحسن الذي امتن الله به على داود موهبة كريمة من الله تعالى، ونص بعض المفسرين على أنه من العلم الذي أشار الله إليه في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ (٧)، وأطلق بعضهم عليه علم الألحان (٨) .
_________________
(١) انظر ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث، مادة (زمر) ٢/٣١٢، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ١٤/٢٦٥، ابن حجر: فتح الباري ١٩/١١٢.
(٢) الأنبياء الآية ٧٩.
(٣) ص، الآيتان ١٨،١٩.
(٤) انظر الآلوسى روح المعانى ٢٢/١١٢، محمد الأمين: أضواء البيان ٤/٦٧٢.
(٥) انظر الطبرى: جامع البيان٢٢/١٣٧.
(٦) المصدر السابق ٢٢/١٣٨.
(٧) البقرة، الآية ٢٥١.
(٨) الرازي: مفاتيح الغيب ٣/٢٠٤ أبوحيّان: البحر ٢/٢٦٨.
[ ١ / ٣٠ ]
قال ابن العربي (ت٥٤٣ هـ) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا﴾ (١): «والأصوات الحسنة نعمة من الله تعالى وزيادة في الخلق ومنّة، وأحق ما لبست هذه الحُلّة النفيسة والموهبة الكريمة كتاب الله، فنعم الله إذا صرفت في الطاعة فقد قضى بها حق النعمة» (٢)، وتحسين الصوت بالقراءة أمر متفق على استحبابه، وأما الألحان فوقع بين السلف اختلاف في جواز القراءة بها، قال ابن حجر (ت٨٥٢ هـ): «والذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنًا فليحسنه ما استطاع ومن جملة تحسينه أن يُراعى فيه قوانين النغم، فإن الحسن الصوت يزداد حسنًا بذلك وإن خرج منها أثّر ذلك في حسنه، وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء، ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام؛ لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء، فإن وجد من يراعيهما معًا فلا شك في أنه أرجح من غيره؛ لأنه يأتي بالمطلوب مع تحسين الصوت، ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء» (٣) .
_________________
(١) سبأ، الآية ١٠.
(٢) أحكام القرآن ٤/١٥٩٧.
(٣) فتح البارى ١٩/٨٧.
[ ١ / ٣١ ]
وعلماء التجويد والقراءات لا يعتدون بعلم الألحان، وإنما يشتغل به من يتخذون القرآن الكريم حرفة لإحياء الليالي والمآتم ونحوها، وما ذكره ابن حجر (ت٨٥٢ هـ) وغيره من الأئمة المعتبرين من الجواز في ذلك إنما مرادهم التلحين البسيط الذي لا يؤثر على الأداء الصحيح، وهذا هو محل الخلاف، وما حرره ابن حجر لا مزيد عليه – ﵀ -، أم التلحين الموسيقي الذي ابتلي به بعض الناس ممن لا يُعتبرون من علماء التجويد ولا القراءات فلا يختلف في تحريمه؛ لأن الأداء الصحيح متوقف على مقدار معين في الحركات ومقادير الغنن والمدود، وكذلك التلحين يتعين له مقدار من الصوت لا يتم إلا به، فلا يمكن اجتماعهما في القرآن الكريم المنزل للإعجاز (١) .
وقد ذُكر أن داود ﵇ له معرفة بالنغم والعزف، وأن المزامير ما صنعت إلا على صوته، ولم يثبت في ذلك نقل صحيح يُعوّل عليه (٢)، والصواب تنزيهه عن ذلك، بل آتاه الله تعالى الصوت الحسن هبة إلهية إذ يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا﴾ (٣) .
منطق الطير:
قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ (٤)، منطق الطير: معرفة دلالات أصوات الطيور من صفير ونعيق وغيرهما على ما في إدراكها وإرادتها (٥) .
_________________
(١) انظر ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون ٤٢٦، ابن الجزري: النشر ١/٢١٢.
(٢) انظر أبا حيان: البحر ٢/٢٦٩، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ٧/٢٣٨.
(٣) سبأ، الآية ١٠.
(٤) النمل، الآية ١٦.
(٥) انظر الزمخشري: الكشاف ٣/١٤٠، ابن العربي: أحكام القرآن ٣/١٤٤٨، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ٢٢/٢٣٧.
[ ١ / ٣٢ ]
وقوله جل وعزّ عن سليمان ﵇ ﴿عُلّمْنَا﴾ يدل على أن هذا العلم أوتيه سليمان من طريق الوحي معجزة له ودلالة على صدق نبوته ﵇، وهذا شيء لم يعطه أحد من البشر قبله (١) .
وذهب بعض العلماء إلى أن الضمير في ﴿عُلّمْنَا﴾ راجع إلى داود وسليمان، ومن ثَم عدّوا ذلك من علم داود أيضًا، والأولى الاقتصار على ظاهر القرآن، وأن ذلك مما خص به سليمان وحده (٢) .
وذهبت فرقة إلى أن هذا العلم لسليمان كان في جميع الحيوان، والصواب أنه لم يثبت من ذلك إلا منطق الطير، وأما ما ذكره الله عن النملة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ (٣) فليس فيه ما يدل على الاطراد كفَهْمِ منطق الطير، فالوقوف على ما جاء به النص الكريم أسلم (٤)، والله أعلم.
_________________
(١) انظر ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، محمد الطاهر: التحرير ٢٢/٢٣٦.
(٢) انظر الآلوسي: روح المعاني ١٩/١٧٢.
(٣) النمل، الآيتان ١٨،١٩.
(٤) انظر ابن عطية: المحرر ١١/١٨٢، ابن العربي: أحكام القرآن ٣/١٤٤٩، الآلوسي: روح المعاني ١٩/١٧٢،١٧٥، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ٢٢/٢٣٧.
[ ١ / ٣٣ ]
ولئن اختلف العلماء في الطيور وسائر الحيوانات والحشرات هل لها لغات وأفهام وعقول (١)؟ فقد أثبتت الدراسات الحديثة في القرنين الأخيرين أن لكل جماعة لغة يتفاهم بها أفرادها حسب مراداتهم ومدركاتهم، وذلك مظهر حي ووجه من وجوه الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، لكن يجب التنبه إلى أن ما توصل إليه بعض العلماء في هذا المجال يظل معتمدًا على المراقبة والاجتهاد، وحبيس الظن والحدس، ولا يمكن أن يرتقي إلى العلم اللدني الذي تفضل الله به على نبيه سليمان ﵇ على وجه الخارقة والمعجزة (٢) خلافًا للمتفلسفة الذين «لم يُقرّوا بأن الأنبياء يعلمون ما يعلمونه بخبر يأتيهم من الله، لا بخبر ملك ولا غيره، بل زعموا أنهم يعلمونه بقوة عقلية، لكونهم أكمل من غيرهم في قوة الحدس، ويسمون ذلك القوة القدسية» (٣) .
_________________
(١) انظر ابن العربي: أحكام القرآن ٣/١٤٤٩، الآلوسي: روح المعاني ١٩/١٧٢.
(٢) انظر سيد قطب: الظلال ٥/٢٦٣٤، عبد الحميد طهماز: المعجزة والإعجاز في سورة النمل ص٥٢، أمين محمد عثمان: حياة الحيوان، مجلة الوعي الإسلامي ص ٦٥، العدد ٣٤٨، شعبان ١٤١٥هـ.
(٣) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل ١/١٧٩.
[ ١ / ٣٤ ]
لا ريب أن قصة سليمان ﵇ مع هذه الكائنات تنويه صريح بعلمه وقد تضمنت أنموذجًا فريدًا للعالم الشاكر المتواضع في شخصية سليمان ﵇: أما شكره فقد تمثل في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ (١)، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (٢)، وقوله بعد أن سمع كلام النملة: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ (٣)، فهذه الجمل متضمنة شكر الله على ما وهبه من العلم، ومعنى ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾: وفقني لملازمة شكر نعمتك (٤) .
وقد وقع منه مثل ذلك لما رأى عرش ملكة بلقيس مستقرًا عنده، «جعل يشكر نعمة ربه بعبارة فيها تعليم للناس، وهي عرضة للاقتداء بها والاقتباس منها» (٥)، ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (٦)، «يقول: ليختبرني ويمتحنني أأشكر ذلك من فعله عليّ، أم أكفر نعمته عليّ بترك الشكر له» (٧) .
وأما تواضعه فقد جاء في مطلع القصة في قوله وقول أبيه ﵉: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨) فقد أشار قولهما إلى اعتقادهما أن في عباد الله من يفضلهم في العلم (٩) .
_________________
(١) النمل، الآية ١٦.
(٢) النمل، الآية ١٦.
(٣) النمل، الآية ١٩.
(٤) انظر الزمخشري: الكشاف ٣/١٤٠، ١٤٢، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ٢٢/٢٣٦،٢٤٤.
(٥) ابن عطية: المحرر الوجيز ١١/٢١٠.
(٦) النمل، الآية ٤٠.
(٧) الطبري: جامع بيان ٢٢/١٦٥.
(٨) النمل، الآية ١٥.
(٩) انظر الزمخشري: الكشاف ٣/١٤٠، الآلوسي: روح المعاني ١٩/١٧١.
[ ١ / ٣٥ ]
كما جاء فيما ذكره الله عن الهدهد في قوله: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، قال الزمخشري (ت٥٣٨ هـ): «ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام على ما أُوتي من فضل النبوة والحكمة والعلوم الجمّة والإحاطة بالمعلومات الكثيرة ابتلاء له في علمه وتنبيهًا على أن في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علمًا بما لم يحط به لتتحاقر إليه نفسه، ويتصاغر إليه علمه، ويكون لطفًا له في ترك الإعجاب الذي هو فتنة العلماء وأعظم بها فتنة» (١) .
وفي هاتين الخصلتين تنويه بشرف العلم؛ لأنه استدعى الشكر الذي هو من أجلّ الطاعات، وأورث أهله التواضع.
_________________
(١) الكشاف ٣/١٤٣.
[ ١ / ٣٦ ]
وثمة صفات أخرى وأمور مهمة في العلم اشتمل عليها منطق النملة والهدهد في قول الله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ * وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لأَُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ* قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (١) .
_________________
(١) النمل، الآيات ١٧-٢٦.
[ ١ / ٣٧ ]
لقد دلت تلكم الآيات على أن علم نبي الله سليمان ﵇ يظل محدودًا بالنسبة لعلم الله الذي أحصى كل شيء علمًا، فقد جاء عن كل من النملة والهدهد ما يفيد ذلك، وهما من أضعف الخلق، ومعنى ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرونَ﴾: «وهم لا يعلمون» (١)، ومعنى ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾: «أحطت بعلم ما لم تحط به أنت يا سليمان» (٢)، ومن ثَمَّ أخبر الهدهد - فيما ذكره الله عنه - بعلم الله بكل شيء ما خفي وما ظهر وهو عال على خلقه مستو على عرشه، لهذا كان «إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة وفي قعور البحار ورؤوس الآكام وبطون الأودية وفي كل موضع، كما يعلم علم ما في السموات السبع وما فوق العرش، أحاط بكل شيء علمًا، فلا تسقط ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات البر والبحر ولا رطب ولا يابس إلا قد عرف ذلك كله وأحصاه، فلا تعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره» (٣) .
_________________
(١) الطبري: جامع البيان ٢٢/١٤٢.
(٢) المصدر السابق ٢٢/١٤٣.
(٣) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل ٢/٣٥.
[ ١ / ٣٨ ]
وفيما ذكره الله عن الهدهد «رد على من قال إن الأنبياء تعلم الغيب» (١)، وفيه إبطال لمن زعم أن الجن تعلم الغيب، ففي الآيات السابقة أشار الله إلى الجن وأنهم ضمن جنود سليمان ﵇، ومع هذا غاب عنهم خبر الهدهد والنملة، وقد كان فشا أن الجن تعلم الغيب فكذبهم الله ببرهان عملي في سليمان نفسه ﵇، وذلك في قوله الله جلّ شأنه: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ (٢) فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (٣) المعنى لأنهم لو كانوا يعلمون ما غاب عنهم ما عملوا مسخرين، إنما عملوا وهم يظنون أنه حي يقف على عملهم» (٤) .
هذا وقد تضمنت آيات سورة النمل السابقة آداب جمة، منها:
الدلالة على شرف العلم وفخره وأناقة محله، وذلك في قول الله تعالى:: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، وفي «هذا دليل على أن الصغير يقول للكبير والمتعلم للعالم عندي ما ليس عندك إذا تحقق ذلك وتيقنه» (٥) .
_________________
(١) القرطبي: الجامع ١٣/١٨١.
(٢) " المنسأة: العصا "، الزجاج: معاني القرآن ٤/٢٤٧.
(٣) سبأ، الآية ١٤.
(٤) الزجاج: معاني القرآن ٤/٢٤٧.
(٥) ابن العربي: أحكام القرآن ٣/١٤٥٦.
[ ١ / ٣٩ ]
كما تضمن قوله ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا﴾ على قراءة الكسائي (١) - تقديرها ألا يا هؤلاء اسجدوا (٢) - أسلوبًا تعليميًا في استغلال المواقف في الحث على التوجيه، فهو أدعى للقبول والاستجابة، قال برهان الدين البقاعي (ت٨٨٥ هـ): «بدئ بأداة الاستفتاح تنبيهًا لهم على عظم المقام لئلا يفوت الوعظ أحدًا منهم بمصادفته غافلًا، ثم نادى لمثل ذلك وحذف المنادى إيذانا بالاكتفاء بالإشارة لضيق الحال خوفًا من المبادرة بالنكال عن استيفاء العبارة التي كان حقها ألا يا هؤلاء اسجدوا لله، أي لتخلصوا من أسر الشيطان، فإن السجود مرضاة للرحمن » (٣) .
وثمة أحكام وآداب اشتملت عليها الآيات سبق الحديث عنها في مواضعها من هذا البحث.
حكمة داود وسليمان ﵉:
وهي مما أفاض الله على جميع أنبيائه ﵈، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٥)، كما خصّ بالذكر بعض أنبيائه، ومنهم داود ﵇، إذ يقول الله تعالى فيه: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٦)، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ (٧) .
_________________
(١) انظر ابن مجاهد السبعة ٤٨٠.
(٢) مكي: الكشف عن وجوه القراءات السبع ٢/١٥٨.
(٣) نظم الدرر ١٤/١٥٣.
(٤) آل عمران، الآية ٨١.
(٥) النساء، الآية ٥٤.
(٦) البقرة، الآية ٢٥١.
(٧) ص، الآية ٢٠.
[ ١ / ٤٠ ]
والمقصود بالحكمة في الآيات الآنفة النبوة، وهي داخلة في المعنى العام للحكمة، وهو إصابة الحق بالعلم والعقل والعمل به (١)، فالحكمة من المعاني الجامعة، وما سبق في هذا البحث من علم داود وسليمان ﵉ يعتبر من الحكمة، ومن أروع الصور التي بانت فيها حكمتهما ذلكم الملك الواسع الذي استكمل فيه تمام الحكمة، فلم يبلغ أحد من أنبياء بني إسرائيل ما بلغ ملكهما (٢)، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله تعالى عن داود: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ (٣)، وقال تعالى عن سليمان: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (٤)، وإنما بلغا ذلك بما وهبهما الله من العلم السني الذي قام عليه ملكهما وانتظمت به حضارتهما
الفذة، التي تعتبر مثلًا للحضارة الحقة بجميع أبعادها.
وفي قصة سليمان ﵇ صفحات من تلكم الحضارة النيّرة والحكمة الباهرة، ومنها ما يلي:
_________________
(١) انظر الطبري: جامع البيان ٢/٦٣٢، ٢٣/١٣٩، ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، مادة (حكم) ٢/٩١، الراغب الأصفهاني: المفردات، مادة (حكم) ١٢٧، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ١/٤٧٦، ٧/٥١.
(٢) انظر الطبري: جامع البيان ٢٣/١٣٩، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ٣/١٦٤، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ٧/٥٠، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ١٧/١١٤.
(٣) ص، الآية ٢٠.
(٤) ص، الآية ٣٥.
[ ١ / ٤١ ]
* شفقة الراعي وجنوده على الرعية، وذلك في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ (١)، «تعني أنهم لو شعروا لم يفعلوا» (٢)، «وهذا تنويه برأفته وعدله الشامل لكل مخلوق لا فساد منه، أجراه الله على نملة ليعلم شرف العدل، ولا يحتقر مواضعه، وأن ولي الأمر إذا عدل سرى عدله في سائر الأشياء وظهرت آثاره فيها» (٣) .
* ومنها تفقد الراعي أحوال رعيته، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ (٤)، وفي ذلك ما يدل على اليقظة والمحافظة على الرعية، فإذا كان هذا في شأن الطير فكيف بشأن الناس وعظائم الملك (٥)، إذا لا يخفى دور ذلك في صلاح الأحوال وإحكام النظام.
كانت تلك بعض ملامح سياسته الداخلية، وقد أشرت فيما سبق إلى ما كان يقوم به من صنائع وأبنية وغيرها.
_________________
(١) النمل، الآية ١٨.
(٢) الزمخشري: الكشاف ٣/١٤٢.
(٣) محمد الطاهر: التحرير والتنوير ٩/٢٤٣.
(٤) النمل، الآية ٢٠.
(٥) انظر ابن العربي: أحكام القرآن ٣/١٤٥٤.
[ ١ / ٤٢ ]
وأما سياسته الخارجية فقد تجلت بعض جوانبها في قصته مع ملكة سبأ، وقد تركزت حكمته ﵇ في جميع مراحلها في تفعيل العلم الصحيح لأنه أمضى من قوة السلاح وغيره، فإنه لما جاء الهدهد بخبر قوم سبأ تثبّت ﵇ أولًا من صحة الخبر، ولم يستفزه طمع ولم يسيطر عليه غضب، «وإنما طلب الانتهاء إلى ما أخبر وتحصيل علم ما غاب من ذلك حتى يغيره بالحق ويرده إلى الله تعالى» (١) ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ (٢)، وقد سبق الحديث عما اشتمل عليه هذا الكتاب من قول الحكمة في مبحث الفصاحة.
فلما استشارت الملكة ملأها ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ (٣)، فأحست منهم الميل إلى المحاربة ورأت أن تستخدم مالها بدلًا من القوة، إذ قالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٤) فتبين له قصدها من الهدية أن تصانعه لتصرفه عمّا تضمنه كتابه بالرشوة (٥)، فأجابهم بقوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ (٦)، قال الزمخشري
_________________
(١) المصدر السابق ٣/١٤٥٨.
(٢) النمل، الآية ٢٧.
(٣) النمل، الآية ٣٣.
(٤) النمل، الآية ٣٥.
(٥) انظر ابن العربي: أحكام القرآن ٣/١٤٦٠، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ١٩/٢٦٨.
(٦) النمل، الآية ٣٦.
[ ١ / ٤٣ ]
(ت٥٣٨ هـ): «بل أنتم قوم لا تعلمون إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا، فلذلك تفرحون بما تزادون به ويهدي إليكم؛ لأن ذلك مبلغ همتكم.. فإن قلت فما وجه الإضراب؟، قلت: لما أنكر عليهم الإمداد وعلل إنكاره، أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه، وهو أنهم لا يعرفون سبب رضا ولا فرح إلا أن يهدي إليهم حظ من الدنيا التي لا يعلمون غيرها» (١) .
فلما ارتحلت ملكة سبأ إلى سليمان ﵇ طائعة واستبان له ما لهذه المرأة من حصافة ورجاحة عقل اتخذ أسلوب الحكمة في دعوتها إلى الإيمان بالله تعالى، قال ابن زيد:
«أعلم الله سليمان أنها ستأتيه فقال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِين﴾ (٢) حتى يعاتبها، وكانت الملوك يتعاتبون بالعلم» (٣)، وأراد سليمان ﵇ أن يبين لملائه أنه يتأتى بالحكمة والعلم ما لا يتأتى بالقوة، فطلب منهم ذلك ليكون مثلًا لتغلب العلم على القوة (٤) ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (٥)، وفي هذا تنبيه على الذي عنده علم من الكتاب - وهو رجل من أهل الحكمة - اقتدر على ذلك وتغلب على العفريت مع ما فيه من شدة بقوة العلم وليس بالشدة (٦) .
_________________
(١) الكشاف ٣/١٤٨.
(٢) النمل، الآية ٣٨
(٣) الطبري: جامع البيان ١٩/١٦٠.
(٤) انظر محمد الطاهر: التحرير والتنوير ١٩/٢٧١.
(٥) النمل، الآيتان ٣٩،٤٠.
(٦) انظر البقاعي: نظم الدرر ١٤/١٦٤، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ١٩/٢٧١.
[ ١ / ٤٤ ]
قال تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ الا يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ (١)، وهكذا نجد أن سليمان ﵇ أعمل حكمته فيما تعرفه وهو عرشها، حيث أراها ما وهبه الله من قدرة عظيمة في إحضار العرش والتصرف فيه مع عجزها عن السيطرة عليه، والعلم المذكور في الآية «علم الحكمة الذي علمه الله سليمان ورجال مملكته وتشاركهم بعض أهل سبأ في بعضه، فقد كانوا أهل معرفة أنشأوا بها حضارة مبهتة» (٢) .
ثم ترقّى بها إلى ما لا تعلم ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ (٣) ليثبت لها أن العبادة من دون الله تصدّ عن استكمال العلم وتحقق الرشد، فإنها لما رأت الصرح انبهرت بما شاهدت ولم تعرف حقيقته ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ (٤)، ومن ثَمَّ أعلنت إسلامها لما رأت من عظمة سلطانه وما آتاه الله تعالى وجلالة ما هو فيه، وأقرت بنبوته (٥) ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦)
_________________
(١) النمل، الآيات ٤١-٤٣.
(٢) محمد الطاهر: التحرير والتنوير ١٩/٢٧٤.
(٣) النمل، الآية ٤٤، وقد سبق التعليق على معاني هذه الآية في آخر مبحث الصنائع.
(٤) النمل، الآية ٤٤.
(٥) انظر ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ٦/٢٠٦.
(٦) النمل، الآية ٤٤. المصادر والمراجع ابن الأثير، المبارك بن محمد الجزري، النهاية في غريب الحديث تحقيق طاهر الزاوي ومحمود الطناحي، بيروت. الآلوسي، محمود بن عبد الله، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، الطبعة (٤) ١٤٠٥هـ، بيروت، دار إحياء التراث العربي. أمين محمد عثمان، حياة الحيوان، مجلة الوعي الإسلامي، العدد ٣٤٨، ١٤١٥هـ. انستاس ماري الكرملي، الداودة، مجلة المشرق، ٢/يناير /١٩٠٣م. البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، استانبول،١٩٨١م. البقاعي، إبراهيم بن عمر، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، الطبعة (٢)، ١٤١٣هـ، القاهرة، دار الكتاب الإسلامي. ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق د. محمد رشاد سالم، الرياض، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٣٩٩هـ. ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، دقائق التفسير، تحقيق د. محمد السيد الجليند، الطبعة (٢) ١٤٠٤هـ، بيروت، مؤسسة علوم القرآن. ابن الجزري، محمد بن محمد الدمشقي، النشر في القراءات العشر، إشراف علي الضباع، بيروت، دار الكتب العلمية. ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد، زاد المسير في علم التفسير، الطبعة (٣) ١٤٠٤هـ، بيروت، المكتب الإسلامي. ابن حجر، أحمد بن علي بن محمد، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تحقيق طه عبد الرءوف وزميليه، القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، ١٣٩٨هـ. أبو حيان، محمد بن يوسف، البحر المحيط، الطبعة (٢) ١٤٠٣هـ، بيروت دار الفكر. ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، مقدمة ابن خلدون، بيروت، مؤسسة الأعلمي. الرازي، محمد بن عمر، مفاتيح الغيب، بيروت، دار الفكر. الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، ضبط محمد سيد كيلاني، بيروت دار المعرفة. الزجاج، إبراهيم بن السّري، معاني القرآن، تحقيق د. عبد الجليل عبده شلبي، بيروت، دار عالم الكتب، ١٤٠٨هـ. الزركشي، محمد بن عبد الله، البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة (٢)، ١٣٩١هـ. الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق التنزيل، بيروت، دار المعرفة. السخاوي، علي بن محمد، جمال القراء، تحقيق د. علي البواب، مكة المكرمة، مكتبة التراث، ١٤٠٨هـ. سيد قطب، في ظلال القرآن، الطبعة (٧) ١٣٩٨هـ، بيروت، دار الشروق. السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، الإتقان في علوم القرآن، الرياض، مكتبة الباز، ١٤١٧هـ. السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، الدر المنثور في التفسير المأثور، بيروت، دار الفكر، ١٤٠٣هـ. صلاح عاشور، تاريخ الدروع وتطورها، مجلة الجندي المسلم، العدد (٣١)، ١٤٠٤هـ. الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبعة (٣) ١٣٨٨هـ، القاهرة، مصطفى الحلبي. عبد الحميد محمود طهماز، المعجزة والإعجاز في سورة النمل، دمشق (دار القلم)، بيروت (دار المنارة) ١٤٠٧هـ. عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، إشراف محمد زهري النجار، الرياض، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية، ١٤٠٤هـ. ابن العربي، محمد بن عبد الله، أحكام القرآن، تحقيق علي محمد البجاوي، بيروت، دار المعرفة. ابن عطية، عبد الحق بن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق عبد الله الأنصاري وزملائه، الدوحة ١٣٩٨هـ. العكبري، عبد الله بن الحسين، إملاء ما منّ به الرحمن من وجوه الإعراب، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٣٩٩هـ. ابن فارس، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، الطبعة (٣) ١٤٠٢هـ، القاهرة، الخانجي. ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، الطبعة (٥) ١٤٠٤هـ، بيروت، مكتبة المعارف. ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، تحقيق عبد العزيز غنيم وزميليه، القاهرة، الشعب. القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي. ابن مجاهد، أحمد بن موسى، السبعة، الطبعة (٢) ١٤٠٠هـ، القاهرة، دار المعارف. مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية. محمد الأمين الشنقيطي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، الرياض، ١٤٠٣هـ. محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، تونس، الدار التونسية، ١٩٨٤م. محمد الغزالي، نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم، الطبعة (٣) ١٤١٧هـ، القاهرة، دار الشروق. مكي بن أبي طالب، الكشف عن وجوه القراءات السبع، تحقيق د. محي الدين رمضان، الطبعة (٢) ١٤٠١هـ، بيروت، مؤسسة الرسالة. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار صادر. النحاس، أحمد بن محمد، إعراب القرآن، تحقيق د. زهير غازي زاهد، الطبعة (٢) ١٤٠٥هـ، عالم الكتب. النحاس، أحمد بن محمد، معاني القرآن الكريم، تحقيق محمد علي الصابوني، مكة المكرمة، مركز إحياء التراث، ١٤٠٨هـ. هاني أبو غريبة، تاريخ الدروع، مجلة تاريخ العرب والعالم، الأعداد ١٠٧-١١٠، محرم - ربيع الثاني ١٤٠٨هـ (كذا في المجلة) ص٤٦-٥٦.
[ ١ / ٤٥ ]
«««
الخاتمة:
بعون الله وفضله تمّ تأمل قصص داود وسليمان ﵉ في القرآن الكريم وإلقاء الضوء على علمهم، ومن أهم النتائج التي انتهى إليها البحث ما يلي:
* سعة علم الله وإحاطته بكل شيء، فهو ﷻ عال على خلقه مستوٍ على عرشه ولا يخفى عليه شيء، وأنه لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه، ومن زعم أن غيره كذلك فقد ضلّ ضلالًا بعيدًا.
* إظهار علم الله وحكمته من أهم مقاصد سور القرآن الكريم.
* من أهم مقاصد قصص داود وسليمان ﵉ في القرآن الكريم تقرير علم الله جلّ وعلا.
* شرف العلم ونفاسته، وأناقة محلّه وفخر حملته، وأنه أغلى من المال وأكرم من السلطان.
* لا يتم العلم إلا بالعلم، وأن شرف العالم في التحلي بآدابه.
* منزلة داود وسليمان ﵉ في النبوة والعلم والملك، والرد على اليهود في الطعن في نبوتهما.
* الرد على من غلا فيهما أو في أحدهما من حيث علم الغيب أو الأفضلية على أولي العزم وسائر الأنبياء والرسل.
* تبرئتهما ﵉ مما نسب إليهما من اتخاذ المعازف وعلم السحر وغير ذلك مما رُميا به من اليهود.
* أن القرآن الكريم هو أحسن القصص وأصدقه، وأما ما ورد من الإسرائيليات فأكثره مبدل أو مزيد أو منقوص أو محرف ، فينبغي أخذ الحيطة في ذلك.
* أن العلم من أبلغ المعجزات التي أُيدا بها على وجه الخارقة، ومن علمهم ما هو عن طريق الاجتهاد كما في مبحث القضاء.
* ما توصل إليه العلماء من لغة الحيوان ونحو ذلك مبني على المراقبة والحدس، أما الأنبياء فإنهم يعلمون ذلك بوحي من الله.
* بيان ما ورثه سليمان من داود ﵉ من العلم، وإبراز ذلك من خلال علم القضاء والفصاحة والصناعة، وكذلك الحكمة.
* التحرف بالصناعة لا ينقص من قدر المرء، بل ذلك زيادة في الفضل والفضائل.
[ ١ / ٤٦ ]
* أن العلم وفضله وما يتصل بذلك لا يقتصر على المجالات الشرعية فحسب، بل العبرة بما كان لله، وبما يورثه من خشية لله.
* الإيمان بالله طريق للانتفاع بجميع العلوم وتوظيفها في نصرة الإيمان ونهضة الأمة.
* الكفر ظلمة تحجب عن استكمال العلم وتحقق الرشد في الدارين.
وثمة نتائج أخرى تضمنها البحث في التفسير وغيره، ومن أهم ما تجدر العناية به العلم في ضوء قصص الأنبياء، فكما أن في كل قصة عبرة فكذلك في كل قصة علم، وما هذا البحث إلا حلقة من سلسلة حلقات ينبغي أن تتواصل على أيدي الباحثين لإبراز هدايات القرآن الكريم ودلالته.
وبعد: فإن هذا البحث جهد مقل، فما كان فيه من صواب فمن فضل الله وتوفيقه، وما كان فيه من زلل أو تفريط فمن تقصيري، وأستغفر الله..
اللهم ارحمنا بالقرآن، والحمد لله في الأولى والآخرة.
الهوامش والتعليقات
[ ١ / ٤٧ ]