د. علي بن حسن علي القرني
كلية القيادة والأركان للقوات المسلحة
ملخص البحث
إن القدوة الذي دار معظم ما ورد في هذا البحث عن دوره وأهميته هو ما تفتقده أمتنا اليوم في شتى مناحي الحياة وميادينها ولو فُعِّل دور القدوة اليوم بالشكل الذي يطالبنا به ديننا لتغير الحال إلى ما تصبوا إليه الأمة من عزة وسؤدد فقدناه.
لقد ركز البحث على فئة هي من أكبر فئات المجتمع تأثيرًا إذا ما تحسست دورها فيما يتعلق بالاقتداء منها وبها ألا وهم (القادة) القادة في كل ميدان يرأس فيه إنسان مجموعة من الناس سواء كان قائدًا عسكريًا أو مدنيًا وقد تم في هذا البحث إعطاء تعريف محدد للقائد في اللغة والاصطلاح.
[ ٨ / ٤٧٧ ]
وبينت الفرق بين الأسوة والقدوة وأن بينها عموم وخصوص ثم حاولت أن أزيد المعنى وضوحًا حول مفهوم القدوة فحاولت أن أدون الأساس النفسي في عملية الاقتداء. بعدها جاء بيان أنواع القدوة وأنها لا تخرج بحال عن نوعين قدوة صالحة وهو ما ركز عليه البحث، وقدوة سيئة وهو ما حذر منه البحث، كما تضمن البحث بيان أصول القدوة الصالحة وأنها تعود إلى أصلين هامين هما حسن الخلق، وموافقة القول للعمل ولأن البحث يدور حول القائد ودوره في عملية الاقتداء ركزت على أنه لا مناص للقائد من دوره كقدوة لكن عليه أن يكون قدوة صالحة لا سيئة كما ركزت أيضًا على أن عليه في الوقت نفسه أن يكون مقتديًا بقائد القادة محمد رسول الله ﷺ بعدها كان التأكيد على أهمية القدوة الصالحة وبيان آثارها الحميدة أما الفصل الثاني فقد دار حول بيان وتوضيح دور آخر للقائد لا يقل أهمية عن الدور الأول ألا وهو دور القائد في الدعوة والاحتساب بين أفراده تخلل ذلك تزويده بشيء من فقه الدعوة والاحتساب فبعد أن بينت ما يجب أن يعد به القائد نفسه ليكون مستعدًا للقيام بهذا الواجب فيما يتعلق بصفاء العقيدة من الشرك وسلامة الأخلاق من الانحراف والتحصين بالعلم زودته بتعريف للمحتسب والحسبة وبينت له أهمية الحسبة في حياته بخاصة وحياة المسلمين بعامة كما أنني عددت له شروط المحتسب وآدابه ثم جاء بيان شروط إنكار المنكر، وخطوات إنكار المنكر ومراتب تغيير المنكر، وختمت تلك الأحكام الفقهية فيما يتعلق بالاحتساب ببيان شروط وضوابط تغيير المنكر بالقلب فبمجموع هذه القواعد الفقهية للاحتساب يكون القائد مستعدًا للقيام بهذا الدور الحيوي الهام.
وختمت البحث بخاتمة بينت فيها بعض التوصيات والنتائج سائلًا الله أن أكون وفقت في هذا الملخص لإعطاء فكرة مفهومة للبحث والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
المقدمة:
[ ٨ / ٤٧٨ ]
الحمد لله الذي أمر بالإقتداء وأصلي وأسلم على من جعله ربه قدوة لكل قدوة محمد وعلى آله وصحبه وبعد. فإن القائد الذي هو محط أنظار مرؤسيه قدره أنه قدوة لا مناص له من ذلك، ومن هنا جاء إعداد هذا البحث الذي ركزت فيه على ما يتعلق بالقدوة الصالحة التي نريد للقائد المسلم أن يتمثلها وقد جعلته في فصلين.
في الفصل الأول أوضحت مفهوم القدوة، وأهميتها والفرق بين القدوة والأسوة، وكذلك بيَّنت دور الأساس النفسي في عملية الإقتداء، ثم ذكرت أنواع القدوة وأصول القدوة الصالحة، وختمت الفصل بنقطة مهمة جدًا ألا وهي القائد بين القدوة والإقتداء حاولت فيها أن أبيَّن أن القائد الذي هو قدوة كما تقرر في النقاط قبلها هو في الوقت نفسه مقتديًا بقائد القادة محمد رسول الله وغيره من قادة الأمة الأفذاذ.
أما الفصل الثاني وهو بعنوان القائد قدوة ومحتسب بين أفراده فقد ركزت فيه على تزويد القائد بشيء من فقه الحسبة الذي هو عدته في إصلاح نفسه ومن ثم استصلاح من هم تحت مسئوليته من مرؤسيه وبهذا أكون قد أوضحت أهمية بل وخطورة الدور الذي يمثله القائد من خلال منصبه والموقع الذي يتبوأه سواء كان قائدًا عسكريًا أو مدنيًا فإذا ما أدرك كل قائد هذه الأهمية للموقع الذي هو فيه عمل مجتهدًا على الوفاء بمتطلباته منصبه الذي هو تكليف قبل أن يكون تشريف ومطلب قبل أن يكون مغنم وبتحقق هذا من قبله يتحقق للأمة الذي يمثلها هذا القائد الناجح العز والتقدم والرقي.
نسأل الله أن يحقق للأمة الإسلامية كل ما تصبو إليه من عز وسؤدد إنه القادر على ذلك وحده وصلى الله وسلم وبارك على من لا نبي بعده
وهذا البحث ليس الا جهدا متواضعا فيما يتعلق بالقدوة بشكل عام الى جانب جهود سبقته خدمت الموضوع وبينت الدور العظيم بل والحساس للقدوة لعل من ابرزها فيا اطلعت عليه الكتب التاليه:
١.القدوة الصالحة اخلاق قرآنية ونماذج ربانية للاستاذ حسين ادهم جار
[ ٨ / ٤٧٩ ]
٢.القدوة الصالحة وأثرها في الدعوة للدكتور /علي بن حسن القرني.
الفصل الأول: القدوة وأهميتها
تمهيد:
إن استقامة المؤمن على دينه، وقوة علاقته بربه، وحسن خلقه وتعامله يعكس التَدَّين الحقيقي لجوهر تلك النفس التي بين جنبيه، والذي يفيض عنها ذلك التأثير الذي يجذب إليه الأفئدة ويجمع عليه القلوب فيكون كل ذلك مدعاة للتأثير والاقتداء.
وفي هذا الفصل سأحاول أن أتعرض لبيان مفهوم القدوة الصالحة التي أراها لازمة للقائد بحكم المكانة التي هو فيها فيعمل على تقمصها بدل أن يتقمص ضدها فهو لا محالة متقمص إحداهما شاء أم أبى لأن موقعه ومكانه بين مرؤسيه هو مكان اقتداء كذلك سأشير إلى أهمية هذا الدور الذي هو فيه وهو (القدوة) حتى يتحسس خطورته فيختار لنفسه ما ينقذها ويليق بها. ويبعدها عن ما يشينها وبالتالي يكون سببًا في فشل قيادته والقدح في سيرته وفيه سيكون. بيان الفرق بين القدوة والأسوة، والأساس النفسي في عملية الإقتداء، وانواع القدوة، واصول القدوة الصالحة، ثم يكون ختام الفصل اهمية القدوة الصالحة ٠
تعريف القدوة:
في اللغة:
جاء في المعجم الوسيط (١) (القدوة: يقال فلان قدوة إذا كان يقتدى به، ولي بك قدوة. ومنها قوله (اقتدى به، أي فعل مثل فعله تشبهًا به) .
وفي لسان العرب (٢) (القدوة من التقدم، يقال فلان لا يقاديه أحد ولا يباريه أحد ولا يجاريه أحد وذلك إذا تميز في الخلال كلها) .
أما في الاصطلاح:
(فالاقتداء هو طلب موافقة الغير في فعله) (٣) .
والقدوة هو الأسوة والعكس، فالأسوة كما يقول القرطبي ﵀ (هو ما يتأسى به أي يعتزي به فيقتدي به في جميع أحواله) (٤) .
[ ٨ / ٤٨٠ ]
ومن خلال ما جاء في كتب اللغة وبعض كتب التفسير عن القدوة يتضح لنا أن القدوة لا تتحقق بصفة واحدة، ولكن يلمح ابن منظور في لسان العرب إلى شمول القدوة للصفات كلها، فلا يتحلى بخلة دون خله ومن هنا وجب على القائد المسلم الذي نريده أن يكون قدوة صالحة أن يتمثل شمائل النبي ﷺ ويطبق كل ما أثر عنه في سلوكه وأخلاقه ويتأسى به في كل أفعاله.
كذلك اتضح لنا من التعريفات ضرورة أن تكون الخلال التي يتخلق بها أصلية لا مصطنعة، وكلما كانت الصفات والخلال الحسنة فطرية ومترسخة في الإنسان كان تأثيرها في الغير أكبر، وكان داعي التخلق بها والاقتداء والمحاكاة منهم أشد.
وإذا قلنا إن الصفات يجب أن تكون خلقية فطرية أو مغروسة بالتمرن والتخلق وطيبة تجذب الآخرين وتدعوهم للمحاكاة فإنه ينبغي أن يكون القدوة أيضًا قدر الإمكان حسن الهيئة غير ذميمها حتى تنجذب إليه الأعين وأن يكون لين الجانب غير فظ، يقول الحق ﵎ في شأن قدوة كل قدوة محمد ﷺ (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك. فأعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) (٥) .
وأجمل ما تكون الخلال التي يتخلق بها القدوة إذا كانت مستوية مستقيمة على دينه وخاضعة له أو نابعة منه. ثم إن من الأفضل أن يكون القدوة ذا طريقة واضحة حتى يسهل الاقتداء به على ضوئها دون غموض.
والاقتداء فيه معنى التشبه فأنت إذا اقتديت بشخص ما قلدته فإذا حصل تقليده حصل التشبه به. ومن الناحية الشكلية فإن لفظة القدوة تذكر باعتبار صاحبها وتؤنث باعتبار اللفظ فللذكر والأنثى تطلق كلمة (قدوة) لا فرق.
هل القدوة هي الأسوة؟
[ ٨ / ٤٨١ ]
مر بنا أحد المعاني في التعريفات بما يفيد أن القدوة هي الأسوة ومع ذلك فإن المتتبع يجد أن كلا اللفظتين وإن ظهر بينهما توافق في المعنى في بعض الجوانب إلا أن هذا التوافق ليس على إطلاقه فلا تزال بين اللفظتين فروقًا يمكن حصرها في أن:
(١) التأسي أشد في بابه من الاقتداء.
(٢) التأسي يجعل معنى الالتزام من الغير بشكل أقوى ولذلك فإنها جاءت مع النبي ﷺ باعتباره أفضل الأنبياء والمرسلين (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة الآية) (٦) .
أما القدوة فقد جاءت مع غيره من الأنبياء والصالحين من الصحابة وغيرهم (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) (٧) يعني بالأنبياء والرسل السابقين لمحمد ﷺ جميعًا، وكذلك ما ورد في قوله ﷺ (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) (٨) .
الأساس النفسي في عملية الاقتداء:
إن فكرة وجود القدوة تقوم على أساس منطوقة تأثير الطباع في الطباع. (وحاجة الناس إلى القدوة النابعة من غريزة تكمن في نفوس البشر أجمع هي التقليد، وهي رغبة ملحة تدفع الطفل والضعيف والمرؤوس إلى محاكاة سلوك الرجل، والقوي، والرئيس، كما تدفع غريزة الانقياد في القطيع جميع أفراده اتباع قائده واقتفاء أثره) (٩) . وعلى هذا الأساس يتضح لنا أن عملية الاقتداء ليست حالة طارئة قد تحصل وقد لا تحصل ولكنها كما تقدم غريزة مغروسة في نفس كل إنسان تظهر متى وجد واحد من عناصرها الثلاثة وهي:
(١) الرغبة في المحاكاة والاقتداء:
[ ٨ / ٤٨٢ ]
فالطفل أو الفتى مدفوع برغبة خفية لا يشعر بها نحو محاكاة من يعجب به في لهجة الحديث، أو أسلوب الحركة، أو المعاملة، وهذا التقليد قد يكون في حسنات السلوك وقد يكون في سيئاته، وقد تلاحظ في بعض المرؤسين مع قائدهم شيء من هذا فتجد المقتدي (المقلد) يقلد رئيسه وقائده في بعض الحركات حتى في طريقة ونبرة الصوت وحركة الشفائف، وهذا لاحظناه في أوساط قواتنا المسلحة ممن يعجبوت ببعض قادتهم ويتأثرون بهم.
(٢) الاستعداد للتقليد:
لكل مرحلة من العمر استعدادات وطاقات محددة وعلى هذا نجد الإسلام لم يأمر الأطفال بالصلاة قبل سبع سنوات، ولا يمنع ذلك من ترك الطفل يقلد أبويه بحركات الصلاة قبل أن يبلغ السابعة ومن الظروف التي تهيب بالناس جميعًا استعدادًا لتقليد الأزمات والكوارث والآلام الاجتماعية التي يتحول معها القائد ليكون أبًا وبطلًا يحاكيه كل مرؤسيه في كل سلوك من حياته ومن تلك الأسباب أيضًا الشعور بالضعف أمام القوة فالمغلوب يقلد الغالب. كما يقول ابن خلدون في مقدمته (المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه) (١٠) .
(٣) الهدف:
إن لكل تقليد هدفًا وقد يكون هذا الهدف معروفًا لدى المقلد وقد لا يكون معروفًا، فعدم وضوح الهدف أو معرفته تكون لمجرد المحاكاة والتقليد فقط، وأما وضوحه فقد يرتقي معه وعي التقليد لدى المقلد حتى يصبح عملية فكرية يمزج فيها بين الوعي والانتماء والمحاكاة والاعتزاز وعندها يرتقي بهذا التقليد إلى مفهوم راق في الإسلام، يطلق عليه (الاتباع) وأرقى هذا الاتباع ما كان على بصيرة (١١)، يقول الحق ﵎ (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) (١٢) .
[ ٨ / ٤٨٣ ]
فإذا ما أدرك القائد هذا وعرفه كان لزامًا عليه أن يراعي وجود هذه الغريزة لدى مرؤسيه، فيجتهد بعد ذلك أن لا يعمل ولا يتصرف إلا على وحي مما كان عليه قدوته وقدوة المسلمين بعامة نبينا وقائدنا محمد ﷺ فيكون القائد قد استثمر هذه الفطرة عند مرؤسيه فيما يعود على الجميع بالنفع والفائدة.
أنواع القدوة:
عند النظر في وضع الكلمة اللغوي وما جاء في تعريفها اصطلاحًا نتبين بدقة أن المُعرفين لكلمة القدوة يميلون إلى صرفها نحو الوجه الحسن فينحازون بها إلى القدوة الصالحة المؤثرة في الغير ويعتبر هذا المنحى أساسيًا وظاهرًا في الوضع اللغوي ومن أوضح الأدلة على بيان ذلك وبيان معالم القدوة الصالحة قوله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) (١٣) .
فالقدوة الحسنة هي التي تأست وتمثلت شمائل النبي ﷺ في صبره ومصابرته ومجاهدته وخلقه واقتفت أثره في كل شيء ونهجت نهجه وتمسكت بسنته ولا بأس أن نستأنس بمثال ساقه ﷺ يوضح فيه أثر كلا النوعين من القدوة؛ القدوة الصالحة والقدوة السيئة ليُقرِب المعنى ويرسخ المفهوم ويوضح الأثر الذي يمكن أن يتركه القدوة في نفوس مقلديه والذين يحاكون أخلاقه وتصرفاته يقول ﷺ (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك (١٤) وإما أن تبتاع منه (١٥) وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا منتنة) (١٦) .
[ ٨ / ٤٨٤ ]
إن الرسول ﷺ بهذا المثال المحسوس أراد أن يبين تلك الآثار التي يمكن أن يتركها الجليس الصالح - والذي يمثل القدوة الحسنة – فيمن يجالسه فالمسلم إذا اختار جليسه الصالح ثم اقتدى به يكون قد ضمن لنفسه الاقتداء بقدوة صالحة ولو أردنا أن نقف على بعض الآثار التي يتركها الجليس الصالح فيمن يجالسه لوجدنا أنه يأمر جليسه بالخير والمعروف وينهاه عن الشر ويسمعه القول الصادق والعلم النافع ثم هو يعرفك عيوب نفسك ويشغلك عن ما لا يعنيك وهو دائمًا يدلك على الخير ويرغبك فيه ويحذرك من الشر وما يزال معك على هذا الحال حتى يكون فعلًا كبائع المسك الذي لا يمكن أن ينالك منه إلا ما كان طيبًا.
وهكذا يكون كل قدوة في الخير لا يصدر عنه إلا ما كان خيرًا يفيض على عقول الناس كما تفوح رائحة المسك من بسطة بائعه.
وقد ينحرف الإنسان في سلوكه ويدبر أمورًا مضره ويحفر حفرًا للشر يريد بها غيره. فيصير عندئذ قدوة سيئة يحتذي حذوه كل من فسدت طويته، وساء خلقه، وفي هذا نرى أرباب الشر في كل مكان يتزعمهم أقواهم تدبيرًا ويسمى هذا النوع بالقدوة السيئة، وبالطبع فإن القدوة السيئة هو على نقيض ما هو عليه القدوة الصالحة الذي يتأسى بشمائل الرسول ﷺ والقدوة السيئة يتمثل أخلاق الشياطين من الجن والإنس، والقائد لاشك يدرك أنه قدوة شاء ذلك أم أباه، فإذا كان الأمر كذلك فلا بديل أبدًا في أن يختار النوع الأول وهو أن يكون قدوة صالحة، وبذلك يضمن أن لا يصدر عنه في تصرفاته وأخلاقه إلا ما يخدم مصلحته ومصلحة مرؤسيه.
ومن هذا نخلص إلى القول بأن أنواع القدوة لا تخرج عن نوعين قدوة صالحة وقدوة سيئة.
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي (١٧) (الأسوة نوعان أسوة حسنة وأسوة سيئة فالأسوة الحسنة هي الرسول ﷺ ومن نهج نهجه، وأما الأسوة بغيره إذا خالف (أي خالف الرسول) فهو الأسوة السيئة.
[ ٨ / ٤٨٥ ]
أصول القدوة الصالحة (١٨):
إن أصول القدوة الصالحة التي يكون بها القائد قدوة طيبة لغيره ترجع إلى أصلين كبيرين هامين هما: حسن الخلق، وموافقة العمل للقول. فإذا تحقق هذان الأصلان حسنت سيرة القائد وأصبحت سيرته الطيبة دعوة صامتة إلى كل خلق إسلامي جميل وإن فاته هذان الأصلان ساءت سيرته وصارت قيادته مثلًا سيئًا يُنَفّر الطيبين من حوله.
فأما الأصل الأول وهو حسن الخلق فعلى القائد أن يتمثل كل الأخلاق الإسلامية الحميدة مثل الصدق، الأمانة، الصبر، الرحمة، التواضع، المخالطة التي تتخللها المودة والمحبة، العطف، الإيثار والرفق وما إلى ذلك.
وأما الأصل الثاني هو موافقة العمل للقول فإن على القائد أيضًا أن يحذر كل الحذر أن تخالف أفعاله أقواله فإن النفس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه ولا يوافق فعله قوله ولهذا حذرنا الله عن ذلك بقوله
(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) (١٩) .
والقائد الذي لا يعتني بهذا الأصل من أصول القدوة مثله كمثل طبيب قام أمام الناس يشرح أضرار التدخين مستعينًا في ذلك بكل الوسائل والأدلة التي تثبت ما يقول ثم فجأة ومع متابعة من يتكلم معهم له وانجذابهم إلى ما يقول نراه يخرج سيجارة من جيبه ويشعلها أمامهم ثم يبدأ يدخنها!!!؟
القائد قدوة ومقتديًا
[ ٨ / ٤٨٦ ]
كما سبق تقريره من قبل من أن القائد لا ينفك عن كونه قدوة فهو في الوقت نفسه مقتديًا ومقلدًا ومتأسيًا بسلفه من قادة الأمة الإسلامية وأولهم أسوة وقدوة كل قدوة محمد رسول الله وصحبه. إن القائد يحاكي سيرة المثل الكامل نبي هذه الأمة ﷺ الذي قال فيه الحق ﵎ (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) (٢٠) والذي قالت فيه زوجه عائشة وهي تصف خلقه ﵊ (كان خلقه القرآن) أي أنه صاغ نفسه في فعله وقوله على نحو مما جاء في القرآن فأصبح قرآنًا يمشي على الأرض، إن القائد عليه أن يحاكي سيرته وفي الوقت نفسه يدرس كل جوانب شخصيته ﵊ يدرس سلوكه، عبادته، حلمه، تواضعه، زهده، جوده، كرمه، رحمته، شجاعته، قوته، حسن سياسته، تدبيره، ثباته على المبدأ. ويعلم القائد وهو يفعل كل ذلك أن هذا منه موافق لما كان يقوم به الصحابة في شأن التأسي برسول الله، فلقد كانوا يُدَرِسُون سيرته ويحاكون كل ما عرفوه عنه قليه وكثيره بل كانوا يغرسون ذلك في نفوس أبنائهم يقول سعد بن أبي وقاص ﵁ وقد عاش زمنًا بعد رسول الله (كنا نعلم أولادنا مغازي رسول الله ﷺ كما نعلمهم السورة من القرآن) (٢١) . والقائد معني بدراسة تلك المغازي قبل أي أمر آخر، وبعدها ينظر في سيرته الأخرى ﵊ فإنه المعلم الذي ينزل عليه الوحي برسالة الإسلام ليبلغها للناس جميعًا، وهو صاحب المدرسة التي تخرج منها قادة أمم وعباقرة حروب ورجال إصلاح وعلماء وفلاسفة ورواد حضارة، ولم يكن هذا الإنجاز الرائع أمرًا يسيرًا وهينًا فيكفي أن نقارن بين حال العرب قبل الإسلام وحالهم بعده حتى ندرك السر في هذا التحول الكبير فلقد حمل رسول الله ﷺ الأمانة وبلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهاده فكانت مدرسته خير مدرسة وجدت بين البشر وجمعت قلوبهم على الحق وقادتهم
[ ٨ / ٤٨٧ ]
إلى الخير وحملت مشاعل الحرية والحضارة للإنسانية جمعاء ولقد حقق القادة الذين تخرجوا من مدرسة النبوة أعظم الفتوحات في تاريخ البشرية في مدة هي بمقاييس ذلك الزمن قياسية جدًا ففي أقل من مائة عام غطت فتوحاتهم جزءًا كبيرًا من العالم القديم (وامتدت من الصين شرقًا إلى شاطئ الأطلس غربًا وبلغ عدد قادة الفتح الإسلامي مئتان وستة وخمسين قائدًا منهم مئتان وستة عشر قائدًا من الصحابة والباقون من التابعين) (٢٢) .
هؤلاء القادة هم ومن جاء بعدهم من قادة الأمة الإسلامية جميعهم ينبغي للقائد الذي نعنيه في هذا البحث أن يحاكي أفعالهم ويقرأ سيرهم فإذا أحسن القائد في محاكاة كل هؤلاء فإنه بلا أدنى شك سيصبح قدوة حسنة يستفيد منه غيره ممن تنالهم قيادته، وهو موضع اقتداء لهم، وبهذا يصبح من الدعاة إلى الله لا بمقاله فقط ولكن بحاله وسلوكه، وبسيرته الطيبة التي يحاكي ويقلد فيها من أُمر بتقليده والتأسي به محمد بن عبد الله ﷺ. ومن هنا يتبين أهمية الدور الذي يقوم به ويمثله بل وخطورته إن لم يحسن القيام به.
أهمية القدوة الصالحة
إن للقدوة الصالحة التي يمثلها القائد أثرًا فعالًا في حياة من يرأسهم وهو مسئول عنهم، لها أثر في تربيتهم وإصلاحهم.
[ ٨ / ٤٨٨ ]
ذلك أن القدوة نموذج إنساني يعيش ممثلًا ومطبقًا لذلك المنهج الرباني الذي جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وهذا النموذج يعيش واقعًا عمليًا يحقق تطبيق ذلك المنهج من خلال السلوك والتصرفات التي تُرى بالعين فتترك أثرًا عميقًا في نفوس الناس الذين يعيشون من حوله مما يجعلهم يأخذون ويقبلون ما يقوله أو يفعله دون تردد أو ريبة لأن ما يمثله هو الإسلام الذي صاغ نفسه على وفق ما دعى إليه الإسلام فجعل منه نموذجًا قرآنيًا يدب على الأرض ولنستعيد هنا أيضًا ما قالته أم المؤمنين عائشة ﵂ زوج رسول الله ﷺ عندما سئلت عن خلق رسول الله قالت: (كان خلقه القرآن) فكأنها بوصفها هذا جعلت من الرسول القدوة ﷺ قرآنًا متحركًا يراه الناس ويلمسونه من خلال تمثله في سلوكه وكل تصرفاته لدقة وقوة تمسكه وتطبيقه لما جاء في القرآن الكريم.
وعلى هذا يكون القائد الداعية، مثلًا حيًا لكل المبادئ التي يعتنقها، مثلًا ترنوا إليه أعين مرؤسيه وتنجذب إليه نفوسهم حتى يستمدوا من الفضائل التي يفترض أن يحملها فينير لهم طريق الخير.
ألا وإن مما يمكن أن نبين به أهمية القدوة هو ذلك المثال العظيم والأثر الكبير الذي مثلته القدوة في نشر الإسلام في كثير من أصقاع الدنيا بواسطة تلك النماذج المتحركة التي دعت إلى الإسلام بأفعالها قبل أقوالها، فاستقطبت تلك النماذج ملايين البشر دخلوا في دين الله دونما فتح ولا جهاد تلك النماذج تمثلت في أعداد ليست بالكثيرة من التجار المسلمين والزوار الذين أدخلوا بسيرتهم وتمسكهم بتعاليم دينهم كل هذه الأعداد إلى الإسلام.
والقائد وهو يتحسس هذه الأهمية للقدوة سيسعى وبكل ما أوتي إلى أن يجعل من نفسه قدوة صالحة يستميل بها مرؤسيه نحوه لإنجاز ما يناط به وبهم من مهام وأعمال على الوجه الذي يرضي.
[ ٨ / ٤٨٩ ]
كما أن على القائد أن يدرك أيضًا أن هناك خطورة حقيقية في حال عدم تحسسه لأهمية الدور الذي هو فيه فعليه أن يأخذ جانب الحيطة والحذر في كل تصرفاته وأن لا يأتي إلا ما يراه خيرًا يرضي ربه ويحض به جنده لأنه في نظر أفراده ومرؤسيه إن صح لنا أن نشبهه كالشاشة البيضاء الناصعة البياض التي يمكن أن ترى عليها أدنى الملوثات.
وإن المرؤسين حول قائدهم الذي هو قدوتهم ينظرون إليه دائمًا نظرة الناقد وفي الوقت نفسه المُقلد الذي يَتَلقون عنه، وهم يحسبون عليه كل حركاته وسكناته سواء شعر بذلك أم لم يشعر لأنه كما كررنا في نظر مرؤسيه مصدر إقتداء، ومادام على هذا الحال فإنهم يرون فيه الكمال مما يجعله في أعينهم فاضلًا وبالتالي يجب تقليده والأخذ عنه، فإذا وفق في أن يكون سلوكه طيبًا وعمله يوافق قوله كان فعلًا قدوة صالحة يجب التأسي به والأخذ عنه. أما إذا كان غير ذلك كان والعياذ بالله قدوة سيئة يصبح في الأخذ عنه وتقليده خطورة على مرؤسيه ومن ثم على قواته المسلحة التي ينتمي إليها، لأنه بموجب رتبته ووظيفته مع مرؤسيه بمثابة الغالب. والمغلوب دائمًا مولع بتقليد الغالب وهذه سنة من سنن الحياة فطر الناس عليها، وقد تقدم قول ابن خلدون في مقدمته (المغلوب دائمًا أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده والسبب في ذلك أن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه) (٢٣) .
[ ٨ / ٤٩٠ ]
والكمال الذي أشار إليه ابن خلدون ينقسم إلى قسمين؛ القسم الأول هو مقدار ما يملكه الإنسان من مبادئ وهو ما يعنينا هنا والقسم الثاني هو الكمال في الساعد والسلاح والقائد في الحقيقة أنه يملك من الصلاحيات ما يؤهله لبلوغ ذلك الكمال بما يجعله في موضع الاتباع والاقتداء من قبل المرؤسين مهما تضاءل هذا المقدار مادام المُقلد فاقدًا له، ومن أجل هذا استحق القائد مرتبة الاقتداء الذي قد يحسنها فيكون قدوة صالحة وقد يسيء استخدامها فيكون قدوة سيئة.
والقدوة الصالحة من أهم وسائل التأثير في الآخرين سيما إذا كان هؤلاء الآخرين هم في مرتبة أقل كما قلنا من مرتبة القدوة، ولذلك فإن كثيرًا من الناس لا يعمل ويطبق ما يقال له إلا إذا رأى ذلك الذي قيل له واقعًا يشاهده بعينه في عمل القدوة وفعله، عندها تزداد قناعة المقلد ويعلم أن الأمر الذي يطلب منه أن يحاكيه ويقلده ليس من باب المستحيلات أو المعجزات التي لا يمكن تطبيقها وإنما هو من باب الممكنات التي يتيسر فعلها، قال الإمام الشاطبي ﵀ (إذا وقع القول بيانًا فالفعل شاهد له ومصدق، وبيانه وتفصيله أن العالم إذا أخبر عن إيجاب عبادة من العبادات أو لزوم فعل من الأفعال ثم فعله هو لم يخل به مقتضى ما قاله فيه، عند ذلك يقوي اعتقاد إيجابه وينتهض العمل به عند كل من سمعه وأخبر عنه ورآه يفعله) (٢٤) .
ومن هنا تظهر النتائج العكسية عندما يخالف العمل القول من قبل القدوة يظهر شعور لدى المقلدين والأتباع بأن ذلك الأمر غير ممكن العمل به فيعملون بضده معتمدين على ما شاهدوه من قدوتهم وهنا تكمن خطورة الاقتداء عندما ينحرف صاحبه.
[ ٨ / ٤٩١ ]
وأريد أن أختم هذه الأهمية لعملية الاقتداء بما ذكر سيد سابق وفقه الله في كتابه (الدعوة إلى الإسلام) إذ يقول: (والقدوة الطيبة والأسوة الحسنة لها شأن كبير وأثر بعيد المدى في نفس الإنسان ونجاحه في الحياة، إذ هي هاد يشير إلى المثل الحي والفضيلة المجسمة وعرض للنماذج البشرية الصالحة التي يراد محاكاتها والاقتداء بها. وقد أمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يقتدي برسل الله وأنبيائه الذين تقدموه فقال تعالى (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) (٢٥) .
ومن كل ما تقدم في هذا الفصل يصبح الأمر واضح في نظر القائد وضوح الشمس بأنه قدوة وأن هذه المكانة التي هو فيها توجب عليه أن يتلمس مستتبعاتها فيدرك أنه مؤهل لأن يمارس واجبًا آخر يقوم بدور مهم ألا وهو الدعوة إلى الله ﷿ الذي لا فكاك له منه ويتبين ذلك من خلال أسطر الفصل بعده (القائد قدوة ومحتسب بين أفراده) .
الفصل الثاني: القائد قدوة ومحتسب بين أفراده
تقرر معنا في الفصل قبله أن القائد قدوة وأنه لا مناص له من هذا الدور مادام يشغل منصب القيادة، وإذا كان الأمر كذلك فلابد من وقفة نحدد فيها ملامح شخصية القدوة بشكل عام وكيف يمكن إعداده حتى يكون ذلك عونًا له كيما يعد نفسه على وحي من ذلك فيكون متصفًا بصفات القدوة الصالحة التي بها ينجح في قيادته ودعوته إلى الله بين أفراده.
وفي نقاط مختصرة نستطيع أن نحدد تلك الملامح للقدوة التي جاءت في القرآن من خلال النقاط التالية:
[ ٨ / ٤٩٢ ]
(١) أن القدوة (القائد) صنف من البشر قد اختاره الله لأن يكون راعيًا ومسئولًا عن رعيته وهذا يوجب عليه أن يكون محتسبًا في الدعوة إلى الله وهذا التشريف له بهذه المسئولية هو في الوقت نفسه تكليف يقول الله في شأن هذا التكليف (الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس) (٢٦)، ويقول (الله يجتبي إليه من يشاء) (٢٧)، ويقول (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) (٢٨) .
(٢) إن القدوة وهو مختار، ملزم بمتابعة منهج لا يحيد عنه، وهذا المنهج هو ما جاء به الإسلام يقول الحق موجهًا كل أتباع هذا الدين (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) (٢٩) .
(٣) أن القدوة تحوطه عناية الله وتوفيقه مادام مستقيمًا على منهج الله ومطبقًا له في نفسه ومع الآخرين وهذه العناية وهذا التوفيق متمثل في نصر الله له وتثبيته له يقول الله في ذلك (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) (٣٠) ويقول تعالى (وكان حقًا علينا نصر المؤمنين) (٣١) .
(٤) أن القدوة الذي يحالفه النصر من الله والتوفيق والثبات على منهجه يكون قد أصبح في درجه تؤهله بأن يكون قدوة صالحة يأمر بكل معروف وينهى عن كل منكر، وعندها تحصل له الخيرية التي وعد الله بها من يقوم بذلك ويحصل له الاجتباء والاختيار يقول الحق ﵎ (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر الآية) (٣٢)، ويقول (واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم) (٣٣) .
[ ٨ / ٤٩٣ ]
هذه إذن نقاط بارزة يجب أن تظهر في شخصية القدوة الذي يجب على الأمة أن تعد أبناءها الذين سيصبحون في يوم ما قادة لأمتهم يحملون رسالتها ويدعون إلى مبادئها، ولن يكونوا على مستوى هذه المهمة، إلا إذا تم لهم ذلك الإعداد الذي يتطلبه إعداد القدوة، وهذا الإعداد يتطلب أن ندرك أن الإنسان الذي يمثل هذا الدور (دور القدوة) يولد ومعه بعض الصفات الموروثة التي يمكن استغلالها وصقلها، ومن هذه الصفات الذكاء، والفطرة المستقيمة (كل مولود يولد على الفطرة الحديث) . أما الصفات المكتسبة من البيئة التي يعيش فيها الشاب كالتقاليد واللغة والروح الجماعية والانعزالية وغيرها فيمكن استغلالها وتوجيهها في نفس هذا الشاب على نحو ما تدعو إليه عقيدته ويسير في مرضات ربه. ولو فتشنا من حولنا كيف يتم إعداد الفرد الذي يراد له أن يمثل فكرة مذهبية، أو سياسية كما هو الحال مثلًا في مدارس ما يسمى بالتبشير (التنصير) لرأينا العجب، في ضخامة الجهود التي تبذل والوسائل والأساليب التي تتخذ لكي تعد هذا الشخص للقيام بأعباء هذه المهمة التي سيتولاها في التنصير، فهم مثلًا يقومون باختيار طلاب هذه المدارس بواسطة شروط معينة ثم يقومون بعد ذلك بعزله عن مجتمعه تمامًا لكي يتكون تكوينًا خاصًا في بيئة أعدت له خصيصًا، ثم بعد ذلك تخرجه إلى الناس وقد انغرست فيه هذه المبادئ وأصبح ينشرها ويدافع عنها كأقوى وأخلص ما يكون.
فما أحرى القائد وقد بلغ من العقل والوعي والإدراك لأَبعاد ما هو فيه من مسئولية، أن يعد نفسه الإعداد المناسب لكي يتولى مهمة الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين مرؤسيه على أكمل وأحسن ما يمكن، وأنه إذ يقوم بإعداد نفسه إعدادًا يتناسب وعظم المسئولية المنوطة به، يجب أن يدرك أن ذلك لا يتأتى له إلا إذا فقه دينه، وعلم بمقاصده حتى تكون دعوته واضحة والاقتداء به مأمون.
[ ٨ / ٤٩٤ ]
ولعل من أبرز وأهم ما يمكن أن يُعد به القدوة لكي تتحقق الثمرة من الاقتداء به أن يُهتم بثلاث أساسيات في ذلك، هي ركائز لا يكون القائد قدوة صالحة دون وجودها في ثقافته وتربيته وهذه الركائز هي العقيدة، الأخلاق، والعلم.
فأما العقيدة ودورها في تكوين القدوة فهو دور أساسي يفوق في أهميته وضرورته. وأثره في حياة المسلم بصفة عامة، والقدوة بصفة خاصة، كل المؤثرات والأسباب الأخرى. وقائد ليس له عقيدة لا يكون محل اقتداء (بل هي قضية مصيرية تمّيز بين القائد الحق المؤمن وبين القائد المزيف) (٣٤) فالعقيدة الراسخة ضرورة لكل قائد وليس بقائد حقًا من لا يتحلى بعقيدة راسخة تجعله موضع ثقة رؤسائه ومرؤسيه على حد سواء إذ أن تبادل الثقة بين القائد ورجاله تجعلهم يسيرون وراءه للموت، وهم قطعًا لا يسيرون إلى الموت وراء قائد لا يثقون به. والعقيدة هي التي تشكل في القائد الشخصية المتميزة التي تعرف هدفها وتعمل على تحقيقه. وأما إعداد القدوة خُلقيًا فإننا نعني بذلك الإعداد الخلقي للقدوة بأن يكون مع الناس جيَّاش العواطف كبير القلب ينبسط للخير ويفرح به للآخرين ويحرص عليه، وينقبض عن الشر ويضيق به، ويفر منه وهذا هو جوهر الإيمان (٣٥) .
ولو تتبعنا اهتمام الإسلام بأمر الأخلاق التي اعتبرناها ركيزة أساسية في إعداد القدوة لعرفنا مدى أهمية إعداد القدوة خُلُقيًا وتزويده بالأخلاق الإسلامية، ثم لوجدنا أن مبعث الأخلاق يستند إلى نص إلهي يحقق للإنسان نموًا اجتماعيًا وحضاريًا، والأخلاق الإسلامية ليست في جانب دون آخر بل هي شاملة لكل الجوانب التي تمس معاملات وآداب المسلم (فالأخلاق الإسلامية تدفع بطبيعتها إلى التكامل في البناء الاجتماعي الذي يقوم بتوطيد العلاقات الإنسانية بين الناس على أسس الإيمان والإخلاص.
[ ٨ / ٤٩٥ ]
والأخلاق الإسلامية وإن اتفقت مع بعض الأخلاق غير الإسلامية في المسمى إلا أنها تختلف عنها من حيث المصدر والتحلي والتطبيق. فالإسلام في باب الأخلاق يُوصل الأخلاق الأساسية الإنسانية ويوطد أركانها في جانب، ويوسع في تطبيقها بحيث تشمل مظاهر الحياة الإنسانية كلها في جانب آخر، وخذ لذلك مثالًا للصبر، فمهما بلغ الرجل الغاية في الصبر واستولى على الأمر في حلبته، فلابد أن يقف تحمله وينفذ ثباته عند حد معلوم إذا كان لأغراض عاجلة ويستمد قوته ويتغذى من الجذور الفكرية للشرك والعبودية المادية.
أما الصبر الذي يستجلب قوته من جذور التوحيد والذي لا يبتغي من ورائه إلا وجه الله تعالى فهو كنز مكنون لا تصل إليه يد السارق (٣٦) .
والإسلام يُظهر ويُبرز قيمة الفضائل الخلقية التي ينبغي أن يتحلى بها كل مسلم سيما الإنسان الذي نتكلم عنه هنا وهو القائد (القدوة) .
ويمكن تلخيص وجهة نظر الإسلام في شأن تربية الإنسان المسلم وإعداده خلقيًا في النقاط التالية التي وردت في كتاب سيد سابق (دعوة الإسلام)
ومنها:
(١) أن الإنسان خلق مزودًا بقوى واستعدادات يمكن أن توجه إلى الخير كما يمكن أن توجه إلى الشر، مع التفاوت في ذلك لأن الناس كما قال ﵊ (معادن كمعادن الذهب والفضة) (٣٧) .
(٢) أن كل إنسان مسئول عن تهذيب نفسه وإصلاحها، يقول الله ﷿ (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) (٣٨) .
(٣) أن تزكية النفس وإصلاحها هو سبيل الفلاح في الدنيا والآخرة وإهمالها هو سبيل الخسران (والعصر إن الإنسان لفي خسر الآية) .
[ ٨ / ٤٩٦ ]
(٤) إصلاحها وتزكيتها ويتمثل في التخلص من الهوى وفي كبت الشهوة والارتفاع عن المادة والسمو عن النقائص الخلقية فإن الهوى داعية للشر والفساد وصاد عن الحق وصارف عن الهدى والرشاد كما أنه مطية للشيطان وباب ينفذ منه إلى بني آدم (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله) (٣٩) .
(٥) وهذا التخلص من الهوى يحتاج إلى مجاهدة شاقة، صبر، وجلد فإن طريق الوصول إلى تلك المرتبة التي نريد أن يصل إليها القدوة ليست مفروشة بالورود والرياحين يقول ﷺ ( وحفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره ) (٤٠) .
فإذا تربى القدوة تربية خلقية على هذا الأساس ضمن لنفسه التحلي بهذه الفضائل الخلقية التي تؤهله لمهمته كقدوة، والفضائل والأخلاق التي دعى إليها الإسلام كثيرة لعل من أبرزها؛ الصدق، الأمانة، العفاف، الوفاء، الشجاعة، التضحية، الإيثار، قوة الإرادة، الصبر، التفاني في سبيل الحق، الصبر والثبات، الطاعة، التذلل لله، الإخاء والحب في الله والبغض في الله، الرحمة، الحياء، الثقة، العفاف، العزة، والجود، الكرم، الأخلاق، التواضع، الحلم، الرفق وكل ما خلق يحبه الله ودعى إليه القرآن أو ورد في السنة.
وأما تحصين القدوة بالعلم فلأن العلم فعلًا حصانة من الزلل بل هو له بمثابة السلاح للجندي في ميدان المعركة. وهو الوسيلة الضرورية لإيصال ما يفترض أنه يملك من الخير والفضائل إلى الآخرين وهذا هو في الحقيقة أثر العلم وفائدته بعد أن يكون القدوة قد حصله وتحصن به.
[ ٨ / ٤٩٧ ]
وإلى جانب كون العلم وسيلة لتوصيل ذلك الخير الذي يفترض أن يحمله ليُقتدى به على أساسه فهو في الوقت نفسه ذو فائدة للقدوة إذ به (أي العلم) يمكن أن يحصن نفسه من الزلل لأن العلم نور يهتدي به المسالم في دياجير الحياة وظلماتها، فبالعلم يُميز بين الخطأ والصواب، وأنظر معي إلى قول أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ يوصي كميل بن زياد بأن يحصل العلم ويحترس به ويتحصن (يا كميل العلم خير من المال، فالعلم يحرسك وأنت تحرس المال) (٤١) .
والقدوة الذي يعد إعدادًا عقيديًا ليقوم بالدعوة إلى الله يعتبر ربانيًا لأنه يعلم الناس الخير يقول الله تعالى في ذلك (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) (٤٢) .
وقد اختلف العلماء حول هذه النسبة فبعض العلماء قال سموا بذلك لأنهم يربون العلم (أي يقومون به) وزيدت الألف والنون للمبالغة (٤٣) .
في حين أن البعض يقول أن تلك النسبة إلى الرب فيقال هو رباني لأنه يقصد تنفيذ ما أمره الله به من العلم والعمل.
فإذن القدوة بتلقيه العلم ثم بتعليمه للناس يكون ربانيًا وهذه منزلة شريفة لا ينالها إلا إذا كان عالمًا ومعلمًا للخير. ولذلك اهتم الإسلام بأمر العلم اهتمامًا كبيرًا ورغب فيه ترغيبًا عظيمًا دل كل ذلك على أهميته وضرورته ويكفي في الدلالة على ذلك أن أول آية أنزلت على الرسول ﷺ كانت دعوة إلى العلم (إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم الآية) (٤٤) .
والنصوص التي جاءت تحث على تحصيل العلم كثيرة جدًا، يكفي أن أحد الباحثين قام بإحصاء تلك الآيات التي تلفت أنظار الناس إلى أسرار الكون وتحثهم على استجلاء غامضها فبلغت خمس القرآن (٤٥) .
[ ٨ / ٤٩٨ ]
أما حامل العلم فمنزلته في الإسلام رفيعة والنصوص التي جاءت تبين ذلك كثيرة جدًا ويكفينا أن نثبت هنا قليلًا منها؛ أولها أن الله رفعهم بقوله (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائمًا بالقسط)، ويقول سبحانه:
(يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)، ويقول الرسول ﷺ (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) (٤٦)، ويقول (العلماء ورثة الأنبياء) ومعلوم أنه لا رتبة فوق رتبة النبوة ولا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة.
والآثار أيضًا في فضله كثيرة أكثر من أن نستقصيها هنا لعل من أبرزها قول عبد الله بن المبارك ﵀ عندما سئل (فقيل له: من الناس؟ قال: العلماء. قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد. قيل: فمن السفلة؟ قال: الذين يأكلون الدنيا بالدين) . قال الغزالي (حجة الإسلام) تعليقًا على هذا القول من ابن المبارك، قال: (فلم يجعل (يعني ابن المبارك) غير العالم من الناس، لأن الخاصية التي يتميز بها الناس عن سائر البهائم هو العلم. فالإنسان بما هو شريف لأجله؛ فليس ذلك بقوة شخصيته فالجمل أقوى منه، ولا بعظم خلقته فالفيل أعظم منه، ولا بشجاعته فالسباع أشجع منه، ولا بأكله فالثور أوسع بطنًا منه، ولا ليجامع فإن أخس العصافير أقوى على السفاد منه، بل لم يخلق إلا للعلم) (٤٧)
ومن كل ما تقدم وغيره كثير، يتبين لنا مدى أهمية هذا السلاح للقدوة في أي موقع كان من مواقع الحياة قائدًا أو غير قائد.
ولكن القائد حاجته لهذا السلاح كبيرة لأنه محتسب للخير والعمل به بين أفراده يأمرهم بكل معروف وينهاهم عن كل منكر حتى يوفي بمسئوليته التي استرعاه الله إياها (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ) (٤٨) .
القائد محتسب مكلف:
[ ٨ / ٤٩٩ ]
قد يتبادر إلى أذهان بعض الناس أن القيام بالاحتساب الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتعين على فئات من المجتمع دون أخرى، وهذا فهم لاشك بأنه قاصر. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو فريضة لا تسقط إلا بالأداء، والمسلم مطلوب منه أن يقوم بهذا الواجب على حسب علمه وقدرته وفي شأن هذا الوجوب يقول الحق ﵎ (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (٤٩) . ويقول الرسول ﷺ (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) (٥٠) والوجوب في هذين النصين هو وجوب عيني لا كفائي ولا يسقط إلا بالأداء لأن (من) في النصين السابقين هي للبيان وليست للتبعيض كما يقول أهل اللغة (٥١) .
وعلى هذا فالوجوب في حق القائد جاء من جهتين الأولى كونه مسلمًا، والثانية كونه مسئولًا، فأصبح بالثانية محتسبًا مكلفًا يترتب عليه من الوجوب ما لا يترتب على المحتسب المتطوع.
فإذا علم هذا فإن الأمر يحتاج إلى أن نزود القائد القدوة المحتسب بشيء من فقه الحسبة، حتى يكون أداءه مميزًا وعمله منضبطًا بضوابط الشرع. وما سنثبته هنا تعريف الحسبة والمحتسب حتى نُكون مفهومًا وإطارًا عامًا لهذا العمل ومن يقوم به، ثم نحاول أن نبين طرفًا من أهمية الحسبة وبعدها. نتعرف على الشروط الواجب توفرها في المحتسب وكذا الآداب ومن ثم نحدد شروط إنكار المنكر، وخطوات إنكار المنكر، ومراتب تغيير المنكر، وآخر ذلك نتلمس ضوابط إنكار المنكر بالقلب، محاولين أن تكون كل هذه في نقاط مختصرة وعلى من أراد التوسع في ذلك العودة لكتاب الحسبة في الماضي والحاضر بين ثبات الأهداف وتطور الأسلوب) المجلد الأول للباحث، وهذا استعراض موجز لتلك الأحكام في الكتاب نفسه:
أولًا: تعريف الحسبة:
[ ٨ / ٥٠٠ ]
في اللغة يقول ابن منظور في لسان العرب (الحسبة مصدر احتسابك الأجر على الله) (٥٢) .وتعاريفها واشتقاقها كثيرة يجمع بينهما هذا التعريف: (الحسبة لغة من احتساب الأجر عند الله على العمل،وطلب ثوابه، بإنكار المنكر والأمر بالمعروف في حسن تدبير ونظر) (٥٣) .
وأما تعريفها في الاصطلاح فكما جاء في كتاب (الحسبة في الماضي والحاضر) وهي من أكثر المصطلحات إن لم تكن أكثرها على الإطلاق، التي اختلف في معناها وتعددت تعاريفها، وذلك في الغالب ناشئ عن اختلاف الأفهام والنظرة للدور الذي يقوم به المكلف بها داخل المجتمع، ولكن سأحاول أن أثبت هنا أشهر تعريفين لهذا المصطلح حسب ما أراه؛ أولهما تعريف الماوردي في كتابه القَيم (الأحكام السلطانية) (٥٤) حيث يقول (الحسبة هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي المنكر إذا ظهر فعله) .
وثانيهما تعريف آخر أحسبه جامعًا مانعًا للحسبة وهو (الحسبة عمل يقوم به المسلم لتغيير منكر ظاهر أو أمر بمعروف داثر من خلال ولاية رسمية أو جهود تطوعية، وعلى المكلف بها ما ليس على المتطوع) (٥٥) .
وفدلكة ومحترزات هذا التعريف تتمثل في أنه يعطي صورة واضحة وشمولية للحسبة وأنها فريضة إسلامية عينية، أو كفائية على حسب حال المتولي لها مكلفًا أو متطوعًا فهي عينية في حق المكلف كالمعنى معنا في هذا البحث وهو (القائد) وكفائية في حق التطوع كما قرر ذلك الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية بقوله (إن فرضه (أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) متعين على المحتسب (الوالي) بحكم الولاية وفرضه على غيره داخل فروض الكفاية) (٥٦) .
[ ٩ / ١ ]
كما أنه قد روعي في هذا التعريف أن يشتمل على ما يقوم به المحتسب للوالي والمتطوع وأنه (أي الاحتساب) عمل لا يسمى حسبة إلا إذا أتى من المسلم، ولو جاء من غيره فلا يسمى حسبة وإن وافق صورته، ولم يغفل فيه تلك الضوابط والقيود التي قررها الفقهاء من قبل، كقيود ظهور المنكر وترك المعروف ثم أشير في نهاية التعريف إلى أن هناك فرقًا بين احتساب كل من المكلف والمتطوع وبهذا كان هذا التعريف في نظري جامعًا مانعًا.
ثانيًا: أهمية الحسبة:
إن قيام الحسبة في أي مجتمع كان هي بمثابة صِمَام أمان لذلك المجتمع، أو هي بمثابة جهاز صيانة دائمة في أوساط المجتمع، تحول بين أفراد ذلك المجتمع وبين الوقوع في مخالفة الشرع. فالحسبة بمفهومها الشمولي العام لا غنى عنها لأمة أو مجتمع يريد أن يطبق منهج الله في أرضه فبقيامها تحصل له الخيرية الواردة في قوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر الآية) (٥٧) .
ولا أبالغ إذا قلت بأن نظام الحسبة الذي هو نظام إسلامي أصيل وهو الوجه العملي التطبيقي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو لحُمة هذا الدين (الإسلام)، بل الشريان الذي تسري من خلاله الأخوة الإسلامية، والمودة، والتراحم، والترابط الذي يجب أن يتم بين الأمة أفرادًا وجماعات.
فكيف يمكن أن تتصور مجتمعًا ضاع فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانتشرت فيه المنكرات؟ إنه مجتمع لا يمكن أن تنتظم الحياة فيه، ويأمن فيه المسلم على ضروراته الخمس؛ الدين، العرض، النفس، المال، العقل.
ولذلك نرى أن أمة من الأمم قد فضلها الله يوم أن كان هذا الأمر قائمًا فيها، فلما اندثر فيها مقَتَها الله ولعنها (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) (٥٨) .
[ ٩ / ٢ ]
والحسبة نوع من أنواع التكافل الإجتماعي ألم يقل الحق ﷾ (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله) (٥٩) .
بل عدَّه ابن تيمية (بأنه القطب الأعظم في الدين الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوى بساطه وأهمل عمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمَّت وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد) (٦٠) .
ونختم استعراض هذه الأهمية بذكر ذلك المثال الرائع الذي ضربه رسول الله ﷺ ليُبين فيه مدى خطورة ضياع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أي مجتمع فهو يقول (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم في أعلاها وبعضهم في أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذي من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا وإن أخذوا على أيديهم نجواونجوا جميعًا) (٦١) .
ولأهمية الحسبة وشرف منزلتها في الإسلام فإنه كان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم لعموم صلاحها وجزيل ثوابها (٦٢) .
وانطلاقًا من هذه الأهمية للحسبة فإن تعلما ومعرفة أحكامها وفقهها لا يقل أهمية عن ما نوهنا عنه اعلاه (فالاحتساب من أدق العلوم وأسماها، ولا يدركه ويقوم به إلا من له فهم ثاقب وحدس صائب، ولا تسند ولايته إلا لمن له قدرة قدسية مجردة عن الميل والهوى) (٦٣) . واكتملت في حقه الشروط والآداب التي قررها الفقهاء والتي يأتي بيانها.
ثالثًا: تعريف المحتسب:
كما مر معنا في تعريف الحسبة من أنه قد تعددت تعاريفها فإن تعريف المحتسب أيضًا قد تعددت تعاريفه وسأختار أحدها ثم أناقشه.
[ ٩ / ٣ ]
(فالمحتسب مسلم يسعى لتغيير المنكر وإقامة المعروف وفقًا لمنهج الشريعة إمتثالًا لأمر الله وطلبًا لثوابه متوليًا ومتطوعًا) (٦٤)، ففي قولي (مسلمًا) أعني أن غير المسلم لا يعتبر عمله وإن كان تغييرًا للمنكر حسبة، لأن من أول شروط المحتسب كما سيأتي أن يكون مسلمًا، ولأن دافع المسلم في تغيير المنكر وإقامة المعروف غير دافع الكافر، فالأول دافعه تعبدي بخلاف الثاني. وقولي (وفقًا لمنهج الله) قيد لئلا يتجاوز المحتسب وهو يؤدي واجبه، ما أمر به الشرع ونهى عنه، وأما قولي (إمتثالًا لأمر الله) فلأننا عرفنا فيما تقدم أن القيام بالحسبة واجب على المسلم يؤديه مع غيره، وأما قولي (وطلبًا لثوابه فإنه مر معنا في تعريف الحسبة لغويًا أن المسلم يقوم بذلك ويرجو عليه الثواب من الله، وأما قولي (متوليًا أو متطوعًا) فحتى لا يفهم أن الحسبة لا تكون إلا من المكلف من قبل ولي الأمر كما فهمه بعض من عَّرف الحسبة، مما لم نستعرض تعريفه، فإذا كان الذي يُعِّرف الفاعل للعمل هو العمل نفسه فالمكلف والمتطوع في ذلك سواء.
رابعًا: شروط المحتسب:
حتى ينهض المحتسب بعمله على الوجه الذي يرضي فلابد من توفر مستلزمات في نفسه أولها وأهمها توفر شروطًا معينة بذل الفقهاء جهودًا مشكورة في تحديدها.
والشروط التي حددها الفقهاء للمحتسب على ضربين؛ شروط متفق عليها وأخرى مختلف فيها.
أ. الشروط المتفق عليها.
(١) الإسلام: وهذا شرط بدهي في كل الواجبات الدينية إذ أن ما يقوم به المحتسب هو من الواجبات الدينية التي يراد بها نصرة الدين وإعلاء كلمته. وغير المسلم جاحد لأصل الدين فكيف يكون من أهل الوجوب فيه، ثم إنه لا ولاية لكافر على مسلم. ثم إن تكليف غير المسلم للقيام بعمل المحتسب هو إكراه له على القيام بعمل لا يعتقده، ولا إكراه في الدين كما جاء في القرآن.
[ ٩ / ٤ ]
(٢) التكليف: الاحتساب واجب شرعي ولا وجوب على غير المكلف وحد التكليف البلوغ من المكلف، وهذا يدخل في شروط الوجوب، فأما إمكان الفعل فلا يستدعي إلا العقل إذ بإمكان الصغير المميِّز أن يقوم بعمل المحتسب وليس لأحد منعه من ذلك.
(٣) العلم. واشتراط العلم أمر يتطلبه حُسن الأداء حتى يكون أمر المحتسب ونهيه تبعًا لأمر الله وأمر رسوله فإن المراجع في تحديد القبح والحسن هو كتاب الله وسنة رسوله، فلربما استحسن بعض الناس بعقله ما قبحه الشرع أو استقبح ما حسن الشرع، وعلى هذا نجد قولًا لابن تيمية ﵀ يقوله فيه (ولا يكون عمله (أي المحتسب) صالحًا إن لم يكن بعلم وفقه في الدين كما قال عمر بن عبد العزيز يرحمه الله: من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح) . وكما قال معاذ ﵁: (العلم إمام العمل والعمل تابعه) (٦٥) .
(٤) القدرة: يقول الله تعالى (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) وأي واجب في أحكام الشريعة الإسلامية لا يكون إلا في حدود القدرة ووسع المكلف. فيشترط في المحتسب القدرة وإلا سقط عنه الوجوب عند الجمهور وعدم القدرة قد يكون حسيًا لضعف، أو مرض، أو غي، أو ضرس في اللسان وغيرها، وقد يكون معنويًا كأن يتوقع المحتسب أن يصيبه شر في نفسه أو ماله أو عرضه، وليس من عدم القدرة مجرد الهيبة فقط، ولذلك روى الترمذي وغيره (أن لا يمنعن رجلًا هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه) (٦٦) . وعدم القدرة إذا ثبت يرفع الوجوب عن المكلف في المرتبتين الأولى والثانية (أي مرتبة تغيير المنكر باليد واللسان)، أما المرتبة الثالثة وهي مرتبة التغيير بالقلب فلا يرتفع الوجوب في حقه وستأتي ضوابط الإنكار بالقلب بعد قليل.
(٥) أن يكون ذا رأي وصرامة وقوة في الدين.
[ ٩ / ٥ ]
(٦) أن يكون عفيفًا متورعًا عن أموال الناس؛ لأن ذلك يُؤثِّر بشكل مباشر على عمله ويهز شخصيته في نظر المحتسب عليهم ومن ذلك الهدية في كثير من الأحيان.
ب. الشروط المختلف فيها:
١. العدالة.
٢. الاجتهاد.
٣. إذن الإمام.
٤. الذكورة.
٥. الحرية.
هذه الشروط الخمسة هي التي حصل بين الفقهاء اختلاف فيها إذ أن بعضهم يرى أن في إشتراطها تضييق لدائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا تتوافق مع منطوق عموم الآيات والأحاديث الواردة في ذلك، أما البعض فيشترطها أو بعضها احتياطًا للقيام بهذه المهمة الجليلة متأولين في ذلك نصوصًا من الكتاب والسنة. والكلام يطول في إثبات أدلة كل فريق ورد الفريق الثاني وأنا أرى أن هذا ليس مكان بسطها ويمكن لمن أراد التقصي أن يعود لذلك في مظانها في كتب الفقه (أبواب الحسبة) .
فأما الذين إشترطوا العدالة فهم قليل في مقابل من لم يشترطها، وأما إذن الإمام فالذين إشترطوها أيضًا قليل وهم يشترطونها في حق المحتسب المتطوع، أما المحتسب المكلف، فإنهم يرون أن قرار التولية يشتمل على الإذن وغيره (٦٧)، وهذا ينسحب على قرار تعيين القائد، وأما شرط الإجتهاد، فلو قلنا به لضاقت جدًا دائرة المعروف والنهي عن المنكر، حتى يصبح الذين يقومون به فئة قليلة من المجتمع وخرج بذلك فئات كثيرة لا تخرجهم نصوص وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي قلنا بأنها تجعل القيام به من فروض الأعيان على من رآه وكان مسلما.
وكذلك بالنسبة لإشتراط الذكورة فنحن نكون باشتراطها قد عطلنا وأعفينا نصف المجتمع من القيام بهذا الواجب الشرعي العظيم مع أنه يمكن للمرأة أن تحتسب في وسطها وفي بيتها، ولكن رد بعضهم وقال نشترط الذكورة فقط في ولاية الحسبة وما عداها لا نشترط الذكورة.
[ ٩ / ٦ ]
والذين اشترطوا الحرية قالوا لأن العبد وقته لسيده وبذلك فليس له أن يحتسب إلا بإذنه، والصحيح أنه مسلم يمكنه أن يأمر وينهي في حدود استطاعته وقدرته ولا يعفيه الرق من هذا الواجب الإسلامي الجليل.
خامسًا: آداب المحتسب:
لابد للمحتسب من أن يتحلى بآداب ذاتية تجعل منه نموذجًا يمثل الإسلام في أبهى وأحسن صورة ليكون ذلك أدعى للآخرين لامتثال أمره ونهيه والاقتداء بفعله وآداب المحتسب التي نريد أن نثبتها هنا تنقسم إلى قسمين أولهما ذاتية يحققها في نفسه وآداب مع الآخرين تظهر عند احتسابه عليهم.
أ. الآداب الذاتية:
(١) الإخلاص.
(٢) التقوى.
(٣) أن يعمل بما يقول ولا يكون قوله مخالفًا لفعله.
(٤) المواظبة على سنة الرسول ﷺ.
(٥) التحلي بالصبر فهو عدة عظيمة لمهمته وسلاح يحتاج له لإنجازها.
(٦) عليه أن يكون حذرًا فطنًا لا ينخدع بحيل المستهترين وألاعيب العابثين.
(٧) عليه أن يكون على وعي بعلم الواقع وثقافة العصر الذي يعيشه.
ب. آدابه مع الآخرين:
(١) الرفق واللين في القول وطلاقة الوجه وسهولة الأخلاق عند أمره ونهيه.
(٢) الحلم والأناة وعدم تعجل العقوبة.
(٣) أن يتعامل مع الناس بالصدق والأمانة وعدم الخيانة.
(٤) محاولة تقليل علائقه عند الآخرين حتى لا تؤثر على عمله.
(٥) أن يكون باعثه العطف والشفقة على المعاصي (لأنه (أي - المحتسب – بمثابة الطبيب) .
سادسًا: شروط إنكار المنكر:
بقدر حرص المحتسب على تغيير المنكر، وإزالته، فإن ذلك لا يكون سببًا كافيًا لوقوعه فيما يبطل إحتسابه. لأن لكل منكر ضوابط ومعايير تسمى شروط إنكار المنكر، ومن أبرزها ما يلي:
أ - وجود منكر يستدعي الإحتساب. وضابطه الوجود (أي يكون منكرًا ظاهرًا دون الحاجة إلى الإجتهاد، فكل ما هو محل للإجتهاد لا محل فيه للإنكار على سبيل الإلزام.
[ ٩ / ٧ ]
ب - أن يكون المنكر المحتسب فيه محذور الوقوع في الشرع. لأن المعروف ما جعله الشرع معروفًا، والمنكر ما جعله الشرع منكرًا.
ج - أن يكون المنكر قد وقع فعلًا أو ظهرت العزيمة على فعله، والمنكر الذي وقع لابد أن تتجمع لدى المحتسب المكلف أدلة كافية ومنها الظهور، إذ بدون الظهور يوقع المحتسب نفسه في محذور شرعي آخر هو التجسس وفي ذلك يقول الرسول ﷺ (من أتى من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله فإن من أبدى لنا صفحة أقمنا عليه كتاب الله) (٦٨) . والظهور ظهوران؛ ظهور حقيقي ومثاله رجل خلى بآخر ليقتله، وظهور حكمي ومثاله تتبع مرتكب الجريمة بعد خروجه مباشرة من مكان وقوعها.
د - أن يدفع المنكر المحتسب فيه بأيسر منه فإذا كان يدفع بأشد ترك الإحتساب.
سابعًا: خطوات إنكار المنكر:
اتفاق شبه تام بين الفقهاء الذين استنبطوا أحكام الحسبة وخطوات إنكار المنكر فهم يرون أن على المحتسب أن يأخذ الأمر خطوة خطوة، فلا يثبت على أول خطوة يبدأها في الإنكار ولا يقفز إلى آخر خطوة يستدعي الأمر الوصول إليها، فهو لا يحاسب ويعاقب لأول زلة تبدو من المحتسب عليه، لأن العصمة في الخلق مفقودة إلا من عصمه الله كالأنبياء والرسل. ومن هذا المنطلق وجب على المحتسب أن يسلك طريقًا اتفق على تسميته مراتب الإحتساب أو خطوات إنكار المنكر وهي على النحو التالي:
أ - التعريف بالمنكر وأنه محذور الوقوع في الشرع.
ب - الوعظ بما يهز النفوس ويبعد عن الإثم بأسلوب الترغيب والترهيب.
ج - الزجر والتأنيب بالقول، والشدة في التهديد، وهجن الخطاب، وهذا في حق من لم تنفع معه الخطوتان السابقتان.
د - إذا لم تنفع الخطوات السابقة ينتقل إلى مرحلة أقوى وهي إزالة المنكر بالقوة حيث من شأن هذه الخطوة أن تحول بين الفاعل وما يريد ارتكابه من منكر كإراقة الخمر لمن يريد شربه.
[ ٩ / ٨ ]
هـ - إيقاع العقوبة التي هدد بها المحتسب وهذه الخطوة ليست لكل المحتسبين وإنما هي للمحتسب المكلف (القائد) وليست لكل محتسب لا يملك صلاحية إيقاع العقوبة. لكن عليه الرفع لمن يستطيع إيقاع تلك العقوبة على فاعل المنكر.
ثامنًا: مراتب تغيير المنكر:
هذه المراتب مدارها حديث الرسول ﷺ (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) (٦٩)، وهذه المراتب كما لاحظنا تختلف عن الخطوات السابقة فالخطوات تبدأ من الأخف للأشد بينما المراتب تبدأ من الأشد للأخف. كذلك فالتغيير فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين بينما الإنكار فرض عين، ومن الفروق بينهما أيضًا أن التغيير يحتاج إلى قوة، بينما الإنكار لا يحتاج إلى تلك القوة، ومن الفروق أيضًا أن الخطوات تكون قبل وقوع المنكر بينما مراتب تغيير المنكر تكون أثناء الوقوع في المنكر وبعده
تاسعًا: شروط وضوابط التغيير بالقلب:
عرفنا في مراتب تغيير المنكر بأنها تبدأ بالقوة، ثم اللسان وهي أخف، ثم تنتهي للتغيير بالقلب، وقد يعجز بعض الناس عن القيام بما تتطلبه المرتبتين الأولى والثانية لأسباب كثيرة ولكنه لا يعجز أحد مهما كان ضعفه من الإنكار بالقلب ومن ثم التغيير بواسطة هذه المرتبة سيما إذا تحسس المسلم الضوابط والشروط التي يجب أن يتحلى بها المُغيِّر بهذه المرتبة. إذ أن التغيير كما جاء في نص الحديث يقتضي الوجوب حسب الإستطاعة لكن لم يُستثنى أحد من هذا الوجوب. وبعض الناس تراه يرى المنكر أو يجالس أهله ولا يغير فتقول له لماذا لم تُغير المنكر؟ قال لا أستطيع ولكن أنكرته بقلبي !! أي أنه يدعي أنه انتقل إلى المرتبة الأخف في التغيير. قلنا له ما رأينا شيئًا من ضوابط هذا التغيير بالقلب؟ قال وما هي تلك الضوابط؟ قلنا له الآتي:
[ ٩ / ٩ ]
أ - تغيير ملامح الوجه: فإن من اغتاظ من أمر بدت علائم الغضب على وجهه وبما يشعر من حوله أنه غاضب ومستاء حتى ولو لم يتكلم.
ب - كثرة الحركة في المكان، وتوالي الزفرات: فهذا أيضًا يشعر صاحب المنكر الذي تجالسه ولا تستطيع أن تكلمه لشره أو لكونه رئيسًا كبيرًا وتخافه بأنك منكر لما يفعل ويقوم به.
ج - مفارقة المكان: وهذا أقل وأسهل ما يمكن أن يفعله المنكر بالقلب وهو في متناول كل أحد يقول الحق ﵎ (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره الآية) (٧٠) .
وفي ختام هذا الفصل أود القول بأن النظر في سيرة الرسول ﷺ كفيل بأن يصور للمحتسب كل هذه الأحكام المتعلقة بالحسبة في مواقف عملية حدثت في حياته ﵊.
الخاتمة:
لاشك أن كل أمة تعمل جاهدة عل تحقيق عزها ومجدها والأمة التي تتكون من مجموعات ومؤسسات وقطاعات وولايات يقود كل منها قائد تريد من هذا القائد أن يحقق أهدافها من خلال تبصره لمتطلبات قيادته وعمله بإخلاص وتفان في ذلك.
والقائد الذي يعد إعدادًا صحيحا هو الذي يحقق لأمته عزها ومجدها بل وسؤددها، وما أحوج أمة الإسلام اليوم إلى وجود مثل هؤلاء القادة الذين ينشأون وهم على وعي تام بأهداف أمتهم ورسالتها بما يؤدي إلى نجاحهم وهذا ما نتمناه لأمة الأسلام التي تحمل أمانة هذا الدين العظيم وإبلاغه للناس وتحقيق عبودية العباد لربهم وهذا يتحقق بإذن الله تعالى بالتربية بالقدوة التي بها انتشر الإسلام وتخرج القادة من مدرسة النبوة (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر) وفي هذا البحث المقتضب حاولت مجتهدا أن أبرز تلك الأهمية لواحدة من أهم وأنجح وسائل التربية ألا وهي القدوة التي تخرج بها قادة الأمة ونشر بها الإسلام في أصقاع المعمورة.
أهم نتائج البحث:
[ ٩ / ١٠ ]
إن البحث فيما يتعلق بالقدوة وإعدادها هو من البحوث التي يصعب الإتيان على كل ما يتعلق بها وما ذاك إلا لأهمية الموضوع ودقة وحاجة الباحث فيه إلى تجارب تثريه وهذا مالا يتوفر لكل أحد ٠
وأني ببحثي هذا فيما يتعلق بالاقتداء وفي حق فئة مهمة جدا وهم (القادة) قد توصلت إلى نتائج لعل من أبرزها:
١ - أن دراسة القدوة والتأكيد عليها من أبرز الدراسات التي تحتاجها الأمة اليوم وباستمرار حتى يعم ويسترسخ مفهوم أهميتها في أذهان الناس.
٢ - أن أمتنا الإسلامية اليوم التي أهملت الاعتناء بمثل هذه الدراسة قد خسرت كثيرا ولو عادت للاهتمام بها لعاد إليها الكثير من عزها ومجدها المفقود.
٣ - أن التركيز على فئة القادة من خلال مراحل التعليم والدورات هو من الأهمية بمكانة الصدارة.
٤ - إلى جانب التركيز على دور القدوة فإن القادة بل كل أفراد المجتمع بحاجة ماسة وملحة بدورهم فيما يتعلق بالاحتساب (الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا ما ركزت عليه في هذا البحث أيضا) .
٥ - أني أوصي بأن يكون ضمن مناهج التعليم العام ما يبرز أهمية القدوة حتىيتربى عليها شباب الأمة وقادة مستقبلها إما من خلال مادة مستقلة لذلك أو ضمن موضوعات مواد أخرى والله الموفق وهو المعين ﷾.
الهوامش والتعليقات
---
(١) لمجموعة من المؤلفين ٢/٣٢١، الطبعة الثالثة.
(٢) ابن منظور ١٥/١٧١، طبعة دار صادر، بيروت.
(٣) فتح القدير للإمام محمد بن علي الشوكاني ٢/١٣٧، طبعة دار الفكر.
(٤) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/٢٣٧، طبعة دار الثقافة.
(٥) سورة الأنعام، الآية ٩٠.
(٦) سورة الأحزاب، الآية ٢١.
(٧) سورة آل عمران، الآية ٩٠.
(٨) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه الألباني. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة. رقم ١٢٣٣.
(٩) أصول التربية الإسلامية وأساليبها: عبد الرحمن النحلاوي، ص٢٢٩، طبعة دار الفكر.
[ ٩ / ١١ ]
(١٠) أصول التربية الإسلامية وأساليبها: عبد الرحمن النحلاوي، ص٢٢٩، طبعة دار الفكر.
(١١) أصول التربية الإسلامية وأساليبها: عبد الرحمن النحلاوي، ص٢٢٩، طبعة دار الفكر.
(١٢) سورة يوسف، الآية ١٠٨.
(١٣) سورة الاحزاب الآية ٢١.
(١٤) سورة الاحزاب الآية ٢١.
(١٥) أي يهدي إليك.
(١٦) أي تشتري منه.
(١٧) رواه البخاري في كتاب البيوع باب (٣٨) ورواه مسلم في كتاب البر باب (١٤٦)
(١٨) تفسير كلام المنان ٦/٢٠٨ (بتصرف) .
(١٩) القدوة الصالحة (أخلاق قرآنية ونماذج ربانية): حسين أدهم جرار، ص١٧.
(٢٠) سورة الصف، الآيتان ٢ – ٣.
(٢١) سورة الأحزاب، الآية ٢١.
(٢٢) القدوة الصالحة أخلاق قرآنية ونماذج ربانية، مصدر سابق، ص٢٧.
(٢٣) مجلة الأزهر، الجزء الثاني، ذو الحجة ١٤٠١هـ: بقلم اللواء محمد جمال الدين محفوظ، ص٥٣.
(٢٤) انظر مقدمة ابن خلدون، مصدر سابق، ص ٣٣.
(٢٥) الموافقات، ٣/٣١٧ للإمام الشاطبي (بتصرف) .
(٢٦) الدعوة إلى الإسلام لسيد سابق، ص٦٩ طبعة دار الكتاب العربي، الزرقاء، الأردن والاية في سورة الانعام رقمها (٩٠) .
(٢٧) سورة الحج، الآية ٧٥.
(٢٨) سورة الشورى، الآية ١٣.
(٢٩) سورة الأنعام، الآية (٩٠) .
(٣٠) سورة الأنعام، الآية ١٥٣.
(٣١) سورة الروم، الآية ٤٧.
(٣٢) سورة آل عمران، الآية ١١٠.
(٣٣) سورة الأنعام، الآية ٨٧.
(٣٤) اللواء الركن/محمود شيت خطاب، بين العقيدة والقيادة.ص ٤٨
(٣٥) دعوة الإسلام: سيد سابق، ص٦٥، طبعة دار الفكر، بيروت.
(٣٦) الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية: أبو الأعلى المودودي، ط٢، مؤسسة الرسالة ص ٩٨.
(٣٧) رواه مسلم. في كتاب الفضائل الباب ١٩٩ والبخاري في كتاب الانبياء الباب ١٩
(٣٨) سورة الشمس.الاية ٧
(٣٩) سورة الجاثية، الآية ٢٣.
(٤٠) رواه مسلم.في كتاب الجنة باب (١) وبو داود في كتاب السنة باب (٢١)
[ ٩ / ١٢ ]
(٤١) الاسس الاخلاقية للحركة الاسلامية مصدر سابق.
(٤٢) سورة آل عمران، الآية ٧٩.
(٤٣) فتح الباري: لابن حجر ١/١٧١، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
(٤٤) سورة العلق الاية (١) .
(٤٥) هذا هو الإسلام: مصطفى السباعي، ص١٧، ط المكتب الإسلامي.
(٤٦) متفق عليه. رواه البخاري في كتاب العلم باب ١٠ ومسلم في كتاب الامارة باب ١٧٥
(٤٧) إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، صفحة ١/٧، طبعة دار الندوة الجديدة.
(٤٨) رواه البخاري في كتاب الجمعه باب ١١ وسلم في كتاب الامارة باب ٢٠
(٤٩) سورة أل عمران، الآية ١٠٤.
(٥٠) رواه مسلم.
(٥١) انظر تفسير الآية في فتح القدير للشوكاني ١/٣٦٩ ط دار الفكر.
(٥٢) لسان العرب لابن منظور ١/٣١٤.
(٥٣) الاحكام السلطانية للماوردي ص٢٤٠
(٥٤) الحسبة في الماضي والحاضر مصدر سلبق ١/٦
(٥٥) الاحكام السلطانية مصدر سابق ص٢٤١
(٥٦) الاحكام السلطانية مصدر سابق ص٢٤١
(٥٧) سورة أل عمران، الآية ١١٠.
(٥٨) سورة المائدة، الآيتان ٧٨ – ٧٩.
(٥٩) سورة التوبة.الاية ٧١
(٦٠) انظر إحياء علوم الدين للغزالي ٢/٣٠٦.فقد حكاه عن ابن تيمية
(٦١) رواه البخاري في كتاب الشركه باب ٦.
(٦٢) الأحكام السلطانية للماودي، مصدر سابق.ص٢٤١
(٦٣) معالم القربة في أحكام الحسبة، لابن الأخوة، ص٤.
(٦٤) الحسبة في الماضي والحاضر، مصدر سابق، ص٨٨.
(٦٥) الحسبة في الإسلام، لابن تيمية، مصدر سابق، ص٨٤ – ٨٥.
(٦٦) رواه الترمذي في كتاب الفتن الباب رقم (٢٦) وقال: حديث حسن صحيح وهو جزء من حديث طويل
(٦٧) هموم المثقفين: د/محمد إمام، ص١٠٦.
(٦٨) رواه الإمام مالك في الموطأ ٢/٨٢٥ والحاكم في المستدرك ٤/٢٤٤ وقال عن صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٦٩) رواه مسلم في كتاب الايمان باب ٧ واحمد ٣/٢٠٢
(٧٠) سورة النساء، الآية ١٤٠.
المصادر والمراجع
[ ٩ / ١٣ ]
١- إحياء علوم الدين للإمام (حجة الإسلام) الغزالي، طبعة دار الندوة الجديدة.
٢- أصول التربية الإسلامية وأساليبها، عبد الرحمن النحلاوي، طبعة دار الفكر.
٣- الأحكام السلطانية للماوردي.
٤- الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية، أبو الأعلى المورودي، طبعة دار الرسالة.
٥- الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، طبعة دار الثقافة.
٦- الحسبة في الإسلام، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
٧- الحسبة في الماضي والحاضر، د/ علي بن حسن القرني، طبعة دار الرشد بالرياض.
٨- الدعوة إلى الإسلام، لسيد سابق، طبعة دار الكتاب العربي - الأردن.
٩- السيرة النبوية، لابن هشام، طبعة دار العلم.
١٠- القدوة الصالحة (أخلاق قرآنية ونماذج ربانية)، حسين أدهم جرار، طبعة دار الضياء - الأردن.
١١- المستدرك للحاكم.
١٢- المعجم الوسيط في اللغة، لمجموعة من المؤلفين.
١٣- الموافقات، للإمام الشاطبي.
١٤- تفسير كلام المنان، لفضيلة الشيخ عبد الرحمن السعدي.
١٥- حلية الأولياء، لأبي نعيم الأصفهاني.
١٦- سلسلة الأحاديث الصحيحة، محمد ناصر الألباني، طبعة مكتبة المعارف - الرياض.
١٧- سنن ابن ماجه، للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد.
١٨- سنن الترمذي، لأبي عيسى محمد بن سوره.
١٩- شرح المواهب، للزرقاني.
٢٠- صحيح الإمام البخاري، للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري.
٢١- صحيح الإمام مسلم، أبي الحسين مسلم بن حجاج.
٢٢- عظماؤنا في التاريخ، د/ مصطفى السباعي، طبعة المكتب الإسلامي.
٢٣- فتح الباري، شرح صحيح البخاري لابن حجر، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
٢٤- فتح القدير (تفسير)، للإمام محمد بن علي الشوكاني، طبعة دار الفكر.
٢٥- لسان العرب، لابن منظور، طبعة دار صادر - بيروت.
٢٦- كتاب إصلاح المساجد، لمحمد بن ناصر الدين الألباني.
٢٧- مجلة الأزهر، الجزء الثاني، ذو الحجة ١٤٠١ هـ.
[ ٩ / ١٤ ]
٢٨- محمد رسول الله (سيرة)، الأستاذ محمد صادق عرجون، طبعة دار القلم - دمشق.
٢٩- مسند الإمام أحمد بن حنبل.
٣٠- معالم القربة في أحكام الحسبة، لابن الأخوة.
٣١- مقدمة ابن خلدون، طبعة دار الهلال - بيروت.
٣٢- هذا هو الإسلام، د/ مصطفى السباعي، طبعة المكتب الإسلامي.
٣٣- هموم المثقفين، للدكتور / محمد إمام.
[ ٩ / ١٥ ]