د. إبراهيم بن سليمان آل هويمل
استاذ مشارك بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
ملخص البحث
إن حج بيت الله الحرام أحد أركان الإسلام الخمسة العظام التي أمرنا بها في محكم القرآن وصريح السنة، جاء الحديث عنه في القرآن الكريم في آيات كثيرة لا عن وجوبه والأمر به فحسب، بل وعن مكانه، وآدابه وعلى من يجب وغير ذلك من الأحكام المترتبة عليه، كما سنقف عليه - إن شاء الله - في الآيات التالية، مما يدل دلالة ظاهرة على أن المتدبر لآيات القرآن الكريم يجد وفاءه لحاجات البشر، وشموله لكل شيء، وأنه المعجزة العظمى فهو لا يتحدث عن الحج حديثًا عامًا، بل حديثًا دقيقًا شاملًا.
لذا أحببت أن أجمع الآيات في هذا الموضوع، وأبين هذه الأحكام التي ذكرها القرآن، ليقف القارئ على شيء من بيان القرآن ووفائه بحاجات البشر، وهذا الذي قمت به جهد مقل، وترجع أهمية هذا البحث إلى ما يلي:
كونه بحثًا قرآنيًا يعيش الباحث فيه مع آيات القرآن الكريم.
أنه يحث يتعلق بركن من أركان الإسلام.
حاجة البشر إلى القرآن وتعاليمه، والنهل من معينه الصافي فهو يهدي للتي هي أقوم.
وتظهر أهمية هذا الموضوع بتكرر الحج في كل عام وكثرة زائريه، حيث يقدَم إليه في كل عام من لم يزره قبل ممّن هو بحاجة إلى بيان أحكام هذه العبادة.
وفي نهاية هذا البحث الذي ذكرت فيه حديث القرآن عن فريضة الحج ومكانته ومنافعه، وأحكامه وتوصلت منه إلى ما يلي:
عظم مكانة الحج ومنزلته في الدين.
أن الحج عبادة لله، فرضت على هذه الأمة وعلى غيرها.
الاهتمام بشأن البيت العتيق والعناية به.
وعيد من لم يحج وهو مستطيع بالكفر.
أن معظم مسائل الحج مذكورة في القرآن الكريم.
ضرورة التزام الحاج بآذاب الحج وتحليه بها.
«««
مقدمة:
[ ١ / ٤٨ ]
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (وعلى آله وصحبه.
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (١) .
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾ (٢) .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾ (٣) .
أما بعد:
فإن حج بيت الله الحرام أحد أركان الإسلام الخمسة العظام التي اُمرنا بها في محكم القرآن وصريح السنة.
هذا الركن جاء الحديث عنه في القرآن الكريم في آيات كثيرة لا عن وجوبه والأمر به فحسب، بل وعن مكانه، وآدابه وعلى من يجب وغير ذلك من الأحكام المترتبة عليه، كما سنقف عليه - إن شاء الله - في الآيات التالية، مما يدل دلالة ظاهرة على أن المتدبر لآيات القرآن الكريم يجد وفاءه لحاجات البشر، وشموله لكل شيء، وأنه المعجزة العظمى فهو لا يتحدث عن الحج حديثًا عامًا كما يخطر على بال بعض الخلق، بل حديثًا دقيقًا شاملًا.
لذا أحببت أن اجمع الآيات في هذا الموضوع، وأبين هذه الأحكام التي ذكرها القرآن، ليقف القارىء على شيء من بيان القرآن ووفائه بحاجات البشر، وهذا الذي قمت به جهد مقل، وأسأل الله الغفران والتجاوز عن السهو والتقصير. والحمد لله رب العالمين.
أهمية الموضوع:
كونه بحثًا قرآنيًا يعيش الباحث فيه مع آيات القرآن الكريم.
أنه بحث يتعلق بركن من أركان الإسلام - الحج -
_________________
(١) سورة آل عمران (١٠٢)
(٢) سورة النساء (١)
(٣) سورة الأحزاب (٧٠-٧١)
[ ١ / ٤٩ ]
حاجة البشر إلى القرآن وتعاليمه، والنهل من معينه الصافي فهو يهدي للتي هي أقوم.
وتظهر أهمية هذا الموضوع بتكرار الحج في كل عام وكثرة زائريه، حيث يقدم إليه في كل عام من لم يزره قبل مما هو بحاجة إلى بيان أحكام هذه العبادة.
المنهج الذي سرت عليه في كتابة البحث:
استقراء الآيات حول الموضوع، وجمعها.
ترتيب الآيات على المباحث المناسبة لها.
دراسة هذه الآيات حسب ما يقتضيه الموضوع. دراسة مختصرة مقتصرًا على بيان ما نصت عليه الآية فقط، معرضًا عن ذكر الخلاف بين العلماء.
وكانت الدراسة في هذا الموضوع حسب الخطة التالية وتتكون الدراسة مما يلي:
المقدمة: وفيها أهمية الموضوع ومنهجي في دراسته وخطة البحث.
المبحث الأول: تعريف الحج لغة واصطلاحًا.
المبحث الثاني: مكانة الحج في القرآن الكريم.
المبحث الثالث: فرض الحج. وتحته ثلاث مطالب:
ابتدأ فرض الحج
على من يجب الحج.
أوجه اليسر التي نص عليها القرآن في أداء هذه العبادة.
المبحث الرابع: آثار الحج ومنافعه.
المبحث الخامس: فقه الحج في القرآن الكريم.
المبحث السادس: آداب تتعلق بالحج.
الخاتمة: وفيها أهم النتائج.
المبحث الأول: تعريف الحج في اللغة:
قال ابن فارس: (الحاء والجيم أصول أربعة - فالأول القصد، وكل قصدٍ حج. قال:
وأشهدُ من عوفٍ حُلولًا كثيرةً يحجون سِبّ الزبرقانِ المزعفرا (١)
ثم اختص بهذا الاسم القصدُ إلى بيت الله الحرام للنسك، والحجيج: الحاج) (٢) .
_________________
(١) الحلول جمع حال - ومعنى يحجون: يقصدون، والسب: العمامة، والمزعفر: المصبوغ بالزعفران، يعني أنهم يقصدونه في أمورهم. والبيت للمخبل السعدي، كما في اللسان (حجج) انظر مذاهب الأخيار في أحكام الحج والاعتمار - لأبي محمد بيبا بن فاليد،ص ١٩، والمغني ٥/٥.
(٢) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، كتاب الحاء ٢/٢٩.
[ ١ / ٥٠ ]
وقال في المفردات: (أصل الحج القصد للزيارة) (١) .
وقال في مختار الصحاح: (الحج في الأصل القصد، وفي العرف قصد مكة للنسك، وبابه ردّ والحج بالكسر الاسم، والحجة بالكسر أيضًا، المرة الواحدة، وهي من الشواذ لأن القياس الفتح) (٢) .
وعلى هذا فمعنى الحج في اللغة: هو القصد، ولا شك أن الحج أمر عظيم، عظيم في نفسه، وعظيم في مكانه، وعظيم في زمانه، وعظيم في أعماله.
أما عِظَمُه في نفسه، فكونه أحد أركان الإسلام.
وأما في مكانه، فهو في أقدس البقاع وأطهرها.
وأما في زمانه، فهو في الأشهر الحرم.
وأما في أعماله، فمن طواف بالبيت وسعي بين الصفا والمروة ووقوف بعرفات، ومبيت بمزدلفة إلى غير ذلك من أعماله العظيمة.
- نطق لفظة الحج:
في حاء الحج لغتان: الفتح والكسر، وقد قرئى في القرآن الكريم بهما في قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حِج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ (٣) .
فقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، بالكسر.
وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم، وابن عامر: بالفتح (٤) .
- تعريف الحج في الاصطلاح:
قال ابن قدامة: (اسم لأفعال مخصوصة) (٥) .
وقال غيره: (اسم لأفعال مخصوصة في زمن مخصوص ومكان مخصوص على وجه مخصوص) (٦) .
وقال في المفردات: (خص في تعارُفِ الشرع بقصد بيت الله تعالى إقامة للنسك) (٧) .
وقال الشيخ ابن عثيمين: (التعبد لله - ﷿ - بأداء المناسك على ما جاء في سنة رسول الله () (٨) .
ومن مجمل هذه التعريفات وغييرها يمكن أن يقال:
_________________
(١) المفردات، كتاب الحاء، ص ١٠٧.
(٢) الرازي، مختار الصحاح (حجج) ص ١٢٢
(٣) سورة آل عمران (٩٧)
(٤) ابن مجاهد - السبعة، ص ٢١٤.
(٥) ابن قدامه - المغني ٥/٥.
(٦) مذاهب الأخبار، ص ١٩.
(٧) المفرادات، كتاب الحاء، ص ١٠٧
(٨) ابن عثيمين - الشرح الممتع، ٧/٧.
[ ١ / ٥١ ]
هو قصد بيت الله الحرام تعبدًا لله - ﷿ - لأداء أفعال مخصوصة في زمن مخصوص.
المبحث الثاني: مكانة الحج في القرآن الكريم:
لهذه الشعيرة، ولهذا الركن العظيم منزلته الكبيرة في القرآن الكريم، والحديث عنه تارة بالأمر به، وتارة بالأمر بإتمامه، وتارة ببيان مكانه، وأخرى بتطهير هذا المكان، وتارة ببيان زمانه وغير ذلك من الأساليب مما يدل على عناية القرآن بشأن الحج.
وقد برزت في آيات القرآن صور هذا الإهتمام بشأنه وإظهار مكانته العظمى ومن ذلك.
١ - كونه عبادة خالصة لله - ﷿ - يقول تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ (١) .
ويقول: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (٢) .
أي أن تخلصوهما للعبادة ولا تشوبوهما بشيء من الأغراض الدنيوية (٣) .
فالحج كما أراده الله فريضة تُفرد لله بالإخلاص والقصد، وهذا ظاهر من قول المتلبس به [لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك لك
لبيك] وإذا كان الإخلاص مطلبًا في كل عبادة لله ﷿. فهو في هذا الركن أظهر فهو عبادة بدنية ماليه، يفارق فيها الحاج أهله وماله ووطنه ويتحمل في سبيلها الصعاب، كل ذلك استجابة لله ﷿ واقتداء برسوله (وامتثالًا لأمره، فلا يتحمل الحاج كل هذا إلا لله ﷿ لا يقصد به رياءً أو سمعة ولذا كان الإخلاص في أداء هذه العبادة أظهر منه في غيرها من العبادات إذ يخرج الحاج عن مألوفه في كثير من أعماله، ويحرم عليه ما كان حلالًا له، ومع ذلك يلتزم بهذه الأوامر امتثالًا لأمر الله جل وعلا.
٢ - تعليق الكفر على تركه:
قال تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ (١٤) .
قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أي ومن جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه (٤) .
_________________
(١) سورة آل عمران (٩٧) .
(٢) سورة البقرة (١٩٦)
(٣) انظر تفسير أبي السعود، ١/٢٤٢.
(٤) ابن كثير - تفسير القرآن العظيم، ١/٣٨٦.
[ ١ / ٥٢ ]
فبين القرآن الكريم أن ترك الحج وجحده كفر.
ولذا قال عمر بن الخطاب ﵁: (من أطاق الحج فلم يحج فسواء عليه مات يهوديًا أو نصرانيًا) (١) .
ولذا قال تعالى: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ .
قال ابن سعدي ﵀: (فمن أذعن لذلك وقام به فهو من المهتدين المؤمنين، ومن كفر، فلم يلتزم حج بيته، فهو خارج عن الدين، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) (٢) .
وقال السيوطي في الإكليل عند ذكره لهذه الآية:
(واستدل بظاهرها ابن حبيب على أن من ترك الحج وإن لم ينكره كفر) (٣) .
وقال القاسمي: (هذه الآية الكريمة حازت من فنون الاعتبارات المعربة عن كمال الاعتناء بأمر الحج والتشديد على تاركه مالا مزيد عليه، فمنها: الاتيان باللام وعلى في قوله: ولله على الناس حج البيت، يعني أنه حق واجب لله في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج عن عهدته.
ومنها: أنه ذكر الناس ثم أبدل منه من استطاع إليه سبيلا.
وفيه ضربان ثم ذكرهما.
ومنها قوله: ومن كفر مكان من لم يحج تغليظًا على تارك الحج.
ومنها: ذكر الاستغناء عنه، وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان) (٤) .
ولا شك أن هذا من عظم هذه العبادة، وعلو منزلتها في الدين، ورفعة مكانتها، ولو لم تكن كذلك لما ترتب الكفر على تاركها مع القدرة على الإتيان بها.
٣ - اشتراك الشرائع السابقة فيه:
وقد أخبر النبي (بأن الأنبياء قد قصدوه، فقال: (ما من نبي إلا وقد قصد البيت إلا ما كان من هود وصالح) كما في سنن البيهقي (٥/١٧٧)، ومع توالي السنين انهدم فجدده إبراهيم وإسماعيل كما في قوله: ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾ (٥) .
_________________
(١) المرجع السابق، وقال: اسناده صحيح إلى عمر.
(٢) ابن سعدي، تفسير كلام المنان، ١/٤٠٣.
(٣) السيوطي، الأكليل، ص ٧١.
(٤) القاسمي، محاسن التأويل، ٤/٩٠٩.
(٥) سورة الحج (٢٦) .
[ ١ / ٥٣ ]
ومعنى بوأنا أخبرنا بموضعه الذي كان موجودًا فيه.
وأخبر أنه أقامه، فقال: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا﴾ (١) .
وغيرها من الآيات الدالة على أنه كان موجودًا ومحجوجًا مقصودًا ولذا كان البيت معظمًا عند العرب، بل تعده فخرها وعزها.
وقد ورد في التاريخ ما أحدثوا في الحج من البدع والمنكرات مما ليس موجودًا في الدين كالطواف عراة والوقوف في مزدلفة بدلًا من عرفه وغير ذلك، حتى حج الرسول (في السنة العاشرة وأعاد مناسك الحج إلى ما كانت عليه في عهد إبراهيم ﵇.
٤ - تطهير مكانه من الشرك:
كما قال تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ . فتطهير تلك البقعة المباركة من آثار الشرك والمشركين وتحريمها عليهم، وتحريم دخولهم ومرورهم بحماها فيه من تعظيم هذه العبادة ما لا يخفى، ليقوم بها المسلمون في أمن، ولتكون خالصة لهم. ولذا أرسل الرسول (أبا بكر وعلي وغيرهما من الصحابة ﵃ في السنة التاسعة من الهجرة وأمرهم بأن ينادوا [ألا لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان] (٢) .
فنادوا بذلك في أيام الحج، وعرف الناس جميعًا هذا الأمر، فلم يطف بالبيت عريان بعد هذا النداء، ولم يحج المشركون في عامهم القابل وما بعده، ولذا حج رسولنا (سنة عشر للهجرة.
فكون هذه العبادة تؤدى في هذه البقعة المقدسة الطاهرة وتهيأة هذا المكان لها على هذه الصفة، مما يزيد في مكانتها في النفوس، ويبين عظم منزلتها في الدين.
٥ - ومن مكانة الحج في القرآن العظيم أن توعد من أحدث في مكانه ظلمًا بالعذاب الأليم. كما في قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب
_________________
(١) سورة البقرة (١٢٧)
(٢) أخرجه البخاري، ح/٣٦٩، ١٦٢٢، والإمام مسلم ٨/١٤٦
[ ١ / ٥٤ ]
أليم﴾ (١) .
ولا يغيب عن ذهن القارىء ما حصل لأصحاب الفيل عندما هموا بفعل المناكر في الحرم، فأنزل الله عليهم عذابًا شديدًا، وجعل هذه الآيات التي تتلى إلى قيام الساعة مذكرة ومحذرة من عمل كذلك، بل حتى العزم بفعل السيئة، بل ما هو أقل من ذلك كاحتكار الطعام، وشتم الخادم، وغير ذلك (٢) من الأمور التي تكدر صفو الحج.
٦ - شرف مكانه - وهو شرف البيت وأهميته.
وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ (٣) .
وقوله تعالى: ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنًا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ (٤) .
وغيرها من الآيات التي تدل على العناية والإهتمام بالبيت العتيق، وتبين مكانته.
والبيت هو الكعبة المشرفة الذي ورد الأمر بتطهيره والإهتمام به وله منزلته في النفوس، ومكانته فيها، لذا تتجه قلوب العباد إليه، وهممهم تتعلق به فهو قبلتهم يتوجهون إليه في صلاتهم. وقد ورد في دعاء إبراهيم ﵊: ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ (٥) فاستجاب الله دعاءه ولاشك أن هذا من شرف هذا البيت حيث أمر الناس بقصده والتوجه إليه. ووعدهم برزقهم وجلب الثمرات والخيرات لهم، لا يخاف القادم إليه من جوع لكونه في أرض غير ذي زرع، أو يخاف من ظمأ فقد أجرى الله ماء زمزم لتكون ريّا وطعمًا لزائري البيت الحرام.
المبحث الثالث: فرض الحج:
المطلب الأول: ابتدأ فرض الحج:
_________________
(١) سورة الحج (٢٥)
(٢) انظر للإستزادة: تفسير ابن أبي حاتم ٨/٢٤٨٣-٢٤٨٥.
(٣) سورة البقرة (١٢٥)
(٤) سورة آل عمران (٩٧)
(٥) سورة إبراهيم (٣٧)
[ ١ / ٥٥ ]
إن المتأمل في كتاب الله ﷿ يجد أن أول ما فرض الحج في زمن إبراهيم الخليل ﵊ وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾ (١) .
يقول الإمام الشنقيطي ﵀:
(الأذان في اللغة: الإعلام والرجال في الآية: جمع راجل، وهو الماشي على رجليه، والضامر: البعير ونحوه. المهزول الذي أتعبه السفر، وقوله (يأتين): يعني الضوامر المعبر عنها بلفظ كل ضامر والفج: الطريق، وجمعه فجاج والعميق: البعيد ثم قال والخطاب في قوله ﴿وأذن في الناس﴾ لإبراهيم كما هو ظاهر من السياق، وهو قول الجمهور أي وأمرنا إبراهيم أن اذن في الناس بالحج: أي أعلمهم، وناد فيهم بالحج: أي بأن الله أوجب عليهم حج بيته الحرام. ثم قال: وذكر المفسرون أنه لما أمره ربه، أن يؤذن في الناس بالحج قال: يارب: كيف أبلغ الناس، وصوتي لا ينفذهم؟ فقال: نادِ وعلينا البلاغ. فقام على مقامه، وقيل على الحجر، وقيل: على الصفا، وقيل: على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتًا فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك) (٢) .
وقال ابن كثير ﵀:
بعد ذكره لكلام المفسرين السابق: (هذا مضمون ما ورد عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف والله أعلم) (٣) .
وهذا النداء بعد أن أمره الله ﷿ ببناء البيت وتطهيره وتهيئته لحجاجه والطائفين به والمعتكفين فيه.
أما عن البناء فقد قال تعالى مخبرًا عن أقدميته:
_________________
(١) سورة الحج (٢٧)
(٢) الشنقيطي، أضواء البيان ٥/٦٥-٦٦.
(٣) ابن كثير، تفسير القرآن الكريم، ٣/٢١٦.
[ ١ / ٥٦ ]
﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين﴾ (١) .
وهذ يؤيد من قال إن إبراهيم ﵊ أول من بنى البيت العتيق وذلك كما في قوله تعالى:
﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئًا وطهر بيتي للطائفين والقائمن والركع السجود﴾ (٢) .
ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيح عن أبي ذر ﵁ قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: بيت المقدس. قلت: كم بينهما؟ قال: اربعون سنة (٣) .
وسواء ابتدأ إبراهيم ﵊ بناءه أو عهد إليه تجديد البناء بعد اندثاره فقد عهد إلى إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود.
فهذا ما يتعلق بفرض الحج على العموم.
أما ما يتعلق بفرضية الحج على هذه الأمة وإيجابه عليها فهذا يؤخذ من قوله تعالى:
﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ (٤) .
ومن هذه الاية علم وجوب الحج.
قال ابن كثير ﵀:
هذه آية وجوب الحج عند الجمهور (٥) .
وإذا كانت هذه الاية آية وجوب الحج فلا بُدّ من النظر في تاريخ نزولها ليعلم تاريخ فرض الحج متى هو:
إن المتأمل في نزول القرآن يجد أن صدر سورة آل عمران نزل في السنة التاسعة وهي سنة الوفود (٦) .
يقول ابن تيمية:
" وآية آل عمران نزلت بعد ذلك، سنة تسع أو عشر، وفيها فرض الحج " (٧) .
ويقول ابن عثيمين:
_________________
(١) سورة آل عمران (٩٦)
(٢) سورة الحج (٢٦)
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء. انظر فتح الباري ٦/٤٠٧ ح /٣٣٦٦.
(٤) سورة آل عمران (٩٧)
(٥) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ١/٥٠٢.
(٦) ينظر أسباب النزول للواحدي ص ٥٣، وسيرة ابن هشام ٢/٢٠٤-٢١٠.
(٧) ابن تيمية، الفتاوي ٢٦/٧.
[ ١ / ٥٧ ]
" وأما فرض الحج فالصواب: أنه في السنة التاسعة، ولم يفرضه الله تعالى قبل ذلك، لأن فرضه قبل ذلك ينافي الحكمة، وذلك أن قريشًا منعت الرسول (من العمرة، فمن الممكن والمتوقع أن تمنعه من الحج ومكة قبل الفتح بلاد كفر، ولكن تحررت من الكفر بعد الفتح، وصار إيجاب الحج على الناس موافقًا للحكمة" (١) .
وإنما أخر النبي (الحج إلى العاشرة لكثرة الوفود عليه في السنة التاسعة الذين جاءوا إليه ليتفقهوا في الدين، وأيضًا أخر الحج من أجل أن يتمحض حجه للمسلمين فقط فإنه أذن في التاسعة ألاّ يحج بعد العام مشرك (٢) .
كل هذا يدل على أن الحج إنما فرض في السنة التاسعة والحق أن هناك آيات قرآنية نزلت قبل هذه الآية وفيها ذكر الحج والأمر بإتمامه كما في قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (٣) .
وهذه الآية نزلت في السنة السادسة من الهجرة عام الحديبية، وفيها الأمر بإتمام الحج والعمرة.
وإذا علمنا أن هذه الآية نزلت متقدمة على الاية السابقة فإن الأمر لا يخلو من:
١ - أن يكون فرض الحج بهذه الآية. وهذا رأي بعض أهل العلم وهو قول مرجوح لما تقدم.
٢ - إن الآية إنما أمر فيها بإتمامهما لمن شرع فيهما، لم يأمر فيها بابتداء الحج والعمرة، والنبي (اعتمر عمرة الحديبية قبل أن تنزل هذه الآية، ولم يكن فرض عليه لا حج ولا عمرة، ثم لما صده المشركون أنزل الله هذه الآية، فأمر فيها بإتمام الحج والعمرة وبين حكم المحصر الذي تعذر عليه الإتمام (٤) .
وبعد هذا يترجح ما ذهب إليه الجمهور وهو أن الحج إنما فرض في السنة التاسعة من الهجرة، ولذا أمر الرسول (أبا بكر أن يحج بالناس وأمر عليًا أن يؤذن في الناس، ويعلمهم بتطهير البيت من البدع وما أحدث في الحج من المنكرات التي تخالف مناسكه، ليصفو الحج من قابل للمسلمين.
_________________
(١) ابن عثيمين، الشرح الممتع، ٧/١٧.
(٢) المراجع السابقة.
(٣) سورة البقرة (١٩٦)
(٤) ابن تيمية، الفتاوي، ٢٦/٧-٨.
[ ١ / ٥٨ ]
المطلب الثاني: على من يجب الحج:
تقدم أن الحج الركن الخامس من أركان الإسلام، وتبين لنا أنه فرض في السنة التاسعة من الهجرة على الصحيح من أقوال أهل العلم ومع أنه الركن الخامس إلا أنه يختلف عن بقية أركان الإسلام فهو لا يجب على المسلم إلا إذا توفر شرطه وهو المذكور في قوله تعال: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ .
فالشرط هنا هو الاستطاعة فإذا حصلت الاستطاعة وجب الحج وإذا فقدت الاستطاعة سقط وجوب الحج، وهذا من رحمة الله بعباده وتيسيره لهم، (ولهذا أتي بهذا اللفظ ﴿من استطاع إليه سبيلًا﴾ الذي يمكن تطبيقه على جميع المركوبات الحادثة والتي ستحدث) (١) في هذا العصر أو غيره من العصور.
والاستطاعة فسرها رسولنا (لما سئل عنها بقوله الزاد والراحلة. فقد أخرج الحاكم بسنده عن أنس ﵁ عن النبي (في قوله ﵎: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ قال: قيل يا رسول الله ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة.
ثم قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. . . ووافقه الذهبي (٢)، والحديث وإن كان الصحيح أنه عن الحسن مرسلًا، فالزاد والراحلة من الاستطاعة. وليست هي الاستطاعة وحدها.
وقد فصل الفقهاء. . في المراد بالزاد والراحلة.
فإذا قدر على الوصول إليه يأي مركوب يناسبه، وزاد يتزوده فهو مستطيع.
وبقية التفصيل في الاستطاعة وصفة الزاد، ومن يكفي، وما المدة التي يكفي فيها، وكذلك التفصيل في الراحلة وغير ذلك مبحوث في موضعه من كتب الفروع.
أما بقية الشروط كالإسلام والحرية والبلوغ وغيرها فلم يرد لها ذكر في القرآن الكريم.
المطلب الثالث: أوجه اليسر:
_________________
(١) ابن سعدي، تفسير كلام المنان، ١/٤٠٣.
(٢) الحاكم، المستدرك، ١/٤٤٢.
[ ١ / ٥٩ ]
لقد اختار الله لنا الإسلام ورضيه لنا دينًا، وفضله على جميع الأديان، وجعله دينًا ميسرًا وسهلًا ولا حرج فيه ولا مشقة كما قال تعالى:
﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وكما في قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ والآيات في هذا الموضوع كثيرة جدًا، والحج وهو الركن الخامس من أركان الإسلام، يمتاز بهذه الصفة العظيمة صفة التيسير وعدم الحرج، ولقد بين لنا القرآن الكريم أوجه اليسر في أداء هذه العبادة العظيمة. وذلك فيما يلي:
١- كونه على المستطيع:
وذلك في قوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلًا﴾ وقد تقدم الحديث عن هذا فيمن يجب عليه الحج فعلم الله ﷾ الذي أحاط بكل شيء علمًا أن هناك من المسلمين من لا يستطيع الوصول إلى هذا البيت العتيق، إما لبعد فنأى به مسكنه عنه، أو لفقر لا يستطيع الوصول إليه، أو لمرض أو لسبب من الأسباب المانعة، فخفف الله عنهم هذا الركن.
ويدخل في هذا الجانب أيضًا، وإن لم ينص عليه في القرآن الكريم أن جعل الحج مرة واحدة في العمر، يدل لذلك حديث الرسول (حين سئل عن الحج أفي كل عام؟ قال
(الحج مرة فمن زاد فهو تطوع) (١) .
٢- ومن أوجه التيسير ما في قوله تعالى:
﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ (٢) .
أي من نفر من منى وخرج منها قبل غروب شمس اليوم الثاني من أيام التشريق وهو اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة، فلا إثم عليه، وهذا تخفيف من الله تعالى على عباده في إباحة التعجل، فمنهم من لا يستطيع البقاء، ومنهم من لا يتحمل المبيت في منى إلى غير ذلك، ولقد ظهر هذا الأمر جليًا في هذا العصر، وخاصة مع بعد الديار وصعوبة الوصول إليها إلا عن طريق الطيران الذي لا يتحكم الإنسان فيه.
_________________
(١) الإمام أحمد، المسند، ١/٢٩٠، والحاكم، المستدرك، ١/٤٤١، وقال اسناده صحيح وأقره الذهبي.
(٢) سورة البقرة (٢٠٣)
[ ١ / ٦٠ ]
ولا شك أن هذا من التيسير المصاحب لهذه العبادة العظيمة.
أما أوجه اليسر التي أشارت إليها السنة المطهرة فكثيرة جدًا.
من الوقوف بعرفة ولو ساعة من ليل أو نهار إلى تمديد وقت الرمي، إلى رفع الحرج عن أصحاب الأعذار وعدم مبيتهم في منى، إلى التخيير في الأعمال أيام العيد إلى غير ذلك.
المبحث الرابع: آثار الحج ومنافعه:
للحج آثار ومنافع عظيمة أشار القرآن الكريم إلى كثير منها، ومن هذه الآثار والفوائد.
- حصول المنافع:
وذلك في قوله تعالى:
﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم﴾ (١) .
وهذه المنافع متعددة منها المنافع الدينية ومنها المنافع الدنيوية.
أما المنافع الدينية فمنها:
أ - العبادات الفاضلة والعبادات التي لا تكون إلا في الحرم من طواف وسعي ووقوف في المزدلفة ورمي للجمار وإراقة دماء الهدي في الحرم، والمبيت في منى وهذه لا تكون إلا في الحرم، ووقوف في عرفة وهو موقف عظيم.
ومن منافعه عظم المكان حيث تضاعف فيه الحسنة.
ومن المنافع الدينية أيضًا ما ذكر بعد هذه الاية وهو قوله تعالى:
﴿ويذكروا اسم الله. . .﴾ وذكر اسم الله من أعظم الذكر ولا شك أن الذكر من أعظم المنافع الدينية التي يزداد بها العبد حسنات ويكفر به عنه من السيئات ما لا
يخفى، ويدخل في هذا الذكر التسمية عند ذبح الهدي.
ب- المنافع الدنيوية، ومنها التجارة.
وذلك في قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم. . .﴾ (٢)
في البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت: ﴿ليس عليكم جناح﴾ (٣) .
قال القاسمي:
_________________
(١) سورة الحج (٢٧-٢٨)
(٢) سورة البقرة (١٩٨)
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب التجارة.. ح/٩٠٤.
[ ١ / ٦١ ]
(ففي الآية الترخيص لمن حج في التجارةونحوها من الأعمال التي يحصل بها شيء من الرزق - وهو المراد بالفضل هنا - أي لا أثم عليكم في أن تبتغوا في مواسم الحج رزقًا ونفعًا وهو الربح في التجارة مع سفركم لتأدية ما أفترضه عليكم من الحج (١)، ولاشك أن هذا من أعظم المنافع الدنيوية.
- ومن المنافع الدنيوية أيضًا:
الأكل من الهدي، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ .
فقوله (فكلوا منها) أي من لحم الهدي، وقد ثبت أن رسول الله (لما نحر هديه أمر من كل بدنة ببضعة فتطبخ، فأكل من لحمها، وحسا من مرقها (٢) .
ولا شك أن هذا من المنافع لهم، وإن المتأمل في مشروع توزيع لحوم الهدي والأضاحي على الدول والمسلمين المحتاجين في هذا العصر ليدرك تمامًا هذه المنفعة الدنيوية، إذ يتزود الحاج لطعامه من هديه، ويُزود غيره من هذا الهدي.
هذه أهم المنافع التي ورد لها ذكر في القرآن العظيم، وأما إذا نظر إلى منافعه عمومًا فهي كثيرة جدًا.
المبحث الخامس: فقه الحج في القرآن:
إن القرآن العظيم هو المصدر الأول من مصادر التشريع، ومنه استنبط العلماء الأحكام، ومنها ما نص عليه القرآن، وفصل في أحكامه، ومنها ما أجمل فيه وجاء التفصيل من سنة الرسول (.
والحج من تلكم الأحكام التي تحدث القرآن على حكمه وفرضه كما تقدم قريبًا. ولم يكن حديث القرآن عن فقه الحج حديثًا مفصلًا تفصيلًا دقيقًا، كما هو مفصل في كتب الفروع، من شروطه، وأركانه، وواجباته، وسننه، وما إلى ذلك. وإنما جاء حديث القرآن عن الحج مجملًا ذاكرًا للقواعد الكلية، والمسائل العامة التي أخذ الفقهاء – ﵏ - منها تلك التفصيلات.
_________________
(١) القاسمي، محاسن التأويل، ٣/٣٩٦.
(٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الحج، ح /١٤٧.
[ ١ / ٦٢ ]
أ - ما ذكر في القرآن من أركان الحج:
إن المتتبع لآيات القرآن يجد أنه أشار إلى كثير من هذه الأركان، وورد ذكرها في آياته.
وقد حدد الفقهاء هذه الأركان وهي:
١ - الإحرام.
٢ - الوقوف بعرفه.
٣ - الطواف.
٤- السعي.
١ - الإحرام: وقد تحدث القرآن الكريم عنه وذلك
في قوله تعالى: ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾ (١) .
وفي قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ (٢) .
وفي قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ (٣) .
ففي هذا الآيات الثلاث ما يشير إلى التلبس بالإحرام وهو نية الدخول في النسك، ولذلك قال النبي (: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى) (٤) .
وهذا ما عليه كثير من العلماء، وهو ما دل عليه القرآن حيث بين أن المتلبس بالإحرام عليه أن يتجنب أشياء مخصوصة بينت الآيات السابقة شيئًا منها.
ولاشك أن الإحرام هو الركن الأول للحج فإذا نوى الحاج الدخول في النسك فقد تلبس به، وحرم عليه أشياء كثيرة، منها ما بين القرآن ومنها ما بين في السنة.
٢ - ومن أركان الحج التي ورد ذكرها في القرآن: الوقوف بعرفه.
وذلك في قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ .
ولذا قال النبي (الحج عرفه فمن أدرك عرفه فقد أدرك الحج (٥) .
فقوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ يدل على أن الوقوف بعرفة لابد منه وأنه أمر مسلم به.
يقول ابن المنذر:
(أجمعوا على أن الوقوف بعرفه فرض لا حج لمن فاته الوقوف بها) (٦) .
والمراد بالفرض هنا أنه ركن.
٣ - ومن أركان الحج التي ورد ذكرها في القرآن الكريم: الطواف.
_________________
(١) سورة المائدة (١)
(٢) سورة المائدة (٩٥)
(٣) سورة المائدة (٩٦)
(٤) أخرجه البخاري في بدء الوحي، حديث رقم (١) ومسلم في الاماره ٣/١٥١٥.
(٥) أخرجه أحمد في المسند، ٤/٣٠٩ - ٣٣٥، والحاكم في المستدرك، ١/٤٦٤ وصححه.
(٦) ابن المنذر، الإجماع، ص ٦٤.
[ ١ / ٦٣ ]
وذلك في قوله تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطفوا بالبيت العتيق﴾ (١) .
قال الشنقيطي:
(دلت الآية الكريمة، على لزوم طوام الإفاضة وأنه لاصحة للحج بدونه) (٢) .
وقال في موضع آخر: ( أما طواف الإفاضة فهو ركن من أركان الحج بإجماع العلماء) (٣) .
٤ - ومن أركان الحج التي ورد ذكرها في القرآن الكريم: السعي.
وذلك في قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ (٤) وهناك خلاف في السعي هل هو ركن أم لا، والصحيح أنه ركن كما دل على ذلك فعل النبي (.
ب - ما ذكر في القرآن من مسائل الحج:
أشار القرآن إلى بعض مسائل الحج وأعماله وواجباته وسننه.
ومما أشار إليه القرآن مايلي:
١- الحلق أو التقصير:
لقوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون﴾ (٥) .
والحلق أو التقصير واجب من واجبات الحج (٦) .
والحلق أفضل من التقصير لما تقدم في الآية، وقد دعا الرسول (للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة واحدة (٧) .
وأما التفصيل في الحلق أو التقصير فلم يتعرض له القرآن بشيء، وإنما أخذ ذلك من فعل الرسول (وأصحابه ﵃ وهل يحلق نفسه أم يحلقه غيره؟ وهل يجزىء حلق بعض الرأس أم لا بد من تعميم الرأس بالحلق إلى غير ذلك مما يتعلق بالحلق من المسائل مما هو مفصل في كتب الفقهاء.
٢ - الهدي:
والهدي هو ما يهدى إلى الحرم.
_________________
(١) سورة الحج (٢٩)
(٢) الشنقيطي، اضواء االبيان، ٥/٦٨٧.
(٣) الشنقيطي، أضواء البيان، ٥/٢١٣.
(٤) سورة البقرة (١٥٨) .
(٥) سورة الفتح (٢٧)
(٦) ابن عثيمين، الشرح الممتع، ٤/٤٢٧.
(٧) أخرجه البخاري في الحج، ح / ١٧٢٨، ومسلم في الحج، ح /١٣٠٢.
[ ١ / ٦٤ ]
قال تعالى: ﴿فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كامله ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ (١) .
والهدي يكون على المتمتع والقارن وهو دم نسك واجب.
قال الشنقيطي ﵀ في بيان الهدي الواجب:
( الأول هدي التمتع، ويدخل فيه القران لأن الصحابة ﵃ جاء عنهم التصريح بأن اسم التمتع في الآية صادق بالقران كما قدمناه واضحًا عن ابن عمر، وعمران ابن حصين، وغيرهما، والصحابة هم أعلم الناس بلغة العرب وبدلالة
القرآن) (٢) .
قال ابن المنذر:
(وأجمعوا على أن من أهلّ بعمرة في أشهر الحج من أهل الآفاق من الميقات وقدم مكة ففرغ منها، فأقام بها فحج من عامه أنه متمتع وعليه الهدي إن وجد وإلا فالصيام) (٣) .
والهدي يكون من الأبل أو البقر أو الغنم وتفصيل ذلك وأيها أفضل ومتى ينحر أو يذبح وفي أي مكان ليس هذا محل بحثه، إنما هو في كتب الأحكام.
أما إذا عجز عن الهدي فقد بينت الآية الكريمة حكم ذلك بقوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كامله﴾ .
فلا خلاف أن المتمتع إذا عجز عن الهدي انتقل إلى الصيام وأما متى يصوم هذه الأيام الثلاثة في الحج فقد أطال العلماء الحديث فيها وذهب كل منهم مذهبه، وتفصيل ذلك في كتب الفروع.
٣ - الوقوف بمزدلفة:
وذلك كما في قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين﴾ (٤) .
_________________
(١) سورة البقرة (١٩٦)
(٢) الشنقيطي، اضواء البيان، ٥/٥٠٣.
(٣) ابن المنذر، الإجماع، ص ٦٤
(٤) سورة البقرة (١٩٨)
[ ١ / ٦٥ ]
والمشعر الحرام هو المزدلفه كلها كما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ (١) ويدل عليه حديث الرسول (وقفت هنا وجمع كلها موقف (٢) .
قال الشيخ ابن سعدي ﵀:
(في هذه الآية دلالة على أمور الثاني: الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام، وهو المزدلفة، وذلك أيضًا معروف، يكون ليلة النحر بائتا بها، وبعد صلاة الفجر، يقف في المزدلفة داعيًا حتى يسفر جدًا.
ثم قال: (الرابع والخامس: أن عرفات ومزدلفه كلاهما من مشاعر الحج المقصود فعلها وإظهارها) (٣) .
والوقوف بمزدلفة من واجبات الحج، كما هو مذهب الإمام أحمد وغيره (٤) .
والمسألة فيها أقوال لأهل العلم يرجع إليها في مظانها (٥) .
وهذه الاية دلت على أن الوقوف بالمشعر الحرام - وهو المزدلفة - يكون بعد الوقوف بعرفه كما هو ظاهر من قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ .
ودلت أيضًا على أن الوقوف بالمزدلفة من شعائر الله ومن معالم الحج الظاهرة.
٤ - الصلاة عند مقام إبراهيم:
وذلك لقوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ (٦) .
هذا المقام كان إبراهيم ﵊ يقوم عليه أثناء بناء الكعبة، وقد ظهرت آثار قدمه على ذلك المقام، وأصبح ذلك الحجر آية من آيات الله.
يقول أبوطالب:
وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيًا غير ناعلِ (٧)
فجعله الله آية من آياته وأمر المصلين أن يصلوا خلفه.
_________________
(١) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ١/٢٤٢.
(٢) أخرجه مسلم في الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف، ح /١٢١٨، ١٤٩٠.
(٣) ابن سعدي، تفسير كلام المنان، ١/٢٤٦.
(٤) ابن عثيمين، الشرح الممتع، ٧/٤٢٠.
(٥) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ١/٢٤٢
(٦) سورة البقرة (١٢٥)
(٧) سيرة ابن هشام ١/٢٨٦-٢٨٨
[ ١ / ٦٦ ]
أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن جعغر بن محمد عن أبيه أنه سمع جابرًا يحدث عن حجة النبي (قال: لما طاف النبي (قال له عمر ﵁ هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: نعم. قال: أفلا نتخذه مصلى. فأنزل الله تعالى:
﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ (١) . وهذا يدل على أن مقام إبراهيم هو الحجر المعروف الآن مقابل باب الكعبة.
والصلاة خلفه من سنن الطواف، فإذا انتهى من طوافه سن له أن يصلي ركعتين خلف المقام لفعل النبي (وسواء كان قريبًا من المقام أو بعيدًا عنه.
وهنا مسألة ينبغي أن يُتَنبه لها، وهي ما يحدث عند المقام من الزحام الشديد من أجل الصلاة عنده.
فإن السنة تتحقق ولو صلى بعيدًا عنه من جهة المسعى أو بعده أيضًا، وخاصة أن المحافظة على ذات العبادة أولى من المحافظة على مكانها (٢) .
ويقرأ في هاتين الركعتين بما جاءت به السنة وهو أنه يقرأ في الأولى ب (قل يا أيها الكافرون) والثانية ب (قل هو الله أحد) (٣) .
٥ - فدية من ارتكب محظورًا:
وذلك بقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ (٤) .
قال الشيخ ابن سعدي ﵀ عند تفسيره لهذه الآية:
_________________
(١) ابن أبي حاتم، تفسير القرآن العظيم، ١/٢٢٦
(٢) ينظر الشرح الممتع، ٧/٣٠٢.
(٣) أخرجه الإمام مسلم، ح /١٢١٨.
(٤) سورة البقرة (١٩٦) .
[ ١ / ٦٧ ]
( وهذا من محظورات الإحرام، إزالة الشعر بحلق أو بغيره لأن المعنى واحد من الرأس أو من البدن، لأن المقصود من ذلك حصول الشعث، والمنع من الترفه بإزالته وهو موجود في بقية الشعر، وقاس كثير من العلماء على إزالة الشعر، تقليم الأظافر بجامع الترفه، ويستمر المنع مما ذكر حتى يبلغ الهدي محله، وهو يوم النحر فإذا حصل العذر بأن كان به أذى من مرض ينتفع بحلق رأسه له، أو قروح، أو قمل ونحو ذلك، فإنه يحل له أن يحلق رأسه، ولكن يكون عليه فدية، من صيام ثلاثة أيام،أو إطعام ستة مساكين أو نسك ما يجزيء في أضحية،فهو مخير، والنسك أفضل، فالصدقة فالصيام، ومثل هذا كل ما كان في معنى ذلك، من تقليم الأظافر، أو تغطية الرأس، أو لبس المخيط، أو الطيب، فإنه يجوز عند الضرورة، مع وجوب الفدية المذكورة، لأن القصد من الجميع إزالة ما به يترفه) (١) .
٦- ما ذكر في القرآن من محظورات الإحرام:
أ - الصيد:
كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ (٢) .
وقال أيضًا: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ (٣) .
وقال أيضًا: ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾ (٤)
وقد أجمع العلماء على أن المحرم لا يجوز له قتل صيد البر (٥) .
والمراد بقتل الصيد: كل فعل يفيت الروح سواء كان بالذبح أو النحر أو الرمي أو الرضخ أو الخنق أو غير ذلك مما يقتل، وسواء كان القتل مباشرًا أو بسبب (٦) .
فالمحرم إذا تلبس بالنسك حرم عليه صيد البر أو الإعانة عليه لدلالة هذه الآيات. قال ابن كثير ﵀:
_________________
(١) ابن سعدي، تفسير كلام المنان، ١/٢٤٠.
(٢) سورة المائدة (٩٥)
(٣) سورة المائدة (٩٦) .
(٤) سورة المائدة (١)
(٥) ابن المنذر، الإجماع، ص ٥٥.
(٦) بيبا بن فاليد، مذاهب الأخبار، ض ١٩٨.
[ ١ / ٦٨ ]
(وهذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد في حال الإحرام، ونهي عن تعاطيه فيه وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول، ولو ما تولد منه ومن غيره) (١) .
والذي يحرم على المحرم قتله هو صيد البر فقط، لدلالة الآيات السابقة. أما صيد البحر فلا يحرم قتله، وذلك لقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم
وللسيارة﴾ (٢) .
وقد أجمع العلماء على أن صيد البحر للمحرم، مباح اصطياده وأكله وبيعه وشراؤه (٣) .
ب - ما يترتب على الصيد:
قال تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام﴾ (٤) .
قال ابن سعدي ﵀:
(وهذا كله تعظيم لهذا النسك العظيم، أنه يحرم على المحرم قتل وصيد ما كان حلالًا له قبل الإحرام، وقوله: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا﴾ قتل صيدًا عمدًا (ف) عليه ﴿جزاء مثل ما قتل من النعم﴾ أي الابل أوالبقر أو الغنم، فينظر ما يشبهه من ذلك، فيجب عليه مثله، يذبحه ويتصدق به فإن لم يشبهه شيئًا، ففيه قيمته) (٥) .
وقد أجمع العلماء على أن المحرم إذا قتل صيدًا، عامدًا لقتله ذاكرًا لإحرامه، أن عليه الجزاء (٦) .
فذكر في هذه الآية الكريمة جزاء الصيد إجمالًا، ومن يحكم به ومكانه.
أما التفصيل فقد تناوله العلماء من خلال كتب الأحكام وشروح الآية والأحاديث الواردة في ذلك (٧) .
٧ - حكم المحصر:
_________________
(١) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ٢/٩٨.
(٢) سورة المائدة (٩٦) .
(٣) ابن المنذر، الإجماع، ص ٥٩، وابن قدامه، المغني، ٣/٣٤٤.
(٤) سورة المائدة (٩٥)
(٥) ابن سعدي، تفسير كلام المنان، ٢ / ٣٤٤.
(٦) ابن المنذر، الإجماع، ص ٥٨.
(٧) ابن عثيمين، الشرح الممتع، ٧/١٩٦ فما بعد، بيبا بن فاليد، مذاهب الأخبار، ص ٢٢٤ فما بعد.
[ ١ / ٦٩ ]
وذلك في قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ . والاحصار: من حصره إذا منعه، فالاحصار بمعنى المنع، وذلك بأن يحصل للإنسان مانع يمنعه من اتمام النسك من عدو أو غيره.فعليه الهدي كما هو نص الآية: ﴿فما استيسر من الهدي﴾ .
وهذا ما فعله رسولنا (في الحديبية حيث أمر أصحابه أن ينحروا (١) ويحلقوا أو يقصروا لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ .
أما ما يتعلق بنوع الحصر والتفصيل في ذلك وما يتعلق بهذه المسألة من أحكام فلم تتعرض له الآية، وإنما أخذ ذلك من سيرة الرسول (في غزوة الحديبية.
هذا مجمل لما ذكر في القرآن الكريم من أحكام الحج.
المبحث السادس: آداب تتعلق بالحج:
لقد تحدث القرآن الكريم عن هذه العبادة من حيث فرضها ومكانها وزمانها وأركانها، وتحدث أيضًا عن المحافظة عليها من الشوائب والنواقص.
وجاء الحديث عن هذه الآداب في مواطن وآيات متفرقة في القرآن الكريم، منها ما يتعلق بذات العبادة، ومنها ما يتعلق بمكانها وزمانها.
أما ما يتعلق بمكانها فقد تقدمت الإشارة إلى وجوب تطهيره من الشرك والمشركين.
وأما ما يتعلق بزمانه فمن ذلك قوله تعالى:
﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ (٢) .
١ - اجتناب الرفث:
والرفث الجماع كما قال تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ (٣)
قال ابن كثير ﵀:
(وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك وكذلك التكلم به بحضرة النساء) (٤) .
وقال ابن تيميه ﵀:
_________________
(١) أخرجه البخاري في الشروط، ح / ٢٧٣١ -٢٧٣٢.
(٢) سورة البقرة (١٩٧)
(٣) سورة البقرة (١٨٧)
(٤) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ١/٢٣٦.
[ ١ / ٧٠ ]
(فالرفث اسم للجماع قولًا وعملًا. . . وليس في المحظورات ما يفسد الحج إلا جنس الرفث، فلهذا ميز بينه وبين الفسوق (١) .
وثبت عن الرسول (أنه قال: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) (٢) .
قال ابن تيميه. . . وينبغي للمحرم ألا يتكلم إلا بما يعنيه، وكان شريح إذا أحرم كأنه الحية الصماء) (٣) .
٢ - اجتناب الفسوق:
كما في الآية السابقة.
والفسوق هي المعاصي كلها (٤) .
ويدخل في ذلك دخولًا أوليا ارتكاب ما نهى الله عنه في حال الإحرام من قتل الصيد وحلق الشعر وتقليم الأظافر وغير ذلك من محظورات الإحرام.
ولاشك أن هذا الأدب من أعظم ميزات المتلبس بهذه العبادة – الحج – لكونه ترك أهله وماله وولده ووطنه منقادًا لأمر الله طائعًا ذليلًا مبتعدًا عن معاصي الله ولذا جاء الأجر المترتب على ترك هذه الخصلة – الفسوق – بالجزاء العظيم وهو تكفير السيئات جميعًا كما في الحديث المتقدم.
٣- اجتناب الجدال:
وذلك كما في الآية السابقة: ﴿ولا جدال في الحج﴾ .
وسواء كان بمعنى قطع التنازع في مناسك الحج لأن الله قد أوضحه وبينه وقطع المراء فيه كما كانوا في الجاهلية يتمارون فيه.
أو كان المعنى المراد بالجدال المخاصمة وأن لا يماري الحاج أحدًا حتى يغضبه، وخاصة إذا كان الجدال بغير علم، أو يكون الجدال في الحق بعدما تبين.
ولذا ورد عن الرسول (: (من قضى نسكه وسلم المسلمون من لسانه ويده غفر له ما تقدم من ذنبه) (٥) .
٤ - ومن الآداب التي أمر بها القرآن الكريم – الإكثار من ذكر الله:
_________________
(١) ابن تيمية، الفتاوي، ٢٦/١٠٨.
(٢) أخرجه البخاري في الحج باب فضل الحج المبرور، ٣/٣٨٢ ح /١٥٢١.
(٣) ابن تيمية، الفتاوي، ٢٦/١٠٨.
(٤) المرجع السابق، وابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ١/٢٣٧.
(٥) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم،١/٢٣٨ ونسبه لعبد بن حميد.
[ ١ / ٧١ ]
كما قال تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا﴾ (١) .
ففي هذه الآيات الأمر للحاج أن يذكر الله ﷿ عند المشعر الحرام وهو مزدلفة، وأن يستغفر الله ﷿ من جميع الذنوب والمعاصي وأن يبطلوا ما كانوا عليه في الجاهلية من إنشاد الأشعار وذكر مفاخر الآباء والأجداد، ويحلوا مكانه ذكر الله وأن يكون ذكر الله أكثر وأعظم من ذكرهم لآبائهم ومفاخر أجدادهم.
ثم أمرهم جل وعلا (بذكره في الأيام المعدودات، وهي أيام التشريق الثلاثة بعد العيد، لميزتها وشرفها، وكون بقية المناسك تفعل بها ويكون الناس أضيافًا لله فيها، ولهذا حرم صيامها، فللذكر فيها مزية ليست لغيرها، ولهذا قال النبي «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله) (٢) .
ويدخل في هذا الذكر التكبير عند رمي الجمار، والتكبير المقيد بعد الصلوات، والتكبير المطلق، وغير ذلك من أنواع الذكر.
٥- التزود بالتقوى:
كما في قوله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ .
قال ابن كثير ﵀:
(لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة وهو استصحاب التقوى إليها كما قال: (وريشا ولباس التقوى ذلك خير) لما ذكر اللباس الحسي نبه مرشدًا إلى اللباس المعنوي وهو الخشوع والطاعة والتقوى وذكر أنه خير من هذا وأنفع) (٣)
_________________
(١) سورة البقرة (١٩٨-٢٠٠) .
(٢) ابن سعدي، تفسير كلام المنان، ١/٢٤٩، والحديث رواه مسلم في صحيحه ٣/١٥٣.
(٣) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ١/٢٣٩ المصادر والمراجع
(٤) القرآن الكريم.
(٥) ابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمد، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: أسعد محمد الطيب، مكة المكرمة، مكتبة نزار مصطفى الباز ط ١ - ١٤١٧هـ
(٦) ابن حنبل، الإمام أحمد بن حنبل، المسند، لبنان المكتب الإسلامي.
(٧) ابن قدامة، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد، المغني، تحقيق: د. عبد الله التركي وعبد الفتاح الحلو، القاهرة، هجر، ١٤١٨هـ.
(٨) ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار الفكر.
(٩) ابن منظور - لسان العرب - بيروت.
(١٠) الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، بيروت، دار الكتب العلمية.
(١١) الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات، دار المعرفة، بيروت.
(١٢) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مصطفى البابي الحلبي، ١٣٩٠.
(١٣) ابن مجاهد، كتاب السبعة، دار المعارف، القاهرة.
(١٤) ابن عثيمين، محمد بن صالح، الشرح الممتع، مؤسسة آسام.
(١٥) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، عالم الكتب، الرياض.
(١٦) ابن المنذر، الإجماع، دار طيبة، الرياض.
(١٧) ابن هشام، السيرة النبوية، توزيع الإدارات العلمية والإفتاء - الرياض.
(١٨) البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح بشرح فتح الباري، توزيع إدارات البحوث.
(١٩) السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، تفسير كلام المنان، تحقيق: محمد النجار، المؤسسة السعدية.
(٢٠) السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، الإكليل في استنباط التنزيل، تحقيق: سيف الدين عبد القادر، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٠١هـ.
(٢١) الشنقيطي، محمد الأمين، أضواء البيان.
(٢٢) العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، فتح الباري. تصحيح وتحقيق: سماحة الشيخ ابن باز - ﵀ - نشر إدارات البحوث العلمية والإفتاء.
(٢٣) القاسمي، محمد جمال الدين، محاسن التأويل، تصحيح: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العلمية.
(٢٤) الحاكم النيسابوري، المستدرك، مكتبة المعارف، الرياض.
(٢٥) مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العلمية، عيسى البابي الحلبي.
(٢٦) مذاهب الأخيار في أحكام الحج والاعتمار، بيبابن فاليد سيدي، دار الهلال، الرياض.
(٢٧) الواحدي، أسباب النزول، دار الكتب العلمية.
[ ١ / ٧٢ ]
ولاشك أن الحاج عليه أن يتقي الله ربه وأن تكون التقوى شعاره في حياته عامة وفي حجه خاصة فهو - أي الحج - عبادة لله إذا أديت كما أمر الله بها، وكما أداها رسولنا (حصل الأجر المترتب على ذلك، ولا يحصل ذلك إلاّ بالتقوى ولذا نص العلماء على هذا الأمر في كل ما يتعلق بالحج من نفقة طيبة ورفقة صالحة والتزام بالمناسك واجتناب للنواهي وغير ذلك مما يزيد الحاج تقوى وعملًا صالحًا.
«««
الخاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبتوفيقه وهدايته كتبت هذه الصفات وبعد.
في نهاية هذا البحث الذي ذكرت فيه حديث القرآن عن فريضة الحج ومكانته ومنافعه، وأحكامه وتوصلت منه إلى ما يلي:
عظم مكانة الحج ومنزلته في الدين.
أن الحج عبادة لله، فرضت على هذه الأمة وعلى غيرها.
الإهتمام بشأن البيت العتيق والعناية به.
وعيد من لم يحج وهو قادر بالكفر.
أن معظم مسائل الحج مذكورة في القرآن الكريم.
ضرورة التزام الحاج بآداب الحج وتحليه بها.
هذا وأسأل الله العلي العظيم للجميع العلم النافع والعمل الصالح إنه جواد كريم وصلى الله على نبينا محمد.
الهوامش والتعليقات
[ ١ / ٧٣ ]