في ضوء أسلوب القرآن الكريم
د. سميرة عدلي محمد رزق
أستاذ مشارك بقسم اللغة العربية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية
جامعة الملك عبد العزيز
ملخص البحث
دار البحث حول محورين أساسيين:
أولهما: توضيح معنى "مقتضى الحال" وهو الاعتبار المناسب الذي يستدعي اشتمال الكلام على سمات وخصائص أسلوبيَّة تناسب المقام أو الحال الذي يُلقى فيه.
وثانيهما: إضاءة زوايا هذا المفهوم، وتوضيحها بالشواهد القرآنية المناسبة، مع بيان ما اشتملت عليه من سمات أسلوبية خاصَّة. وتبيَّن - خلال ذلك التوضيح - أن الكلام قد يراعى فيه حال السّياق نفسه، أو حال المتكلم وإحساسه بقوَّة المعنى الذي يتحدَّث عنه، أو حال المخاطب وما يحيط به من ظروف مختلفة.
والجدير بالذكر أن بعض الحديث قد يأتي مخالفًا للحال الظاهرة أمام مُلقيه - ومع ذلك - يُحكم عليه بالبلاغة لأسباب لم يغفلها البحث أيضًا من الذكر والتدعيم بالشواهد المناسبة من القرآن الكريم.
ونبَّه البحث إلى ضرورة حِذق المتكلم ومهارته في إدراك ملابسات الأمور حوله ليأتي حديثه على هذه الخصوصيَّة المسمَّاة ب "مراعاة مقتضى الحال"؛ فيكون بذلك قد أدَّى الوظيفة الأساسية للفن البلاغي وهي: "مطابقة الكلام لمقتضى الحال".
• • •
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصَّلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعدفهذه قطرة نغرفها من بحر لا ينتهي عطاؤه ولا يُبلغ مداه وكيف ينتهي ذلك العطاء وهو من المعطي الأول والأخير - ﷿ - وهل يُبلغ منتهاه ولا يعلم ذلك إلا الله؟!
[ ٢ / ٣١٧ ]
نعم ذلك هو أسلوب القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو العطاء المتجدّد والينبوع الصَّافي العذب الذي بهر العقول وأراح النفوس وطمأن القلوب وكيف لا يكون كذلك وقد راعى الأحوال وقدَّر الظروف وسبر أغوار النفوس ؟! فجاء - رغم كلّ ذلك - مقتضيًا للحال مُغنيًا في كل مقام عن أي مقال ومقال!
هذا وقد تناول البحث في هذه القطرة اليسيرة:
(مقتضى الحال - مفهومه وزواياه في ضوء أسلوب القرآن الكريم)
وذلك وفق المنهج الآتي:
تمهيد- ويشمل الإشارة إلى بعض النصوص التي وردت فيها معنى "مقتضى الحال"، ثم كان:
المحور الأول: ويشمل:
شرح العبارة وبيان أن المقصود بمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب المستدعي للسمات والخصائص التي يأتي عليها أسلوب المتكلم ليوافق حديثه المقام أو الحال الذي أنشأ له كلامه، وقد دُعّم هذا التوضيح - لمفهوم مقتضى الحال - بنصوص ذكرها بعض العلماء والنقاد والدارسين في اللغة والأدب والبلاغة سواء منهم المحدثين أو القدماء من أمثال د. إبراهيم أنيس والدكتور بدوي طبانة والدكتور إبراهيم السَّمرائي والدكتور محمد أبو موسى والعقاد والدكتور علي عبد الواحد وافي والشيخ عبد القاهر الجرجاني وابن رشيق والقاضي الجرجاني وابن خلدون وغيرهم، ولم يُراعَ في ذكر هذا النصوص.
التسلسل الزمني لقائليها؛ وإنما روعي حاجة السّياق في البحث إلى كل نص منها، ليكون ذلك تطبيقًا عمليًّا لموضوع البحث في البحث الذي بين يدي القاريء.
وخُتم هذا الباب ببيان أن القرآن الكريم هو خير ما يمكن أن يستشهد به في بيان صحة مفهوم هذه العبارة، لأنه خير الأقوال التي جاءت مطابقة للحال ومقتضية له.
أما المحور الثاني فكان مخصَّصًا لتحديد زوايا مفهوم "مقتضى الحال" ثم إضاءتها على ذلك في ضوء أسلوب القرآن الكريم، وهذه الزوايا هي:
أ- حال السياق
ب- حال المتكلم
ج- حال المخاطب
[ ٢ / ٣١٨ ]
وقد ركز البحث على ذكر أمثلة وشواهد من القرآن الكريم على كل زاوية من الزوايا السابقة وتوضيح الطريقة الأسلوبية المتبعة في كل مثال منها لبيان قُدرة القرآن الكريم - ذلك الكتاب الفذ - على التعبير عن كل الأحوال ومراعاة جميع الظروف والملابسات التي تحيط بالمقام الذي جاءت فيه الآية الكريمة الأمر الذي يدعو دائمًا إلى الاعتراف بإعجازه البياني والذي أذهل - من قبل - فُصحاء العرب وجلة شعرائهم وأدبائهم.
كما لم يغفل البحث خلال هذه الشواهد ذكر شواهد أخرى من القرآن الكريم نفسه لم يراعِ فيها السّياق مقتضى الظاهر ومع ذلك جاء الأسلوب بليغًا مصيبًا للهدف الذي سيق من أجله.
ثم كان التعقيب في نهاية البحث، أشير فيه إلى أن ما لم يذكره البحث أغنى عنه ما ذُكر، سواء كان ذلك في نقطة خروج الكلام على مقتضى الظاهر أو ما كان على خلاف مقتضى الظاهر، وما ذاك إلا لأن الأحوال كثيرة ومقتضياتها مثلها ومجال نشر البحث لا يسمح بأكثر مما ذُكر، ولولا الإيمان بالمقولة القائلة: "ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك كلُّه" ما كانت الجُرأة على أخذ هذه القطرة اليسيرة من ذلك الخضم الهائل الذي غرف منه علماء البلاغة من أساتذتنا ومعلمينا جزاهم الله عنا خير الجزاء.
ولعل من أسباب اختيار هذا الموضوع هو:
الرغبة في إيضاح عبارة "مقتضى الحال" بكل أبعادها، نظرًا لما لا حظته أثناء تدريسي في الجامعة لمادة البلاغة، ومن تخبط الطالبات في تحديد هذا المفهوم - واقتصارهن في فهمه على زاوية واحدة فقط وهي حال المخاطب-، ولما جنيته من نتيجة - أحمد الله عليها - عند إيضاحه لهن - كما ينبغي -.
من هنا كان الدافع قويًّا إلى تخصيص هذا العمل المتواضع لإلقاء الضوء على زوايا هذا المفهوم، وتحديدها تحديدًا يساعد طلبة العلم وطالباته على الفهم الصحيح لها.
[ ٢ / ٣١٩ ]
أما كون شواهد البحث مستمدة من القرآن الكريم فما ذاك إلا لكون القرآن الكريم - وهو أمر لايخفى على دارسي اللغة وعلمائها - هو المورد الأصيل والمثال النادر لكل درس لغوي أو بلاغي - بلا جدال- فضلًا عن الرغبة الأكيدة في خدمة كتاب الله العزيز قبل أي شيء آخر، ثم في قضاء سويعات ممتعات في تأمل آيات الله الكريمات ودراستها لتستريح بهذه الدراسة النفس، ويطمئن لها الفؤاد، ويقوَّم بها اللسان.
وبعد فهذا جهد المقل والله - ﷾ - أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم خادمًا لقرآنه العظيم مضيئًا لطلاب العلم بعض السبيل إنه على كل شيء قدير.
التمهيد:
قبل التعرُّض لمقتضى الحال ومفهومه ينبغي الإشارة أولًا إلى الموضع أو المناسبة التي وُجِد فيها هذا التعبير "مقتضى الحال" ومنها تدرك أهميته
يصادف القاريء هذا التعبير عند قراءته لتعريف بلاغة الكلام لدى القزويني في قوله:
"والبلاغة في الكلام مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته" (١)
كما نلمح هذا التعبير أيضًا في التعريف بعلم المعاني، فيُقال:
"هو علم يُعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال" (٢)
ولست بصدد التعريف بعلم البلاغة بصفة عامَّة ولا بعلم المعاني بصفة خاصَّة - هنا - فقد اكتظَّت المؤلَّفات البلاغية بذلك ولكن هدف هذا العمل هو توضيح هذا المفهوم من خلال وضع النقاط على الحروف، أو بالأحرى إضاءة بعض الزوايا التي تحتاج إلى إضاءة في هذا المفهوم، مع ذكر بعض الأمثلة والشواهد القرآنيَّة المدعّمة لذلك.
_________________
(١) التلخيص في علوم البلاغة، جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني الخطيب، ضبط وشرح عبد الرحمن البرقوقي ص٣٣، ط (١)، سنة ١٩٠٢م، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان.
(٢) شروح التلخيص، ١/١٥٥. (عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح. بهاء الدين السبكي) . ط (بدون) دار السرور بيروت - لبنان.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
توضيح معنى "مقتضى الحال"، ومفهومه لدى الدَّارسين:
المقتضى هو الاعتبار المعين الذي يستدعي مجيء الكلام على صفة مخصوصة مناسبة للحال، كالتأكيد في حال الإنكار أو التردد مثلًا (١) .
ولا شكَّ أنَّ هذا المقتضى يتغيَّر بتغيّر المناسبة أو المقام، فاعتبار الكلام اللائق بمقام ما يختلف عن الاعتبار اللائق بآخر (٢) .
وقد يتوهم السامع أن الحال شيء متعلق بورود الكلام على خصوصية معينة في زمن معين. وأن المقام هو المكان الذي قيل فيه، ولكن الحقيقة غير ذلك إذ إن الحال والمقام شيء واحد (٣)، والاختلاف يكون في الاستعمال.
"فالمقام يستعمل مضافًا للمقتضيات فيقال: مقام التأكيد مثلًا والحال يستعمل كثيرًا مضافًا للمقتضى فيقال حال الإنكار فالإضافة بيانية" (٤) .
ويشرح مؤلف معجم البلاغة العربية ذلك قائلًا: "والحال هو الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر مع الكلام الذي يؤدي به أصل المراد خصوصية ما، وتلك الخصوصية هي مقتضى الحال" (٥) أي أن يؤدَّى الكلام بسمات معيَّنة مناسبة للمقام أو الحال الذي يلقى فيه ذلك الكلام.
ولا شك أن مقتضى الحال يتفاوت بتفاوت المقامات والأحوال. فقد يقتضي الأمر إلى تنكير المسند أو تقديمه على المسند إليه، وقد يدعو الحال إلى تعريفه أو حذفه لدلالة القرائن عليه، وقد يباين مقام الوصل مقام الفصل (٦) .
_________________
(١) نفسه، ص ١٢٣ (شرح سعد الدين التفتازني على تلخيص المفتاح. للقزويني) (بتصُّرف)
(٢) نفسه، ص١٢٦ (مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح لابن يعقوب المغربي) (بتصرُّف) .
(٣) نفسه، ص١٢٦ (نفسه) (بتصرُّف) .
(٤) نفسه، نفس الصفحة.
(٥) معجم البلاغة العربية، د. بدوي طبانة، ص٨٤، ط (٣) مزيدة ومنقحة، دار المنارة للنشر (جدة)، دار الرفاعي للنشر (الرياض) .
(٦) نفسه، نفس الصفحة (بتصرُّف)، كذلك انظر البلاغة فنونها وأفنانها، د. فضل عباس (علم البيان والبديع)، ص١١-١٢، دار الفرقان للنشر والتوزيع، (بتصرُّف) .
[ ٢ / ٣٢١ ]
ولإصابة المفصل في هذه الأمور جميعًا وتلك الأغراض، لا بدَّ من حِذق المتكلّم ومهارته في إدراك ما حوله من ملابسات الأحوال أو ظروف السامعين ومستوى ثقافتهم وسبر نفسياتهم وإلا أخطأ الهدف وضلَّ الطريق.
لذا اعتبر القرآن الكريم هو أعلى درجات الكلام بلاغة وأكثرها مطابقًا للأحوال، وكيف لا يكون كذلك وهو من لدن عليم خبير بدقائق الأمور ومقتضياتها، وصدق - ﷿ - في قوله (١):
﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾
فالتعبير المطابق لمقتضى الحال لا بدَّ وأن يشتمل على خصائص في الصّياغة وأوضاع في التراكيب تدلُّ دلالة واضحة على معان يكون بها الكلام تامًا وافيًا بالغرض مطابقًًا لمتطلبات الموقف الذي سيق من أجله (٢) .
فإذا أريد - مثلًا - التعبير عن رجل له صفات الرجولة والأخلاق المحمودة بكلام مطابق لمقتضى الحال قيل: "هو الرجل" بإثبات "أل التعريف" للمسند، فوقع الكلام - كما هو ملاحظ - مشتملًا على خصوصيَّة معيَّنة اقتضاها المقام النَّفسي تجاه هذا الرجل الممدوح وهو الاحترام له ولصفاته الحسنة.
يقول د. أبو موسى:
"المطابقة إذًا تعني الصِّدق والوفاء بما في النفس"
أو كما قال العلوي:
(هي وصول الإنسان بعبارته كنه ما في قلبه) (٣) .
_________________
(١) سورة النساء: ٨٢
(٢) خصائص التراكيب، دراسة تحليلية لمسائل علم المعاني، د. محمد أبو موسى، ص٣٨-٣٩، (بتصرُّف)، ط (٢)، مكتبة وهبة، القاهرة.
(٣) كتاب الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز. يحي بن حمزة العلوي اليمني.١/١٢٢. ط سنة١٩٨٢-دار الكتب العالمية.بيروت لبنان.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
ولكن السؤال هنا، كيف تصل العبارة إلى السامع وصولًا صحيحًا؟ فليس المقصود قطعًا مجرَّد التعبير عن ما في النَّفس وإنّما لا بدَّ من اعتبار حال السامع ومطابقتها من جوانب مختلفة أهمُّها، حالته النَّفسية ومستواه الثقافي وحسّه الفنّي ولهجته وإلا أصبح الكلام غير مطابق لمقتضى الحال، وبالتالي لا يفي بما أريد منه.
يقول د. إبراهيم أنيس - وهو بصدد الحديث عن الحركات الإعرابية وعدم ضرورة وجودها لتمييز الفاعل عن المفعول -: " هذا إلى ما نعهده من أن لكل كلام ظروفًا ومناسبات ويعرف المتكلم كما يعرف السَّامع ما تتطلبه هذه الأمور من تعابير لغوية فليست اللغات مفردات ترِدُ في المعاجم، ولا جملًا منفصلة تدوَّن في الصُّحف، وإنَّما الأصل في كل لغة أن تكون في صورة كلام يتَّصل اتصالًا وثيقًا بالمتكلّمين والسامعين، فهم أعرف بمواضعه وملابساته ولا يشقُّ عليهم تمييز الفاعل من المفعول في أي كلام على ضوء تلك الظروف والملابسات" (١) .
كما يوضّح ذلك عبد القاهر الجرجاني وهو بصدد الحديث عن الاستعارة والتخييل بقوله:
"وهذا موضع لطيف جدًّا لا تنصف منه باستعانة الطَّبع عليه، ولا يمكن توفيه الكشف فيه حقه بالعبارة لدقة مسلكه" (٢)
ويدخل في دقة المسلك هذه العناصر التي يستمدُّ الخيال منها صوره والمعين الذي يمده بذلك ؛ فعند اختيار صورة ما لا بدَّ لمنشئها أن يضع اعتبارات مختلفة أمامه عند إنشائه لها تختلف هذه الاعتبارات باختلاف البيئات والأمم والعصور. وهذا ما تجده في كتب الأدب وتاريخه، فكل بيئة متأثرة في صورها بمقوّماتها الطبيعية والاجتماعية وما تشتمل عليه من شؤون وتوحي بها من اتجاهات.
_________________
(١) من أسرار اللغة، د. إبراهيم أنيس، ص٢٤٧، ط (٧)،سنة١٩٩٤ م، مكتبة الأنجلو المصرية.
(٢) أسرار البلاغة، د. عبد القاهر الجرجاني، شرح وتعليق وتحقيق محمد عبد المنعم خفاجي ود. عبد العزيز شرف، ص٣٠١، دار الجيل، بيروت.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
وفي كل أمة بنظمها الخاصَّة، وأساليب حياتها وما وصلت إليه في سلَّم الارتقاء المادّي والمعنوي وفي كل عصر بنزعاته العامَّة ودرجة حضارته وما جرى فيه من أحداث (١) .
يقول د. إبراهيم السّمرائي في هذا:
"وقد تكون في الفصيحة مجازات غير معروفة في الألسنة الدَّارجة ذلك أن المجاز يتأثر بالبيئة التي تدرج فيها المجموعة البشرية فأصحاب الحرف والأصناف يقذفون بمجازاتهم المألوفة المعروفة متأثرين ببيئتهم الضيّقة، وهكذا تتعدَّد ألوان القول في المجتمع الواحد" (٢) .
وقد تتغير مدلولات الألفاظ تبعًا لتغير طبيعة الشيء الذي تدلُّ عليه أو لتغير ملابساته وظروفه، فلفظ الرّيشة - مثلًا - مدلوله السابق هو آلة الكتابة التي كانت تُتخذ من ريش الطيور، أما الآن فأصبح يدلُّ على تلك القطعة المعدنية في القلم وهكذا (٣)
وقد أشار د. إبراهيم أنيس إلى أن هذا الاختلاف في المدلول اللفظي بين الأشخاص أو المجتمعات قد يكون سببًا في الجدل والنقاش حينًا أو إلى النزاع والشجار أحيانًا أخرى.
لذا لا بد للمتكلّم من مراعاة فهم السَّامع حتى يصل بهذا الكلام إلى قلبه ومنها إلى الحكم على ذلك الكلام بالبلاغة (٤) .
فانظر - مثلًا - إلى العصر الجاهلي كيف طغت البيئة وعناصرها على شعرائه في أي غرض من أغراضه، وليكن قول أمريء القيس التالي مثالًا على ذلك:
"وكشحٍ لطيفٍ كالجديل مخصَّرٍ
وساقٍ كأنبوب السَّقيّ المذلَّلِ
_________________
(١) فقه اللغة، د. علي عبد الواحد وافي، ص٢٣٧، ط (٧)، (بتصرُّف)، دار نهضة مصر للطبع والنشر.
(٢) التطور اللغوي التاريخي، د. إبراهيم السَّمرائي، ص٣٦، ط (٣)، سنة ١٩٨٣م، دار الأندلس، بيروت.
(٣) نفسه) . (نفس الصفحة) . (بتصرُّف)
(٤) دلالة الألفاظ، د. إبراهيم أنيس، ص٩، ط (٥)،سنة١٩٨٤م، (بتصرُّف)، مكتبة الآنجلو المصرية.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
وتعطو برَخصٍ (١) غير شثنٍ (٢) كأنه
أساريعُ (٣) ظبيٍ أو مساويك إسحل (٤)
تضيء الظلام بالعشاء كأنها
منارة مُمْسى راهبٍ متبتّلِ (٥) "
فانظر الى الألفاظ (جديل، أساريع، ظبي، ماسويك، إسحل) فهي من عناصر التشبيه المستمدَّة من خبرات الشاعر البيئية ومشاهداته اليوميَّة، وقس على ذلك بقيَّة الشعر في كلّ العصور، فالأديب الذي لا يكون أدبه صورة صادقة عن نفسه أو عصره أو مجتمعه وبيئته لا يُعتد بما كتبه أو قاله إذا ما قيس بغيره ممَّن اهتموا بهذا الجانب. يقول العقاد في ذلك:
"والشاعر هو الذي يعبّر عن النفوس الإنسانية فإذا كان القائل لا يصف حياته وطبيعته في قوله فهو بالعجز عن وصف حياة الآخرين وطبائعهم أولى وهو إذًا ليس بالشاعر الذي يستحق أن يتلقى منه الناس رسالة حياة وصورة ضمير" (٦) .
_________________
(١) الأسروع واليسروع: دود يكون في البقل والأماكن النَّدية، تشبه أنامل النساء به وهي صورة قديمة. فضلًا انظر تفصيل وشرح الأبيات في (شرح المعلقات السبع.أبو عبد الله الحسين بن أحمد الزوزني. ص٣١-٣٢ ط سنة ١٩٧٩م.دار الجيل بيروت.
(٢) إسحل: شجرة تدق أغصانها في استواء. انظر معجم مقاييس اللغة.بن فارس تحقيق عبد السلام هارون. ط سنة١٣٦٨هـ (سحل) (بتصرف) .
(٣) الرخص: اللين الناعم. انظر اساس البلاغة. جار الله الزمخشري. تحقيق عبد الرحيم محمود ط سنة ١٩٨٢م. دار المعرفة. بيروت - لبنان (بتصرّف) .
(٤) الشثن: الغليظ الكز. (نفسه) . (شثن) . (بتصرّف) .
(٥) انظر شرح المعلقات السبع،، ص٣١-٣٢.
(٦) شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، عباس محمود العقاد، ص١٣٣، ط (٣)،سنة ١٩٦٥م، مكتبة النهضة المصرية.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
وقد ذكر صاحب العمدة من قبل ضرورة معرفة علم مقاصد القول واختيار الأسلوب المناسب للموقف المناسب، وأن يعرف أغراض المخاطب كائنًا من كان حتى يدخل إليه من بابه ويداخله في ثيابه (١)
إلا أنه ينبغي الإشارة هنا إلى ما ذكره صاحب الوساطة بين المتنبي وخصومه من أن بعض الشعر يأتي رقيقًا سهلًا وبعضه يكون عكس ذلك، ويرجع ذلك إلى طبع القائل وما جُبل عليه (٢) فإذا كان ذلك يعود إلى طبع القائل وروحه فكيف به إذا صادف مخاطبًا مخالفًا له في الطبع والجبلة؟!
لا شك أن كلامه سيكون غير واقع من نفس مخاطبه موقعًا حسنًا وبالتالي فلن يُحمد قوله ولن يكون مطابقًا لمقتضى الحال.
_________________
(١) العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق القيرواني، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، ١/١٩٩، ط (٤)،سنة ١٩٧٢م، دار الجيل، سوريا، (بتصرُّف) .
(٢) الوساطة بين المتنبي وخصومه، القاضي الجرجاني، تحقيق أبو الفضل إبراهيم البجاوي، ص١٧، ط سنة ١٩٤٥م (بتصرُّف) .
[ ٢ / ٣٢٦ ]
وتجدر الإشارة هنا إلى مانقله د. علي العمَّاري عن بن خلدون في مقدّمته عند تفسيره لمفهوم مقتضى الحال؛ فقد ذكر أن المطابقة - في نظره - موجودة سواء كان الرفع دالًا على الفاعل، والنصب دالًا على المفعول أو بالعكس. "ويدافع عن أشعار العرب وأهل الأمصار لعصره، مع أن أهل الأمصار نشأت فيهم لغة مخالفة للغة سلفهم من مضر في الإعراب جملة وفي كثير من الموضوعات اللغوية، وبناء الكلمات، ولكن الشعر موجود بالطبع في أهل كل لسان" (١) وللعرب من أهل جيله في أشعارهم بلاغة فائقة وفيهم الفحول والمتأخرون، ومع ذلك فقد رفض بعض علماء عصره هذه الفنون التي اعتمدت على غير الفصحى مثل الزَّجل، وعروض البلد، ثم المزدوج والكازي والملعبة والغزل، والمواليا، وكان كان إلى آخر هذه الفنون التي كان يستعذبها أهلها وعشاقها ويجدون قمَّة البلاغة فيها لا في غيرها لأنَّها جاءت مطابقة للهجاتهم (٢) .
هذا وقد علَّق ابن خلدون على ذلك بقوله:
"واعلم أن الأذواق كلها في معرفة البلاغة إنما تحصل لمن خالط تلك اللغة وكثرة استعماله لها ومخاطبته بين أجيالها، حتى يُحصّل ملكتها كما قلناه في اللغة العربية، فلا يشعر الأندلسي بالبلاغة التي في شعر أهل المغرب ولا المغربي بالبلاغة التي في شعر أهل الأندلس والمشرق، ولا المشرقي بالبلاغة التي في شعر أهل الأندلس والمغرب" (٣) .
ويعقّب على ذلك بتعليل مقنع وافقه فيه بعض علماء اللغة المحدثين، هذا التعليل هو:
_________________
(١) الصراع الأدبي بين القديم والجديد، د. علي العماري، ص١٨٤، ط سنة ١٩٦٥م، دار الكتب الحديثة، القاهرة.
(٢) مقدمة بن خلدون، تحقيق درويش الجويدي، ص٦٠٣-٦٠٤ (بتصرُّف)، المكتبة العصرية، بيروت-لبنان.
(٣) نفسه، نفس الصفحات.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
إن المتذوّق لأي شعر لا يرى البلاغة إلا في شعر لغته لأن ملكته اللغوية تربَّت على تلك اللغة ومحاسنها فليس من الممكن أن يستعذب سواها (١) .
وهذا رأي صحيح بل لا يحتمل النقاش، فإدراك البلاغة في لغة أو لهجة ما لا يكون إلا بعد التمكن من ناصية تلك اللغة وأسرارها.
ولعلَّ النقطة التي تحتاج إلى تعقيب هنا - وقد لا يلتفت إليها بعض الناس - هي ظنهم أن بلاغة القول لا تكمن إلا في فصاحته، ويريدون هنا اللغة العربية الفصحى متناسين أي اعتبار آخر.
لذا ينبغي التأكيد على أن البلاغة هي مازالت عند تعريفها الأصيل والتزامها بهذا التعريف قلبًا وقالبًا، وهي مطابقة الكلام لمقتضى الحال. وقد يكون حال السامع أكثر أهميَّة من حال المتكلم حتى يحكم على القول بالبلاغة أو عدمها. يقول الزَّيات:
" فالبلاغة إذًا توجّه إلى العقل أو إلى القلب إو إليهما معًا لما تقتضيه حالات المخاطبين من مقاومة الجهل والرأي والهوى منفردة أو مجتمعة، فإذا كان غرض البليغ نفي جهالة أو توضيح فكرة أو تقرير رأي أجزأه في وفاء غرضه الصّحة والوضوح والمناسبة، فإذا أراد التعليم أو الإقناع وكان قوام الموضوع طائفة من الفكر والأدلة وجب عليه أن ينسقها ويسلسلها على مقتضى الأصول المقرَّرة في المنهج العلمي الحديث" (٢)
والقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي اهتم بخطاب العقل والقلب معًا، ولا يخفى على علماء العربية وجهابذة اللغة مدى بلاغته ومراعاته لمقتضى الأحوال، وكيف يخفى عليهم ذلك وهو معينهم الأول ورافدهم الأصيل؟!
_________________
(١) نفسه، ص٦١٤ (بتصرُّف)، وافق بن خلدون في نفس الرأي د. إبراهيم أنيس، في نصه المذكور من قبل، فضلًا انظر ص٧ من هذا البحث.
(٢) دفاع عن البلاغة، أحمد حسن الزيات، ص ٢٣، مطبعة النهضة، سنة ١٩٦٧م، مطبعة الرسالة، سنة ١٩٤٥م.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
نعم قد أعجز القرآن الكريم بقوة بيانه فصحاء قريش وكل من اشتهروا بالبلاغة فيهم. وما زال كذلك وسيظلُّ رغم اختلاف الثقافات وزيادة القدرات اللغوية وتباين اللهجات، لذا سيكون القرآن نفسه هو رافدنا في هذا البحث ومعيننا الذي لا ينضب في إضاءة الزوايا الخاصة بمفهوم مقتضى الحال، والتي بفضل من الله وتوفيق تمكن هذا العمل من الوصول إلى توضيحها من خلال الاستشهاد بأسلوب القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
بيان زوايا المفهوم وإضاءتها في ضوء أسلوب القرآن الكريم تحديد زوايا مفهوم مقتضى الحال
أ-حال السياق:
لعل مما جاء به القرآن الكريم مراعيًا حال السياق ومفهومه مثل قوله تعالى (١):
﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام﴾
فالضمير في قوله "عليها" ليس له عائد سابق يوضحه ولكنه يُفهم من سياق الآيات قبله (٢)؛ فالسورة الكريمة من بدايتها تحدَّثت عن خلق الإنسان والسماوات والأرض وما بينهما وما تحتويانه من نعم كثيرة (٣)، فالمناسب أن يذكر السياق الكريم أن كل من عليها فان وأن البقاء لله - ﷿ - فلا يجد السامع في تحديد المقصود من هذا الضمير صعوبة لفهمه من سياق الآيات الكريمات.
وقد يكون حال السياق ومفهومه سببًا في تنكير بعض الألفاظ التي تدل في مكانها على معان خاصَّة لا يتوصّل إليها إلا ضمن ذلك السياق كما جاء في شأن الكفَّار في قوله تعالى (٤):
﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم﴾
_________________
(١) سورة الرحمن: ٢٦
(٢) البلاغة فنونها وأفنانها، د. فضل عباس (علم المعاني)، ص١٣٠ (بتصرُّف) .
(٣) سورة الرحمن: ١-٢٦
(٤) سورة البقرة: ٧
[ ٢ / ٣٢٩ ]
فالذي يستنبط - من خلال دراسة السياق - في تنكير لفظ (غشاوة) دلالة على النوعية - كما ذهب الزمخشري - (١) أي نوع خاص من الغشاوة المناسبة لكفرهم، وذهب آخرون إلى أنَّها غشاوة عظيمة، وما في هذا الرأي بُعد عن قول الزمخشري؛ فالنوعية لفظ عام يحتمل الغشاوة العظيمة أو غيرها.
وقد لا يكون التنكير دالًاّ على النوعية فقط في سياق القرآن فقد يقتضي الحال أن يكون التنكير موحيًا بغير ذلك، فاستمع إلى قوله تعالى (٢):
﴿وعَدَ اللهُ المؤمنينَ والمؤمناتِ جنَّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكنَ طيبة في جنَّات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم﴾
فالحال في الآية الكريمة يوحي أن المراد من التنكير هنا هو التقليل بمعنى أن أي "رضوان" من المولى - ﷿ - مهما قلَّ هو أعزُّ على العبد المؤمن من كل ما ذُكر في الآية الكريمة قبله؛ لأنه سبب في دخول الجنة وأي سبب؟! ولا أدل على ذلك من ما جاء بعدها وهو قوله تعالى:
﴿ذلك هو الفوز العظيم﴾
كما يمكن أن يقصد من التنكير رضوان الله - ﷿- وتقديسه (٣)، وقد يؤدي حال السّياق إلى أن تقتضي الجملة الأولى سؤالًا يفهم بمعونة القرائن وسياق الأحوال، يُقدّر هذا السؤال السامع، فتأتي الجملة الثانية أو الآية الثانية إجابة عن هذا السؤال المُقدَّر (٤) كما جاء في قوله تعالى (٥):
﴿قال يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾
_________________
(١) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل (أبو القاسم الزمخشري الخوارزمي)، ص ١٦٥ ط سنة ١٩٢٧م، مطبعة مصطفى الحلبي وشركاه.
(٢) سورة التوبة: ٧٢
(٣) البلاغة فنونها وأفنانها (علم المعاني)، ص٢٥٥.
(٤) الاستئناف البياني (دلالته وفنيته)، د. سعاد محمود نحلة، مجلة الزهراء، ص٤٩٦، كلية الدراسات الإسلامية والعربية (بنات)، جامعة الأزهر، العدد الثالث عشر، سنة١٤١٥هـ (بتصرُّف) .
(٥) سورة هود: ٤٦
[ ٢ / ٣٣٠ ]
فلأن السياق في الآية الأولى تضمَّن حُكمًا غريبًا، إذ المخاطب هو نوح ﵇ والحديث عن ابنه، ومع ذلك قيل له ليس من أهلك؟ فكيف يكون ذلك؟!
هذا هو السؤال المقدَّر والذي يتبادر إلى ذهن السامع مباشرة، فما كان من السياق الكريم إلا أن راعى هذا الاعتبار وذلك الإنكار - المقدَّر - فجاءت الإجابة بأسلوب توكيدي ﴿إنه عمل غير صالح﴾
كما قد يقتضي حال السياق أيضًا أن تشتمل الجملة الأولى على استفهام تقريري يثير التعجب مثل قوله تعالى (١):
﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل﴾
وقوله عز من قائل (٢):
﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾
فالإجابة في الجملة الثانية من كل آية من الآيتين السابقتين هو مقتضى حال السياق وضرورة مطلوبة ليتم الكلام ويأتي على أبلغ وجه وأكمله؛ فتقدير السؤال المحذوف هو: (ماشأنهم؟) .
ب-حال المتكلم:
أما الزاوية الثانية من مراعاة مقتضى الحال؛ فهي مراعاة حال المتكلم وبيان ماتنطوي عليه سريرته فانظر - مثلًا - إلى قوله تعالى (٣):
﴿هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مُزّقتم كل ممزَّق إنكم لفي خلق جديد﴾
فجاءت لفظة (رجل) نكرة رغم معرفة المشركين لرسول الله (والتنكير لم يقصد به القرآن الكريم قطعًا الحط من قدره (وإنما نقل - بهذه الطريقة - مشاعرهم الحاقدة تجاه خير الأنام ﵊.
ويراعي القرآن الكريم أيضًا حال المتكلم عندما قال ﷿ (٤):
﴿ربي إني وضعتها أنثى﴾
فالآية تنقل لنا إحساسها بالحزن والحسرة، بدليل ماجاء بعدها مباشرة وهو قوله تعالى (٥):
﴿والله أعلم بما وضعت﴾
كذا في قوله تعالى (٦):
_________________
(١) سورة النساء: ٤٤
(٢) نفس السورة: ٥١
(٣) سورة سبأ: ٧
(٤) سورة الأعراف: ٣٦
(٥) نفس الآية السايقة.
(٦) سورة الأنبياء: ٨٧
[ ٢ / ٣٣١ ]
﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبًا فظنَّ أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾
فليس المقصود من التأكيد هنا إلا حال المتكلم وحسه بالمعنى وأنه متقرّر في نفسه مؤكَّد في ضميره، وتجد هذا في توكيد الخبر ب (إنَّ) (١) في قوله:
﴿إني كنت من الظالمين﴾
كذلك في قوله تعالى (٢):
﴿ربي إني أسكنت من ذُريَّتي بوادٍ غير ذي زرع﴾
وفي قوله (٣):
﴿ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان﴾
وشبه ذلك كثير، وكله يحمل على اعتبار حال المتكلم وقوة إحساسه بالمعنى (٤) .
ج- حال المخاطب:
والمقصود هنا مراعاة حال المخاطب في أي زمان ومكان من حيث عدم علمه بالخبر وخلو ذهنه منه، أو إعلامه أن المتكلّم لديه علم بما يخفيه عنه ذلك المخاطب أو مخاطبته بالطريقة التي تليق به إن كان مُنكرًا للخبر أو مُتردّدًا في صدقه.
فإذا كان المخاطب لا يعلم عن الأمر المُلقى إليه شيئًا أُلقي إليه الكلام مجرّدًا من أي مؤكّد لفظي؛ لأن حال جهله بالخبر تقتضي ذلك (٥)، مثال قوله تعالى (٦):
﴿والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم﴾
فهذه الدعوة الحميمة من المولى ﷿ لم تكن في خُلد السامعين وليس لديهم علم بها، لذا جاء الخطاب في أبسط تركيب وأسهله وهو ما يسمى ب"فائدة الخبر"، وكل ماجاء كذلك؛ فهو من هذا الباب مادام المخاطب ليس لديه علم مسبق عن هذا الخبر.
_________________
(١) دلالات التراكيب، دراسة بلاغية، د. محمد أبو موسى، ص١٠٣، ط (١)،سنة ١٩٧٩م، مكتبة وهبة القاهرة.
(٢) سورة إبراهيم: ٣٧
(٣) سورة آل عمران: ١٣٩
(٤) دلالات التراكيب، ص١٠٤ (بتصرُّف) .
(٥) البلاغة في ثوبها الجديد (علم المعاني)، د. بكري شيخ أمين، ١/٥٦ (بتصرف)، ط (٣)، سنة ١٩٩٠م، دار العلم للملايين.
(٦) سورة يونس: ٢٥
[ ٢ / ٣٣٢ ]
والحالة الثانية التي يمكن أن يكون عليها المخاطب وينبغي أن يكون الكلام مطابقًا لها؛ هي علمه بذلك الأمر ورغبة المتكلم في إخباره أنه يعلم بالموضوع كأن يقول شخص لآخر:
رأيتك تُنصت إلى قراءة القرآن، أو: علمت بسفرك أمس.
ومنها قوله تعالى (١):
﴿ ماكان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمك بغيًا﴾
فالمخاطبة أكثر الناس علمًا بأبيها وأمها، فقد كانا من بيت يُعلم شرفه ومكانته في القوم (٢) وهذا ما يسمى بلازم الفائدة لذا جاء خاليًا من أدوات التوكيد (٣) .
ومنه قوله تعالى عن المنافقين (٤):
﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون﴾
فالمخاطب بالقرآن والمنزل عليه الوحي هو رسول الله (كما هو معلوم - والمستمعون بعد لهذه الآيات فهم المؤمنون ومنهم المنافقون (٥)، فيعرّفهم السياق الكريم بهذه الأمور التي قد يظنون خفاءها عن غيرهم، ولأن الأمر معلوم ومسلَّم به لديهم ولدى الرسول الكريم (فقد اقتضت الحال أن يأتي الكلام خاليًا من أي مؤكّد من المؤكّدات.
أما عند الإخبار عن فسقهم فيؤكد الخبر بأكثر من مؤكّد (٦)، وذلك لإنكار المنافقين وعدم اعترافهم بفسقهم.
أما قوله تعالى (٧):
﴿وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير﴾
_________________
(١) سورة مريم: ٢٨
(٢) تفسير ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن كثير، ٣/١٠٨، ط سنة١٩٨١م، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت.
(٣) من المؤكدات: إنَّ، أنَّ، ألا الاستفتاحية، ضمير الفصل، فضلًا انظر ذلك في البلاغة في ثوبها الجديد ص٦١.
(٤) سورة التوبة: ٦٧
(٥) تفسير ابن كثير ٢/٢٦٨، ط سنة ١٩٨١م، (بتصرف) .
(٦) المؤكدات هنا (إنَّ، ضمير الفصل، أل التعريف) .
(٧) سورة فاطر: ٢٢
[ ٢ / ٣٣٣ ]
فالمخاطب هنا يعلم بهذه الحقيقة ولكنه يحتاج إلى شدة التنبيه والتأكيد على ضرورة عدم الحزن من القوم وحالة إعراضهم عنه وكأن حاله ﵊ قد وصلت إلى حد من يعتقد أنه يملك مع الإنذار القدرة على هدايتهم وهيهات أن يكون له ذلك (١) .
وقد تقتضي حال المخاطب أن يؤكَّد له الكلام بأحد المؤكّدات، كأن يكون ظانًا في الأمر أو شاكًا أو متردّدًا أو منكرًا تمامًا لذلك الخبر (٢) .
وهنا لا بد من قرينة حاليَّة أو مقاليَّة يلاحظها المتكلم أو يقرؤها حتى يعلم إلى أي من هؤلاء ينتمي مخاطبه؛ ليلقي إليه كلامه موافقًا ومطابقًا لتلك الحال، وهذا ما يُعرف بخروج الكلام على مقتضى الظاهر (٣)؛ فإذا كان المخاطب متردّدًا أو شاكًا في ثبوت ما يقال له؛ فمقتضى هذه الحال أن يُلقى إليه الكلام مؤكَّدًا بإحدى المؤكّدات كما جاء في قوله تعالى (٤):
﴿ سيجعل الله بعد عسر يسرًا﴾
فالآية موجهة إلى الرجل المطلّق الذي ليس لديه سعة من المال والذي تطالبه الشريعة - رغم ذلك - بالإنفاق قدر استطاعته على زوجه الحاضنة لابنه، فالمخاطب هنا قد يكون لديه شك أو تردُّد في أن تعوَّض له هذه النفقة من الله ﷿ (٥) فكان من مقتضى الحال أن يثبت له القرآن الكريم ذلك ويؤكّده بأحد المؤكّدات - وهي السين - حتى يزيل عنه ذلك الشك أو التَّردّد.
كذلك في قوله تعالى (٦):
﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا إلا ماشاء الله﴾ الآية
_________________
(١) دلالات التراكيب، ص١٠٩ (بتصرف) .
(٢) الإيضاح في علوم البلاغة (الخطيب القزويني)، شرح وتعليق محمد عبد المنعم خفاجي،١/٩٢-٩٣، ط (٥)، سنة١٩٨٠م، (بتصرُّف) .
(٣) المرجع السابق/ ص٩٣ (بتصرُّف) .
(٤) سورة الطلاق: ٧
(٥) تفسير أبي السعود (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم)، محمد بن محمد العمادي، ٨/٢٦٣، ط (بدون)، دار إحياء التراث (بتصرُّف) .
(٦) سورة الأعراف: ١٨٨
[ ٢ / ٣٣٤ ]
فالآية تخاطب قومًا يرون في الرسول الكريم (القدرة على أن يملك لنفسه الضر والنفع ويعلم الغيب (١)؛ فناسب حالة الشك هذه أن يقترن الأسلوب بالنفي والاستثناء - وهي طريقة من طرق التأكيد - وما ذاك إلا لإزالة الشك من نفوس المخاطبين (٢) .
أما عند مخاطبة المنكر للأمر؛ فلا بدَّ من سبر أغوار نفسه ومعرفة مدى قوة ذلك الإنكار حتى يأتي الخطاب مقرونًا بمؤكدات كافية تناسب ذلك وحتى يكون الكلام مطابقًا للحال. وأمثلة ذلك كثيرة في القرآن الكريم؛ فاستمع - مثلًا - إلى قوله تعالى (٣):
﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾
فالآية الكريمة ينقل لنا حالتهم وعلمهم بعدم تصديق السامع لهم؛ فدعاهم ذلك إلى تأكيد حديثهم ب (إنَّما) ويأتي الرَّدُ مناسبًا لإنكارهم تلك الحقيقة والمداراة منهم. لذا جاء الكلام مؤكّدًا بأكثر من مؤكّد وذلك حسب قوَّة إنكارهم (٤) .
ومثله ماجاء في قوله تعالى (٥):
﴿واضرب لهم مثلًا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززننا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون﴾
ثم قالوا في المرة الثانية (٦):
﴿ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون﴾
فمقتضى ماهم عليه من حال الإنكار في المرة الأولى أن يأتي كلام المرسلين مؤكَّدًا بأحد المؤكدات وهي (إنَّ) - فقط - في قوله (٧):
﴿إنا إليكم مرسلون﴾
_________________
(١) تفسير البحر المحيط (أبو حيان الأندلسي)، ٤/٤٣٦، ط (٢)، دار الفكر.
(٢) من بلاغة القرآن، د. أحمد أحمد بدوي، ص١٥٨، ط (بدون)، دار نهضة مصر للطباعة والنشر (بتصرُّف) .
(٣) سورة البقرة: ١١-١٢
(٤) المؤكدات هنا هي: ألا الاستفتاحية، إنَّ، ضمير الفصل.
(٥) سورة يس: ١٣-١٤
(٦) سورة يس: ١٥
(٧) سورة يس: ١٦
[ ٢ / ٣٣٥ ]
واقتضت حال الإنكار الثانية وهي أشدُّ من الأولى أن يأتي السياق الكريم بأكثر من مؤكّد (١)؛ لإثبات ماجاءوا به ولإزالة تكذيب المخاطبين وإنكارهم للدعوة الراشدة، فجاء في سياق الآية الكريمة (إنَّ، ولام الابتداء) التي اقترن بها الخبر، مع ما يشعر بالقسم في قوله ﴿ربُّنا يعلم﴾ .
ومن مقتضى الحال أيضًا أن يؤكّد القرآن الكريم أمرًا حقيقيًّا لا جدال في وقوعه، وذلك لأن المخاطب أصابته الغفلة عن إدراك تلك الحقيقة أو مجرَّد التفكير في المصير.
فقال تعالى (٢):
﴿ثُمَّ إنكم بعد ذلك لميتون ثُمَّ إنَّكم يوم القيامة تبعثون﴾
فالموت والبعث - لدى المؤمن - أمران لايحتاجان إلى تأكيد، أما الكافر فقد اقتضت حاله أن يؤكَّد له ذلك بأكثر من مؤكّد
تلك هي الأحوال التي يراعي فيها المتكلّم حال المخاطب الظاهرة (٣)
مطابقة الحال مع مخالفة الظاهر
وهنا قد تتطلَّب الظروف أن يتغاضى البليغ عن حال ظاهرة؛ فيخالف القواعد المذكورة ويأتي حديثه - رغم ذلك - بليغًا لأنه طابق فيه الحال. فلو طُلب - مثلًا - من مسلمٍ عدم الإهمال في صلاته رغم علمه بوجوب ذلك فيقال له:
صلواتك الخمس حافظ عليها ولا تترك واحدة منها.
فلا بُدَّ أن حالة إهماله في صلاته كلها أو في بعضها اقتضت أن يُحدَّث بالطريقة التي يحدَّث بها الجاهل بالخبر وذلك لعدم عمله بموجب ذلك العلم (٤) .
كذا إذا خوطب غير المُنكر للخبر أو للحُكْم مخاطبة المُنكر كما جاء في قوله تعالى (٥):
﴿إنك لا تهدي من أحببت ﴾ الآية
فالمخاطب هو رسول الله (وهو غير
_________________
(١) من بلاغة القرآن، ص١٤٥ (بتصرُّف) .
(٢) سورة المؤمنون: ١٥-١٦
(٣) من بلاغة القرآن، ص١٤٧ (بتصرف) .
(٤) البلاغة في ثوبها الجديد (علم المعاني)، ص٧٣ (بتصرُّف) .
(٥) سورة القصص: ٥٦
[ ٢ / ٣٣٦ ]
مُنكر لذلك، ويعلم تمامًا أن الهداية من الله وحده ﷿ وبإرادته ﷾ ولكن لفرط حرصه ﵊ ولاهتمامه بتبليغ الدعوة كان مشقًّا على نفسه في محاولة هداية من أحبَّ من قومه وكل من حوله من أهله، فكان من مقتضى هذه الحال أن يخاطب مخاطبة المنكر للخبر لأن تصرفه ﵊ وحرصه الشديد اقتضيا ذلك الأسلوب في الخطاب (١) وهو التأكيد ب (إنَّ) في قوله:
﴿إنك لاتهدي من أحببت﴾ الآية.
كذا قد يخاطب المُنكِر مخاطبة غير المُنكِر؛ فلا يؤكد له الكلام بأي مؤكد لوجود الأدلة الواضحة على صدق ما يقال له كما جاء في قوله تعالى (٢):
﴿ألم ذلك الكتابُ لاريبَ فيه هُدى للمتقين﴾
فرغم أن القران الكريم نزل على محمد (وخاطب به المشركين المنكرين له، إلاَّ أن الآية - وأمثالها كثير (٣) - خلت من أدوات التوكيد، لأن السامعين يشهدون شهادة لايدانيها شك في فصاحته وبلاغته التي أعجزتهم (٤) .
وقد يخاطب غير السائل مخاطبة السائل المستشرف للحقيقة، كما يقال لشخص - مثلًا -:
لاتجادل في الحق، فالحق أحق أن يُتَّبع فحال السامع هنا اقتضت هذا الخطاب الذي قُدّر قبله سؤال محذوف بعد نهاية الجملة الأولى مباشرة، وهو (لِمَ لا أجادل في الحق؟) (٥) .
ومن هذا الباب قوله تعالى (٦):
﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾
_________________
(١) تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن، عبد الله بن محمد الأنصاري القرطبي، ٦/٥٠١٥، كتاب الشعب (بتصرُّف) .
(٢) سورة البقرة: ١
(٣) انظر مثلًا الآيات (سورة إبراهيم: ٣٢-٣٣)، (الكهف: ١)، (النور: ١) .
(٤) انظر قول الوليد بن المغيرة عن القرآن في القرآن المعجزة الكبرى، د. محمد أبو زهرة، ص٥٦، دار الفكر العربي.
(٥) كتاب الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، ٢/٩٣ (بتصرُّف) .
(٦) سورة الحج: ١
[ ٢ / ٣٣٧ ]
فلمَّا أمر السّياق الكريم بتقوى الله وحذر من عقابه تطلَّعت نفس السامع إلى معرفة السبب مع الشك في العقاب، فجاءت الإجابة مطابقة للحال أو مقتضية لذلك الشك إذ اقترن الأسلوب ب (إنَّ) المؤكدة للخبر المذكور في الآية الكريمة.
كما قد تقتضي حال المخاطب - الذي يعتقد بشيء مخالف للواقع - أن تقلب عليه ذلك الاعتقاد كقولك - مثلا -: ما فاز إلا محمد (لمن ظنَّ أن غيره هو الفائز) . ومثلها من القرآن قوله تعالى (١):
﴿واتبعوا ماتتلو الشياطين على مُلك سليمان وما كفر سليمان ولكنَّ الشياطين كفروا﴾ الآية.
كذا في حال ظن السامع اشتراك شخصين أو شيئين في حكم واحد فالحال تقتضي أن تأتي بخصائص أسلوبية تُفرد له شيئًا أو شخصًا واحدًا في ذلك الحكم، فنقول لمن ظنَّ أن زيدًا ومحمدًا قادمان: إنَّما القادم زيدٌ.
ومنها قوله تعالى (٢):
﴿قل هو الله أحد الله الصمد﴾ الآيات
يخاطب بها من ظن أن الله ﷾ يشترك مع غيره في هذه الصفات، فكل آية من السورة تفرد له صفة لا يمكن أن يشاركه فيها غيره (٣) سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا.
ومنها قوله تعالى (٤):
﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾
يخاطب بها كل من ظن أو أشرك مع الله ﷾ أحدًا في معرفة الغيب (٥) .
وساعد على ذلك أسلوب القصر في قوله:
﴿لا يعلمها إلا هو﴾
تعقيب
ماقيل في مراعاة مقتضى الحال في المجالات السابقة يمكن أن يقاس عليه كل ما لم يُذكر هنا.
_________________
(١) سورة البقرة: ١٠٢
(٢) سورة الإخلاص: ١-٢
(٣) تفسير أبي السعود، ٩/٢١٢ (بتصرُّف) .
(٤) سورة الأنعام: ٥٩
(٥) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين الشنقيطي، ٢/١٩٥ (بتصرُّف)، ط (بدون)، عالم الكتب، بيروت.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
وما الاكتفاء بذكر بعض من كل في الأمثلة إلا لأن الأحوال كثيرة، ومقتضياتها مثلها، سواء كان ذلك في مجال مراعاة الظاهر أو مخالفته لضرورة بلاغية - كما أشرنا -، وسواء كان ذلك في الحذف أو الذكر أو التقديم أو التأخير أو الفصل أو الوصل أو الإيجاز - حينًا - أو الإطناب آخر أو عند الحاجة إلى التمثيل أو التصوير أو استعمال الكناية أو التعريض في بعض المواقف وما إلى ذلك من أساليب يرى البليغ ضرورة استخدامها لمراعاة حال السياق، أو المتكلم نفسه أو المخاطب وما يحيط بذلك المخاطب من ظروف بيئية وثقافية واجتماعية يصعب حصرها هنا، الأمر الذي يتطلب حذق المتكلم ومهارته مع استعداده الفطري واللغوي فضلًا عن ثقافته البلاغية ولباقته المطلوبة لبلورة حديثه وتشكيله وصياغته وفق الغرض الذي يريد، والمقام الذي يلقي فيه حديثه، ليأتي ذلك الحديث مطابقًا للحال مناسبًا للمقام مصيبًا للهدف واقعًا من نفس السامع أحسن موقع.
يقول الجاحظ ﵀:
(ومدار الأمر على إفهام كل قوم بمقدار طاقتهم، والحمل عليهم على أقدار منازلهم) (١) .
لذا كان القرآن الكريم خير حديث وأوقع كلام في نفوس سامعيه، فيه لذات العقول والأرواح ومعه تكون الطمأنينة وراحة الوجدان (٢)، لا يصل إلى مرتبته البيانية بشر من الفصحاء ولا أديب من الأدباء - وإن عاون بعضهم بعضًا -.
قال تعالى (٣)
_________________
(١) البيان والتبيين (الجاحظ)، تحقيق عبد السلام هارون، ١/٩٣، ط سنة ١٩٧٥م، دار المعارف، مصر.
(٢) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، مصطفى صادق الرافعي، ص١٩ (بتصرُّف)، ط (٩)، سنة ١٩٧٣م، دار الكتاب العربي، بيروت-لبنان.
(٣) سورة الإسراء: ٨٨ المصادر والمراجع القرآن الكريم. الاستئناف البياني (دلالته وفنيته)، د. سعاد محمود نحلة، مجلة الزهراء، جامعة الأزهر، العدد (٣)، سنة ١٤١٥هـ. أساس البلاغة. جار الله ابي القاسم الزمخشري. تحقيق عبد الرحيم محمود. ط سنة ١٩٨٢ م. دار المعرفة بيروت لبنان أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، شرح وتعليق د. محمد عبد المنعم خفاجي ود. عبد العزيز شرف، ط (١) سنة ١٩٩١م، دار الجبل - بيروت. إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، مصطفى الرافعي، ط (٩)، سنة ١٩٧٣م. الإيضاح في علوم البلاغة، الخطيب القزويني، شرح وتعليق وتحقيق د. محمد عبد المنعم خفاجي، ط (٥)، سنة ١٩٨٠م. البلاغة فنونها وأفنانها، د. فضل عباس (علم البيان والبديع) . البلاغة فنونها وأفنانها، د. فضل عباس (علم المعاني)، ط (١)، سنة ١٩٨٥م، دار الفرقان للنشر والتوزيع. البلاغة في ثوبها الجديد، د. بكري شيخ أمين (علم المعاني)، ط (٣)، سنة ١٩٩٥م، دار العلم للملايين، بيروت - لبنان. البيان والتبيين أبوعثمان عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق د. عبد السلام هارون، ط سنة١٩٧٥م، دار المعارف - مصر. التطور اللغوي والتاريخي، د. إبراهيم السَّمرائي، ط (٣)، سنة ١٩٨٣م، دار الأندلس، بيروت - لبنان. تفسير البحرالمحيط، أبو حيان الأندلسي، ط (٢) دار الفكر للطباعة والنشر. تفسير ابن كثير (أبو الفداء إسماعيل بن كثير)، ط سنة ١٩٨١م، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت - لبنان. تفسير أبي السعود (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم)، محمد بن محمد العمادي، ط (بدون)، دار إحياء التراث، بيروت. تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن)، أبو عبد الله محمد ابن أحمد الأنصاري القرطبي، كتاب الشعب. التلخيص في علوم البلاغة، جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني الخطيب، ضبط وشرح عبد الرحمن البرقوقي ط (١)، سنة ١٩٠٤م، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان. خصائص التراكيب، دراسة تحليلية لمسائل علم المعاني، د. محمد أبو موسى، ط (٢)، سنة ١٩٨٠م، مكتبة وهبة القاهرة. دفاع عن البلاغة، أحمد حسن الزيات، مطبعة النهضة سنة ١٩٦٧م، مطبعة الرسالة سنة ١٩٤٥م. دلالة الألفاظ، د. إبراهيم أنيس، ط (٥)، سنة ١٩٨٤م، مكتبة الأنجلو، القاهرة. دلالات التراكيب (دراسة بلاغية)، د. محمد أبو موسى، ط (١)، سنة ١٩٧٩م، مكتبة وهبة، القاهرة. شرح المعلقات السبع، أبو عبد الله الحسين بن أحمد الزوزني، ط (٣)، سنة ١٩٧٩م، دار الجيل، بيروت - لبنان. شروح التلخيص، ط (بدون)، دار السرور، بيروت - لبنان. شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، عباس العقاد، ط (٣)، سنة ١٩٦٥م، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة. الصراع الأدبي بين القديم والجديد، د. علي العماري، ط سنة ١٩٦٥م، دار الكتب الحديثة، القاهرة. العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، ط (٤)، سنة ١٩٧٢م، دار الجبل، بيروت. فقه اللغة، د. علي عبد الواحد وافي، ط (٧)، دار نهضة مصر للطبع والنشر، الفجالة - القاهرة. القرآن المعجزة الكبرى، محمد أبو زهرة، ط سنة١٩٧٠م، دار الفكر العربي. كتاب الطراز المتضمّن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، يحيى بن حمزة العلوي اليمني، ط سنة ١٩٨٢م بإشراف جماعة من العلماء، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان. الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، أبو القاسم جار الله محمد بن عمر الزمخشري الخوارزمي حقق الرواية محمد الصادق قمحاوي، ط (الأخيرة)، سنة ١٩٢٧م. معجم البلاغة العربية، د. بدوي طبانة، ط (٣)، سنة ١٩٨٨م (مزيدة ومنقحة)، دار المنارة للنشر (جدة)، دار الرفاعي (الرياض) . المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ط (بدون)، كتاب الشعب. معجم مقاييس اللغة. أبو الحسن أحمد بن فارس. تحقيق عبد السلام هارون. ط١ سنة ١٣٦٨هـ. القاهرة. دار إحياء الكتب العربية. عيسى الحلبي وشركاه. مقدمة بن خلدون (عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون)، تحقيق درويش الجويدي، ط (١)، سنة ١٩٩٥م، المكتبة العصرية، بيروت - لبنان. من أسرار اللغة، د. إبراهيم أنيس، ط (بدون)، سنة ١٩٩٤م، مكتبة الآنجلو المصرية. من بلاغة القرآن، أحمد أحمد بدوي، ط سنة١٩٥٠م، دار نهضة مصر للطبع والنشر، مصر. الوساطة بين المتنبي وخصومه، علي بن عبد العزيز الجرجاني (القاضي الجرجاني)، تحقيق أبو الفضل إبراهيم البجاوي ط سنة ١٩٤٥م.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
:
﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾
• • •
الهوامش والتعليقات
[ ٢ / ٣٤٠ ]