الثورة الفرنسية
د. أحمد باسل نور الدين الرفاعي
أستاذ مساعد - كلية الحقوق - جامعة مؤتة
ملخص البحث
تحاول هذه الدراسة جلاء البنية العميقة للنظام الجديد الذي أقامته الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر. إنها تحاول اكتناه الأساس المبتكر لحقوق الإنسان، ثم استشراف المآل الحتميّ الذي تؤول إليه هذه الحقوق عمليًا بحكم الأساس ذاته الذي تنطلق منه. ولقد قادتنا التحليلات إلى أن النظام الجديد الذي أقامته ثورة ١٧٨٩ م هو في جوهره ذات النظام القديم الذي هدمته، نظام السلطة المطلقة أو نظام القوة الذي أخذ مع الثورة صورةً “ جديدة ” يتربّع فيها الفرد، كل فرد من أفراد الجماعة السياسية، على عرش القوة ويصبح هو الحقيقة الأساسية في النظام الجديد. إن هذا النظام يقوم على سيادة الإرادة الفردية وقرينتها سيادة الإرادة العامة. ومع هذه السيادة المزدوجة لا يبقى للقانون حقيقة مستقلة بل يصبح الوسيلة التي تبتكرها القوة لتحقيق مآربها. وهكذا يدخل الفرد والجماعة في طور الالتحام الجوهري والطوعي مع السلطة التي هي هنا أعلى درجات القوة؛ وهو طور خطير بالنسبة إلى الوضع الحقيقي والنهائي لحقوق الإنسان. إننا أمام دكتاتورية لم يقم لها من قبل نظير في التاريخ: دكتاتورية الدولة المرتكزة على الطابع المطلق للحرية الفردية وعلى الديمقراطية وسيادة الأمة والتي تحقق أغراضها
بالقانون.
• • •
المقدمة:
[ ١ / ٣٣٧ ]
يرتبط الوضع الذي تأخذه حقوق الإنسان بنوع العلاقات القائمة بين مكوِّنات المجتمع السياسي الثلاثة، الفرد والجماعة والسلطة؛ وهي علاقات تحدِّدها، في مجتمع سياسي معيَّن، الأسسُ التي يقوم عليها. ولا يمكن أبدًا أن تأخذ حقوق الإنسان وضعًا معينًا، إيجابيًا أو سلبيًا، بمعزل عن طبيعة الدولة؛ فوضعها في نظام ثيوقراطي (١) غير وضعها في نظام ديمقراطي (٢)؛ ووضعها في دولة قانونية غير وضعها في دولة تسيطر فيها إرادة القابضين على السلطة.
وعلى الصعيد الدولي ترتبط حقوق الإنسان بطبيعة المجتمع الدولي ونظامه القانوني؛ فمصيرها في المجتمع الدولي التقليدي القائم على مبدأ سيادة الدولة غير مصيرها في مجتمع دولي ينطوي نظامه القانوني على طبيعة دستورية تقرِّب الدولة من شخص القانون
الداخلي. وعلى سبيل المثال فإن الفرد يتمتع في نظام السوق الأوروبية المشتركة بشخصية قانونية دولية لا يتمتع بها في نظام الأمم المتحدة؛ ونظام السوق يزوِّده بالقدرة القانونية التي يدافع بها عن حقوقه دفاعًا مباشرًا على الصعيد الدولي.
[ ١ / ٣٣٨ ]
لقد قدّمت الثورة الفرنسية التي نشبت في العام ١٧٨٩ م والتي هي ثمرة المذهب الفردي إنموذجًا للمجتمع السياسي قائمًا على تمجيد الفرد وتكريس الحرية والمساواة وبالتالي على سلطة الأمة؛ وكانت بذلك انتقاضًا على حق الملوك المقدس، الذي أحلّت محله حق الفرد، وعلى سلطانهم المطلق الذي أحلّت محله سلطان الأمة. وسوف نرى أن قيمتها العميقة ليست في مجرد تكريس الحرية والمساواة بل في إعطاء الحرية والمساواة مضمونًا مبتكرًا أصبحت معه الدولة صورة الإنسان الحر الذي يتمتع بكينونة مطلقة تخوِّله أن يفعل ما يشاء بالطريقة التي يشاء. ولاشك في أنها قد أقامت إنموذجًا للدولة لا عهد للإنسانية به من قبل؛ بل إنها قد افتتحت عالمًا جديدًا من الفكر والأخلاق والقانون والتنظيم السياسي والدولي. وإذا كانت جذورها أوروبية فإنها، من حيث أنها تؤصِّل نظام المجتمع السياسي ونظام حقوق الإنسان في الطبيعة الإنسانية الواحدة التي لا تختلف بين شعب وشعب ولا بين عصر وعصر، قد كانت إيذانًا بتغيرات عميقة، فكرية وأخلاقية وقانونية وسياسية، على صعيد العالم كله. وقد سرت آثارها في أوروبا ثم امتدت إلى سائر المجتمعات التي غزتها أوروبة ووقعت تحت هيمنتها السياسية والثقافية. وهكذا ظهرت نتائج الثورة الفرنسية على صعيد المجتمعات الوطنية وأنظمتها القانونية وعلى صعيد المجتمع الدولي ونظامه القانوني، وأصبح نظام حقوق الإنسان متأثرًا على الصعيدين بهذه النتائج. ونستطيع أن نقول إن تاريخ حقوق الإنسان قد دخل منذ العام ١٧٨٩ م عصر ما بعد الثورة الفرنسية التي أرادت أن تكون بداية جديدة للتاريخ الإنساني فألغت التقويم الميلادي وجعلت العام ١٧٩٢ م هو السنة الأولى من التقويم الجمهوري أو الثوري.
[ ١ / ٣٣٩ ]
فأهمية دراسة حقوق الإنسان في فلسفة الثورة الفرنسية ليست منحصرة زمانيًا ولا مكانيًا، لأن الثورة الفرنسية ليست في جوهرها حقبة ماضية من التاريخ ولا حركة محصورة جغرافيًا؛ فهي أهمية تتجاوز زمان الحدث ومكانه وتتصل بتداعياته المستمرة على صعيد العالم كله. وبتعبير أدق فإن نظام حقوق الإنسان الذي جاءت به الثورة الفرنسية ينطوي على أهمية تعليمية متجددة بالنسبة لأية محاولة لخدمة حقوق الإنسان وتوفير ضمانات ازدهارها. وهو كذلك، وهذا هو الأخطر، يطرح على العالم العربي والإسلامي تحدّيًا لنظام حقوق الإنسان القائم في تراثه وحضارته والمتناقض معه تناقضًا جذريًا ليس في نطاق هذه الدراسة أن تتصدى له. وسوف يثبت هذا البحث أن نظام حقوق الإنسان الذي ولد مع إعلان ١٧٨٩ م يحمل في طياته تهديدًا خطيرًا لحقوق الإنسان، وإنْ كانت واجهته البراقة تخفي هذا التهديد تحت ثوب قشيب من تمجيد حرية الفرد. وهذه الحقيقة قمينة بأن تستحث الفكر الإسلامي على استجلاء الأسس العميقة التي يطرحها الإسلام لحقوق الإنسان والتي تمثِّل النقيض الجذريّ لفلسفة الثورة الفرنسية.
خطة البحث:
تدور هذه الدراسة حول ثلاثة محاور هي الفرد والسلطة والقانون. ذلك أن الفرد، في فلسفة الثورة الفرنسية، هو الحقيقة الأساسية أو الأولى؛ إنه جوهر الدولة التي ليس لها أصل تتأصل فيه وراء الحقيقة الفردية المطلقة. فكان لابد إذن من أن نبدأ بالفرد لفحص مضامين هذه الفردية المطلقة التي هي روح عصر التنوير (القرن الثامن عشر) والتي تشبّع بها الجيل الذي فجّر الثورة في أواخر هذا العصر أي في العام
[ ١ / ٣٤٠ ]
١٧٨٩ م. وقد قادتنا هذه المضامين نفسها إلى الحقيقة العميقة للعلاقة بين الفرد والسلطة، تلك الحقيقة التي هي شيء آخر غير ما يبدو من ظاهر هذه العلاقة أي شيء آخر غير التأصيل الكلاسيكي البسيط للسلطة في الفرد. وهكذا خلصنا إلى الطبيعة النهائية للسلطة وإلى منطق التطور الحتمي الذي تفرزه طبيعتها هذه. أما المحور الثالث أي القانون فقد كان الانتقال إليه طبيعيًا ومنطقيًا بعد الفراغ من محوري الفرد والسلطة؛ فالفرد، لا القانون، كان هو الحقيقة الأولى في تكوين الدولة التي أقامتها الثورة؛ وقد استتبعت أولوية الفرد المطلقة نتائج خطيرة تتصل بما يسمى سيادة القانون وبالقيمة الحقيقية للضمانات القانونية لحقوق الإنسان.
المبحث الأول: الهوية الأوروبية للثورة الفرنسية:
المطلب الأول: صلة الثورة بالمذهب الفردي.
[ ١ / ٣٤١ ]
الثورة الفرنسية التي قامت في ١٧٨٩ م هي، كما يقول لويس كاقاريه Louis Cavar'e، وليدة المذهب الفردي L’individualisme (١) . إنها التجلِّي الأقوى للروح الفردية التي حرّكا العالم الأوروبي منذ عصر النهضة La Renaissance والتي نمت منذ ذلك الحين في اتجاهين: اتجاه صاعد نحو جعل الفرد هو الحقيقة الجوهرية بل المطلقة، واتجاه ممتدّ في دائرة الجمهور. وقد وصل الاتجاهان إلى الذروة في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي صادقت عليه الجمعية الوطنية الفرنسية في ٢٦ آب ١٧٨٩ م. فالحرية التي يولد الناس عليها، كما تقول المادة الأولى من الإعلان، هي حرية مطلقة لا قيد عليها إلاّ القيد الذي يجعل الناس سواسيةً في التمتع بها. وفي المناقشات التي جرت في الجمعية الوطنية الفرنسية حول حرية الفكر انتصرت الروح الليبرالية (٢) التي عبَّر عنها ميرابو Mirabeau، خطيب الثورة الفرنسية الشهير، أقوى تعبير. فلا توجد في نظره حقيقة خارجية، حقيقة مستقلة عن الوعي أو سابقة للتصوّر؛ إنما الحقيقة بنت الوعي، إنها ما يراه الفرد في داخل وعيه ويعتقده الحقيقة؛ ولذا فالآراء كلها، صحيحها وزائفها، ذات قيمة متساوية (٣) . فحرية الفكر في إعلان ١٧٨٩ م هي إذن حرية مطلقة؛ إنها سيادة العقل الفردي La Souverainete de La raison individuelle التي نادى بها من قبل الفيلسوف الانكليزي جون لوك John Locke (١٦٣٢ - ١٧٠٤) الذي يعتبر (واضع أسس فلسفة حقوق الإنسان) (٤) . وبديهي أن هذا المفهوم الليبرالي للحقيقة ينطوي على نفي كل معيار موضوعي للسلوك الفردي؛ فالخطأ، كما يقول ميرابو، له حق مساوٍ لما للصواب من حق (٥) . لا يجوز إذن للقانون أن يتدخَّل في مجال الحرية الفردية؛ لا يجوز له أن يفرض على الفرد واجبات مسبقة تقيِّد حريته المطلقة. ولهذا كان إعلانُ ١٧٨٩ إعلانَ حقوق ولم يكن إعلان حقوق وواجبات. وجدير بالذكر أن الجمعية الوطنية
[ ١ / ٣٤٢ ]
كانت تتنازعها في هذا الصدد فكرتان تذهب إحداهما إلى إصدار إعلان لجملة متوازنة من الحقوق والواجبات بينما تذهب الأخرى إلى الاكتفاء بإعلان حقوق؛ وظهر ذلك في صياغتين للإعلان أعدّهما مكتبان متفرِّعان من الجمعية الوطنية؛ وفي لحظة معينة كادت تنتصر النزعة المعتدلة المتوازنة وكاد يصدر إعلان ذو طبيعة مزدوجة، لكن النزعة الفردية غلبت في النهاية وحدّدت طبيعة الاعلان (١) . إننا هنا أمام تعبير صريح عن النظرية الغربية الليبرالية للقانون: الفرد سيِّد مطلق، إنه إلهُ نفسِه وخالق تصرّفاته، ووظيفة القانون أن يضع الحدود التي تحمي الحرية الفردية المطلقة وتكفل تمتع الجميع بها على قدم المساواة. ومن الطبيعي إذن أن تكون سلطة الأمة في إعلان ١٧٨٩ سلطة مطلقة؛ وهو ما نجده واضحًا في المادة الثالثة منه: «السلطة تكمن جوهريًا في الأمّة»؛ فالنص يجعل الأمة كائنًا سياسيًا قائمًا بذاته، يستمدّ سلطته من نفسه لا من خارج، أي هو يجعلها كائنًا مطلقًا. إنّ آباء الثورة الفرنسية، أعضاء الجمعية الوطنية، وهم في غالبيتهم تلاميذ مدرسة جان جاك روسو Jean Jacques Rousseau (١٧١٢ - ١٧٧٨) يكرِّسون هكذا نظريته حول سيادة الإرادة العامة La Souverainete de La Volonte generale. فالإرادة العامة، عند روسو، هي دائمًا في الاتجاه الصحيح، لأن ما هي عليه فعليًا هو نفسه ما ينبغي أن تكون عليه؛ إنها قانون نفسها ولا يوجد أي قانون أساسي ملزم لها حتى ولو كان العقد الاجتماعي الذي هو سبب وجودها؛ إنها إرادة مطلقة (٢) . ونستطيع بسهولة البادهة أن نربط بين نظرية ميرابو التي مفادها سيادة العقل الفردي وبين نظرية روسو حول سيادة الارادة العامة؛ فكما أن الحقيقة هي بنت الوعي الفردي فإن القانون هو وليد الارادة العامة التي يكشف عنها صندوق الاقتراع والتي هي وحدها مصدر الحقيقة القانونية ومعيارها. وتتجلّى هذه الليبرالية عند سييس
[ ١ / ٣٤٣ ]
Sieyes تلميذ روسو وعضو الجمعية الوطنية: فهو يعرِّف الأمة بأنها مطلقة وذات سيادة؛ وإذ لاشيء يقيِّدها فإنها دائمًا بالنسبة إلى نفسها في حالة الطبيعة (١) . وقد ساهم سييس بفكره في التمهيد للثورة (٢) ثم أصبح هو وميرابو أكبر زعيمين لها في مراحلها الأولى (٣)، وكان تأثيرهما عميقًا في مجرى الثورة وفي مضمون إعلان الحقوق؛ وسييس الذي وصف بأنه روح الجمعية الوطنية هو الذي حملها على تسمية نفسها “ الجمعية التأسيسية ” (٤) . ورغم أنه في الأصل من رجال الدين فقد دعا إلى هيمنة الدولة على الدين (٥)؛ وهو أمر له دلالته على الطبيعة المطلقة للدولة عنده. وممّا يشير إلى تأثير فكر روسو وسييس على أعضاء الجمعية الوطنية التي أعدّت الاعلان ليكون ديباجة للدستور أن الجمعية الوطنية كانت منقسمة إلى حزبين: حزب الدستوريين الذي كان يدعو إلى سيادة مقيَّدة، وحزب الثوريين الذي كان يمثِّل الروح الليبرالية ويدعو إلى سيادة غير مقيَّدة؛ وممّا له دلالته في هذا الصدد أن حزب اليسار في الجمعية الوطنية كان يقول بإمكان التضحية بالدستور نفسه لمصلحة الثورة رغم أنه صادر باسم الأمة (٦) . وهكذا فإن الدستور الذي تضعه الأمة ليقيِّد الحكام لن يقيِّد الأمة نفسها التي تستطيع دائمًا، كما يقول سييس، أن تنقض الأشكال الدستورية وتبدِّلها.
[ ١ / ٣٤٤ ]
وهكذا فإن الثورة الفرنسية التي قامت ضد السلطان المطلق للملوك قد أحلّت (المواطن الحديث) الذي ولد مع إعلان ١٧٨٩ م محل الملك في التمتع بالسلطان المطلق، مع فارق خطير هو أن المواطن الحديث يستمدّ سلطته السياسية من نفسه أو فرديته المطلقة بينما كان الملك يستمدّها من نظرية التفويض الالهي. وبتعبير أكثر دقة فإن عمل الثورة الأساسي الذي عبَّر عنه إعلان الحقوق هو نقل السيادة من الملك إلى الأمة مع تجريد السيادة من كل ما كان يمكن أن يشوبها، بحكم سندها القانوني القديم (نظرية التفويض الالهي)، من تأثير للدين أو للضمير، أي مع جعلها إرادة بحتة. إن المجتمع الدمقراطي الذي ولد مع إعلان ١٧٨٩ م هو مجتمع من الآلهة، لأن أفراده ينحون منحى الآلهة في تقرير الحقيقة وفي اتخاذ القرار. ونستطيع في ضور ما تقدّم أن نرى مدى دقة الوصف الذي يقدِّمه جابرييل كوميايره Gabriel Compayre لحقوق الإنسان التي أعلنتها الثورة: إن المؤسِّسين (ويقصد بهم أعضاء الجمعية الوطنية أو التأسيسية كما سمّت نفسها لاحقًا) يخلعون على حقوق الإنسان الخصائص التي كان يُعترف بها قديمًا لحقوق الملوك (١) . إن هذا التشبيه يصف نصف الحقيقة؛ أما الحقيقة الكاملة فهي أن ثورة ١٧٨٩ م قد أحلّت الإنسان محل الله بواقع مضمونها الفكري. وحقَّ إذن لجماعة الدول الأوروبية المسيحية أن تصرخ محذِّرة: «إنها قضية حياة أو موت للحضارة، لسلام أوروبا والمجتمع المدني» (٢) . لقد قال أعضاء الجمعية الوطنية في مقدمة إعلانهم إنهم اجتمعوا في حضرة الكائن الأعلى (Sous les auspices de l’Etre supreme)؛ فهل كان الكائن الأعلى في أذهانهم هو الله أم الأمة أم الإنسان؟!
[ ١ / ٣٤٥ ]
نشبت الثورة الفرنسية في أواخر عصر التنوير (القرن الثامن عشر)، ولهيبها لم يكن إلاّ وهج أنوار ذلك العصر؛ وهي أنوار سطعت في مختلف أقطار أوروبا فأصبحت مهيَّأةً كفرنسا للتغير العميق القادم؛ وإذا كان سيل الثورة الهادر قد تفجّر في فرنسا فإنه لم يكن إلاّ ذروة تيار عقلي اكتسح سائر القارة الأوروبية. لقد كانت مناقشات حقوق الإنسان، التي جرت داخل الجمعية الوطنية، (متأثرة إلى حد كبير بأفكار فلاسفة التنوير) (١) . ويجدر بنا الإشارة إلى أن تلك الثورة الثقافية الأوروبية اتي نجمت على يد فلاسفة التنوير (روسو ومونتسكيو وفولتير في فرنسا، كانت في ألمانيا، جيفرسون في أمريكا، على سبيل المثال) قد تجاوزت دائرة النخبة المفكرة وأسفرت عن ظهور جيل يؤمن بالإنسان بل يمجِّده ويعتبره الحقيقة الأساسية ويؤمن بالقدرة الهائلة للعقل الإنساني (٢) . لقد أصبح المذهب الفردي آنذاك هو مذهب الإنسان الأوروبي بعامة. ويتبين لنا من ذلك أن الجمعية الوطنية الفرنسية كانت في إنجازاتها الفكرية والقانونية مدعومة بتيار عام يجمع حولها الأمة الفرنسية بفئاتها المختلفة ويدفعها إلى النجاح في تحقيق رسالتها التحررية. كانت الثورة إذن في جوهرها ثورة عقلية، ثورة العقل الأوروبي على النظام القديم الذي كان الإنسان فيه يرسف في قيود الخضوع، خضوعه للملكية المطلقة وخضوعه للكنيسة؛ وكلتاهما سلطتان مطلقتان سيطرتا على الشعوب الأوروبية خلال قرون عديدة. وقد سمِّيتْ “ ثورة الفقهاء ” revolution des juristes؛ وهي تسمية تشير بلا ريب إلى أنها كانت في مرحلتها الأصلية حدثًا قانونيًا حاسمًا، وإلى أن العنف طارئ عليها. والكيفية التي وقع بها ذلك الحدث الفذّ تستوجب الوقوف عندها قليلًا لما تحمله من دلالة بالغة الأهمية:
[ ١ / ٣٤٦ ]
كان البرلمان الفرنسي في عهد الملكية طبقي التكوين أي مكوَّنًا من ممثلي ثلاث طبقات هي طبقة رجال الدين بالدرجة الأولى وطبقة النبلاء الارستقراطية الاقطاعية بالدرجة الثانية وطبقة العامة أو الطبقة الثالثة التي هي الشعب ومن ينتمي إليه من الفئات البرجوازية من التجار والصناعيين وأصحاب المهن الحرة، وهي فئات كانت تتطلع إلى إعلان الحريات وممارستها في إطار ديمقراطي يضمن بقاءها (١) . والطبقة الثالثة كانت هي الطبقة المسحوقة وصاحبة المصلحة في الثورة. قال عنها سييس: ما هي الطبقة الثالثة؟ وأجاب: كل شيء؛ وتساءل: ما وضعها في النظام السياسي حتى الآن؟ وأجاب: لا شيء؛ وتساءل أيضًا: ماذا تطلب؟ وأجاب: أن تصبح شيئًا؟ وأضاف: الطبقة الثالثة هي أمة كاملة (٢) . وقد أجريت انتخابات آخر برلمان في عهد ما قبل الثورة، بأمر من الملك لويس السادس عشر، في إبريل (نيسان) ١٧٨٩. (وفي اجتماع ٦ مايو ١٧٨٩ قرر نواب “ الطبقة الثالثة ” أن يكون اسمهم الجديد “ جمعية العموم ” أو “ مجلس العموم ” Commune أسوة بمجلس العموم البريطاني، بدلًا من “ الطبقة الثالثة ”. ولكنهم عادوا في اجتماع ١٧ يونيو ١٧٨٩ ورفضوا مبدأ الفصل بين طبقات المجتمع وأعلنوا أن اسم البرلمان الجديد ليس “ مجلس الطبقات ” Etats Generaux ولكن “ الجمعية الوطنية ” Assemblee Nationale) (٣) . ومن المناسب أن نلحظ أن عدد نواب الطبقة الثالثة كان في يوم افتتاح البرلمان، ٤ مايو (مايس) ١٧٨٩، خمسمائة وخمسين بينهم أكثر من ثلثمائة من رجال القانون من المحامين والقضاة (وكأنهم يمثلون تمثيلًا صادقًا مجيء حكم القانون) (٤) . وفي ٦ تموز عيّنت الجمعية الوطنية لجنة من أعضائها لوضع دستور للبلاد (٥) . أي أنها بعد أن ولدت بإرادتها الذاتية أخذت تفرض نفسها ومنطقها الجديد على النظام القائم. (وهكذا بدت الملكية منذ ذلك الحين مقيَّدة فعليًا بوجود “ الجمعية
[ ١ / ٣٤٧ ]
الوطنية ”) (١) . وقد مضت الجمعية الوطنية تناقش مشروع إعلان حقوق الإنسان والمواطن؛ وكانت مناقشته سجال أفكار استمر إلى ٢٦ آب ١٧٨٩ حيث صادقت الجمعية على الإعلان الذي أُعِدَّ ليكون مقدمة للدستور. وبعد صدور الإعلان بدأت مناقشات الدستور.
وينبغي أن نلحظ على هذه الأحداث أنه إذا كانت انتخابات مجلس الطبقات قد جرت بإرادة الملك لويس السادس عشر فإن إرادة أخرى، إرادة الأمة الفرنسية ممثلةً في نواب الطبقة الأكبر أي الطبقة الثالثة، هي التي فرضت وجود الجمعية الوطنية وأسستْ برلمانًا دمج طوائف الأمة المختلفة في جسد وطني واحد. لقد ولد (البرلمان الحديث) بنفسه وفرض نفسه فرضًا على النظام القائم، وكان ميلاده يعبِّر بوضوح عن حلول الحق الطبيعي، حق الفرد والأمة، محل الحق الالهي وحقوق الألقاب الارستقراطية المتوارثة أو المصطنعة. وهذا الانبثاق الطبيعي للجمعية الوطنية وما اقترن به من التفاف الأمة، وبخاصة عموم الشعب الفرنسي، حولها هما اللذان يفسِّران بلا ريب قدرتها على
أن تصمد وتمضي قدمًا في طريق التغيير. لقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن هذا البرلمان الحقيقي هو قوة لا تقاومُ لأن وراءه سندًا من الحق الطبيعي للإنسان وسندًا من إرادة الأمة. إن نظرية الحق الالهي سقطت لأن النظرية الديمقراطية القائمة على المذهب الفردي قد دقّت ساعتها إذ سطعت في عقول الناس واختمرت في ضمائرهم. لقد كانت نواة الثورة الفرنسية أولئك النواب الثلاثمائة من رجال القانون، ولقد كانت تلك النواة تحمل من القابلية للصمود والتغلّب قَدْرَ ما تحمل من قوة الفكرة الجديدة.
[ ١ / ٣٤٨ ]
وكما سميِّت الثورةُ الفرنسية “ ثورة الفقهاء ” فإنها وُصِفَتْ بأنها ثورة أوروبية. كتب جوريس Jaures يقول: «لا توجد ثورة فرنسية بالمعنى الدقيق للكلمة، بل توجد ثورة أوروبية على رأسها فرنسا» (١) . بل وصفها بعضهم بأنها ثورة أطلسية revolution atlantique أو غربية (٢) .
ولابد من الإشارة في هذا الصدد إلى الوشيجة العميقة بين إعلان الحقوق الفرنسي وإعلانات الحقوق الأمريكية التي توّجت كفاح المستعمرات الأمريكية الثلاثة عشرة للاستقلال عن التاج البريطاني في الربع الأخير من القرن الثامن عشر. من هذه الإعلانات إعلان الحقوق الذي أعتمدته دولة فرجينيا مقدمةً لدستورها في ١٢ حزيران ١٧٧٦. وقد نصت المادة الأولى منه على أن البشر متساوون بطبيعتهم في الحرية والاستقلال وأنهم يتمتعون بحقوق طبيعية غير قابلة للتنازل؛ وقد تكامل هذا المبدأ الأساسي الأول مع مبدأ السيادة الوطنية والنظام الانتخابي ومبدأ فصل السلطات. على أن أكبر تلك الإعلانات بلاشك هو إعلان الاستقلال الصادر في ٤ تموز ١٧٧٦، تلك الوثيقة التاريخية التي أعدّها الزعيم والمفكر الأمريكي الكبير توماس جيفرسون. ويتلخص ذلك الإعلان التاريخي في أن الحرية والمساواة حقان طبيعيان وأن المجتمع السياسي تكوّن بالاتفاق بين الأفراد لتأمين حرياتهم، وهو كما رأينا في إعلان فرجينيا يؤكد على سيادة الشعب. وكان جيفرسون يسعى إلى تضمين وثيقة الاستقلال مشروعه لمنع استيراد العبيد ومكافحة تجارة الرقيق، لكن المعارضة الشديدة التي لقيها أدّت إلى حذفه من الوثيقة. وكان يكافح أيضًا لتأمين الحرية الدينية وإنهاء الاضطهاد الذي كانت تمارسه الكنيسة، ووضع قانونه الخاص بالفصل بين الدولة والكنيسة (٣) . وبعد برهة من الزمن لا تتجاوز ثلاثة عشر عامًا صدر الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن متضمنًا المباديء ذاتها. فقد نصت المادة الأولى على مبدأ الحرية الطبيعية ومبدأ
[ ١ / ٣٤٩ ]
المساواة، وترجمتها المادة الثالثة بالنص على مبدأ سيادة الأمة، وجاءت المادة السادسة عشرة للتوّج هذه المباديء الثلاثة بمبدأ الفصل بين السلطات؛ وكما رأينا في إعلان الاستقلال الأمريكي الصادر في ١٧٧٦ فإن إعلان الحقوق الفرنسي نصّ على أن هدف المجتمع السياسي هو الحفاظ على حقوق الإنسان الطبيعية.
الثورتان رضعتا إذن لبان الأفكار ذاتها، والثورة الفرنسية سلكت طريقًا ارتادته قبلها الثورة الأمريكية. والأجدر أن نقول إن الثورتين قد خرجتا من أصول ثقافية مشتركة. ويكفي في الإشارة إلى ما بين الثورتين من نسب فكري عميق أن نذكر أن أعداء جيفرسون، وهو من كبار رجال معركة الاستقلال والديمقراطية الأمريكية، قد اتهموه بأنه “ آلة في يد فرنسا ” و“ أداة روبسييير ” و“ والملحد اليعقوبي ” و“ قاتل الملوك ” (١) . ونادي اليعاقبة هو الجناح المتطرف في الثورة الفرنسية، ومن أعضائه روبسييير.
المطلب الثاني: الخلفية التاريخية للثورة الفرنسية.
لا يمكن فصل عصر التنوير عما سبقه من عصور، بل هو ثمرة تطور عقلي عميق حصل للشعوب الأوروبية خلال تاريخها الطويل. وإذا كان عصر التنوير يبدو لنا وثيق الصلة بعصر النهضة الأوروبية فإنه متصل بما سبقها من مراحل التطور العميق والبطىء. وإذا كانت الثورة الفرنسية هي بنت المذهب الفردي الذي سطعت أنواره في القرن الثامن عشر فإن معرفة مضامين التطور العقلي الذي أفضى إليه تتيح لنا أن نصل إلى الكنه العميق للأساس الجديد المزدوج للدولة أي الحرية الفردية وسلطة الأمة وأن نستشرف، من هناك أي من حيث نرى كنه هذا الأساس، مستقبل العلاقة بين الإنسان والدولة ومستقبل حقوق الإنسان والمواطن.
[ ١ / ٣٥٠ ]
نستطيع أن نرى بذرة المذهب الفردي في نظرية القانون الطبيعي كما صاغها الفقيه والمفكر الروماني الشهير شيشرون Ciceron (١٠٦ - ٤٣ق. م) . ونظرية القانون الطبيعي ظهرت أول مرة على يد فلاسفة الاغريق المتأخرين وبخاصةٍ الرواقيين stoiciens في أواخر العصر الاغريقي عندما أخذ الفكر السياسي يتحرّر من طغيان فكرة الدولة ويرى للفرد وجودًا ذاتيًا مستقلًا عن الدولة أي وجودًا طبيعيًا غير وجوده السياسي، (مناقضًا بذلك تعاليم أرسطو) (١) . وشيشرون الذي هو أحد أبرز فقهاء الرومان المتأثرين بفلسفة الرواقيين ذهب إلى وجود قانون طبيعي منتشر في جميع البشر وإلى أن الناس أحرار بخضوعهم لهذا القانون وإلى أنهم في ضوئه متساوون؛ وإنما هم متساوون في تكوينهم النفسي وفي كونهم كائنات عاقلة وفي تمييزهم المشترك بين الخير والشر. وفي تحديد مصدر هذا القانون الطبيعي قال شيشرون إنه نابع من العناية الربانية ومن الطبيعة البشرية العاقلة؛ أنه قانون العقل الصحيح. لكنه قال أيضًا إن الإنسان هو المصدر الأول لفكرة العدل، وأرجع القوانين إلى التمييز المتأصل في طبيعته بين الخير والشر. وهكذا يبدو الميل عند شيشرون إلى اعتبار العقل مرجعًا أصليًا لمعرفة القانون الطبيعي، رغم المسحة الميتافيزيقية (٢) التي يخلعها على هذا القانون. وكما تلقّى فقهاء الرومان فكرة القانون الطبيعي من فلاسفة الاغريق فإن الأوروبيين تلقَّوا من شيشرون نظريته في القانون الطبيعي وأصبحت عندهم على مدى قرون سلاحًا لمقارعة الاستبداد والدعوة إلى الحرية والمساواة. وإذا كان واضحًا أن هذه النظرية قد وجهت الفكر الأوروبي نحو تدعيم حرية الفرد وذاتيته المستقلة فإننا نستطيع أن نقول إنها أسهمت في دفع هذا الفكر في الاتجاه المؤدي إلى تكريس سيادة العقل الفردي.
[ ١ / ٣٥١ ]
هذا الاتجاه إلى تكريس سيادة العقل سوف يتلقى في القرن الخامس الميلادي دفعة قوية على يد القديس أوغسطين Saint Augustin صاحب (مدينة الله La Cite de Dieu) و(سلطة النوع الإنساني - L’autorite du genre humain) والذي عرّف الوجود بأنه ظاهرة وعي Phenomene do la Conscience. وواضح أن القديس أوغسطين أعطى الوعي أولوية تجعل منه، وهو من أوائل فلاسفة المسيحية الكبار، رائد المذهب العقلاني في التاريخ الأوروبي. إنه، كما يقول كوستاس يايويانوّ Kostas Papoiannou (١)، الجدّ الأعلى لهيجل Hegel. وهيجل (١٧٧٠ - ١٨٣١ م) هو الذي قال إن الدولة هي التجسيد الواقعي للفكرة المطلقة. وفي قلب العصر الوسيط تطالعنا في أوساط رهبان الكنيسة النزعات التي سوف تطبع العصر الحديث، وهي العقلانية والليبرالية والفردية التي حاولت الكنيسة دون جدوى قمعها والتي نجم عنها في أوساط الرهبان تصوّر للأخلاق متحرر من القانون الديني. وتسلمنا هذه المرحلة القلقة من مراحل العصر الوسيط إلى رمز كبير من رموز الكاثوليكية في القرن الثالث عشر (أواخر العصر الوسيط)، إلى القديس توماس الاكويني Saint Thomas D'Aquin (١٢٢٦ - ١٢٧٤ م) الذي يعرِّف الإنسان بأنه من الناحية الجوهرية عقل L’homme est essentiellement raison والذي يكرِّس الفرد على ما هو عليه في واقعه المحسوس. وقد قيل إنه أبو الفلسفة الحديثة (٢) . وتتجاوب رؤيته للسلطة السياسية مع رؤيته هذه للإنسان: فالسلطة التي هي حق إلهي طبيعي، مفوَّضة إلى الشعب، بمعنى أن الشعب يختص بتعيين الحكام من وسطه؛ وهكذا يعرِّف رئيس الدولة بأنه نائب الجماعة Vicaire de la multitude (٣) . ونستطيع أن نلحظ الدلالة الخطيرة والمثيرة التي ينطوي عليها مذهبه: فإذا كان الإنسان جوهرًا عقليًا فإن السلطة الطبيعية للجماعة هي في التحليل الأخير سلطة قائمة بذاتها أي مطلقة. إن مذهب القديس توماس الاكويني
[ ١ / ٣٥٢ ]
يحمل هكذا بذرة الفصل بين السلطتين الزمنية والروحية، تمامًا كما هو يسلم الفرد إلى واقعه المحسوس. إننا أمام الامارات الأولى لسقوط الميتافيزيقيا من حياة المجتمع المدني. أليس مثيرًا جدًا أن نرى عند هذا الذي كرّسته الكنيسة الكاثوليكية فيما بعد أبًا من آبائها الارهاصات غير المباشرة للحركة العقلية التي قادت إلى الثورة الفرنسية؟!
أمّا في القرن التالي، الرابع عشر، حيث بدأت تختمر الخمائر الأولى للنهضة الأوروبية، فقد اهتزت البنية العقلية التقليدية تحت ضربات المذهب الاسمي nominalisme الذي شكّك في الحقائق المجرّدة واستبدل بها الحقائق المستمدة من الطبيعة الحسيّة. وظهرت حينئذ الدعوة إلى الفصل بين السلطتين الروحية والزمنية (١)، وهو الفصل الذي سوف تضع الثورة الفرنسية بعد أربعة قرون أساسه الايديولوجي في إعلان ١٧٨٩ م. ونستطيع في ضوء هذه المعطيات أن ندرك كنه الاتجاه الإنساني Humanisme الذي أفرزه هذا التطور العقلي على مدى قرون والذي هو روح عصر النهضة الممتد بين أواخر الربع الأول من القرن الرابع عشر وأواسط القرن السادس عشر: إنه الاتجاه إلى تكريس الوعي الفردي تكريسًا يعطيه الصفة المطلقة ويوحِّده مع الطبيعة الحسيّة؛ إنه الاتجاه إلى جعل الأنا الفردية إليهًا أرضيًا يرى الحقيقة من خلال واقعه المادي المحض؛ إنه الاتجاه إلى إنزال (المطلق) من علوِّه الميتافيزيقي وجعله في هذه الإنسانية التي وصفها الفيلسوف الألماني فيورباخ Feuerbach بأنها الإنسانية التي تتغذى من نفسها، من لحمها ودمها (٢) . هذا الاتجاه الذي يخرج الفرد من حالة الخضوع للمبدأ الميتافيزيقي وللسلطة الروحية التي تحكم باسمه ويدفعه إلى حالة الحرية المطلقة حيث يتحد مع العالم المادي يقود طبيعيًا إلى نتيجة حتمية هي خضوع الفرد للدولة بوصفها واقعًا ماديًا ضخمًا ومسيطرًا؛ وهو خضوع طوعي يجعله والدولة شيئًا واحدًا ويخلع على الدولة صفة
[ ١ / ٣٥٣ ]
المطلق. أي أن الفرد والدولة يصبحان صورتين للقوة مندمجتين أولاهما في أخراهما، على أن أولاهما قوة خاضعة إلى حدّ التلاشي في الأخرى بينما الأخرى قوة مسيطرة إلى حدّ أن تكون إلهًا للأولى. لقد عرّف المفكر الألماني Treitschke الدولة بأنها قوة l”Etat est force (١)، وعرّف هيجل الدولة بأنها المطلق، وفي نظر الفقيه الفرنسي العميد ديكي Duguit فإن جوهر الدولة يكمن في فرق القوة بين الحكام والمحكومين (٢)؛ أما كانت Kant فقد فقد أصلّ القانون، الذي هو نظام حياة الدولة، في القوة. ومن هنا قول الفقيه الألماني إهرنك Ihering إن غياب القوة المادية هو الخطيئة القاتلة للدولة (٣) . وهو خطيئتها القاتلة لأن القوة المادية ليست أداةً لقمع حالات الخروج على نظام الدولة فحسب، ولكنها القاعدة العامة لنظام الدولة واكسير حياتها.
[ ١ / ٣٥٤ ]
ونستطيع أيضًا أن نرى ما في تيار الإنسانية هذا من قوة اندفاع نحو تحطيم القوالب التقليدية للعقل والحياة والدولة: إنه تيار يتغذى على تكريس إرادة القوة في الفرد والدولة على السواء. وقد وصل هذا التيار مع رينيه ديكارت Rene Descartes في القرن السادس عشر إلى لحظة التحطيم الجذري لهذه القوالب التقليدية عندما أطلق قولته المشهورة: «أنا أفكِّر، إذن أنا موجود»؛ وهكذا هدم ديكارت جميع الحقائق أو، وفق لغته، أحلام العالم الموضوعي ونهضت من بين ركام الحقائق المنهارة هذه الأنا التي تتكلم في فراغ مطلق وتقرِّر الحقائق كما يقرِّرها إله. وواضح أن أولوية الأنا عند ديكارت تتجاوب مع أولوية الوعي عند القديس أوغسطين وواضح أيضًا أن اعتباره الحقيقة فكرة العقل ذاتها يتجاوب مع قول القديس توماس الاكويني إن الإنسان هو جوهريًا عقل. وهكذا فإن العصور القديمة والوسطى والحديثة تلتقي على أمر جامع هو تأليه الإنسان أو بالأحرى تأليه الأنا الفردية La divinisation du moi؛ وهو، كما رأينا آنفًا، الطريق الذي يوصل طبيعيًا إلى تأليه الدولة. وليس هذا التأليه للإنسان فكرة مستقرة في العقل الباطن الأوروبي فحسب، بل هو فكرة واعية وجدت تعبيرها الصريح في البيئة المسيحية في العصر الوسيط حيث ظهر تعريف للإنسان بأنه إله ثانٍ L’homme est un second dieu (١) . لقد قدّم ديكارت لأوروبا أساسًا جديدًا للفكر والحياة حينما هدم جذريًا ثنائية العقل والحقيقة وحرّر الإنسان الأوروبي من ربقتها ومما تنطوي عليه من قيود للفكر والسلوك؛ إن صيحته المشهورة الآتية من أعماق الحضارة الأوروبية المسيحية تعلن نهاية النظام القديم وتفتتح عهد الإنسان الحرّ والدولة الحرة: عهد الإنسان الذي (يقرِّر) الحقيقة بوعيه الفردي البحت و(يبتكر) تصرفاته بإرادته الفردية البحتة، وعهد الدولة صاحبة السلطة العليا المطلقة أي الدولة ذات السيادة؛ إنها بشارة
[ ١ / ٣٥٥ ]
إلى أوروبا بالدخول في عصرها الحديث، عصر الدول القوية وحركة التوسع الأوروبي. وإذا كان ديكارت قد حرّر العقل نهائيًا من قوالب بنيته التقليدية وأطلق حيويته الحرة فإنه قد ضمن بذلك لمنهجه أن يصل في تأثيره إلى الدرجة التي يشير إليها لويس كارديه Louis Gardet بقوله إنه بلغ حدّ توجيه منطق الرجل العادي (١) . ونستطيع إذن أن نؤرخ بهذه اللحظة الفاصلة من تاريخ أوروبا بدء مسيرتها نحو الديمقراطية الحديثة، حيث بزغ فجر إيمان جديد، إيمان الفرد بنفسه إيمانًا جعله في وعي حقيقةً مطلقة؛ وتلك هي المسيرة الطويلة التي سوف تتوِّجها الثورة الفرنسية في ١٧٨٩ م. ولا ريب في أن نموّ هذا الإيمان الجديد يبدِّد تدريجيًا في وعي الفرد والجماعة صورة صاحب السيادة بوصفه حقيقةً مستقلة عن الجماعة بحيث يصبح صاحب السيادة هو الجماعة نفسها وتصبح هي مصدر السلطة والقانون. ونستطيع أن نرى هذا التحوّل العميق عندما نقارن بين مفهوم جون لوك وبين مفهوم جان جاك روسو لصاحب السيادة في نظريتيهما عن العقد الاجتماعي. فالعقد الاجتماعي عند لوك ينعقد بين طرفين أحدهما الجماعة والثاني فرد يصبح بمقتضى العقد صاحب السيادة؛ وهذا العقد ينشئ حقوقًا وواجبات متبادلةً بين طرفيه بحيث تكون سلطة صاحب السيادة نسبية خاضعة لشروط معينة تتحكم في نشوئها وفي بقائها. أما العقد الاجتماعي عند روسو فإنه عقد تبرمه الجماعة مع نفسها وتصبح بمقتضاه هي صاحبة السيادة وتكون سلطتها بطبيعة الحال مطلقة؛ إن حصيلة العقد الاجتماعي هي ما أسماه روسو سيادة الإرادة العامة (٢) . إنَّ انهيار ثنائية العقل والحقيقة على يد ديكارت، أي صيرورة الحقيقة فكرة العقل ذاتها، قد أذن بانهيار ثنائية الإنسان والدولة وصيرورة الفرد، وبالتالي الأمة، جوهر الدولة وحقيقتها النهائية. وإن هذه الأحادية العقلية والسياسية التي هي روح العصر الحديث هي الطور الأخير الذي أصبحت تسير نحوه
[ ١ / ٣٥٦ ]
الدولة سيرًا تصاعدت قوته خلال عصر التنوير حيث ظهر جيل جديد متشبع بالمذهب الفردي. وفي طورها الأخير هذا تنقطع الدولة الحديثة عن جذورها الميتافيزيقية ولا يبقى للسلطة الروحية وجود في حياة المجتمع السياسي الذي يصفه كانت بأنه جذوره من نفسه؛ فمحلَّ سيادة الملك المستندة إلى نظرية الحق الإلهي سوف تحلّ سيادة الأمة التي تجد سندها في نفسها أي في الحق الطبيعي المطلق الذي يُحِلّ الفرد لا محل الملك فحسب بل محلّ الله ويجعل سيادة الإرادة العامة التي تحدث عنها روسو بديلًا عن الإرادة الإلهية المطلقة. إن هذا الطور الأخير هو طور علمانية الدولة La Laicite de L’Etat (١) التي سوف تكرِّسها الثورة الفرنسية في إعلان ١٧٨٩ م والتي أقامها ميرابو في مناقشات الجمعية الوطنية على أساسٍ من الطبيعة المطلقة للوعي الفردي. وفي هذا الصدد يقول Gabriel Compayre إنه «لا يوجد ظلّ للميتافيزيقيا في إعلان معتقد سياسي»، مدافعًا عن إعلان الحقوق ضدّ أولئك الذين كانوا يحتجّون على عقلانيته المطلقة أو طابعه المادي (٢) . وإذا كانت الفلسفة الحديثة، وعلى رأسها ديكارت، قد بذرت بذور الإيمان الجديد الذي أشرنا إليه والذي قاد إلى هذا التحوّل العميق في طبيعة الدولة، أي بذرة الوعي الفردي المطلق، في أرض خصبة صالحة للإنبات بحكم تطوّرها التاريخي فإن جان جاك روسو ومن بعده تلميذه سييس قد تعهّدا هذه البذرة بالرعاية وأعطياها ثمرتها السياسية الكاملة: فالأول حرّر الإرادة العامة من كل قانون أساسي بل من العقد الاجتماعي الذي هو مصدرها وجعلها مطلقة تستطيع فعل أي شيء، والثاني اعتبر الأمة كائنًا مطلقًا لا يقع عليه أي إلزام وافترض أنها، بالنسبة إلى ذاتها، في حالة الطبيعة دائمًا؛ وبهذا التعليم أثارا حركة عقلية عامة قادت إلى الثورة الفرنسية.
المبحث الثاني: الفرد والدولة:
المطلب الأول: ماهية الحرية الفردية في إعلان ١٧٨٩ م
[ ١ / ٣٥٧ ]
تحتلّ الحرية الفردية مركز الدائرة في النظام السياسي الذي أقامته الثورة الفرنسية للمجتمع السياسي.
تنص المادة الأولى من إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي صادقت عليه الجمعية الوطنية الفرنسية في ٢٦ آب ١٧٨٩ م على أن الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الحقوق ويبقون كذلك، وتسلِّط المادتان الرابعة والخامسة ضوءً قويًا على مضمون المادة الأولى يكشف حقيقة هذه الحرية التي يتمتع بها الإنسان بمقتضى إنسانيته نفسها وبمجرّد واقعة ميلاده ذاتها. فالمادة الرابعة تعرِّف هذه الحرية الطبيعية بأنها قدرة الفرد على القيام بكل مالا يلحق ضررًا بالآخرين؛ وهكذا، كما تقول المادة، فإنه لا حدود لممارسة الحقوق الطبيعية لكل إنسان إلاّ تلك التي تؤمِّن للأعضاء الآخرين للمجتمع التمتع بهذه الحقوق نفسها؛ وتسند المادة إلى القانون وحده تحديد هذه الحدود. وواضح إذن أن الحرية التي يكرِّسها الإعلان هي في ذاتها حرية مطلقة، حرية الفرد في أن يفعل ما يشاء ويدع ما يشاء؛ إنها ليست خاضعة لقانون سابق أي لمعيار أخلاقي يضبطها ويحدِّد لها مسالكها، والقانون الوحيد الذي يضبطها لا شأن له بمضمونها الداخلي وإنما هو يضبط علاقاتها الخارجية مع حريات الآخرين حتى لا تفتئت عليها وتبقى حرية كل فرد مطلقة في عالمها الداخلي؛ ونصّ المادة الرابعة يُشعِرُ بوضوح بنفي أي معيار لضبط الحرية الفردية غير القانون الوضعي الذي يتولّى وحده تعيين الحدود الفاصلة بين الحريات الفردية؛ وينبني على هذا النفي نتيجة خطيرة بيّنتها المادة الخامسة هي أن كل مالا يحرمه القانون لا يمكن منعه وما لا يأمر به القانون لا يمكن إجبار أحد على فعله. فالقانون هو إذن خادم للحرية الفردية لا حاكمُ عليها، إنه مأمور لا آمر، مأمور بأن يؤدّي في خدمتها مهمة ليس له أن يتجاوزها، وهذه المهمة المحصورة قد بيّنتها المادة الخامسة: (ليس للقانون الحق في أن يمنع غير الأعمال الضارة
[ ١ / ٣٥٨ ]
بالمجتمع) .
ولا نستطيع أن نُغفِل التناقض الظاهر والجذري بين هذا المفهوم الليبرالي للحرية وبين مفهوم الحرية في نظرية القانون الطبيعي التي انطلق منها المذهب الفردي، وهو المذهب الذي على أساسٍ منه قامت الثورة الفرنسية. فالخضوع للقانون هو قوام الحرية عند شيشرون الذي كانت نظريته في القانون الطبيعي منطلقًا لتطور فكري وسياسي دام قرونًا في أوروبا؛ وموقف شيشرون في هذا الشأن موقف جذري إذ يقول: «إننا عبيد للقانون لكي نكون أحرارًا»؛ وبديهي أن القانون الذي يعنيه هو القانون الطبيعي أي القانون القائم بنفسه السابق للإرادة والذي يقرِّر للإرادة ما ينبغي أن تتَّجه إليه؛ والحرية التي يعنيها هي إذن حرية أخلاقية قائمة على ثنائية المثال المجرَّد والإرادة البشرية. وهكذا نستطيع أن نرى أن المذهب الفردي في طوره النهائي الذي أفرز الثورة الفرنسية قد تنكَّر لأصله التاريخي الذي انحدر منه بأن جرَّد الحرية من طابعها المعياري وأفقدها عمقها الأخلاقي وجعلها إرادة محضة بعد أن كان جوهرها القانون.
[ ١ / ٣٥٩ ]
ينبغي إذن تعريف الحرية التي كرّسها الاعلان بأنها إرادة النفس الحسّيّة بالمعنى المطلق لهذا التعبير. وهكذا نصل إلى الفلسفة النهائية لواضعي الاعلان: حقيقة الإنسان تكمن في نفسه الحسّيّة: أي أن جوهر الإنسان هو المادة، والروح ليست حقيقة مستقلة عن الجسد. وقد رأينا آنفًا أن الذين أخذوا على الإعلان عقلانيته المطلقة قد وصموه أيضًا بالمادية. ويمكن أن نرى أن الثورة الفرنسية (١٧٨٩) والثورة البلشفية التي نشبت في روسيا في ١٩١٧ تشتركان في رؤيتهما المادية للإنسان وأنهما في هذه الرؤية المشتركة ثمرة تطور عقليّ متشابه مرّت به عائلة الشعوب الأوروبية. الإنسان بوصفه عضوًا في المجتمع السياسي هو، في فلسفة الثورة الفرنسية، حيوان سياسي؛ وفي هذا يلتقي فكر الثورة مع الفكر الاغريقي القديم. والحقيقة القانونية التي تقرِّرها الإرادة العامة، كما تنص عليه المادة السادسة من الإعلان، تتجذَّر إذن في غرائز هذا الحيوان السياسي. ولا محل إذن للدين في حياة المجتمع السياسي الذي أقامته الثورة. ومن سوء الفهم بل من السطحية أن نتوهم أن علمانية الدولة التي كرّسها الإعلان تقتصر على فصل الدولة عن الكنيسة؛ إنها لا تطرد السلطة الروحية وحدها من حياة المجتمع السياسي بل تطرد معها وقبلها الحقيقة الدينية نفسها إذ هي تقوم على إنكار أن يكون لأية حقيقة وجود خارجي مستقل عن الوعي وعلى اعتبار الحقيقة بنت الوعي الفردي. وفي الحساب الأخير فإن الحقيقة الدينية تتجذر، رغم ما يبدو في هذا القول من غرابة شديدة، في الغريزة الحيوانية، شأنها في هذا شأن الحقيقة القانونية. لسنا هنا بعيدين عن هيجل الذي عاصر الثورة الفرنسية
والذي يصل عنده تكريس الغريزة الحيوانية في الإنسان إلى درجة التقديس: فالله، كما يقول، تجسّد في المادة ثم في الغريزة الحيوانية للإنسان ومازال يواصل من خلالها عمله
[ ١ / ٣٦٠ ]
الخلاّق (١) . وإذا كان ديكارت قد هدم هدمًا جذريًا وصريحًا ثنائية العقل والحقيقة وافتتح الطريق المباشر إلى الديمقراطية الحديثة وإلى الثورة الفرنسية، كما رأينا، فإن هيجل قد أماط اللثام عن المغزى النهائي لهذه الأحادية التي أقامها ديكارت: فالله والإنسان هما عند هيجل حقيقة واحدة تكمن في الغريزة الحسيّة وتتجسّد في الدولة التي هي المطلق. فلسفة الثورة التي عبّر عنها الإعلان كانت إذن فلسفة الحادية وإن كان لم تصرّح بالالحاد. وترينا المعطيات السابقة المتعلقة بالهوية الأوروبية للثورة أن إلحادها كان ذا جذور تاريخية عميقة. والنظام الجديد الذي كان الالحاد هو النسغ الذي يمشي في مفاصله الكبرى (الفرد، الارادة العامة، القانون) لم يكن فيه مكان لصوت يتكلم عن خلود الروح ووجود الله ويدعو إلى الفضيلة. لم يكن فيها مكان لرجل مثل روبسييير Maximilien Rebspierre (١٧٥٨ - ١٧٩٤) الذي كان يرى أن الدين (لبنة هامة في بنيان المواطنة) (٢) . كان روبسييير من أعضاء الجمعية التأسيسية و(لم يكن هناك من يجادل في زعامته للثوار) بعد موت ميرابوا وكانت الجماهير مفتونة به، وعند حلّ الجمعية التأسيسية كانت شعبيته قد بلغت مداها و(سمّاه الناس رجل الساعة) وفي لحظة من تاريخ الثورة (أصبح مطلق اليد في فرنسا) (٣) . قال في تقريره المؤرخ في ٥ فبراير / شباط ١٧٩٤: (ما هو هدفنا؟ أن ننعم في هدوء بالحرية والمساواة وبعهد العدالة الأبدية المنقوشة قوانينه، لا على الرخام أو الحجر، بل في قلب كل رجل، حتى العبد الذي ينسى أن له حقوقًا والطاغية الذي ينكر هذه الحقوق) . وقال أيضًا في نفس التقرير:
[ ١ / ٣٦١ ]
(نحن نريد أن نحقق عهود الطبيعة لبني الإنسان) (١) . لكن دعوته الصريحة إلى إدخال الدين في حياة الدولة جاءت في تقريره المشهور الذي كتبه في ٧ مايو / مارس ١٧٩٤ وسمّاه تقريرًا عن العلاقة بين الدين والأفكار والمبادىء الجمهورية واستعرض فيه التقدم من حكم الجريمة إلى حكم الفضيلة قائلًا: (من ذا الذي فوّضكم أن تعلنوا للناس أنه ليس هناك شيء إلهي؟ وماذا يستفيد الإنسان لو اقتنع بأن قوة عمياء تسيطر على مقدّراته وتضرب عشوائيًا في كل اتجاه: آنًا بالفضيلة وآنًا بالجريمة؟ أو أن روح الإنسان مجرد بخار خفيف يتبدّد عند فتحة القبر؟ وهل فكرة تلاشي الإنسان ستوحي له بأشياء أشدّ نقاءً من فكرة خلوده؟ هل ستزيد من صلابته في مواجهة الطغيان أو تعمِّق احتقاره للملذات أو للموت؟ حتى القول بوجود الله وخلود الروح سيكون أجمل ما ابتكره عقل الإنسان والخلاصة: يجب أن يعلن المؤتمر الوطني أن الشعب الفرنسي يعترف بوجود الكائن الاسمي وبخلود الروح ويجيز ديانة مقامة من الدولة على هذا الأساس) (٢) . كان رجل مثل هذا خطرًا على النظام الجديد يوشك أن يصيبه في مقتل لاسيما أنه راح يندِّد بالالحاد؛ فكان لابد من التخلص منه، وقد تم إعدامه على المقصلة في ٢٧ يوليو / تموز ١٧٩٤. ولو قدّر له أن يبقى لتغير وجه فرنسا الجديدة ومن ورائها وجه التاريخ الحديث والمعاصر الذي حدّدت الثورة الفرنسية اتجاهه.
المطلب الثاني: من حرية الفرد إلى طغيان الدولة.
[ ١ / ٣٦٢ ]
الوحدة التكوينية للمجتمع السياسي الجديد، أي الفرد، لها إذن صفتان: فهي تتصف في ظاهرها بالقوة من حيث أن ماهيتها إرادة مطلقة تقرر الحقيقة وتقرر شكل السلوك كما تشاء؛ وهي تتصف في حقيقتها العميقة بالضعف من حيث أنها تحيا تحت استبداد الغريزة الحسية أي تحيا في استسلام للواقع المادي ولاسيما للدولة التي هي أقوى صور هذا الواقع وأشدّها تأثيرًا على الفرد من حيث امتلاك الدولة لأدوات السيطرة التي لا تتوفر لسواها. إن الحرية الفردية المطلقة في إعلان ١٧٨٩ هي في التحليل الأخير عبودية الفرد للدولة أو بالأحرى للسلطة السياسية. وينبغي أن نضيف أن هذه العبودية ليست عبودية قسرية، بل هي عبودية طوعية واستسلام رضائي تلقائي يصل في تطوره إلى أن يكون قاعدة تفكير الفرد وتصرّفه داخل الدولة. وبتعبير أدق فإن الإعلان الذي يقيم نظريًا ثلاث صور من السيادة، سيادة الإرادة الفردية وسيادة الإرادة العامة وسيادة الدولة، يقود عمليًا إلى تكريس سيادة واحدة هي سيادة الدولة أو سلطتها العليا المطلقة بينما تتحول الأخريان إلى عبودية طوعية للدولة؛ إنه يقيم دكتاتورية الدولة أو طغيان السلطة على أساس من ارتضاء الجميع بمقتضى حريتهم المطلقة أن يكونوا عبيدًا للسلطة. وهكذا يبدو حق مقاومة الطغيان الذي قررته المادة الثانية من الإعلان حقًا نظريًا لا بسبب العجز عن مقاومة الطغيان بل بسبب أخطر وأعمق هو الفقدان الفعلي والتدريجي لإرادة مقاومة الطغيان والتحوّل إلى الوداعة السلبية اللامسؤولة والمتعامية عن خطايا السلطة ثم التحوّل أخيرًا إلى موقف تبريري يسبغ الشرعية على كل وضع فعلي تصنعه السلطة. إن الإرادة العامة التي أسند إليها جان جاك روسو إيجاد القانون وأجاز لها نقض أي قانون أساسي ثم أجاز لها سييس من بعده نقض كافة الأشكال الدستورية يؤول أمرها من الناحية العملية إلى الرضا بكل انتهاك تقترفه السلطة للدستور أو القانون. إن الإرادة
[ ١ / ٣٦٣ ]
العامة تنتقل هكذا من السيادة (العزيزة) التي تفرض ما تشاء إلى السيادة (الذليلة) التي ترضى كل ما يفرض عليها.
هذا المآل الحتمي الذي تؤول إليه عمليًا الوحدة التكوينية للمجتمع السياسي،
الفرد، أي الفقدان الفعلي للذاتية المستقلة والذوبان الفعلي في السلطة، يترافق
ويتكامل مع الوضع الذي تؤول إليه السلطة ذاتها في صيرورة حتمية تنطلق من ذات المنطلق أي من الطبيعة المطلقة للحرية الفردية. فكما أن جوهر الحرية الفردية هو الإرادة لا القانون كما رأينا من قبل (المبحث الثاني - المطلب الأول: “ ماهية الحرية الفردية في إعلان ١٧٨٩ ”؛ ما قلناه عنها في ضوء نظرية القانون الطبيعي) وكما أن القانون يستمد بالتالي أصل وجوده من الإرادة العامة المطلقة فإن السلطة التي تنبثق من هذه الأخيرة هي جوهريًا إرادة لا قانون، أي أن شرعيتها الدستورية التي تستند إليها وصبغتها القانونية التي تصبغ تصرفاتها تخفيان طبيعة مطلقة تجعل استقامتها على طريق الدستور والقانون متوقفة على إرادتها الحرة وتجعل انحرافها قابلية جوهرية تكمن في طبيعتها لا إمكانية عرضية تعتور عملها.
وهكذا، من جهة وأخرى، أي مع استسلام الفرد ومع طغيان السلطة، وكلاهما جوهري أصيل، تصبح الحقوق والحريات حصونًا بلا أبواب تمنع اقتحامها. فالفرد يؤول أمره إلى أن يفقد حريته الداخلية كلما أوغل في التمتع بحريته المطلقة حتى يصبح هو والسلطة شيئًا واحدًا ويفقد حيالها كل استقلال حقيقي يكفل تحرّكه للدفاع عن الحقوق والحريات وعن القانون الذي يكفلها، وربما التمس من القانون نفسه تبريرات لتصرفات السلطة اللاقانونية. والسلطة الديمقراطية يؤول أمرها إلى أن تفقد كل خضوع حقيقي للقانون وتصبح قوة بحتة تختفي وراء ثوب القانون، قوة قانونية المظهر سياسية الجوهر تضرب في كل اتجاه وتذهب آنًا مع الحقوق والحريات وآنًا ضدها وتتخذ من القانون نفسه ذرائع لتصرفاتها اللاقانونية.
[ ١ / ٣٦٤ ]
لقد اعتبر إعلان حقوق الإنسان والمواطن وثيقة ميلاد المواطن الحديث. لكن أليس هو، بفتحه الباب عمليًا لطغيان السلطة من ناحية ولانحلال الإرادة العامة من ناحية
أخرى، وثيقة إعدام الحريات تحت شعار تمجيدها؟!
والمسار الفعلي الذي اتخذته الثورة الفرنسية يقدِّم الجواب على هذا التساؤل، فقد انتهى إلى خروجها على منطق إعلان الحقوق نفسه. بل إن المرحلة الأولى من تاريخها قد انطوت على ما ينذر بهذا المصير. فقد رأينا من قبل (المبحث الأول - المطلب الأول: صلة الثورة بالمذهب الفردي) أن حزب اليسار في الجمعية الوطنية، الجيروند les Jirondins، ذهب إلى إمكانية التضحية بالدستور لمصلحة الثورة، رغم أنه صادر باسم الأمة. ولاشك في أن هذا الموقف يفتح الباب لانحراف السلطة إذا لم تكن الإرادة العامة على درجة من اليقظة تكفي لصيانة خياراتها الدستورية. وقد سارت الثورة بعد ذلك بتأثير هذه الليبرالية المتطرفة في طريق الانفصال عن إرادة الأمة: تمثل هذا الانفصال في حلّ الجمعية الوطنية التي على يدها قامت الثورة والتي بفضلها اندمجت طبقات المجتمع الفرنسي الثلاثة الممثلة في مجلس الطبقات في كيان واحد هو الأمة الفرنسية التي كانت الجمعية الوطنية مرآاتها الصادقة؛ وتمثل هذا الانفصال أيضًا في إقامة الكوميون الثوري La Commune الذي حكم الحياة السياسية نحو عامين هما عهد الإرهاب والمذابح والاعدامات بالجملة؛ وزاد دخول الشارع الفرنسي طرفًا في الأحداث من إشاعة الفوضى وتضييع صوت الإرادة العامة؛ ويكفي للتدليل على تنكّر الثورة لأصلها الذي قامت عليه أن المؤتمر الوطني الذي حاكم الملك قد رفض مبدأ الرجوع إلى الأمة إدانة الملك بعد أن طالب الجيروند Les Jirondins، وهم من أعضاء الجمعية الوطنية، بعرض الأمر على الاستفتاء العام على أساس أن ذات الملك مصونة بموجب دستور ١٧٩١ وأن الشعب وحده يملك تجريد الملك من حصانته الدستورية (١) .
[ ١ / ٣٦٥ ]
وكما انفصلت سلطة الثورة
عن القاعدة التي انطلقت منها أي إرادة الأمة وراحت تتصرف حسب رؤى المسيطرين عليها ونوازعهم فإنها على الصعيد الخارجي نكصت عن رسالتها التحريرية. ففي ١٩ نوفيمبر / تشرين الثاني ١٧٩٢ أصدرت الثورة مرسومها العالمي الذي تمدّ فيه يد الإخاء والمساعدة إلى كافة الشعوب التي تريد استرداد حريتها (١)؛ ولكنها بعد برهة قصيرة وقبل انتهاء العام نفسه نقضت عهدها إذ رجعت إلى السياسة الاستعمارية القديمة (٢) . لقد داس نابليون بونابرت، وهو من جيل الثورة، على إعلان الحقوق والحريات الصادر في ١٧٨٩ وعلى منشور المؤتمر الوطني الصادر في ١٧٩٢ والذي يعلن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وسطورهما لم تزل نديّة، عندما احتل مصر في العام ١٧٩٨ ودنَّس بسنابك خيله الأزهر الشريف وقتل علماء مصر (٣) . فأين كانت الأمة الفرنسية التي وقفت وراء الجمعية الوطنية ووراء الإعلان الذي صادقت عليه في ٢٦ آب ١٧٨٩ وقفة أجبرت الملك نفسه على التراجع خوفًا من سوء العواقب التي تترتب على رفضه المصادقة على الإعلان؟! وما الذي يفسِّر تصويت البرلمان الفرنسي في ١٨٣٠ بالموافقة على احتلال الجزائر؟! أليس مجرى الأحداث قد انتهى إلى انحلال الإرادة العامة حيال سلطة فارقت قاعدتها الديمقراطية وتحوّلت إلى سلطة دكتاتورية في الداخل واستعمارية على الصعيد الدولي؟!
المطلب الثالث: موقع القانون وقيمة الضمانات القانونية للحقوق والحريات.
[ ١ / ٣٦٦ ]
يحدِّد الإعلان دور القانون باسلوب يثير الاستغراب. فللقانون حدود ينبغي له ألاّ يتجاوزها: «أليس للقانون الحق في أن يمنع غير الأعمال الضارة بالمجتمع» - المادة الخامسة. هذا النص يتكامل مع نص المادة السادسة التي تقول إن القانون هو التعبير عن الإرادة العامة. وهكذا فإن الإعلان يجعل القانون خاضعًا في الأصل لمعيار تفرضه عليه الإرادة، بدلًا من أن يكون هو المعيار الأول الذي يعيِّن للإرادة اتجاهها وخياراتها. القانون في الديمقراطية الليبرالية الحديثة التي افتتح الإعلان عهدها هو من الناحية الأساسية القانون المحكوم لا الحاكم، القانون الذي لا يتمتع بالسلطة الأولى بل يأخذ موقعه تحت الإرادة العامة التي تتمتع، هي، بالسلطة الأولى أو العليا، أي هو النظام الذي تضعه القوة لتحقق به مآربها. وكون القوة هي قوة الجماعة، لا قوة فرد أو طبقة أو طائفة، لا يعطي القانون وصفًا آخر، فالقوة هي القوة. ومن الناحية الجوهرية، إذن، فإن موقع القانون هو نفسُه في النظام القديم الذي قوّضته الثورة وفي النظام الجديد الذي أقامته. بل إن موقع القانون قد أصبح مطبوعًا أكثر من ذي قبل بطابع التبعية في النظام الجديد الذي حرّر القوة تحريرًا كاملًا إذ فصل السلطة عن جذورها الميتافيزيقية وردّها جوهريًا إلى الأمة (المادة الثالثة من الإعلان) . وهكذا تتبدّد فكرة سيادة القانون أو أولوية القانون التي تتغنّى بها الديمقراطيات الليبرالية الحديثة ولا يبقى منها إلاّ شعار وهميّ بغير محتوىً حقيقي. وإذا جاز لنا أن نتحدث عن أولوية القانون في النظرية الليبرالية فإنما هي أولوية نسبية لا مطلقة؛ وهذه الأولوية هي بلاشك شيء آخر غير السيادة التي هي أولوية مطلقة ولا يمكن تصوّرها غير ذلك. ولاشك في أن الاكتفاء بالنظر إلى الوجه القانوني المباشر للديمقراطية الليبرالية الحديثة وعدم إمعان النظر فيما وراء هذا الوجه الظاهر من سلطان
[ ١ / ٣٦٧ ]
مطلق للإرادة هو الذي يفسِّر وقوع الكثيرين تحت وهم سيادة القانون. بتعبير آخر فإن سيادة الأمة التي نصت عليها المادة الثالثة من الإعلان، أو سيادة الإرادة العامة بتعبير جان جاك روسو، تنقض سيادة القانون وتحيلها وهمًا خطيرًا لأنه يُلْبِسُ حكم القوةِ ثوبَ القانون. وسيادة الدولة التي ترتكز على سيادة الأمة تتناقض تناقضًا أشدّ وأكثر جذريّة مع سيادة القانون لأنها في التحليل الأخير هي السلطة العليا للحكّام أنفسهم. وقد أشار شارل روسو Charles Ruosses في تحليله لظاهرة الدولة إلى هذا التناقض قائلًا إن السيادة فكرة مضادَّة بعمق للقانون notion foncierement anti-juridique (١)
[ ١ / ٣٦٨ ]