حسان بن ثابت ﵁
د. محمود عبد الله أبو الخير
أستاذ الأدب والنقد المشارك بقسم اللغة العربية وآدابها
كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية والإدارية - جامعة الملك خالد
ملخص البحث
يدرس هذا البحث مقدمة القصيدة الجاهلية عند حسان بن ثابت؛ فيحاول تفسير تخلي حسان عن المقدمة التقليدية في بعض قصائده، ثم يلقي الضوء على صور المقدمات في قصائده الجاهلية.
ويتناول مظاهر التطور في تلك المقدمات؛ فيحدد العناصر والمقومات التي تخلى عنها، والتي أبقى عليها، والتي ظهرت في بعض المقدمات، واختفت في بعضها. ثم يكشف عن العناصر الجديدة في مقدماته الجاهلية، متمثلة في ميله إلى التركيز والتكثيف، وفي الاقتصاد في التعبير بالصورة الشعرية؛ وعن العناصر التي انحرف بها عن منهج السابقين، متمثلة في تضمين مقدماته ذكر أماكن تقع خارج جزيرة العرب، واشتمالها على التعبير عن إعجابه بأمجاد الغساسنة، وبكائه على تلك الأمجاد، وذكر كرائم إبلهم وخيلهم، واستعادة ذكرياته في ديارهم؛ وفي عدم تهافته على المرأة، أو مخاطرته في سبيل الوصول إليها، ووصف جواري الغساسنة وتعبيره عن انبهاره بالمرأة الحضرية وزينتها، وعطرها، وتفضيلها على البدوية، ومزج موصوفاته ببعض مظاهر الطبيعة، واستغلال بعض العناصر الأسطورية في الحياة الجاهلية.
ويناقش البحث خلال ذلك كثيرًا من الآراء في مقدمة القصيدة الجاهلية، وبعض الآراء في الشعر الجاهلي محاولًا تصحيحها.
• • •
أثارت مقدمة القصيدة العربية اهتمام النقاد والدارسين، قدماء ومعاصرين، من عرب ومستشرقين؛ فأقبلوا عليها، معللين، ومحللين، ودارسين؛ وكتبت فيها البحوث، وألفت فيها الكتب.
[ ٧ / ٢٧٨ ]
.. وعلى الرغم من ذلك فهي لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات والبحوث لتجلية بعض الجوانب، وتغطية بعض المساحات التي لا تزال بكرًا لم ترُدْها الأقدام، ولم تطأها المناسم.
ومن تلك المساحات مقدمة القصيدة عند حسان بن ثابت، ﵁. فعلى الرغم من كثرة ما كتب حول حسان، فإن حظ الدراسة الفنية منه قليل، وأقل هذا القليل ما كتب حول مقدمة القصيدة عنده.
ولا شك أن مقدمة القصيدة عند حسان تشكل علامة بارزة في مسيرة مقدمة القصيدة العربية، ولذلك كانت دراستها أمرًا ضروريًا للمهتمين بتتبع مسيرة المقدمة التقليدية للقصيدة العربية وتطورها. ومع ذلك لم يلتفت الدارسون إليها، بل رأيتهم يتنكبون جادتها، ويزورّون عنها.
وقدخصصت هذا البحث لدراسة مقدمة القصيدة الجاهلية عند حسان، على أمل أن أفرد مقدمة القصيدة الإسلامية عنده ببحث آخر، ليقيني أن مقدمات قصائده الإسلامية، يجب أن تدرس مستقلة عن مقدمات قصائده الجاهلية؛ نظرًا للاختلاف بين هذه وتلك في الغاية، والتصور؛ والمنطلق؛ ولأنها تشكل خطوة متقدمة على طريق تطوّر مقدمة القصيدة العربية.
واعتمدت في بحثي هذا على طبعتين من طبعات ديوان حسان: الطبعة التي حققها الدكتور سيد حنفي حسنين، وصدرت عن دار المعارف بمصر سنة ١٩٧٤م، والطبعة التي حققها الدكتور وليد عرفات وصدرت عن دار صادر ببيروت سنة ١٩٧٤م أيضًا؛ لأنهما أتم الطبعات، وأحسنها ضبطًا، ولأن كلًا منهما تتمم الأخرى.
واستبعد البحث مقدمة قصيدته الهمزية، لأنها وإن نص القدماء على أنها جاهلية، إلا أن منهم من شكك في بعض أبياتها (١):
ويدور البحث حول ثلاثة محاور:
الأول: قصائد حسان التي خلت من المقدمات.
والثاني: صور مقدمات قصائده الجاهلية.
والثالث: مظاهر التطوّر في مقدماته الجاهلية.
المحور الأول: قصائد حسان الجاهلية التي خلت من المقدمات
[ ٧ / ٢٧٩ ]
.. يضم ديوان حسان مائة وخمسًا وعشرين قصيدة، إذا أخذنا بالرأي القائل إن القصيدة تتألف من سبعة أبيات على الأقل (٢) . ومن هذه القصائد خمس وثلاثون شكك فيها الباحثون، وتسعون صححوا نسبتها إليه. والقصائد صحيحة النسبة إليه منها خمس وسبعون إسلامية، وخمس عشرة جاهلية. ومن قصائده الجاهلية إحدى عشرة قصيدة ذات مقدمة، وأربع هجم فيها على موضوعه مباشرة، ولم يمهد لها بأية مقدمة. وتشكل قصائده الخالية من المقدمات ٢٦.٦٦% من قصائده الجاهلية.
وقد عرف الشعر العربي القديم ظاهرةالشروع في القصيدة دون تمهيد، إلى درجة جذبت انتباه ابن رشيق (ت ٤٥٦هـ)، فسجلها قائلًا: «ومن الشعراء من لا يجعل لكلامه بسطًا من النسيب، بل يهجم على ما يريده مكافحة، ويتناوله مصافحة» (٣)
والمتأمل في تلك القصائد يجد أن حسانًا قالها في مواقف تعرض فيها لاستثارات شعورية، وجد نفسه فيها مضطرًا للرّد الفوري لينفس عن مشاعره المتوترة، أو عن انفعالات نفسه الثائرة، التي لم تتح له فرصة التمهيد لتجربته بمقدمة طللية، أو غزلية، أو سوى ذلك؛ فأقبل على قصيدته دون مقدمة، وباشر موضوعه دون تمهيد.
فاثنتان من قصائده التي خلت من المقدمات جاءتا ردًا على استثارتين مبيّتتين، فوجئ بهما حسان: أما الأولى فكانت ردًّا على تعيير زوجه (عمرة) (٤) له بأخواله، والفخر عليه بالأوس. وكان حسان يحب أخواله، ويغضب لهم، فطلقها، وقال القصيدة يفتخر، ومطلعها (٥):
أَجْمَعَتْ عَمْرَةُ صَرْمًا فَابْتَكِرْ
إِنما يُدْهِنُ لِلْقَلْبِ الحَصِرْ
لاَ يَكُنْ حُبُّكِ هَذا ظَاهِرًا
ليسَ هَذا مِنْكِ يا عمرُ بسرْ
سَألتْ حسانَ من أخواله؟
إنّما يُسْألُ بالشَّيْءِ الغُمُر
ومن الواضح أنه قالها في سورة غضبه الذي أدى به إلى طلاق زوجه على الرغم من أن كلًا منهما كان محبًا لصاحبه، كما يقول الخبر (٦) .
[ ٧ / ٢٨٠ ]
.. والمطْلع نفسه يحمل أكثر من إشارة إلى ذلك، فهو يأمر نفسه بعدم الاستجابة لنداء قلبه، لأنه لا يخضع لنداء العاطفة إلا الضعيف (الحَصِر)؛ ويعلن ثورة عارمة على تلك الزوجة التي تجاهلت أخواله فسألته عنهم وهي تعرفهم؛ لأنه إنما يُسأل عن الشيء المجهول. وهو ليس ممن يغضون على الإساءة، وإن جاءته من أحب الناس إليه. وفي مثل هذه الأجواء الانفعالية، والجيشان الشعوري، لا يتوقع المرء أن يمهد الشاعر لتجربته بأية مقدمة.
وأما الثانية فقالها عندما مرّ بنسوة فيهن مطلقته (عمرة)، فأعرضت عنه، وقالت لامرأة منهن: إذا حاذاك هذا الرجل فاسأليه من هو؟ وانسبيه إلى أخواله. فلما حاذاهنّ سألته، فانتسب لها، فقالت له: فمن أخوالك؟ فأخبرها، فبصقت عن شمالها وأعرضت، فحدد النظر إليها، وعجب من فعالها، وجعل ينظر إليها، فبصر بمطلقته عمرة، وهي تضحك، فعرفها، وعلم أن الأمر من قبلها أتى (٧)، فقال القصيدة، ومطلعها (٨):
قَالَتْ لَهُ يَوْمًَا تخَاطِبُهُ
نُفُجُ الحَقِيبَةِ غَادَةُ الصُّلْبِ
والموقف الذي تمخضت عنه القصيدة يكاد يكون تكرارًا للموقف الذي تمخضت عنه قصيدته الأولى والاختلاف بينهما يقتصر على بعض التفصيلات، والشخصيات، ولكن جوهر التجربة وباعثها في نفس حسان واحد.
والقصيدة الثالثة التي خلت من المقدمة في شعر حسان الجاهلي قالها في الرد على قصيدة لقيس بن الخطيم (ت٦٢٠هـ) يوم السرار (٩)، ومطلعها (١٠):
لَعَمْر أبيكِ الخَيْرِ يا شَعْثَ مَا نَبَا عَلَيَّ لِسَاني في الخُطُوبِ وَلاَ يَدِي
[ ٧ / ٢٨١ ]
وفيها يمزج الفخر بالتهديد، فهو يبدأُها بالفخر بمجمل القيم الجاهلية من شجاعة، وكرم ومقدرة شعرية، وقدرة على قطع الصحاري الموحشة على ناقة قوية ظهرت في جلدها آثار الأنساع، يواصل عليها السير ليلًا ونهارًا حتى تبلغه أبواب ملك الحيرة، ويختمها بتهديد قيس بن الخطيم، وقومه الأوس، بأنهم سيلقون من الخزرج ليوثًا تدافع عن عرين وتحمي أشبالًا، ويعيرهم بالهزيمة، والقعود عن الأخذ بالثأر، وعن بلوغ العلياء، ثم يتهم قيس بن الخطيم بأنه لا شأن له بالحرب، لأنه إنما يجيد مغازلة النساء، ومعابثتهن، والتكحل مثلهن.
ومن الواضح أن حسانًا وجد نفسه مضطرًا إلى الرد السريع على خصمه ابن الخطيم، الذي هجا الخزرج وافتخر عليهم بعد قتال بالسرارة استمر أربعة أيام، نال فيها كل فريق من خصمه، وأثخن فيه (١١) . وأمام تلك الظروف الحرجة لم يجد حسان من الوقت ما يتيح له التريث بين يدي القصيدة، أو التمهيد لها بمقدمة ما، لإلحاح الرد على نفسه، وإحساسه بضرورة مقابلة فخر قيس وهجائه بفخر وهجاء مثلهما أو أشد.
والقصيدة الرابعة من هذه القصائد قالها حسان في هجاء شاعر أوسيّ آخر هو أبو قيس بن الأسلت (١٢) (ت قبل الهجرة بقليل)، بعد لقاء بين الأوس والخزرج بالبويلة (١٣)، اقتتل فيه الفريقان قتالًا شديدًا، ودارت فيه الدائرة على الأوس، فقالها حسان يهجو أبا قيس والأوس ويفتخر عليهم، ومطلعها (١٤):
أَلاَ أَبْلِغْ أَبَا قَيْسٍ رَسُولًا
إِذَا أَلَقى لَها سَمْعًا يَبِينُ
[ ٧ / ٢٨٢ ]
.. وبعد أن يلتمس من يبلغ عنه رسالة إلى أبي قيس يذكره بهزيمة الأوس يوم الجسر، حيث قتل الخزرج والده. وما يلبث أن يهدده بغارة تحيط بالأوس من كل ناحية، يخضع لها عزيزهم، وتسقط لهولها الأجنة من بطون الحوامل، وتشيب الناهد العذراء، ويتشتت فيها شمل الأوس. ثم يوجه خطابه إلى أبي قيس قائلًا: تلك غارة يجود فيها غيرك بنفسه، وتضن فيها بنفسك الخبيثة خشية الموت، فتسمع الصرخات والاستغاثات، وتدعى للقتال، ولكنك تتظاهر بالصمم، وليس بك صمم. ثم يعيره بمن قتل من الأوس.
ومما لا ريب فيه أن حسانًا وقد ضجّت في نفسه أحاسيس النصر، وثب إلى موضوعه دون مقدمة من شأنها أن تؤدي إلى خبّو انفعاله، أو أن تذهب بحرارة التجربة في نفسه.
لقد عرف الشعر العربي منذ أقدم عصوره إقدام بعض الشعراء على الاستغناء عن المقدمات، وإقبالهم على موضوعات شعرهم دون تمهيد، وبخاصة عندما تجيش نفوسهم بانفعالات قوية، في مواقف طارئة لا تحتمل التريث. ويبدو أنّ ذلك كان شائعًا ومألوفًا، لأن النقاد أطلقوا عليه عددًا من الأسماء، ومنها: «الوثب، والبتر، والقطع، والكسع، والاقتضاب» (١٥) . ووصفوا القصيدة إذا جاءَت على تلك الحال بأنها بتراء، وشبهوها بالخطبة البتراء. قال ابن رشيق: «والقصيدة إذا كانت على تلك الحال بتراء كالخطبة البتراء والقطعاء» (١٦) .
وما كثرة هذه الأسماء والأوصاف إلا دليل على شيوع ظاهرة إهمال المقدمات، وكثرة القصائد التي سلك إليها قائلوها هذا المنهج.
[ ٧ / ٢٨٣ ]
.. وكما نص النقاد على هذا النمط من القصائد، وسموه بأسمائه، ووصفوه بأوصافه، نصوا كذلك على أنّ العرف لم يجْرِ بأنْ يقدم للمراثي بمقدمات تقليدية، قال ابن رشيق «ليس من عادة الشعراء أن يقدّموا قبل الرثاء نسيبا كما يصنعون في المدح والهجاء» (١٧) . ونقل عن ابن الكلبي (١٨) (ت ٢٠٦هـ) قوله: «لا أعلم مرثية أولها نسيب إلا قصيدة دريد بن الصمة (١٩) (ت ٨هـ،٦٣٠م):
أَرَثَّ جَدِيدُ الحَبْلِ من أُمِّ مَعْبَدِ
بِعَاقِبةٍ وَأَخْلَفَتْ كُلَّ مَوْعِدِ» (٢٠)
ويعلل ابن رشيق ذلك تعليلًا نفسيًا منطقيًا، فيقول: «لأنّ الآخذ في الرثاء يجب أن يكون مشغولًا عن التشبيب بما هو فيه من الحسرة والاهتمام بالمصيبة، وإنما تغزل دريد بعد قتل أخيه بسنة، وحين أخذ ثأره، وأدرك طلبته» (٢١) . وطبيعي جدًا أن يتخلى شاعر الرثاء عن المقدمات بكل ألوانها وأشكالها، لأن المقام في الرثاء «ليس مقام متعة ولهو» (٢٢) .
وأرى أن تعليل ابن رشيق السابق للمسألة تعليل قائم على فهم صحيح لطبيعة التجربة الشعرية، وعلى اعتداد بعنصر الصدق الشعوري في العمل الأدبي. وهو في نظري صالح لتعليل خلو قصائد حسان السابقة، وسواها من المقدمات، وذلك لأن نفس حسان وإن لم تكن حزينة في قصائده السابقة إلا إنها كانت متوترة، ومشغولة بما هي آخذة فيه من الفخر والهجاء الذي فجره الموقف في نفسه.
ومع ذلك فإننا نجد باحثا ذا باع طويل في دراسة مقدمة القصيدة العربية، هو الدكتور حسين عطوان يرفض هذه الفكرة، ويكاد يصر على أنها ترجع في بعض جوانبها إلى ضياع المقدمات من تلك القصائد، ويكاد يطمئن إلى ذلك في تعليل هذه الظاهرة (٢٣)، بانيًا موقفه ذاك على أساسين:
أولهما: وقوفه على شاهد واحد على ما يذهب إليه، هو قصيدة النابغة الذبياني (ت١٨ق. هـ/٦٠٤م) التي رواها الأصمعي على أنها تبدأ بقوله (٢٤):
لقد نَهَيتُ بني ذُبيانَ عَن أُقُرٍ
[ ٧ / ٢٨٤ ]
وعن تَربُّعِهِم في كلِّ أَصْفَار
دون أن يثبت لها مقدمة، في حين رواها أبو الخطاب القرشي (عاش قبل منتصف القرن الخامس الهجري) (٢٥) كاملة، مع مقدمة ضافية (٢٦) .
ويضيف الدكتور عطوان قائلًا: «ومن الطريف أن مقدمتها التي وصف فيها الأطلال، وصاحبته، ورحلته في الصحراء، وناقته، ومنظرًا من مناظر الصيد، تبلغ ما يقرب من خمسين بيتًا» (٢٧) .
ويستظهر من ذلك «أنَّ كثيرًا من القصائد سقطت مقدماتها» (٢٨)، معقبًا بأنه «ليس في ذلك شك» (٢٩) .
وثانيهما: «أنَّ كثيرًا من نصوص الشعر الجاهلي ضاع في أثناء رحلته من الجاهلية إلى عصر التدوين» (٣٠) .
ولا شكَّ أن وجود شاهد واحد حتى ولو كان صحيحًا لا يمكن أن ينهض دليلًا على صحة ما ذهب إليه الدكتور عطوان من أن «كثيرًا من القصائد سقطت مقدماتها»، كما أنه ليس مسوغًا للجزم بذلك إلى حد القول «وليس في ذلك شك»، لأن تعميم حالة قصيدة النابغة تلك على جميع القصائد التي خلت من المقدمات قياس خاطئ قيس الكل فيه على حالة واحدة، فضلًا عن أنه يتجاهل ما أقرّه نقاد ثقات كابن رشيق من أن «من الشعراء من لا يجعل لكلامه بسطًا من النسيب، بل يهجم على ما يريده مكافحة، ويتناوله مصافحة وذلك عندهم هو الوثب، والبتر، والقطع والكسع، والاقتضاب وكل ذلك يقال» (٣١) .
ثم إن تلك المقدمة المزعومة «يمكن أن تكون دليلًا على العكس تمامًا، لأنه من المقبول أن يقال إنّ هذه قصيدة وتلك أخرى، والطول مرشح لذلك، أو إن هذا الجزء أضيف إلى ذاك.. وخلاف الروايات نفسه ربما يصح دليلًا للشك في أنها قصيدة واحدة» (٣٢) . كما يقول الدكتور محمد أبو الأنوار.
[ ٧ / ٢٨٥ ]
.. أما ضياع كثير من نصوص الشعر الجاهلي «في أثناء رحلته من الجاهلية إلى عصر التدوين» (٣٣) التي اتكأ عليها الدكتور عطوان في ما توصل إليه من أن «كثيرًا من القصائد سقطت مقدماتها وليس في ذلك شك» (٣٤)، فهي حقيقة تاريخية لا يختلف عليها اثنان، وقد سبق أن نبه عليها محمد بن سلام (ت ٢٣١هـ) حين بيّن أنّ العرب لما راجعوا رواية الشعر «لم يؤولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك، بالموت والقتل، فحفظوا أقلّ ذلك، وذهب عليهم فيه كثير» (٣٥) . كما أثارها أبو عمرو بن العلاء (ت١٥٤هـ /٧٧٠م) حين قال: «ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقلُّه، ولو جاءَكم وافرًا لجاءَكم علم وشعر كثير» (٣٦) .
ولكن السؤال الذي يبحث عن إجابة هنا هو: هل الإقرار بضياع ما ضاع من نصوص الشعر الجاهلي يمكن أن يتخذ ذريعة للقول بأن كثيرًا من القصائد التي خلت من المقدمات قد سقطت مقدماتها، أو أنها جزء من ذلك التراث الشعري الذي ضاع، هكذا على الإطلاق دون دليل مادي ملموس؟!
ثم كيف لنا أن نمضي مع الدكتور عطوان في اتهام رواية الأصمعي وتوثيق رواية أبي زيد ابن أبي الخطاب القرشي؟
مع أن القرشي هذا مثار لخلاف عريض حول حقيقة اسمه؛ وحول حياته ووفاته وحول نسبة مجموعة (جمهرة أشعار العرب) إليه.
فمن قائل إنه عاش في أواخر القرن الثالث أو أوائل الرابع (٣٧)، ومن قائل إنه عاش قبل منتصف القرن الخامس الهجري (٣٨)، إلى قائل إنه توفى سنة (١٧٠هـ) (٣٩) .
أما اسمه ففيه من الاضطراب الكثير: فهو تارة أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي، وتارة محمد بن أبي الخطاب من غير كنية، ومن غير نسبة بعد الاسم وتارة ابن أبي الخطاب، وتارة محمد بن أيوب العزيزي ثم العمري (٤٠) .
[ ٧ / ٢٨٦ ]
.. وأما حقيقته فلا يقل الخلاف حولها عن الخلاف حول وفاته واسمه، فهل هو جامع جمهرة أشعار العرب، أو شارحها، أو راويتها؟ (٤١) مسألة تتضارب حولها الأقوال.
وكذلك الأمر فيما يتعلق بنسبة الكتاب وعنوانه، فالكتاب ينسب حينًا إلى أبي زيد القرشي، أو محمد بن أبي الخطاب، وينسب حينًا آخر إلى محمد بن أيوب العزيزي ثم العمري، وينسب حينًا ثالثًا إلى أبي عبد الله المفضل بن عبد الله ابن محمد المجبَّر بن عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب (٤٢) .
والمشهور أن عنوان الكتاب هو (جمهرة أشعار العرب)، وقد وردت هذه التسمية عند ابن رشيق في العمدة وعند البغدادي في الخزانة (٤٣)، ولكن الدكتور ناصر الدين الأسد يذكر أنه اطلع في معهد المخطوطات العربية على صورة أصلها مكتبة (كوبريلي) عنوانها (جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام وما وافق القرآن على ألسنتهم واشتقّت به لغتهم وألفاظهم)، ويقول إن تلك الصورة «تتفق مع النسخة المطبوعة في العنوان والمحتويات» (٤٤) .
هذا فضلًا عن أن جميع من نسبت إليهم هذه المجموعة مجهولون، فأبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي «مجهول ليس له أدنى ذكر في جميع كتب الطبقات والرجال، فلم يذكر مع المحدثين ورواة الحديث، ولا مع اللغويين، والنحويين، ولا مع الشعراء والأدباء، ولا مع مؤلفي الكتب، وجامعي الدواوين» (٤٥) .
كما أن المفضل بن عبد الله المجبّري «مجهول لم تذكره الرجال والطبقات» (٤٦) .
والأمر كذلك بالنسبة إلى محمد بن أيوب العزيزي العمري، فهو أيضًا مجهول لم يعثر له على ترجمة (٤٧) . وهل هو «غير محمد بن أبي الخطاب القرشي، أو أنه هو هو؟ ويكون أبوه أيوب هو أبا الخطاب كنيةً؟» (٤٨) . لم يصل البحث في ذلك كله إلى نتيجة حاسمة.
[ ٧ / ٢٨٧ ]
.. وخلاصة القول أن نسبة الجمهرة إلى صاحبها «عقدة تحتاج إلى حل، والتعريف بصاحبها وترجمته، عقدة أخرى لا تقل عن الأولى، وأكثر الرواة الذين يروى عنهم مجاهيل لم نجد لهم ذكرًا فيما بين أيدينا من كتب الرجال والطبقات» (٤٩) كما يقول الدكتور ناصر الدين الأسد، «وهي عقدة ثالثة تنافس في الصعوبة سابقتيها» (٥٠) .
أفبعد هذا الاضطراب الشديد، والتناقض في الأخبار والروايات، حول (جمهرة أشعار العرب) وجامعها، يسوغ في عقل أو منطق أن تقدم روايتها على رواية الأصمعي، بل أن يؤسس على ذلك التقديم بناء حكم عام على ظاهرة أدبية من أهم الظواهر في شعرنا القديم، وينضوي تحتها كم وفير من القصائد؟، اللهم لا!
ولماذا يقدَّم جامع هذه المجموعة المجهول، المختلف في اسمه، ووجوده، ووفاته على أديب راوية مشهور (٥١)، متفوق على أقرانه في رواية الشعر والمعاني (٥٢) . معروف بتشدده وتحريه الدقة في روايته وأنه «لا يفتي إلا فيما أجمع عليه العلماء، ويقف فيما يتفردون به عنه» (٥٣) . «صناجة الرواة والنقلة، وإليه محط الأعباء والثقلة، كانت مشيخة القراء وأماثلهم تحضره وهو حدث لأخذ قراءَة نافع عنه، ومعلوم قدر ما حذف من اللغة فلم يثبته، لأنه لم يقو عنده إذ لم يسمعه» (٥٤) .
ويلاحظ على قصائد حسان التي خلت من المقدمات أنه يغلب عليها موضوع الفخر، فللفخر منها ثلاث قصائد، وللهجاء قصيدة واحدة. كما يغلب عليها التوسط في الطول. وطول اثنتين منها اثنان وعشرون بيتًا، وطول واحدة منها واحد وعشرون بيتًا، وطول أقصرها سبعة أبيات. ونستطيع القول إن متوسط عدد أبيات قصائده الخالية من المقدمات ثمانية عشر بيتًا في تحقيق وليد عرفات، وسبعة عشر في تحقيق سيد حنفي حسنين.
وإذا كان حسان قد استغنى عن المقدمات في بعض قصائده، فقد افتتح تلك القصائد بالصور الآتية:
[ ٧ / ٢٨٨ ]
الأولى: ذكر المرأة. فهو يذكرها في مطلع اثنتين من قصائده، ويقرن ذكرها بالقسم بصيغة " لعمري " في الأولى، ويذكر عزمها على هجره في الثانية.
الثانية: الحوار. حيث يستهل إحدى تلك القصائد بحوار يدور بينه وبين المرأة، يبدأ بلفظ (وقالت) .
الثالثة: صيغة التبليغ " ألا أبلغ". يفتتح بها قصيدته في هجاء قيس بن الخطيم. وقد جاءَت هذه الاستهلالات مناسبة للتجارب الشعرية التي عبرت عنها القصائد التي استهلت بها.
وهذه الصور من الاستهلال لا تعدو أن تكون أبياتًا مفردة، لا تدخل في عداد المقدمات (٥٥) .
المحور الثاني: صور المقدمات في قصائده الجاهلية
بلغت قصائد حسان الجاهلية ذوات المقدمات إحدى عشرة قصيدة، تشكل ٧٣.٣٣% من مجموع قصائده الجاهلية:
والمتأمل في هذه القصائد يلحظ ما يأتي:
أولًا من حيث الأغراض: يطغى عليها الفخر. فله منها سبع (٥٦) قصائد تشكل ٦٣.٦٣% من مجموعها. وللفخر المتصل بغرض آخر قصيدتان: إحداهما للفخر المتصل بالغزل (٥٧)، والأخرى للفخر المتصل بالمدح (٥٨) .وللمدح الخالص منها قصيدة واحدة (٥٩) . وللغزل ووصف الرحيل قصيدة واحدة أيضًا (٦٠) .
وهذا يدل على أنّ المقدمة غير مرتبطة من حيث وجودها وعدمه بغرض القصيدة؛ وإنما هي مرتبطة بالموقف الذي يوحي للشاعر بالقصيدة، وبقوة التجربة الشعرية، وحيويتها في نفس الشاعر.
ثانيًا من حيث الطول: قصائد حسان الجاهلية ذوات المقدمات طويلة نسبيا بالقياس إلى قصائده الجاهلية التي خلت منها. وهي تتراوح بين عشرة وأربعة وأربعين بيتًا. ومتوسط عدد أبيات تلك القصائد أربعة وعشرون (٦١) بيتًا تقريبًا، في تحقيق سيد حنفي حسنين، وخمسة وعشرون في تحقيق وليد عرفات (٦٢) . وقد يحمل هذا مؤشرًا آخر هو أنّ القصيدة عند حسان كلما طالت كانت أكثر استدعاء للمقدمة.
[ ٧ / ٢٨٩ ]
ثالثًا من حيث المناسبة: ليس في قصائد حسان الجاهلية ذوات المقدمات سوى قصيدة واحدة اتخذت شكل النقيضة، قالها يوم خَطْمة (٦٣)، في الرد على قصيدة للشاعر الأوسي أبي قيس بن الأسلت (٦٤) التي مطلعها (٦٥):
قَالتْ ولمْ تَقْصُدْ لِقِيل الخَنَا
مَهْلًا فَقَدْ أَبلغْتَ أسْماعِي
ومطلع قصيدة حسان النقيضة (٦٦):
بَانَتْ لمَيسُ بحبْلٍ منْكَ أَقْطَاعِ
واحْتلَّت الغَمْر تَرْعَى دَارَ أشْراعِ
وقصيدة ابن الأسلت ليست ذات مقدمة. ولكن قصيدة حسان لها مقدمة تقع في ثلاثة أبيات، يتبعها بيت التخلص.
ولئن كان في هذا بيان فإنه يبدو أن حالة حسان النفسية عند إنشاء القصيدة هي التي كانت تحدد منهجه في بناء القصيدة.
وجميع قصائده ذوات المقدمات لم ينظمها حسان فيما يبدو على عجل، ولم تكن تجربته فيها وليدة موقف طارئ، أو انفعال مفاجئ، وإنما قالها بنفس هادئة، بعد أن ترك للتجربة أن تنضج في نفسه ببطء، بعيدًا عن التوتر الذي ينتج عن إلحاح المناسبة، وعن ثورة الانفعال في النفس. ولعل مما يؤكد ذلك أن جميع هذه القصائد لم يذكر في ديباجتها سوى عبارة «وقال» (٦٧) أو «وقال حسان» (٦٨) أو «وقال حسان يفتخر» (٦٩) أو «وقال يمدح جبلة ابن الأيهم» (٧٠)، وهي عبارات لا تدل في العادة على ارتباط القصيدة بموقف مفاجئ أو طارئ، عدا القصيدة التي رد فيها على أبي قيس بن الأسلت، فقد جاء في ديباجتها خبر يوم خَطْمة، ووردت فيها عبارة «فأجابه حسان بن ثابت» (٧١) .
[ ٧ / ٢٩٠ ]
.. ويبدو أن رد حسان لم يأت سريعًا، لأنه لا يتضمن أية إشارة إلى ما جاء في قصيدة أبي قيس، أو إلى يوم خطمة، وإنما هي فخر عادي لا يختلف عن فخر حسان في معظم قصائده الأخرى؛ على حين جاءَت قصائده الجاهلية الخالية من المقدمات وليدة موقف مفاجئ في الغالب، لم يستطع فيه أن يغالب انفعاله، فأطلق لسانه بما اعتمل في نفسه دون أية مقدمة، على النحو الذي سبق بيانه.
* * * * *
ينتمي حسان إلى الجيل الثالث من شعراء العصر الجاهلي، الذي يمثلون المرحلة الأخيرة من مراحل تطور الشعر الجاهلي وهي المرحلة التي تمخضت عن جهود شعراء جيلين سابقين هما:
شعراء المرحلة الفنية الأولى الذين بنوا على أسس ورثوها عن أسلافهم وتبلورت لديهم المقومات الأساسية لمقدمة القصيدة العربية.
وشعراء المرحلة الفنية الثانية الذين تطوّروا بالمقدمة «تطورًا أعطاها صورتها النهائية» (٧٢)، بما أضافوا إليها من عناصر جديدة، وبما تخلصوا منه من عناصر موروثة.
والمتأمل في مقدمات حسان الجاهلية يجد تعددًا في صور المقدمات وأشكالها، كما يلمس تمازجًا وتداخلًا بين تلك الصور والأشكال.
واستقراء مقدمات قصائد حسان الجاهلية يكشف عن ثماني صور هي:
١ المقدمة الطللية المنفردة.
٢ المقدمة الغزلية المنفردة.
٣ المقدمة الطللية الغزلية.
٤ المقدمة الظعنية الغزلية.
٥ المقدمة الطللية الظعنية الغزلية.
٦ المقدمة الطللية الغزلية الوصفية.
٧ مقدمة الطيف والرحلة.
٨ مقدمة وصف الليل والظعن.
الصورة الأولى: المقدمة الطللية المنفردة
تعد المقدمة الطللية أبرز المقدمات وأكثرها شيوعًا في الشعر الجاهلي، ذلك لأنها «وجدت هوى شديدًا في نفوس الشعراء الجاهليين لارتباطها ببيئتهم المادية، وطبيعة حياتهم الاجتماعية» (٧٣) .
[ ٧ / ٢٩١ ]
.. وعلى الرغم من أن حسانًا لم يكن من سكان البوادي، وإنما من أهل المدن إلا أنه لم يستطع أن يتخلّص من التقاليد الفنية البدوية أو الخروج عليها بحيث يبتدع نظامًا جديدًا لمقدمات قصائده، أو يخالف كل المخالفة نظامها عند شعراء البوادي (٧٤) . شأنه في ذلك شأن جميع شعراء الحواضر أو شعراء القرى العربية كما يسميهم ابن سلام (٧٥)، يستوي في ذلك الشعراء الذين أمضوا حياتهم فيها أو رحلوا إليها أو «وفدوا على قصور الملوك التي كانت تزخر بألوان الحضارة» (٧٦) .
فقد حرصوا جميعًا على التمسك بأصول هذه المقدمة وعناصرها. ولكن من المؤكد أنّ الصورة العامة للمقدمة الطللية لم تكن جامدة، بل كانت تحتلف من شاعر إلى آخر «في التفاصيل والجزئيات، أو في طريقة العرض، أو اختيار الألوان والزوايا، أو في توزيع الظلال والأضواء، فمثل هذا الاختلاف طبيعي في كل عمل فني أصيل» (٧٧) .
وتمثل هذه الصورة عند حسان مقدمتان، إحداهما: مقدمة قصيدته اللامية التي مطلعها (٧٨):
أسألْتَ رسمَ الدَّارِ أمْ لمْ تسألِ
بينَ الجَوابي فالبُضَيع فَحَوْملِ
وتقع في ستة أبيات، وقف فيها الشاعر على الأطلال التي اندثرت آثارها وعفت رسومها بين الجوابي، فالبضيع، فحومل، فمرج الصفّرين، فجاسم، فتبنى، وجميعها من منازل الغساسنة في الشام. فسألها عن أهلها الظاعنين، وتحسر على إقفارها من أحبته الذين كانوا يحلون بها، ووصف تعاقب الرياح في عرصاتها، وانهمار الأمطار في ساحاتها، وكيف طمست معالمها، وغيرت ما كان يعرفه منها. ثم أرسل دمعه الهتّان لما أثارته تلك المنازل الدارسة، والديار الموحشة في نفسه من أشجان بعد أن كانت عامرة بأهلها ذوي العز الشامخ والمجد الباذخ، ثم دلف إلى المدح:
فالمرجِ مرجِ الصُّفَّريْنِ فَجَاسِمٍ
فديارِ تُبنى دُرَّسًا لم تُحْلَلِ
أَقْوى وعُطِّلَ منهمُ فكأنَّه
بَعْدَ البِلَى آيُ الكتابِ المُجْمَلِ
[ ٧ / ٢٩٢ ]
دِمَنٌ تَعاقبها الرياحُ دَوَارسٌ
والمُدْجِناتُ من السِّماك الأعْزلِ
فالعَيْنُ عانِيةٌ تفيضُ دمُوعُها
لمنازلٍ دَرَسَتْ كأنْ لم تؤْهلِ
دارٌ لقومٍ قد أراهمْ مرَّةً
فوق الأَعِزَّةِ عزُّهُم لمْ يُنْقَلِ
ومن الواضح أنّ حسانًا تمسك في هذه المقدمة بعدد من مقومات المقدمة الطللية، وعناصرها؛ فقد حدّد مكان الديار تحديدًا دقيقًا، يدل على ارتباطه النفسي بها، وساءَل رسومها عن أهلها، وشبه أطلالها المقفرة بآثار الكتابة، وذكر ما درسها من الرياح والأمطار؛ وإن لم يذكر ما ذرته عليها الرياح من رمال، وذرف الدموع الغزيرة على ما آلت إليه حال تلك الديار من وحشة، وعطف بين الأماكن بالفاء.
ولكنه في الوقت نفسه تخلّى عن عدد آخر من مقومات المقدمة التقليدية، فلم يسترجع ذكرياته بها، ولم يصف ما بقي من آثارها كالنؤي، وبقايا الرماد، والأثافي، والأوتاد. ولم يتحدث عما حل بها من حيوانات الصحراء؛ كما تخلى عن فكرة الرفيقين اللذين كان شعراء المرحلة الأولى من حياة الشعر الجاهلي يحرصون على إظهارهما، وتوجيه الخطاب إليهما، ولم يخاطب الصحب أو يستوقفهم، ولم يكن حريصًا على سرد ذكريات يوم الرحيل.
ويبدو أن مسألة التخلص من العناصر الموروثة للمقدمة قد قطعت عند حسان شوطًا أبعد مما كانت عليه عند زهير ومدرسته؛ فالناظر في معلقة زهير يجد أنه لم يتخلَّ إلا عن قليل من العناصر، مثل: البكاء على الطلل، ومخاطبة الرفيقين؛ ولكن حسانًا تخلى عن عدد أكثر من تلك العناصر؛ بل ليس من المبالغة القول إن ما تخلى عنه أكثر مما أبقى عليه.
[ ٧ / ٢٩٣ ]
.. ولا يجد قارئ هذه المقدمة الحرص على التفاصيل والجزئيات والعناية بالألوان اللذين يجدهما في مقدمات زهير، كما لا يلمس الروية والأناة، ولا التدقيق في اختيار الألفاظ اللذين يجدهما في معلقته؛ ومعنى هذا أن اتجاهًا جديدًا أخذ في الظهور عند حسان يبدو فيه حرصه على التركيز والتكثيف، وتظهر فيه نزعة واضحة إلى التخلص من كثير من قيود المقدمة التقليدية، وتقاليدها الموروثة.
وإذا كان الجنوح إلى التعبير بالصورة يعد مظهرًا من مظاهر تطوّر المقدمة الطللية عند شعراء مدرسة الصنعة (٧٩)، فإن الاقتصاد في التعبير بالصورة يعدّ من العلامات المميزة للمقدمة الطللية عند حسان، كما يتضح في مقدمته السابقة.
ولعل من الجديد الذي يجدر تسجيله في هذه المقدمة ذكر أماكن تقع خارج الجزيرة العربية.
والمقدمة الثانية التي تمثل المقدمة الطللية المنفردة مقدمة قصيدته الطائية التي مطلعها (٨٠):
لِمن الدارُ أقْفَرتْ بِبُواطِ
غَيْرَ سُفْعٍ رَوَاكِدٍ كالغَطَاطِ
وهو يفتتحها بالتساؤل عن أهل دار أقفرت من ساكنيها في موضع يدعى (بواط) عاثت فيها يد البلى، فبدلت ملامحها، وغيرت معالمها، ولم تبق منها سوى حجارة الموقد السود، تجثم كأنها القطا الوقع.
ولا يلبث أن يستيقظ من حيرته، ويجيب على تساؤله الحزين بأنّ تلك الأطلال الدارسة ليست سوى ديار أحبته الظاعنين. وها هي ذي قد أقفرت من أهلها، وخبت فيها شعلة الحياة، بعد أن كانت تعج بالحركة والحيوية، إنها ديار فاتنته (أم عمرو) التي ما تزال ذكرياتها حية في نفسه، وإنه ليذكرها إذ تسأله عن سبب تماديه في هجرها، بعد أن كانت حبال وده موصولة بحبالها.
وحين تهيج في نفسه الذكرى يلتمس من يبلغها على نأيها بأنه ما يزال مقيمًا على عهدها، يرعى ودها، ويحفظ سرها، ثم دلف إلى الفخر.
[ ٧ / ٢٩٤ ]
.. وظاهرة التكثيف والتركيز تبدو في مقدمته هذه أكثر وضوحًا منها في سابقتها. فقد اكتفى حسان في تحديده لموضع الطلل بذكر مكان واحد هو (بواط)، وقاده هذا إلى الاستغناء عن تقليد آخر من تقاليد المقدمة الطللية وهو العطف بين الأماكن بالفاء. وحينما ذكر ما تبقى من آثار الديار اكتفى أيضًا بذكر أثر واحد هو الأثافي، وضرب صفحًا عن ذكر ما سواه من الآثار التي تطالع قارئ الشعر الجاهلي، من: نؤي، وأوتاد، ورماد وغير ذلك. وعندما شبه الأثافي بالقطا لم يذكر شيئًا من أحوال المشبه به، بل اقتصر على ذكرها دون وصف في حين دأب شعراء الجاهلية على وصفها بالوقّع أو الجثّم أو غير ذلك. وحين استرجع ذكرياته بذلك الطلل لم يذكر منها إلا النزر، وأعرض عن ذكريات يوم الرحيل، وما أثارته في نفسه من مشاعر.
والشخصان اللذان ظهرا مع الشاعر على مسرح الطلل ليسا الرفيقين التقليديين اللذين عهدناهما في مقدمات القصائد الجاهلية، فالشاعر لم يطلب إليهما أن يسعداه بالبكاء، ولا أن يتبصرا ليريا الركب يسير في الطرق الرملية بين الكثبان، وإنما هما مجرد شخصين عاديين يلتمس منها أن يبلغا عنه رسالة.
وحديثه عن وحشة الديار جاء موجزًا مبتسرًا، كما أن الاقتصاد في التعبير بالصورة يعد علامة بارزة في هذه المقدمة، مثلما هو في المقدمة السابقة.
ومن حيث نزعته إلى التحرر من تقاليد المقدمة الطللية نجده قد استغنى عن عدد منها، مثل: استيقاف الصحب، والبكاء على الطلل، وذكر ما غيره من عوامل الطبيعة، وما حل به من عين وآرام أو غير ذلك. يقول بعد المطلع:
تلكَ دارُ الألُوفِ أضحتْ خَلاءً
بعْدَما قد تَحُلُّها في نَشاطِ
دارُها إذ تَقُولُ ما لابنِ عمروٍ
لَجَّ من بعدِ قُرْبِهِ في شِطَاطِ
بلِّغَاهَا بأَنَّني خَيْرُ رَاعٍ
لِلَّذي حُمِّلتْ بِغَيْرِ افْتراطِ
الصورة الثانية: المقدمة الغزلية المنفردة
[ ٧ / ٢٩٥ ]
.. حظيت المرأة باهتمام شديد من الشاعر الجاهلي، فاحتلّت مكانة مرموقة من نفسه ومن شعره؛ فاستمد وحيه منها، واستهل قصائده بذكرها، وتغنى بحبه في مطالعها (٨١) .
ويمكن القول إنّ المقدمة الغزلية قد انتشرت في الشعر الجاهلي انتشارًا يوازي انتشار المقدمة الطللية (٨٢) .
وإلى جانب سعة انتشار المقدمات الغزلية في الشعر الجاهلي، فهي أقرب المقدمات نسبًا إلى المقدمة الطللية (٨٣) .
فإذا كانت أطلال الحبيبة محور اهتمام الشاعر في المقدمة الطللية، فإن الحبيبة نفسها هي محور اهتمامه في المقدمة الغزلية.
ويتناول الشاعر في المقدمة الغزلية غالبًا موضوعين رئيسين هما:
وصف الحبيبة وصفًا ماديًا أو معنويًا، والتغني بجمالها الحسي أو النفسي، وإن كان وصف الجمال الحسي، والتغني بالجمال الجسدي هو الغالب في هذه المقدمة؛ لأنه «يتلاءَم مع صورة الحياة الجاهلية الوثنية، فقد كان العرب لا يزالون ماديين لم ترتق أذواقهم، ولم تنبل مشاعرهم. ولذلك يكون هذا الضرب من الغزل ألصق بنفوسهم» (٨٤) .
وتصوير عواطفه ومشاعره تجاهها، والحديث عن الصد والهجر، والحنين والهيام، والوصل والفراق، والدموع التي تنهل من عينيه، وذكرياته السعيدة، وما يتصل بذلك من مناظر الوداع.
وتظهر هذه الصورة من صور المقدمات في قصيدتين من قصائد حسان الجاهلية، الأولى قصيدته الدالية التي مطلعها (٨٥):
ألمْ تَذَرِ العيْنُ تَسْهادَها
وَجَرْيَ الدُّموعِ وَإِنْفَادَهَا
[ ٧ / ٢٩٦ ]
وتقع مقدمتها في ستة أبيات، وصف فيها سهده، ودموعه التي لا تنفك تنهمر لفراق صاحبته (شعثاء) التي لا تفارق صورتها خياله، فلا يكف عن ذكرها، واسترجاع ذكرياته في ديارها التي كانت تنزل بها بعد أن يجودها مطر الربيع المتواصل. ثم عبر عن افتتانه بجمال شعرها المغْدودن الكثيف الذي يثقلها إذا قامت، ووجهها الذي يحكي وجه غزال ربيب يرتعي أعشابًا يانعة في أرض هطلت بها أمطار غزيرة، فيبدو في أبهى صورة، وأروع منظر، إذ يمضي سحابة نهاره مصعدًا في سفوح التلال، فإذا خيم الليل ولّى وجهه شطر أشجار العضاه، ليستكنّ بها خوفًا من الأمطار، يقول:
تذكَّرَ شعثاءَ بعد الكرَى
ومُلْقَى عِراصٍ وأَوْتَادَها
إذا لَجِبٌ من سَحابِ الربيعِ
مرَّ بسَاحَتِها جَادَها
وَقَامَتْ تُرَائيكَ مُغْدَوْدِنًا
إِذَا ما تنُوءُ بهِ آدَهَا
وَوَجْهًَا كَوَجْهِ الغزالِ الرَّبيبِ
يقْرو تِلاعًا وَأَسْنَادَها
فَأَوَّبَه الليلُ شَطْر العِضاهِ
يَخَافُ جِهامًا وصُرَّادها
[ ٧ / ٢٩٧ ]
وتخلو هذه المقدمة الغزلية من عنصر مهم من عناصر المقدمات الغزلية التقليدية، وهو وصف منظر الوداع والفراق المألوف. وتقتصر على وصف بعض مظاهر جمال صاحبته، ووصف عواطفه تجاهها. ففي الجانب الأول اكتفى بالحديث عن شعرها الكثيف الطويل، ووجهها الذي يشبه وجه غزال غذي أطيب غذاء. وفي الجانب الثاني ذكر سهده ودموعه التي لا تكف عن الانحدار، ولكنه مزج ذلك ببعض مظاهر الطبيعة التي جعلها إطارًا أو خلفية للمشهد العاطفي فاختار لسهده ودموعه وقتا نام فيه الناس، وسكن فيه الكون، واختار للشعر المغدودن لوحة تبدو فيها الأرض خصبة ممرعة؛ واختار لجمال الوجه صورة لا أبهى ولا أسنى هي وجه الغزال الربيب الذي يقصد الأماكن المرتفعة التي لا تطأها الأقدام فيرتعي بها، حتى إذا خيم الليل أوى إلى كناسه الذي اتخذه في شجر العضاه؛ ليتعانق جمال الإنسان وجمال الطبيعة في تشكيل اللوحة الغزلية.
والثانية قصيدته العينية التي مطلعها (٨٦):
بانَتْ لَميسُ بِحبْلٍ منكَ أَقْطَاعِ
واحْتَلَّت الغَمْرَ ترْعَى دَارَ أَشْرَاعِ
ومقدمتها الغزلية قصيرة لا تتجاوز ثلاثة أبيات اقتصر فيها على الحديث عن هجر صاحبته (لميس)، وانقطاع حبال وصالها، وارتحالها إلى مكان كثير المياه، ذي مراع خصبة، ومجاورتها في ديار بني عمرو بن نصر، وهم قوم ذوو عِزّ ومنعة، يحمون أرضًا ممرعة، ثم وصف حالته النفسية عندما تحركت المراكب بصاحبته في الفجر إذ انهمرت دموعه كأنها ماء يفيض من دلاء كبيرة ممتلئة. قال:
وأصْبَحَتْ في بني نَصْر مُجَاورَةً
ترْعَى الأَبَاطِحَ في عزّ وإِمْراعِ
كأنَّ عَيْنَيَّ إذْ وَلَّتْ حُمُولُهُمُ
في الفَجْرِ فَيْضُ غُروبٍ ذاتِ إِتْراعِ
ومن الواضح أنه مسّ موقف الوداع مسًا خفيفًا، فاكتفى بذكر تحرك موكب الرحلة، وتحديد زمنه.
[ ٧ / ٢٩٨ ]
.. والتكثيف والتركيز هما الظاهرة البارزة في هذه المقدمة، وكأني بحسان وهو يردّ على أبي قيس بن الأسلت، وينقض عليه قصيدته التي سبقت الإشارة إليها، كان يتطلع إلى الوصول إلى موضوعه مسرعا، فأعجله ذلك عن التفصيل، وألجأه إلى التكثيف والتركيز.
يتبين مما سبق أن حسان في مقدمتيه الغزليتين لم يتبع التقاليد الموروثة في المقدمة الغزلية، ولم يحذُ حذو الشعراء الجاهليين الذين سبقوه، فجاءَت مقدمتاه موجزتين؛ كما يلاحظ فيهما اهتمامه بإدخال عناصر الطبيعة، وبخاصة الماء، والخصب.
الصورة الثالثة: المقدمة الطللية الغزلية
وفي هذه الصورة يتضافر على تشكيل المقدمة لوحتان: لوحة الأطلال، ولوحة الغزل. ففي اللوحة الأولى يصور الشاعر «أطلال الحبيبة الراحلة التي عفت وأقفرت بعد رحيلها، وما يراه فيها من آثار الحياة الماضية التي كانت تدب فيها أيام كانت آهلة بأصحابها، قبل أن تتحول بعدهم إلى مجرد أطلال موحشة، تسفي عليها الرمال، فتحجبها، وتخفي معالمها، وتهب عليها الرياح فتكشفها، وتبدي رسومها، وأسراب الحيوان الوحشي تسرح في ساحاتها آمنة مطمئنة، حيث لا إنسان يفزعها أو يثيرها» (٨٧) .
وطبعي أن يستدعي هذا الإطار المكاني وما يثيره في النفس من مشاعر، العنصر الإنساني، فيتبع الشاعر لوحة الطلل بلوحة صاحبته التي نأت، فيقبل عليها واصفًا جمالها «ويلح على تبيان محاسنها، حتى يكاد يظهرها عضوًا عضوًا، ولا يترك شيئًا منها، بل يأتي على كل شيء، كأنما يريد أن يشخص هذه الأعضاء تشخيصًا» (٨٨)، ولا بدّ أن يثير استدعاؤه لصورة صاحبته، واستحضاره لجمالها، في نفسه الحسرة على أيامه الخالية، وذكرياته الماضية، «فيصور حبه وغرامه، وآلامه وأحزانه، ويأسه وحرمانه، فيذرف الدموع، ويسفح العبرات» (٨٩) على ماضيه المنصرم.
[ ٧ / ٢٩٩ ]
.. وقد تبنى حسان هذه الصورة من صور المقدمات في قصيدتين من قصائده الجاهلية، أولاهما: قصيدته الميمية التي مطلعها (٩٠):
لِمْن مَنْزلٌ عَافٍ كأنَّ رُسُومَهُ
خَيَاعيلُ رَيْطٍِ سَابرِيٍّ مُرَسَّمِ
ومقدمتها ثانية مقدمات حسان من حيث الطول، وتبلغ ستة عشر بيتًا. وهو يستهلها بالسؤال عن أهل منزل عفت رسومه، وأقوت معالمه، ودرست آثاره حتى غدا كثياب فارسية رقيقة مخططة لا أكمام لها. إنه منزل مقفر خال من آثار الحياة ودلائلها، إلا من ثلاث أثافٍ ركّد، كأنها ثلاث حمائم جُثَّم، ومن وتد بال، وبقايا حائلة كأنها ثوب قديم موشى.
لقد عاثت رياح الصيف في ذلك المنزل، فهي تعتاده مرّة إثر أخرى، فيتجمع هشيمه الجاف على بقايا نؤي قد تثلمت حوافه، وامتدت إليه يد البلى فكسته من سرابيلها الدائرة، كما عبثت في معالمه سحب سود ضخمة كأنها الجبال، يثقلها ما تقل من أمطار، تزجيها الرياح وتقصف في جوانبها الرعود، ويومض البرق، وما تلبث عراها أن تنفصم عن مطر غزير مسح متواصل.
إنه يعهد ذلك المنزل عامرًا بأهله الذين تجمع بينهم البهجة، وترفرف عليهم الغبطة، وتخيم عليهم الأُلفة، وتربطهم أواصر المحبة؛ فهل إلى حبال الود التي رثّت من عودة؟ ويستيقظ الشاعر من تلك الأحلام اللذيذة، والذكريات الوادعة، على قسوة واقعه المر، فقد نأت دار ليلى، وتبدلت بوصلها هجرًا، وبودّها صدًا، وبقربها نأيا، وانبتت حبال الوصل التي كانت ممتدة بينهما، بعد أن أصغت ليلى إلى حديث الواشين والكاشحين.
وإذا كانت الأيام وتقلباتها قد غيرت من مشاعر ليلى نحوه، فإنه ما يزال مقيمًا على الود يتشبث بحباله، ويرعى ذكرياته، ويصون أسراره، ويحرص كل الحرص على كتمانه بين ضلوعه. وسيبقى حفيا بودها، على الرغم من صدها وهجرها، وإصغائها إلى الذين روّجوا عنه الأقاويل والأراجيف. يقول حسان:
خَلاءُ المَبَادِي ما بهِ غيرُ رُكَّدٍ
[ ٧ / ٣٠٠ ]
ثَلاثٍ كأَمْثالِ الحَمَائِمِ جُثَّمِ
وغيرُ شَجِيجٍ ماثِلٍ حالَفَ البِلى
وَغَيْرُ بَقايا كالسَّحيقِ الْمُنَمْنَمِ
تَعِلُّ رباحَ الصيفِ بالي هَشيمِهِ
على ماثِلٍ كالحَوْضِ عافٍ مُثَلَّمِ
كَسَتْهُ سَرابيلَ البِلَى بَعْدَ عَهْدِهِ
وَجَوْنٌ سَرَى بالوابِلِ الْمُتَهَزِّمِ
وكُلُّ حثيثِ الوَدْقِ مُنْبَجِسِ العُرَى
مَتَى تُزْجِهِ الرِّيحُ اللواقِحُ يَسْجُمِ
ضَعيفُ العُرى دانٍ من الأرضِ بَرْكُهُ
مُسِفٍّ كمثْلِ الطَّوْدِ أكظَمِ أَسْحَمِ
وَقَدْ كانَ ذَا أَهْلٍ جميعٍ بغبطة
إذَ الوصلُ وصلُ الودِّ لمْ يَتَصَرَّمِ
وإذْ نحنُ جيرانٌ كثيرٌ بِغِبْطَةٍ
وإِذْ ما مَضَى من عَيْشِنَا لم يُصَرَّمِ
فإِنْ تَكُ ليْلَى قَدْ نَأَتْكَ ديارُها
وَضَنَّتْ بِحَاجَاتِ الفُؤادِ المُتَيَّمِ
وهَمَّتْ بِصَرْمِ الحَبْلِ منْ بعدِ وَصْلِهِ
وَأَصْغَتْ لقوْلِ الكَاشِحِ المُتَزعِّمِ
يُغَيِّرُهُ نَأْيٌ ولوْ لمْ تَكَلَّمِ
وإنْ صَرَّمَ الخُلاَّنُ بالمُتَجَذِّمِ
لَديَّ فَتَجْزِيني بِعادًا وتَصْرمي
وما كَظَّ صَدْري بالحديثِ المُكَتَّمِ
عَليَّ ونَثُّوا غَيْرَ ظَنٍّ مُرَجَّمِ
وحسان في لوحة الطلل في مقدمته السابقة يبدو أكثر ميلًا إلى الاهتمام بالتفاصيل والجزئيات، وأقل تشبثًا بالتركيز والتكثيف. ومع ذلك فهي لم تستوف جميع عناصر المقدمة الطللية التي تمسك بها شعراء المرحلتين الأولى والثانية من العصر الجاهلي.فقد سكت فيها حسان عن كثير من التقاليد الأساسية في المقدمة الطللية، فهو لم يستوقف الصحب، ولم يطلب إلى رفيقيه أن يسعداه بالبكاء، كما لم يسفح الدموع على الطلل المحيل، ولم يحدد مكانه بذكر أسماء المواضع، ولم يعطف بعضها على بعض بالفاء، ولم يتعرض لقطعان الظباء وبقر الوحش والنعام في معرض حديثه عن إقفار الديار ووحشتها، وغض الطرف عن ذكر ما حلّ بها من حيوان.
[ ٧ / ٣٠١ ]
.. ومن جهة أخرى حافظ حسان على عناصر تعد من مقومات المقدمة الطللية، فاستفسر عن الأهل الظاعنين، واسترجع ذكرياته بالديار، وذكر ما تبقى من آثارها، وما درسها من الرياح والأمطار. وشبه بقاياها بخطوط الثوب المطرّز، كما شبه الأثافي بالحمائم الجثم، وذكر ما ذرته الرياح فوقها من هشيم يابس.
ومن مظاهر ميله إلى الاهتمام بالتفاصيل والجزئيات في هذه المقدمة استعانته الواضحة بالتصوير البياني القائم على التشبيه في المقام الأول، ثم على الاستعارة: فقد شبه الرسوم البالية بثوب فارسيّ بلا كمين، خيط أحد شقيه، وبثوب خلق موشى، وشبه الأثافي الباقية بالحمائم الجاثمة، والنؤي الدارس بالحوض الذي تكسرت حوافه. واستعار العلل والنهل لهبوب الرياح على الأطلال مرّة إثر أخرى. وجعل الوتد حليفًا للبلى، والسحاب حين يدنو من الأرض حيوانًا جاثمًا، والرياح تكسو الأطلال سرابيل البلى، وانهمار المطر عليها عرى تنفصم، والسحب الموقرة بالمطر جبالًا سودًا.
ويظهر ميله إلى التفصيل أيضًا في ذكره لما تبقى من آثار الديار، حيث ذكر الأثافي، والوتد والنؤى، ورسم لكل منها صورة بيانية.
وفي ذكره لمنزل أحبته لم يكتفِ بوصفه بالعافي، وبخالي المبادي، وببالي الهشيم؛ بل أضاف إلى هذه الأوصاف تشبيهه بالخياعيل السابرية المرسمة، وبالسحيق المنمنم.
ويبدو هذا الميل أيضًا في وصفه للسحاب وما يتصل به من رعد ومطر، فقد وصفه بأنه أسود، يتفجّر قطره ليلًا بغزارة واستمرار (يسرى بالوابل)، وبأنه منبجس العرى، حثيث الودق، دان من الأرض، يقصف رعده، ويومض برقه. هذا فضلًا عما رسم له من الصور.
[ ٧ / ٣٠٢ ]
.. ويبدو أن هذه اللوحة هي أكثر لوحات حسان الطللية قربًا من مقدمات زهير وأصحابه من شعراء المرحلة الثانية؛ حيث بذل فيها حسان جهدًا فنيًا واضحًا، واهتم بالتفاصيل والجزئيات، وعني باختيار الظلال والألوان، والزوايا، وعبر من خلال الصور البيانية.
وفيما يتعلق باللوحة الغزلية في هذه المقدمة، فقد اقتصر فيها حسان على التعبير عن لواعجه، وعواطفه، وما اكتوى به من وجد، ولوعة، وعلى الحديث عن وفائه، وتشبثه بحب صاحبته، وإنْ بدا منها صدّ وصرم؛ كما عرض لذكريات أيام الوصل، قبل أن يقلب له الدهر ظهر المجن، ويتبدل بالغبطة حزنًا، وبالوصل صرمًا، وبالود هجرًا.
ولكنه ضرب صفحًا عن وصف مشهد الوداع الشائع في المقدمات الغزلية، ولم يصف صاحبته وصفًا حسيًا أو معنويًا؛ أو يتغن بجمالها الجسدي أو النفسي كما لم يصرح بذكر اسمها.
وساد عبارته في هذه اللوحة السرد. وقلّ فيها اعتماده على الصورة، كما هو الأمر في اللوحة السابقة (لوحة الطلل)، فلم يستعن بالصورة إلا في استعارة الحبل لعهد الحب، حيث جعله حبلًا واهيًا منجذمًا رثًا من طرفها، وعلى عكس ذلك من طرفه. كما جنح إلى السهولة والرقة في هذه اللوحة لأنه يعبر عن عواطفه، ويمتح من نفسه، فتخفف من غرابة اللفظ، وجزالة العبارة اللتين وسمتا عبارته في اللوحة الأولى، وفرضهما عليه فيما يظهر تشبثه بتقليد السابقين، ومجاراتهم في لوحة الطلل.
والثانية: قصيدته النونية التي يمدح بها جَبَلة بن الأيهم صاحب التاج الغساني، ومطلعها (٩١):
لمنِ الدّارُ أوْ حَشَتْ بِمَعانِ
بين أَعْلى اليَرْموكِ فالخَمَّانِ
وعدتها عشرة أبيات ذهبت المقدمة منها بثمانية. وفي ذلك ما يشير إلى أن المدح قد حذف منها، لأنها تقف عند قوله:
قدْ أَراني هُنَاكَ حَقَّ مَكِينٍ
عِنْدَ ذي التَّاجِ مَقْعَدي وَمَكَاني
[ ٧ / ٣٠٣ ]
وهي كسابقتها تسهم في تشكيل مقدمتها لوحتا الطلل والغزل. أما لوحة الطلل فيستهلها بالوقوف على بقايا دار أقفرت من ساكنيها، فخيمت عليها الوحشة، وتسللت إليها عوامل البلى، فيسأل عن مصير أهلها الذين هجروها، ثم يحدد موقعها تحديدًا دقيقًا، كأنه يريد أن يحفرها حفرًا في ذهن السامع، مما يدل على شدّة تعلقه بها؛ فيذكر أماكن شامية من أعمال دمشق، بعضها ناء عنها، وبعضها قريب منها، يعد من ضواحيها، وبعضها يقع جنوبي الأردن، أو بين دمشق وبحيرة طبرية، وهي: معان، والخمان، وبلاس، وداريا، وسكاء، وجاسم، وأودية الصفّر، وجميعها من منازل الغساسنة.
ثم يشيد بتلك المواضع، وبما شهدته منازلها من عزّ ومجد، فقد كانت تعج بقنابل الخيل والفرسان، وبكرائم الإبل وبيضها، ويطلق عليها لقب (دار العزيز)، ويستعيد ذكرياته بها، أيام زياراته المتكررة لها في عهد الحارث بن أبي شمر الغساني، فيقول بعد المطلع:
فَسَكَّاءَ فَالقُصُورُ الدَّوانِي
(م)
فَالقُرَيَّاتُ مِنْ بَلاَسَ فَدَارِيَّا
مغنى قَنَابِلٍ وهِجَانِ
(م)
فَقَفَا جاسمٍ فَأَوْدِيةِ الصُّفَّر
وَحُلُولِ عَظِيمةِ الأَرْكَانِ
تِلْكَ دارُ العَزيزِ بَعْدَ أنيسٍ
يومَ حَلَّوا بِحَارثِ الجَوْلانِ
هَبِلَتْ أُمُّهُمْ وَقَدْ هَبِلَتْهُمْ
وهنا ينقلنا من لوحة المكان إلى اللوحة الغزلية، لوحة الإنسان، فيرسم لوحة تعج بالفتنة والحياة، ومظاهر الترف والنعمة، تظهر فيها الجواري الحضريات عاكفات على نظم أكلّة المرجان، أو مجتنياتِ زهور الزعفران، أو متطيبات بدهنه، في مآزرهن البيض الرقيقة، وثياب الكتان المضمخة بالعطور، استعدادًا ليوم عيد الفصح.
[ ٧ / ٣٠٤ ]
.. وينهي حسان لوحته الغزلية بالتعبير عن فتنته وإعجابه بالمرأة الحضرية من خلال موازنة طريفة يعقدها بين ولائد الغساسنة المترفات، والأعرابيات من نساء البادية، اللاتي يجتنين صمغ المغافير أو الثُّمام، ليستعملنه في تلبيد شعورهن، أو ينتقفن الحنظل عند نضجه لاستخراج ما فيه، واستخدامه في إصلاح أحوالهن. يقول:
قد دنا الفِصْحُ فَالَولائدُ يَ
(م)
نْظِمْنَ قُعودًَا أَكِلَّةَ المَرْجَانِ
يَجْتِنينَ الجَادِيَّ في نَقَبِ
الرَّيْطِ عَلَيْها مَجَاسِدُ الكتَّانِ
لمْ يُعَلَّلْنَ بِالمغَافِرِ والصَّمْغِ
(م)
وَلاَ نَقْفِ حَنْظَلِ الشَّرْيَانِ
ولوحة الطلل من مقدمة حسان السابقة تفتقر إلى كثير من العناصر التقليدية للمقدمة الطللية، كاستيقاف الصحب، ومخاطبة الرفيقين، والبكاء على الطلل، وذكر ما بقي من آثار الديار من أثاف، ونؤي، وأوتاد، وغير ذلك، ووصف ما درسها من عوامل الطبيعة، وما حل بها من قطعان الظباء، وبقر الوحش. كما تخلو من الصور التي اعتاد الشعراء الجاهليون رسمها لبعض عناصر المقدمة، مثل تشبيه بقايا الديار بخطوط الثوب المطرز، وتشبيه ما ذرته الرياح من رمال بالطحين المتناثر، وتشبيه الأثافي بالحمائم الجثم.
ويبدو أنّ ما أبقى عليه الشاعر من تلك العناصر قليل قلة واضحة قياسًا إلى ما تخلى عنه، إذ لم يبق إلا على ذكر أسماء المواضع، وتحديدها تحديدًا جغرافيًا دقيقًا، والعطف بينها بالفاء، والاستفسار عن أهلها الظاعنين، واسترجاع شيء من ذكرياته بها. وحتى هذه العناصر طرأ عليها بعض التطوّر، فالمواضع التي ذكرها مواضع شامية، لم تعرفها المقدمات التقليدية قبل حسان.
[ ٧ / ٣٠٥ ]
.. فضلًا عن أن ذكريات الشاعر بتلك الأماكن لا تثير في نفسه الوجد والصبابة بقدر ما تثير الإعجاب بأمجاد الغساسنة وعزّهم. وهو لا يتحدث عن الظعن والمراكب التي تقلّ نساء الحي، وبينهن صاحبته، ولكن عن جماعات الخيل، وكرائم الإبل التي يقتنيها الغساسنة.
وإذا كانت اللوحة الطللية من مقدمته السابقة قد أصابت هذا القدر من التطوّر؛ فإن اللوحة الغزلية من تلك المقدمة قد انحرفت انحرافًا كبيرًا عن مناهج الجاهليين وطرائقهم؛ فهو لم يذكر امرأة بعينها، وإنما وصف الجواري اللاتي كان يراهن في بلاط الغساسنة، ولم يتغن بجمال المرأة الحسي أو النفسي، بل كان مبهورًا بزينتها وعطورها، من أكلّة المرجان، وطيوب الزعفران، ومجاسد الكتان. وعواطفه تجاهها لم تكن هيامًا، ووجدًا، ولهفة، ولوعة؛ ولكن كانت إعجابًا بالطيوب، والثياب، ومظاهر الزينة. وهو لم يتحدث عن محاسنها حديثًا مكشوفًا كما كان يفعل امرؤ القيس أو الأعشى، أو المنخل وسواهم، كما لم يصف مشهد الوداع أو الرحيل. وأهم من ذلك أنه ضمّن لوحته عنصرًا جديدًا لم تعهده المقدمات الغزلية التقليدية، يتمثل في تفضيل المرأة الحضرية التي تعيش في قصور الغساسنة، على البدوية التي تتخذ وسائل الزينة البدائية، فتلبّد شعرها بصمغ الثُّمام، وتنتقف الحنظل.
الصورة الرابعة: المقدمة الظعنية الغزلية
هذه صورة أخرى من صور المقدمات في قصائد حسان الجاهلية، وهي تتألف من لوحتين: لوحة الظعن، واللوحة الغزلية.
ومقدمة الظعن من المقدمات الرئيسة في القصيدة الجاهلية، إذ تتراءَى في سماء الشعر الجاهلي أسراب منها «تعود إلى فترة مبكرة من عمره، تدل بقدمها على رسوخها وأصالتها، آية ذلك أنها تطالعنا في قصائد الشعراء المتقدمين، مثل: المرقش الأكبر، وعبيد بن الأبرص، وسلامة بن جندل، وطفيل الغنوي، وبشر بن أبي خازم» (٩٢) .
[ ٧ / ٣٠٦ ]
.. ولحسان قصيدة جاهلية في الفخر يستهلها بهذه الصورة من صور مقدماته، يبدأُها بلوحة الظعن، وفيها يلتمس من خليله بباب جلِّق أن يتبصر لعله يرى ركبًا قادمين من تلقاء البلقاء، ثم يخبره بأن قافلة صاحبته (شعثاء) قد انطلقت من مكان يسمى المحبس وانحدرت بين المرتفعات، تحمل نسوة حور العيون، نقيات البشرة، بيضاوات الوجوه، يلتحفن ملاءات حريرية، وتبدو عليهن آثار النعمة، والترف.
ويتابع حسان رحلة هاتيك الظعائن، فيخبر صاحبه أنهن قد مررْن ببصرى الشام، واجتزن جبل الثلج (يريد جبل الشيخ) الذي يعانق السحب، يقول (٩٣):
انْظُرْ خَلِيلي بِبابِ جِلَّقَ هَلْ
تُؤْنِسُ دونَ البَلْقاءِ من أَحَدِ
أَجْمَالَ شَعْثَاءَ قَدْ هَبَطْنَ من المَ
حْبَسِ بَيْن الكُثْبَانِ فَالسَّنَدِ
يَحْمِلْنَ حُوَرًاحُوْرَ المَدَامِعِ في الرَّ
يْطِ، وبيضَ الوُجُوهِ كالبَرَدِ
منْ دونِ بُصْرَى وَدُونَها جَبَلُ الثَّلْجِ
عَلَيهِ السَّحَابُ كالقِدَدِ
وفي اللوحة الغزلية من هذه المقدمة يقسم حسان برب الإبل التي ذللها كثرة الارتحال، وما تقطع من صحارى شاسعة، وبرب الإبل التي قرّبت للنحر، يمينًا برة لا يحنث فيها، أنه أحبّها حبًا لم يتطرق إليه وهن، أو يعتريه فتور، وأنه لم يحب امرأة حبه إياها:
إِنِّي وَرَبِّ الْمُخَيَّسَاتِ وَمَا
يَقْطَعْنِ مِن كُلِّ سَرْبخٍ جَدَدِ
وَالبُدْنَ إِذْ قُرِّبَتْ لِمَنْحَرِهَا
حِلْفَةَ بَرِّ اليَمِينِ مُجْتَهِدِ
مَا حُلْتُ عَنْ خَيْرِ مَا عَهِدْتِ وَمَا
أَحْبَبْتُ حُبِّي إِيَّاكِ مِنْ أَحِدِ
[ ٧ / ٣٠٧ ]
وهو في لوحة الظعن لم يأت إلا على ذكر الطريق الذي سلكته الظعائن، حيث وصفه وصفًا دقيقًا يدل على شدّة وجده، وتعلقه بصاحبته (شعثاء)، وذكر عددًا من المواضع الشامية، وهي: البلقاء، وجلق، والمحبس، وبصرى، وجبل الثلج. في حين أغفل كثيرًا من العناصر التي يجدها الدارس في مقدمات الظعن الجاهلية، مثل: وصف الاستعداد للرحيل، ووصف الإبل وهوادجها، وما يعلوها من ثياب وألوان، والحادي والدليل، والغاية، ومنتهى الرحلة. وحتى حين وصف الطريق الذي سلكته الظعائن اكتفى بتحديده، ولم يعرض لما يحف به من مخاطر، وما يتناثر على جانبيه من رمال، وعيون مهجورة، أو صالحة (٩٤) .
ويقابل ذلك استيفاؤه لمعظم عناصر اللوحة الغزلية، فقد وصف صاحبته (شعثاء) وصفًا حسيًا، وتغنى بجمال عينيها الحوراوين؛ وأعرب عن فتنته بوجها الناصع، النقي، ورسم لها ولصواحبها صورة بالغة الدلالة على ذلك النقاء هي صورة البَرَد. وتحدث عن وفائه وإخلاصه لها، وشدّة وجده وهيامه بها، وأقسم على ذلك أغلظ الأيمان إلا إنه لم يبالغ في وصف مظاهر جمالها، ولم يتحسر على أيامه الماضية.
ويبدو حسان في هذه المقدمة مُقْتَصِدًا في استخدام الصورة الشعرية، ميالًا إلى السرد، إذ لم يأت إلا بصورة البَرد، ليعبر من خلالها عن نقاء لون صاحبته، وصورة القِدد وهي القطع ليخلعها على السحب المتناثرة التي تعانق قمة جبل الشيخ.
ولكنه لوّن في صور الأداء، فاستعان بالأساليب الإنشائية كالنداء، والاستفهام، والأمر ليجذب اهتمام السامع؛ وراوح بين الإنشاء والخبر، كما أفاد من أسلوبي القسم والتوكيد في تقوية شحنة العاطفة فيها. وبدا ميالًا إلى التفصيل في صورة الإبل التي تساق للنحر، وفي وصف الطريق الذي سلكته الظعائن.
ولعل من الجديد في هذه المقدمة ذكره للأماكن والمواضع الشامية، وبخاصة جبل الثلج أو جبل الشيخ.
[ ٧ / ٣٠٨ ]
الصورة الخامسة: المقدمة الطللية الظَّعْنيَّة الغزلية
تلتقي في هذه الصورة من صور المقدمات في قصائد حسان الجاهلية ثلاث لوحات: لوحة الطلل، ولوحة الظعن، واللوحة الغزلية.
وبهذه الصورة استهل حسان قصيدته الفخرية الميمية التي مطلعها (٩٥):
ألَمْ تَسْأَلِ الرَّبْعَ الجَديدَ التَّكَلُّمَا
بِمدْفَعِ أَشْدَاخٍِ فَبُرْقَةَ أَظْلَما
وهي من أطول مقدماته. وتقع في ستة عشر بيتًا. وقد افتتحها بلوحة الطلل فوقف عليه، وسأله عن الربع الدارس الذي استعجم عن رد جوابه، وكيف يجيبه رسم أبكم؟ إنه طلل دار تقع في مكان خصيب، يندفع بين ربوعه وادي أشداخ بالقرب من جبل أظلم، مارًا بمنعطف وادي نقيع، حيث تستوي الأرض في بطن يَلْبَن.
لقد أقفرت تلك الديار، وخلت من أهلها الذين عمروها زمنا، فقد غادروها إلى تهامة. إنها ديار صاحبته التي طالما تردّدت على جبلي تغلم، ووادي المراض الذي ترعرع في عدوتيه شجر الأراك وأينع، وتمايلت أغصانه مزهوة بخضرتها.
وحين انقضى فصل الربيع صوّح المرعى، ولم تعد تسمع سوى حمحمة الرعد، تتجاوب أصداؤها مع حنين مطافيل الإبل التي نتجت في فصل الربيع، فيتردد صداه في أكناف وادي العقيق، وهضبة الجمَّاء، حتى إذا ارتفع سحابه فوق تُرْبان، انفصمت عراه، وانهلّ ودقه، وألقى بعاعه، وتمخض عن سيل هادر يقتلع كل ما يعترضه من شجر العضاه. يقول حسان بعد المطلع:
أَبَى رَسْمُ دارِ الحَيِّ أَنْ يَتَكَلَّمَا
وهلْ يَنْطِقُ المَعْرُوفَ منْ كانَ أبْكَمَا
بقَاعِ نَقَيعِ الجِزْعِ من بَطْنِ يَلْبَنٍ
تَحَمَّلَ مِنِهُ أَهْلُهُ فَتَتَهَّمَا
دِيَارٌ لشَعْثَاءِ الفؤادِ وَتِرْبِها
ليَاليَ تَحْتَلُّ المَراضَ فَتَغْلَمَا
وإِذْ هِيَ حَوْرَاءُ المَدَامِعِ تَرْتَعِي
بِمُنْدَفَعِ الوادي أَرَاكًا مُنَظَّمَا
أَقَامَتْ بهِ في الصَّيْفِ حَتَّى بَدَا لهَا
[ ٧ / ٣٠٩ ]
نَشَاصٌ إِذَا هَبَّتْ لهُ الرِّيحُ أرْزَمَا
فَلَمَّا دَنَتْ أغضَادُهُ وَدَنَا لَهُ
منَ الأرْض دَانٍ جَوْزُهُ فَتَحَمْحَمَا
تَحِنُّ مَطَافِيلُ الرِّباعِ خِلالَهُ
إذا اسْتَنَّ في حَافاتِهِ البَرْقُ أَثْجَما
وَكَادَ بأكْنَاف العَقِيقِ وَئيدُهُ
يَحَطُّ من الجَمَّاءِ رُكْنًَا مُلَمْلَمَا
فلما علا تُرْبَانَ وانْهَلَّ وَدْقُهُ
تَدَاعَى وأَلْقَى بَرْكَهُ وتَهزَّمَا
وأَصْبَحَ منْهُ كُلُّ مَدْفَعِ تَلْعةٍ
يَكُبُّ العَضَاهَ سَيْلُهُ مَا تَصَرَّمَا
وواضح أنه لم يبك أو يستبك، ولم يستوقف الصحب، ولم يخاطب الرفيقين اللذين اعتدنا رؤيتهما في مشهد الطلل، ولم يصف ما بقي من آثار الديار، من أثاف، ونؤي وأوتاد، أو ما حل بها من ظباء أو بقر وحشية.
[ ٧ / ٣١٠ ]
.. وخلت هذه اللوحة الطللية من التشبيهات المعهودة، سواء فيما يتعلق بآثار الديار، أو ببقاياها. ولكنها اشتملت على كثير من العناصر التقليدية مثل: ذكر أسماء الأماكن، والعطف بينها بالفاء، وتحديد مكان الطلل تحديدًا جغرافيًا دقيقًا، والسؤال عن أهله الظاعنين. وأسهب في وصف ما غير معالمه، وبخاصة الأمطار، وإن كان قد أغفل ذكر الرياح التي تسفي عليه التراب. فقد انقضى فصل الصيف وأخذت السماء تتلبد بالغيوم، واكفهرَّ الجو، وحمحم البرق في أرجاء وادي العقيق، فامتزج بحنين الإبل التي نتجت في الصيف، وما لبث البرق أن أومض، فانهمر المطر غزيرًا على تُربان وهضبة الجماء، فأسفر عن سيل عظيم يتدافع ماؤه، ويقتلع كل ما يعترض طريقه من الأشجار. وكان ذلك إيذانًا برحيل القوم عن تلك الأماكن بعد أن قضوا فيها فصل الربيع. وهنا تبدأ اللوحة الثانية، لوحة الظعن. وهي لوحة تتحول إلى مشهد يبدأ بصورة صوتية للحي تسمع فيها أصوات الرجال تتعالى، فينادي بعضهم بعضًا، في هزيع الليل الأخير استعدادًا للرحيل، ثم ينقلنا إلى صورة بصرية تظهر فيها الهوادج وقد استوت على عجل فوق ظهور الإبل، تزينها البسط الموشاة بالألوان الزاهية، ومدّت الظعائن أعناقًا كأعناق الظباء من خلال البرود اليمنية الموشاة، وينتهي هذا المشهد بإشارة سريعة إلى أن القوم سيحلون ديار غفار وأسلم، بنواحي تهامة.
ومع أن حسانًا قد أتى في هذه اللوحة على أكثر عناصر مقدمة الظعن، من: وصف الاستعداد للرحيل، ووصف الهوادج، وما تكللت به من أنماط وبرود ملونة؛ وحدّد نهاية الرحلة وغايتها، إلا إنه أغفل ذكر الحادي والدليل، وتجنب وصف الطريق التي سلكتها الرحلة، ولم يتتبع الركب، كما كان يفعل سواه من شعراء المرحلة الثانية من الشعر الجاهلي، ممن وصفوا الظعن. قال حسان:
تَنَادَوْا بِلَيْلٍ فاسْتَقَلَّتْ حُمُولُهُمْ
[ ٧ / ٣١١ ]
وَعَالَيْنَ أَنْماطَ الدِّرَقْلِ المُرَقّمَا
عَسَجْنَ بِأَعْنَاقِ الظِّباءِ وأَبْرَزَتْ
حَواشِي بُرُودِ القِطْرِ وَشْيًا مُنَمْنَما
فَأَنَّى تُلاَقِيهَا إذَا حَلَّ أَهْلُهَا
بِوادٍ يَمَانٍ مِنْ غِفَارٍ وأسْلَمَا
تَلاقٍ بعيدٌ واختلاَفٌ مِنَ النَّوَى
تَلاَقيكُما حتى تُوافيَ مَوْسِمَا
سَأُهْدِي لَهَا في كُلِّ عَامٍ قَصِيدةً
وَأَقْعُدُ مَكْفِيًَّا بِيَثْرِبَ مُكْرَمَا
واللوحة الغزلية، وإن كانت أبياتها قليلة، إلا أنها لا تقل شأنًا عن لوحتي الطلل والظعن. فالمرأة هي باعث التجربة في نفس الشاعر، وشعثاء التي فتنته بعينيها الحوراوين، قد تيمت فؤاده. وبانقضاء فصل الربيع، انطوت صفحة اللقاء، وحل الهجر محل الوصل، وأزف زمن الرحيل، وحالت المسافات بين الشاعر وبين فاتنته شعثاء، وبعدت بينهما الشقة، بعد أن حلّت بوادٍ يمان. ولن يتمكن من ملاقاتها إلا في الموسم القادم. وخلال زمن الفراق الطويل، سيعكف على نظم الشعر، وإهدائه لها، ولن يغامر أو يخاطر بالرحيل إلى منازلها. إنه سينظم الشعر فيها، وهو في مأمن من الأخطار والمتاعب، مكفيّ الحاجات بيثرب، ويؤثر العافية.
وواضح أنّ حسانًا قد ألمّ في هذه اللوحة ببعض عناصر المقدمة الغزلية التقليدية وأعرض عن بعض، وانحرف ببعض.
فوصف جمال صاحبته، ولكنه اكتفى من ذلك بذكر عينيها الحوراوين، ولم يتتبع محاسنها ومظاهر جمالها الحسي أو النفسي.
وعبّر عن افتنانه بها، وحسرته على فراقها، والإحساس بثقل وطأة هجرها على نفسه؛ ولكنه بدا متعقلًا متزنًا، يكبح جماح الهوى، ولا يغامر في سبيله، بل يستمع لنداء العقل، ويؤثر أن يترجم عن مكنون نفسه، ولواعج حبه بالشعر.
[ ٧ / ٣١٢ ]
.. وواضح أن هذا الموقف يحمل بعض ملامح التطور في المقدمة الغزلية، فقد انحرف الشاعر فيه عما نعهده في تلك المقدمة وفي شعر الغزل عامة من تهافت على المرأة، واندفاع ومغامرة، وتجاوز للحراس، والمعشر، وتعرض للقتل، في سبيل الوصول إليها، على نحو ما يصوره امرؤ القيس في معلقته، حيث يقول (٩٦):
تَجَاوَزْتُ أَحْرَاسًَا إِليْها وَمَعْشَرًا
عَلَيَّ حِراصًَا لَوْ يُسرُّونَ مَقْتَلِي
انحرف عن ذلك إلى هذا الهدوء والاتزان الذي أشرنا إليه، والتسامي بعواطفه إلى التعبير الفني عنها وحسب، بدلًا من السعي إلى إشباعها في أرض الواقع:
سأُهْدي إِليْها كلَّ عامٍ قَصِيدةً
وأَقْعُدَ مَكْفِيًَّا بِيَثْرِبَ مُكَرَمَا
الصورة السادسة: المقدمة الطللية الغزلية الوصفية
وهذه صورة أخرى من صور المقدمات في قصائد حسان الجاهلية، حشد فيها الشاعر أربع لوحات، هي: اللوحة الطللية، واللوحة الغزلية، واللوحة الخمرية، ولوحة الناقة؛ فجاءَت حافلة بالألوان والأطياف. وتمثل هذه الصورة، مقدمة قصيدته الميمية المقيدة التي مطلعها (٩٧):
مَاهَاجَ حَسَّانَ رُسُومُ المَقَامْ
وَمَظْعَنُ الحَيِّ وَمْبْنَى الخِيَامْ
وهو يستهلها باللوحة الطللية التي اقتصر فيها على ذكر بعض آثار الديار، من نؤي قد تثلمت حوافه، وبقايا علامات حائلة لمواضع خيام الحي، ومنازلهم؛ مكتفيًا من تحديد موضع ذلك الطلل بذكر أنه واد من أودية تهامة، وبالإشارة إلى ما غير معالمه، وطمس آثاره، من طول العهد، وتقادم الزمن، إذ يقول بعد المطلع:
والنُّؤْيُ قَدْ هَدَّمَ أَعْضَادَهُ
تَقَادُمُ العَهْدِ بِوَادٍ تَهَامْ
[ ٧ / ٣١٣ ]
.. وواضح أن التكثيف في لوحة الطلل عند حسان قد بلغ منتهاه، فلم يذكر الشاعر سوى قليل من عناصر المقدمة الطللية، على نحو من الإيجاز الشديد، وأعرض عن ذكر سائر العناصر والتقاليد؛ فحين ذكر ما غير الديار اقتصر على تقادم العهد، ولم يأت على ذكر الرياح والأمطار؛ وحين عرض لبقايا الديار، اكتفى بذكر النؤي، وتنكب ذكر ما سواه من أثاف، ورماد، ودمن وأوتاد. وخلت اللوحة من التشبيهات المعهودة في اللوحة الطللية.
وينقلنا حسان إلى اللوحة الغزلية، وفيها يعترف بأن الواشين حققوا ما سعوا إليه، فتبدلت شعثاء بوصلها هجرًا، ورثت حبال الود بينها وبينه، فغدا لا يراها إلا في المنام، إذ تعذرت رؤيتها في اليقظة. ثم يصف جمال صاحبته سالكًا إليه سبيل التصوير، فيرسم لها صورة فاتنة إذ يشبهها بظبية مُطفل، ترتعي مع خشفها سفوح جبل برام، ويختار لها مشهدًا فاتنًا، إذ يجعلها ترنو إليه نظرة إشفاق وحنو؛ لأنه ما يزال صغير السن قليل الحيلة، فاتر الطرف، متقارب الخطو، ضعيف الصوت.
ثم يقف عند موضع الفتنة من شعثاء، ثغرها الذي يشبه رضابه ماءً باردًا سلسلًا، ينسكب من بين صخور جبل، فيحفر في أصله، ليتجمع في حوض تراصفت حجارته وتقاربت، وعلاه غمام كثيف، فيقول:
قدْ أدْرَكَ الوَاشُون مَا حَاوَلوا
فالحَبْلُ منْ شَعْثَاءُ رَثُّ الزِّمَامْ
جِنِّيَّةٌ أَرَّقَنِي طَيْفُهَا
تَذْهَبُ صُبْحًَا وتُرَى في المَنَامْ
هَلْ هِيَ إلاَّ ظَبْيَةٌ مُغْزِلٌ
مَأْلَفُها السِّدْرُ بِنَعْفَيْ بَرَامْ
تُزْجِي غَزَالًا فَاتِرًا طَرْفُهُ
مُقَارِبَ الخَطْوِ ضَعيفَ البَغَامْ
كأنَّ فَاهَا ثَغَبٌ بَارِدٌ
في رَصَفٍ تحت ظلالِ الغَمَامْ
[ ٧ / ٣١٤ ]
وواضح أن حسانًا قد ضمن هذه اللوحة أغلب عناصر المقدمة الغزليةالتقليدية، وهو إن فاته وصف مشهد الوداع المعهود في المقدمة التقليدية، إلا إنه استعاض عنه بحديث الواشين. وأجاد حين خلع على صاحبته صورة الظبية المطفل، ووقف عند ثغرها ورضابها، حيث لم يكتف من الصورة بالإجمال، بل أخذ يستقصي جوانبها، ويتتبع جزئياتها، ويولّد في معانيها، حتى بلغ من ذلك كل ما أراد من التعبير عن شدة افتتانه بها.
وينتقل حسان بالقارئ إلى اللوحة الثالثة من مقدمته، اللوحة الخمرية، التي أتى بها على سبيل الاستطراد في وصف رضاب صاحبته، كما فعل الأعشى في مقدمة قصيدته التي مطلعها (٩٨):
أَلَمَّ خَيَالٌ منْ قُتَيْلَةَ بَعْدَمَا
وَهَى حَبْلُهَا منْ حَبْلِنَا فَتَصرَّمَا
حيث جاء بلوحة الخمر لتصوير الأثر الذي تركه طيف صاحبته (قتيلة) في نفسه عندما ألمّ به فقال:
فَبِتُّ كأَنّي شَارِبٌ بَعْدَ هَجْعَةٍ
سُخَامِيَّةً حَمْرَاءَ تُحَسَبُ عَنْدَمَا
إِذَا بُزِلَتْ مِنْ دَنِّها فَاحَ رِيحُهَا
وَقَدْ أُخْرجَتْ مِنْ أسودِ الجَوْفِ أدْهَمَا
لَهَا حَارِسٌ مَا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَهَا
إِذَا ذُبِحَتْ صَلّى عَلَيْهَا وَزَمْزَمَا
ومضى في وصفها.
وفي هذه اللوحة يزعم حسان أن رضاب صاحبته ليس ألذ من الماء الزلال فحسب؛ بل أشهى منه، وإن مزج بصبهاء معتقة في بيت رأس، اعتنى بها صاحبها، وبالغ في حفظها والحرص عليها عامًا بعد عام، مؤملًا أن تعود عليه بربح وفير، ومعلقًا عليها آمالًا عظامًا في ثراء عريض؛ فإذا ما شربت دبت في عروق شاربها دبيب صغار النمل في الرمل المستوى اللين، وسرى الفتور في مفاصله وعظامه، إنها صهباء من خمر بيْسان، يسعى بها ساق أعجمي، مدّهن بالطيوب، يعتمر قلنسوة طويلة، متوقد النشاط، سريع الاستجابة لمن يدعوه، لا يثنيه عن خدمته شيء، يقول، حسان (٩٩):
شُجَ بِصَهْبَاءَ لَهَا سَوْرَةٌ
[ ٧ / ٣١٥ ]
مِنْ بيْتِ رَأْسٍ عُتِّقَتْ في الخِتَامْ
عَتَّقَهَا دَهْرًَا رَجَا بِرِّهَا
يُولي عَلَيْها فَرْطَ عَامٍ فَعَامْ
تَدِبُّ في الجِسْمِ دَبِيبًَا كَمَا
دَبَّ دَبىً وَسْطَ رِقاقٍ هَيَامْ
مِنْ خَمْر بَيْسَانَ يُغَالَى بِها
دِرْيَاقَةٌ تُسْرِعُ فَتْرَ العِظَامْ
يَسْعَى بِها أَحمَرُ ذُو بُرْنُسٍ
مُخْتَلَقُ الذِّفَرَى شّدَيدُ الحِزَامْ
أَرْوَعُ لِلدِّعْوَةِ مُسْتَعْجِلٌ
لَمْ يَثْنِهِ الشَّأْنُ خَفِيفُ القِيامْ
وصورة الساقي الرشيق في مقدمة حسان هذه، تذكرنا بصورته في مقدمة قصيدة الأعشى السابقة الذكر؛ وإنْ كان الأعشى قد أضاف إلى وصف الخمرة والساقي، وصف الكؤوس، والأباريق، والورود، والرياحين، والمغنى، وآلات الطرب والندماء والظرفاء.
ومهما يكن من أمر، فإن دراسة مقدمات حسان الجاهلية، تكشف عن حقيقة أن الأعشى، وعمرو بن كلثوم إنْ صح أنه استهل معلقته بوصف الخمر (١٠٠) ليسا الشاعرين الجاهليين اللذين استهلا بعض قصائدهما بوصف الخمر فحسب، بل يشاركهما في ذلك حسان.
وبذلك يتبين أنه لا مسوّغ لقول الدكتور حسين عطوان «إن الشعر الجاهلي كله فيما نعلم يخلو خلوا تامًا من قصائد بل من قصيدة واحدة افتتحت بوصف الخمر» (١٠١) .
علمًا بأن الدكتور عطوان عاد فاعترف بأنّ للأعشى مقدمة خمرية، فقال في الصفحة التي ورد فيها قوله السابق: «آية ذلك أن ديوان الأعشى لا نظفر فيه بمقدمة خمرية إلا مقدمة قصيدته الخامسة والخمسين» (١٠٢) . وفي الوقت نفسه يغفل الدكتور عطوان لوحة حسان الخمرية الآنفة الذكر.
[ ٧ / ٣١٦ ]
.. وفي اللوحة الرابعة لوحة الناقة يهيب الشاعر بنفسه أن يتناسى ذكر شعثاء التي حققت مآرب الواشين، فقطعت حبل الوصال، بالارتحال على ظهر ناقة ضخمة قوية، طويلة، وافرة النشاط، واسعة الخطو، عقيم، لا تكف عن تحريك رأسها وعنقها من فرط نشاطها؛ ولا يقلل من سرعتها، أو يحد من نشاطها وحيويتها اشتداد الحر، وارتفاع السراب وقت الظهيرة حتى يغطي قمم الآكام يقول حسان (١٠٣):
دَعْ ذِكْرَهَا وَانْمِ إِلى جَسْرة
جُلْذِيّةٍ ذَاتِ مَرَاحٍ عَقَامْ
دِفِقَّةِ المِشْيَةِ زَيَّافَةٍ
تَهْوِي خَنُوفًَا في فُضُولِ الزِّمَامْ
تَحْسِبُها مَجْنُونةً تَغْتَلِي
إِذ لَفَّعَ الآلُ رُءوسَ الأَكَامْ
وقد يقول قائل: إن وصف الناقة ليس جزءًا من المقدمة، وإنّ مقدمة القصيدة قد انتهت بنهاية اللوحة الثالثة، وإن عبارة (دع ذا) التي استهل وصف الناقة دليل على أنه فرغ من المقدمة ودلف إلى غرضه، ذلك لأن العرف الشعري عند العرب قد جرى على أن يقولوا عند فراغهم من المقدمة: «دع ذا، وعدّ عن ذا، ويأخذون فيما يريدون» (١٠٤) .
والرد على ذلك أن أغلب النقاد يعدون وصف الناقة والرحلة عناصر أساسية من المقدمة التقليدية.
ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الدكتور حسين عطوان الذي يقول معلقًا على ما ظنه مقدمة لقصيدة النابغة الذبياني الرائية السابقة الذكر: «ومن الطريف أن مقدمتها التي وصف فيها الأطلال، وصاحبته، ورحلته في الصحراء، وناقته، ومنظرًا من مناظر الصيد تبلغ ما يقرب من خمسين بيتًا» (١٠٥) . وواضح أنه يدرج وصف الرحلة في الصحراء، والناقة، في صميم المقدمة التقليدية، بل يضيف إلى المقدمة لوحة أخرى هي وصف مناظر الصيد.
[ ٧ / ٣١٧ ]
ومنهم الدكتور يوسف خليف الذي يربط القسم الذاتي من القصيدة الجاهلية، المتمثل في المقدمة التقليدية، بحل مشكلة الفراغ في حياة الجاهليين. ويجعل حديث الشاعر الجاهلي عن الخروج إلى الصحراء للرحلة أو الصيد عنصرًا أساسيًا من عناصر المقدمة (١٠٦) . وهو يرى أنّ القصيدة الجاهلية تنحل إلى قسمين أساسيين:
قسم ذاتي: يتحدث فيه الشاعر عن نفسه؛ ويصور فيه عواطفه ومشاعره وانفعالاته. وهو قسم نستطيع أن نضع فيه هذه المقدمات، وما يتصل بها من وصف الرحلة والصحراء.
والقسم الآخر غيري: يتحدث فيه الشاعر عن قبيلته أو يعرض للمدح أو الاعتذار.
إلى أن يقول: «ومن هنا نستطيع أن نتبين السر في حرص شعراء الجاهلية على هذه المقدمات، وما يتصل بها من وصف الصحراء والرحلة» (١٠٧) .
وإلى مثل ذلك يذهب الدكتور وليد قصاب إذ يقول: «فالمعروف أن القصيدة القديمة كانت تقوم على تعدد الأغراض. فالشاعر يفتتحها بالوقوف على الأطلال، والحديث عنها ووصفها، ثم يعرض بعضًا من مناحي فتوته كالغزل ووصف الخمر. وقد يصف لنا رحلته في الصحراء ليعرض من خلال ذلك للحديث عن ناقته والفلاة الواسعة التي قطعها؛ ثم يمضي إلى الغرض الأصيل من القصيدة، فيمدح أو يفتخر أو يعاتب» (١٠٨) .
ويؤكد ذلك الدكتور محمد عبد العزيز الكفراوي وهو يعلل حرص الشعراء الجاهليين على تضمين مقدمات قصائدهم وصف الناقة والصحراء فيقول: «فهم يستعيدون بذكر الناقة والصحراء عصر المخاطرة والفتوة والشباب الذي تركوه وراء ظهورهم، وهو لذلك جزء مكمل لما بدأه الشاعر من الحديث عن عواطفه وذكرياته أثناء الحديث عن المرأة» (١٠٩) .
[ ٧ / ٣١٨ ]
ولابن رشيق القيرواني كلام حاسم في هذه المسألة ساقه في باب المبدأ والخروج والنهاية، فقال: «والعادة أن يذكر الشاعر ما قطع من المفارز، وما أنضى من الركائب، وما تجشم من هول الليل وسهره، وطول النهار وهجيره، وقلة الماء وغؤوره، ثم يخرج إلى مدح المقصود، ليوجب عليه حق القصد، وذِمَامَ القاصد، ويستحق منه المكافأة» (١١٠) .
وهذا غيض من فيض من آراء النقاد الذين نظروا إلى وصف الناقة والرحلة في الصحراء على أنه جزء لا يتجزأ من المقدمة.
ثم أن النظرة الشاملة للقصيدة تبدد أي شك في أن المقدمة لم تنته بنهاية اللوحة الثالثة؛ ذلك لأن الغرض الرئيس للقصيدة هو الفخر الذي يبدأ بعد نهاية لوحة الناقة، بقوله:
قَوْمِي بَنُو النَّجَّارِ إنْ أَقْبَلَتْ
شَهْبَاءُ تَرْمِي أَهْلَهَا بِالْقَتَام
وليس قوله (دع ذا) في أول اللوحة الرابعة دليلًا على أنه قد وصل إلى غرضه؛ وإنما هو إشارة إلى أنه انتهى من لوحة ليشرع في لوحة أخرى من لوحات مقدمته. ومعنى ذلك أن حسانًا قد خرج في مقدمته هذه على العرف الشعري الجاهلي، وتمرد على تقليد من تقاليد المقدمة.
ويذهب الدكتور حسين عطوان إلى أنّ للمقدمة الطللية ثلاثة أشكال لاتتعدّاها إلى غيرها، هي: صورة الطلل بمفردها، وصورة الطلل مع صاحبته، وصورة الطلل والظعن (١١١) .
ولكن يتبين في ضوء دراسة مقدمات حسان الجاهلية أن تقسيم الدكتور عطوان السابق يحتاج إلى مراجعة، إذ يبدو جليًا أن صور المقدمة الطللية تتجاوز الأشكال التي حددها الدكتور عطوان إلى أشكال أخرى، مثل: المقدمة الطللية الظعنية الغزلية (الصورة الخامسة)، وهي التي تضم لوحة الطلل، ولوحة الغزل، ولوحة الظعن. كما يجد القارئ في قصيدة حسان الميمية التي مطلعها (١١٢):
أَلَمْ تَسْألِ الرَّبْعَ الجَديدَ التَّكَلُّمَا
بِمَدْفَعِ أَشْدَاخٍ فَبُرْقَةَ أَظْلَمَا
[ ٧ / ٣١٩ ]
والمقدمة الطللية الغزلية الوصفية (الصورة السادسة) التي تتألف من: لوحة الطلل، واللوحة الغزلية، واللوحة الوصفية الخمرية، ولوحة الناقة، كما هو الحال في مقدمة القصيدة التي نحن بصددها.
الصورة السابعة: مقدمة الطيف والرحلة
مقدمة الطيف من المقدمات الثانوية التي لم يكثر منها الشعراء في العصر الجاهلي، فهي قليلة الورود، محدودة المعاني، لم يتوسع الشعراء فيها «بل كرّروا نفس المعاني والجزئيات في إيجاز شديد» (١١٣) .
وفيها يتحدث الشاعر «عن طيف الحبيبة الذي يخترق أستار الظلام، ويسري في ظلمات الليل، ليزور الشاعر في أحلامه، فيؤرقه ويعيده إلى ذكريات ماضية، ويثير في نفسه مشاعر الشوق والحنين الكامنة في أعماقه، ويجسم إحساسه بالبعد والحرمان» (١١٤) .
وقد يضيف بعض الشعراء إلى ذلك تعجبهم من اهتداء الطيف إليهم، وقطعه المفاوز حتى ألم بهم (١١٥) .
يقول الشريف الرضي (ت سنة ٤٣٦هـ): «وتعجب الشعراء كثيرًا من زيارة الطيف على بعد الدار، وشط المزار، ووعورة الطريق، واشتباه السبل، واهتدائه إلى المضاجع من غير هاد يرشده، وعاضد يعضده، وكيف قطع بعيدًا المسافة بلا حافر ولا خف في أقرب مدّة، وأسرع زمان» (١١٦) .
وقد ذكر الدكتور يوسف خليف أن من أصحاب مقدمات الطيف في العصر الجاهلي بشامة بن الغدير، وتأبط شرًا، وعمرو بن الأهتم (١١٧) . وأضاف الدكتور عطوان إليهم المخبل السعدي، وخفاف بن ندبة (١١٨) . ولم يذكر أي منهما حسان في هذا المجال.
وتسهم في تشكيل هذه الصورة من مقدمات حسان الجاهلية لوحتان: لوحة الطيف، ولوحة الرحلة. وبهذه الصورة افتتح حسان قصيدته الرائية التي مطلعها (١١٩):
حَيِّ النَّضِيرَةَ رَبَّةَ الخِدْرِ
أَسَرَتْ إِلَيْكَ وَلَمْ تَكُنْ تَسْرِي
[ ٧ / ٣٢٠ ]
وهو يستهلها بلوحة الطيف، حيث يوجه تحيته إلى صاحبته (النضيرة) ربة الخدر، التي زاره طيفها ليلًا، وهو نائم؛ على الرغم من صدّها وهجرها في اليقظة، ثم يبدي استغرابه من اهتداء ذلك الطيف إليه، على الرغم من بعد الشقة، ونأي المسافات، وتوغل الشاعر وصحبه في البيداء، ونزولهم في مكان مقفر موحش. قال حسان بعد المطلع:
فَوَقَفْتُ بِالبَيْدَاءِ أَسْأَلُهَا
أَنّى اهتَدَيْتِ لِمَنْزلِ السَّفْر
ثم ينقلنا إلى اللوحة الثانية، لوحة الرحلة، وفيها يصف رحلته في الصحراء وهي رحلة شاقة، طال فيها السفر، واشتد الحر، وأدرك المطايا الإعياء فكف السَّفْر عن زجرها، وأرخوا أعنتها، إشفاقًا عليها، لما لمسوه فيها من الإنهاك والإرهاق، بعد أن انبرى لحمها، واستبان لهم ضمورها.
لقد ظل الشاعر وصحبه في تلك الرحلة يصرون على مواصلة السير، حتى في وقت القيلولة، حين تتوسط الشمس في كبد السماء، على الرغم من ثقل ذلك على نفوسهم، وشدّة إحساسهم بطول النهار؛ على إبل نجيبة، ضامرة سريعة، موائل الرؤوس من جذب الأزمة، تتدفق نشاطًا وحيوية، وتعطي أقصى ما تستطيع من قدرة عن طواعية، دون حاجة إلى زجر أو حث، لا يعيقها عن السير في لفح الهواجر عائق، فتراها تزفر في بُرى النحاس المعلقة في مناخرها. وإذا ما أناخت للراحة في منزلة من منازل الطريق، تراها كالقطا الجثم التي اختلط سوادها بصفرة. وما تلبث أن تنهض مستأنفة سيرها، تحت وقد الظهيرة، في الوقت الذي يرتفع الحرباء على عوده، ويهم بالحركة، ويتعالى صرير الجنادب، يقول حسان:
وَالعِيسُ قَدْ رُفِضَتْ أَزِمَّتُها
مَمَّا يَرَوْنَ بِهَا مِنَ الفَتْرِ
وَعَلَتْ مَسَاوِيها مَحَاسِنَهَا
مِمَّا أَلَحَّ بِهَا مِنَ الضُّمْرِ
حتّى إِذَا رَكَدَ النَّهارُ لَنَا
نَغْتَالُهُ بِنَجَائبٍ صُعْرِ
عُوجٍ نَوَاجٍ يَعْتَلِينَ بِنَا
يُعْفَين دًونَ النَّصِّ والزَّجْرِ
[ ٧ / ٣٢١ ]
مُسْتَقْبِلاتٍ كُلَّ هَاجِرَةٍ
يَنْفُخْنَ فِي حَلَقٍ مِنَ الصُّفْرِ
وَمُنَاخُهَا في كلِّ مَنْزِلَةٍ
كَمَبِيتِ جُونيِّ القَطَا الكُدْرِ
وَسَمَا عَلى عُودٍ فَعَارَضَنَا
حِرْبَاؤُهَا أَوْ هَمَّ بِالخَطْرِ
وَتَكَلُّفِي اليَوْمَ الطَّويلَ وَقَدْ
صَرَّتْ جَنَادِبُهُ مِنَ الظُّهْرِ
ومن الواضح أن حسانًا قد ضمن لوحة الطيف في هذه المقدمة معظم العناصر التقليدية التي ذكرها الشريف الرضي، والدكتور خليف والدكتور عطوان لتلك اللوحة، ولكن على نحو من الإيجاز والتكثيف.
وبقدر ما أوجز في لوحة الطيف أسهب في لوحة الرحلة، فأفاض في وصف طولها، وما لحق المطايا من أين وكلال؛ وأفاض في وصف ظواهر الطبيعة القاسية ليصل بالرحلة إلى أقصى غاية من الصعوبة، وليضاعف شحنة الاستغراب من قدرة الطيف على قطع المسافات التي قطعها الشاعر وصحبه، وهو الضعيف الذي ليس في قدرته ذلك.
الصورة الثامنة: مقدمة وصف الليل والظُّعن
تتضافر على تكوين هذه الصورة من صور مقدمات حسان الجاهلية لوحتان، هما: لوحة وصف الليل، ولوحة الظعن.
ومقدمة وصف الليل من المقدمات القليلة «التي لم يحرص الشعراء على افتتاح قصائدهم بها كثيرًا» (١٢٠) .
وقد افتتح حسان بهذه الصورة قصيدته البائية التي مطلعها (١٢١):
تَطَاولَ بالخَمَّانِ لَيْلِي فَلَمْ تَكَدْ
تَهُمُّ هَوَادِي نَجْمِهِ أَنْ تَصَوَّبَا
[ ٧ / ٣٢٢ ]
فاستهلها بلوحة وصف الليل، وفيها يشكو من هم ثقيل يلقي عليه بجرانه، ويجثم على صدره، فيجعله يحس بأن الليل بالخمان أطول مما عهده بكثير، فيحاول أن يقطعه بمراقبة النجوم، والتلهي بعدها، ومتابعة حركتها، حتى لكأنه موكل بها؛ أو كأنما قطع على نفسه عهدًا بألا يخلد إلى النوم حتى يتأكد من غياب آخر نجم منها. وقد أبت تلك النجوم الحركة، حتى إن أوائلها لا تغيب أبدًا، فضلًا عن أواخرها. وها هو ذا يراقب حركتها البطيئة، وقد جفا النوم عينيه، ويتابعها نجما نجما، فيهيأ له أنها إبل مُعيِيَة يظلع بعضها في إثر بعض.
ولا يلبث الشاعر أن يكشف عن سبب ذلك الهم الثقيل الذي يحول بينه وبين النوم، فإذا به الخوف من فراق صاحبته المفاجئ، أو مباغتة قومها له بالرحيل، يقول حسان بعد المطلع:
أَبيتُ أُرَاعيَها كَأَنّي مُوَكَّلٌ
بِهَا ما أُرِيدُ النَّوْمَ حتَّى تَغَيَّبَا
إِذَا غَارَ مِنْهَا كَوْكَبْ بَعْدَ كَوْكَبٍ
تُرَاقِبُ عَيْنِي آخِرَ الَّليْلِ كَوْكَبَا
غَوَائِرَ تَتْرَى من نُجُومٍ تَخَالُهَا
مَعَ الْصُّبْحِ تَتْلُوهَا زَوَاحِفَ لُغَّبَا
أَخَافُ فَجَاءَاتِ الفِراقِ ببَغْتَةٍ
وَصَرْفَ النَّوَى من أنْ تُشِتَّ وَتَشْعَبَا
وهموم حسان الثقيلة، وليله الطويل الذي لا تتحرك نجومه نحو المغيب، تذكرنا بهموم النابغة، وليله، ونجومه. في بعض مقدماته التي وصف فيها الليل.
[ ٧ / ٣٢٣ ]
.. وتسلمنا لوحة وصف الليل وتداعياتها في مقدمة حسان السابقة إلى لوحة الظعن. وقد رأيناه يختم الأولى بإبداء مخاوفه من فجاءَات الفراق، وصروف النوى. فإذا به يستهل الثانية بتأكيد أن مخاوفه قد تحققت، فقد أخذ رجال الحي في تقويض الخيام، وزمّ الأمتعة، استعدادًا للرحيل؛ وتعالت أصواتهم تنبئ عن وشك الفراق، وارتفع الصوت المشؤوم، صوت الغراب ينعب من على غصن شجرة بانٍ قريبة، منذرًا باغتراب الأحبة وبَيْنِهِم، فأيقن الشاعر بحتمية وقوع ما كان يحذره، وعزّز ذلك في نفسه مرور الطير عن يساره، مما ضاعف تشاؤمه.
ويكمل حسان هذه اللوحة المؤثرة بوصف أثر الفراق في نفسه، فيبين أنّ مشهد تقويض الخيام أصابه بالذهول، وجعله في حيرة تركت رأسه أشيب، ودب في نفسه صراع بين العاطفة والعقل، فقلبه يهيب به أن يمتطي ناقته، ويخف في أثرهم، وعقله يأمره بتوخي الاتزان.
ولا يغفل الشاعر عنصر الزمن في هذه اللوحة، فيحدده بوقت الأصيل، عندما أخذت الشمس تجنح نحو المغيب، يقول حسان:
وَأَيْقَنْتُ لَمَّا قَوَّضَ الحَيُّ خَيْمَهُمْ
بِرَوْعَاتِ بَيْنٍ تَتْرُكُ الرّأْسَ أَشْيَبَا
وأِسْمَعَكَ الدَّاعِي الفَصِيحُ بِفُرْقَةٍ
وَقَدْ جَنَحَتْ شَمْسُ النَّهارِ لتَغْرُبَا
وَبيَّنَ في صَوْتِ الغُرابِ اغْتَرابُهُمْ
عَشِيَّةَ أوْفَى غُصْنَ بانٍ فَطَرَّبَا
وفي الطَّيْرِ بالعَلْيَاءِ إِذْ عَرَضَتْ لنَا
وَمَا الطَّيْرُ إِلاَّ أَنْ تَمُرَّ وَتَنْعَبَا
غَداةَ انْبَرى قَلْبي يُنَازِعُهُ الهَوَى
أنازِعُ نفْسي أنْ أقُومَ فَأرْكَبَا
[ ٧ / ٣٢٤ ]
.. ومن الواضح أنّ الشاعر قد أغفل كثيرًا من تقاليد مقدمة الظعن وعناصرها التي تواضع عليها من سبقوه من شعراء الجاهلية؛ فلم يصف الإبل، وما حملت من هوادج، وثياب، ولم يتحدث عن ألوانها وشياتها، كما لم يتطرق إلى الحادي والدليل، وحرّاس القافلة الأشداء، ولم يلمّ بالطريق الذي ستسلكه الظعن، وما يحفّ به من مخاطر، وما يتناثر على جانبيه من عيون مهجورة أو صالحة، كما لم يكشف عن أسباب الرحيل، ولا عن الغاية التي ستنتهي إليها الرحلة.
وإذا كان حسان قد عدل عن كل هذه العناصر التي تُعَدُّ من مقومات مقدمة الظعن، فإنه قد أضاف عنصرًا جديدًا مهمًا إلى تلك المقدمة، هو صورة الغراب، الذي يمثل في الوجدان العربي رمز التشاؤم، والفراق، والبين، كما أفاد من أسطورة (١٢٢) السانح والبارح التي كان يؤمن بها كثير من الجاهليين. وفي الوقت نفسه أسس للربط القوي بين لفظ (الغراب) ومعنى الاغتراب أو الغربة، وبين لفظ (البان) ومعنى البين، هذا التأسيس الذي أكثر الشعراء العرب بعده من استلهامه والنسج على منواله.
وبهذا يكون حسان قد تطوَّر بمقدمة الظعن تطورًا ذا شأن عندما وظف بعض العناصر الأسطورية، واستعان بها في رسم جو التشاؤم والخوف محققًا بذلك تميزًا عن سابقيه، وممهدًا للتوسع في ذلك عند من جاء بعده من الأمويين وسواهم، ولا سيما جرير الذي ردد هذا العنصر كثيرًا في مقدمات الظعن التي استهل بها بعض قصائده.
[ ٧ / ٣٢٥ ]
.. وقد عرض الدكتور حسين عطوان لمقدمة الظعن في العصر الجاهلي عند نفر من الشعراء المرموقين، مثل: المرقش، وعبيد بن الأبرص، وسلامة بن جندل، وبشر بن أبي خازم، وزهير، والممزق؛ وانتهى إلى تحديد أهم عناصرها، وأبرز مقوماتها وتقاليدها (١٢٣) . وإن لم يتعرض لأحد عناصرها المهمة، وهو غراب البين، والتشاؤم به، وتوقع الفراق، ورحيل الأحبة عند نعيبه؛ لأن العرب إنما سمّوه «غراب البين» «لأنه إذا بان أهل الدار وقع في مواضع بيوتهم، يلتمس ويتقمقم، يتشاءَمون به ويتطيرون منه» (١٢٤) كما يقول الجاحظ.
وعندما عاد الدكتور عطوان إلى الحديث عن المقدمة نفسها عند الشعراء الأمويين، وقف وقفة طويلة عند هذا العنصر «غراب البين» في مقدمات الظعن عند جرير الذي اتخذ الغراب رمزًا لكثير من مقومات تلك المقدمة وتقاليدها (١٢٥) . وشغل به «لما يثيره في النفوس من الخواطر، وما يبعثه فيها من المعاني التي تتلاءَم مع مواقف التحمل ومشاهد الارتحال، فأخذ يذيعه في مقدماته، ويلح عليه مستعيضًا به عن كثير من أوصافها وتقاليدها» (١٢٦) .
وعندما وازن الدكتور عطوان بين الفرزدق وجرير والأخطل، فيما يتعلق بافتتاح قصائدهم بمقدمة الظعن، جعل أبرز ما يتميز به جرير في ذلك المجال «استغلال المعاني الأسطورية التي تتصل بالغراب، والتي كانت شائعة بين العرب» (١٢٧) .
وحديث الدكتور عطوان في هذا الموضوع بمجمله يدل على أن مقدمات الظعن قبل العصر الأموي لم تتطرق إلى ذلك العنصر (غراب البين)، وإن لم ينص على ذلك صراحة. والحقيقة أن دراسة مقدمات حسان الجاهلية تكشف عن أنه سبق جريرًا إلى استغلال هذا العنصر الأسطوري، وتضمينه مقدماته الظعنية، كما تشهد لوحته السابقة.
[ ٧ / ٣٢٦ ]
.. ولعلّ فيما يتصل بما نحن بصدده من تجديد حسان في مقدمة الظعن ما ذهب إليه الدكتور عطوان أيضًا من أن مقدمة الظعن قد «تحولت إلى اتجاه فرعي عند الشعراء المخضرمين» (١٢٨) . بعد أن كانت من الأشكال الأساسية للمقدمات في الجاهلية
فقد تبين من خلال دراسة مقدمات حسان الجاهلية أن لوحة وصف الظعن تحتل المركز الثالث بين اللوحات التي شكلت مقدماته، حيث تشكل ١٤.٢٨% ولها ثلاث لوحات. ولا يتقدمها سوى اللوحة الغزلية، وتحتل المركز الأول وتشكل ٣٣.٣٣% ولها سبع لوحات، واللوحة الطللية، التي تحتل المركز الثاني وتشكل ٢٨.٥٧% ولها ست لوحات، وتسبق هي لوحة الرحلة والراحلة التي تشكل ٩.٥٢% وتحتل المركز الرابع ولها لوحتان، ولوحة الطيف، والخمر، ووصف الليل، وتحتل كل منها المركز الخامس وتشكل ٤.٧٦% ولكل منها لوحة واحدة.
والجدول الآتي يوضح ذلك:
ترتيبها
نسبتها
عدد مرات ورودها
نوع اللوحة
المركز الأول
٣٣.٣٣%
٧
الغزلية
المركز الثاني
٢٨.٥٧%
٦
الطللية
المركز الثالث
١٤.٢٨%
٣
الظعنية
المركز الرابع
٩.٥٢%
٢
الرحلة والراحلة
المركز الخامس
٤.٧٦%
١
الخمرية
المركز الخامس مكرر
٤.٧٦%
١
الطيف
المركز الخامس مكرر
٤.٧٦%
١
وصف الليل
٩٩.٩٨%
٢١
المجموع
وقد يؤكد ذلك أنّ مقدمة الظعن لم تتحول إلى اتجاه فرعي عند حسان، فلم يتقدمها سوى لوحتي الغزل والطلل، في حين تقدمت هي لوحات الرحلة والراحلة، والخمر، والطيف، ووصف الليل. هذا فضلًا عن أنها تشكل ١٤.٢٨% من مجموع لوحات المقدمات في قصائد حسان الجاهلية.
وفي ضوء هذا التحليل تظهر ضرورة إعادة النظر في حكم الدكتور عطوان السابق.
المحور الثالث: مظاهر التطور في مقدماته الجاهلية
[ ٧ / ٣٢٧ ]
.. يتبين من العرض السابق أن حسانًا قد تناول في مقدماته الجاهلية معظم الاتجاهات التقليدية للمقدمات، ما كان منها عامًا، أو فرعيًا أو ثانويًا. ولكن من الملاحظ أنه لم يستهل أيًّا من قصائده ببكاء الشباب، أو الفروسية أو الشكوى أو الحكمة.
كما يلاحظ أن اللوحات الغزلية في مقدماته، تفوق اللوحات الطللية عددًا، وهو في ذلك يخالف الرأي السائد الذي يذهب إلى أن المقدمة الطللية «أكثر المقدمات انتشارًا في صدور قصائد الشعراء الجاهليين» (١٢٩) .
والمتأمل في المقومات والعناصر التي اشتملت عليها مقدمات حسان الجاهلية يتبين أنه قد تخلى عن بعض العناصر التقليدية تخليًا تامًا. كما يتبين أن مقدماته تتكون من: عناصر ثابتة، وعناصر متغيرة، وعناصر جديدة.
فثمة عناصر ومقومات أبقى حسان عليها، والتزم بها في جميع مقدماته، وحافظ عليها، وحذا فيها حذو سابقيه.
وثمة عناصر لم يلتزم بها التزامًا تامًا، ولم يتخلَّ عنها تخليًا كليًا، ولكن ظهرت في بعض مقدماته، واختفت في بعضها الآخر.
وثمة عناصر جديدة، وهي ضربان: ضرب انحرف به حسان عن مساره السابق، وضرب من ابتكار حسان وسبقه، وسألقي الضوء على كلّ من هذه الاتجاهات في مقدمات حسان الجاهلية مركّزًا على لوحاته الغزلية والطللية والظعنية، وهي اللوحات الرئيسة في مقدماته الجاهلية.
أولًا العناصر التي تخلى عنها:
يلاحظ الدارس أن لوحات حسان الجاهلية تخلو من بعض العناصر والتقاليد التي تعد من المقومات الرئيسة للمقدمات الطللية والغزلية والظعنية، وفي ذلك دليل على رغبة حسان في التخلص من بعض قيودها الموروثة.
فلوحاته الطللية تخلو من استيقاف الصحب، ومن ظهور الرفيقين معه على المسرح الطللي، يخاطبهما ويطلب إليهما إسعاده بالبكاء. كما تخلو من وصف ما حل بالأطلال من حيوانات برية كالظباء، والنعام، وبقر الوحش وحمره وأتنه.
[ ٧ / ٣٢٨ ]
.. وهو لا يذكر ما ذرته الرياح على الطلل من رمال كما استقر في العرف الجاهلي، وبالتالي تخلو لوحاته الطللية من تشبيه الرمال التي تسفيها الرياح بالدقيق المتناثر أو خلافه، وهو تشبيه لا يكاد يغيب عن لوحة الطلل في المقدمات الجاهلية التقليدية. وفي اللوحة الوحيدة التي ذكر فيها الرياح لم يعرض للرمال التي تسفيها وإنما عرض لأوراق الشجر اليابسة التي تعصف بها،
فقال (١٣٠):
تَعِلُّ رِيَاحُ الصَّيْفِ بَالي هَشِيمِهِ عَلَى مَاثِلٍ كَالحَوْضِ عَافٍ مُثّلَّمِ
ويكاد حسان أن يتخلى عن عنصر مهم آخر، بل مقوم رئيس من مقومات المقدمة الطللية، وهو البكاء على الطلل، فلم يقف حسان بالطلل باكيًا إلا في لوحة واحدة، وبكاؤه لم يكن على أحبته الظاعنين، بل على أمجاد الغساسنة وعزِّهم.
وكان الدكتور يوسف خليف قد لاحظ اختفاء عنصر البكاء على الأطلال في مقدمات زهير ومدرسته، وأن زهيرًا «يقف بالأطلال هادئًا رزينًا، يرى الحب وفاءً صامتًا، وأحزانًا تطويها الأعماق، لا دموعًا تفيض من العينين حتى تبلّ محامل السيف» (١٣١) . كما هو شأن امرئ القيس.
ومعنى ذلك أن حسانًا قد سار على نهج زهير ومدرسته لافي التخلي عن البكاء فحسب، بل في اختفاء الرفيقين عن مسرح الطلل. بل تجاوز زهيرًا ومدرسته فتخلى عن استيقاف الصحب، ووصف ما حل بالأطلال من حيوانات الصحراء، وعن ذكر ما ذرته الرياح على الطلل من رمال.
[ ٧ / ٣٢٩ ]
.. وتخلو لوحاته الغزلية من وصف مشاهد الوداع والرحيل، وما تثيره في نفس الشاعر من حزن ولوعة، وحنين وأسى، كما تخلو مما نجده عند سابقيه من حرص على تبيان محاسن صواحبهم، وتتبعها غير تاركين شيئًا منها. فحسان كما يبدو في لوحاته الغزلية ليس من شعراء الغزل الذين يشفُّهم الهوى، فيذوبون شوقًا ولوعة. وربما يؤيد سائر شعره ما نذهب إليه، فهو يكثر من الفخر بقومه وبنفسه أمام المرأة، بل يصرح بأنه لن يخاطر أو يغامر في سبيل زيارتها إذا ما نأت دارها، وشط مزارها، ويعلن أنه سيكتفي بنظم الشعر وإهدائه لها، وينتظر لقاءَها في الموسم القادم. انظر إلى قوله: (١٣٢)
سَأُهْدِي إِلَيْها كُلَّ عَامٍ قَصِيدَةً
وَأَقْعد مَكْفِيًَّا بِيَثْرِبَ مُكْرَمَا
ثانيًا العناصر الثابتة:
وهي العناصر التي تشبث بها حسان، فظهرت في جميع لوحاته، وهي قليلة إذا ما قيست بالعناصر المتغيرة. وقد يحمل هذا إشارة أخرى لنزوع حسان إلى التحرر من المقومات الموروثة للمقدمة التقليدية. والعناصر الثابتة في لوحات حسان الطللية ثلاثة، هي: مساءَلة الطلل عن أهله الراحلين، واسترجاع ذكرياته به، ووصف ما يحف به من وحشة وإقفار.
وأما لوحاته الغزلية، فهو لم يتمسك فيها إلا بعنصر ثابت واحد، وهو الحديث عن عواطفه، وما يحس به من وجد، وسهد، وحنين تجاه صاحبته. وتمسكه بهذا العنصر ليس تامًا. فهو في لوحته الغزلية التي تضمنتها مقدمة قصيدته النونية، التي مطلعها: (١٣٣) .
لِمَنِ الدَّارُ أَوْحَشَتْ بِمَعَانِ
بَيْنَ أَعْلَى اليَرْموكِ فَالخَمَّانِ
لم يكشف عن شيء من عواطفه.
وليس في لوحاته الظعْنيَّة أيّ عنصر ثابت. وأما لوحته الخمرية فيحتفظ فيها بصورة الساقي الرشيق، فحسب. وأما في لوحة الطيف فيتمسك بقدر أكبر من العناصر الموروثة، مثل: التعجب من اهتداء الطيف إليه، وقطع المفاوز المهلكة، وزيارته في صحراء نائية.
[ ٧ / ٣٣٠ ]
ثالثًا العناصر المتغيرة:
وهي العناصر التي تظهر في بعض لوحاته، وتختفي في بعضها الآخر، تبعًا لعوامل لا يمكن حصرها؛ أو الوقوف عليها؛ وفي مقدمتها الحالة النفسية والتجربة الشعرية، والموقف الانفعالي أو الشعوري الذي يعيشه الشاعر عند نظم قصيدته، وطبيعة الشاعر الفنية. ومن هنا كان من الطبعي أن تختلف هذه العناصر من شاعر لآخر، ومن قصيدة لأخرى عند الشاعر نفسه، في التفاصيل والجزئيات، وحضور بعض العناصر وغيابها، «وهو اختلاف لا بد منه في الأعمال الفنية، وإلا فقدت هذه الأعمال أهم عنصر فيها وهو التعبير عن الشخصية» (١٣٤) .
والعناصر المتغيرة في لوحات حسان الطللية كثيرة، هي: ذكر أسماء المواضع، والعطف بينها بالفاء، وتحديد مكان الطلل، وذكر ما تبقى من آثار الديار، وما غيرها من عوامل الطبيعة، أو تقادم الزمن، وتشبيه بقاياها بالثوب الموشى أو الوشم أو آثار الكتابة المطموسة أو غير ذلك، وتشبيه الأثافي بالحمائم الجثم، أو الملتفة حول فرخ لها.
وهي في لوحاته الغزلية التغني بجمال المرأة الحسي أو المعنوي أو بهما معًا، واسترجاع ذكرياته معها، والتحسر على أيامه الماضية، فضلًا عن التصريح بذكر اسمها.
وفي لوحة الظعن، وصف الاستعداد للرحيل، ووصف الإبل وهوادجها، والطريق الذي سلكته القافلة، وما يحف به من مخاطر، وما تناثر على جانبيه من رمال وعيون، وذكر المكان الذي انتهت إليه رحلة الظعائَن، وسبب الرحيل، والحديث عن غراب البين، رمز التشاؤم.
رابعًا العناصر الجديدة في مقدمات حسان:
لم يقتصر نزوع حسان إلى التحرر من قيود المقدمة التقليدية على التخلي عن بعض مقوماتها، بل تعداه إلى محاولات تجديدية تتمثل في إضافة عناصر جديدة إلى تلك المقدمة، أو الانحراف بالعناصر التقليدية الموروثة إلى عناصر يستوحي فيها حياته الخاصة، وتجاربه الذاتية.
[ ٧ / ٣٣١ ]
.. وكانت مقدمة القصيدة قد انتهت إلى حسان وطبقته وهي تحمل كثيرًا من بصمات مدرسة الصنعة وطوابعها التي تتمثل في عدد من التقاليد، من: «عناية بالتفاصيل والجزئيات، وجنوح إلى التعبير بالصورة، وحرص على استكمال عناصرها، وخطوطها، وألوانها، ووضع اللمسات الفنية الأخيرة عليها، واهتمام بانتقاء الألفاظ واختيارها، وإحكام لصياغة العبارات، وبراعة في توليد المعاني الدقيقة، والغوص خلف الأفكار العميقة» (١٣٥) .
والمتأمل في مقدمات حسان الجاهلية يجد أنه لم يحرص على هذا الإرث الفني، بل تمرد عليه، في أكثر مقدماته؛ فمال إلى التركيز والتكثيف بدل العناية بالجزئيات والتفاصيل، والألوان، والظلال. ويبدو ذلك واضحًا في قصيدته اللامية التي مطلعها: (١٣٦) .
أَسَأَلْتَ رَسْمَ الدَّارِ أَمْ لَمْ تَسْأَلِ
بَيْن الجَوَابِي فَالبُضَيعِ فَحَوْمَلِ
وربما تبدو هذه الظاهرة أوضح ما تبدو (١٣٧) في قصيدته العينية التي مطلعها (١٣٨):
بَانَتْ لَمِيْسُ بِحَبْلٍ مِنْكَ أَقْطَاعِ
واحْتَلَّتِ الغَمْرَ تَرْعَى دَارَ أشْرَاعِ
كما تظهر بوضوح في لوحة الطلل من مقدمة قصيدته الميمية المقيدة التي مطلعها: (١٣٩) .
مَا هَاجَ حَسَّانَ رُسُومُ المَقَامْ
وَمَظْعَنُ الحَيِّ وَمَبْنَى الخِيَامْ
حيث تصل هذه الظاهرة إلى أوجها.
ويلمس المتأمل في مقدمات حسان الجاهلية ميل حسان الواضح إلى الاقتصاد في التعبير بالصورة الشعرية في أكثر مقدماته، حتى ليمكن القول إن ذلك من الملامح المميزة للمقدمة عنده، بخلاف زهير ومدرسته. وتكفي هنا الإشارة إلى قصائده: الميمية، واللامية، والطائية، حيث جرى الحديث بالتفصيل عن ذلك في أثناء عرض صور مقدماته.
[ ٧ / ٣٣٢ ]
ويجد الدارس فضلًا عن ذلك كثيرًا من مظاهر الجدة في مقدمات حسان الجاهلية إذا ما قيست عناصرها ومقوماتها بتلك التي كانت سائدة في مقدمات سابقيه. كما يجد مظاهر أخرى للانحراف ببعض عناصر المقدمة ومقوماتها نحو التعبير عن معان وأحوال تتصل بحياة حسان، وظروفه، وتجاربه الذاتية، منها:
أولًا: إكثاره من ذكر أماكن تقع خارج الجزيرة العربية. فقد ردد حسان في مقدماته كثيرًا ذكر مواضع تقع في ديار الغساسنة، كالذي يجده القارئ في قصائده: اللامية (١٤٠)، والنونية (١٤١)، والدالية (١٤٢) .
ثانيًا: تعبيره عن الإعجاب بأمجاد الغساسنة وعزّهم، في مواضع كان سابقوه يعبرون فيها عن أشواقهم، وصبواتهم إلى المرأة، كما نجد في لوحته الطللية التي افتتح بها قصيدته النونية.
ثالثًا: قد لا يثير وقوفه بالأطلال في نفسه صورة الظعن ومراكب النساء، وإنما يدفعه إلى استعادة صورة قنابل الخيل، وكرائم الإبل عند الغساسنة، كما في قصيدته النونية سالفة الذكر.
رابعًا: لا يذكر حسان في بعض لوحاته الطللية الأحبة الظاعنين، ولا يستعيد ذكريات الحب، أو يشكو تباريح الهوى، وإنما يستعيد ذكرياته في ديار الغساسنة، ويشيد بسالف عزّهم، كما في قصيدته اللامية.
خامسًا: قد ينحرف حسان في بكائه عن نهج السابقين، فلا يبكي الأحبة الغائبين، بل يبكي قومه الغساسنة. انظر إليه يقول: (١٤٣)
فَالعَيْنُ عَانِيةٌ تَفِيضُ دُمُوعُهَا
لِمَنازِلٍ دَرَسَتْ كَأَنْ لَمْ تُوءَلِ
دَارٌ لِقَوْمٍ قَدْ أَرَاهُمْ مَرَّةً
فَوْقَ الأَعِزَّةِ عِزُّهُمْ لَمْ يُنْقَلِ
سادسًا: سبق الحديث عن تخلي حسان عن فكرة الرفيقين في لوحاته الطللية. ولكننا نجده يخاطب شخصين في مقدمة قصيدته الطائية،
فيقول (١٤٤):
بَلِّغَاهَا بِأَنَّنِي خَيْرُ رَاعٍ
لِلَّذِي حَمَّلَتْ بِغَيْرِ افْتِراطِ
[ ٧ / ٣٣٣ ]
والمخاطبان هنا ليسا الرفيقين التقليديين اللذين يظهران عادة في مسرح الطلل وإنما شخصان عاديّان يطلب إليهما الشاعر أن يبلغا رسالة عنه، وواضح أنه انحرف بفكرة الرفيقين هنا عن خطها السابق.
سابعًا: لا يبدي حسان في لوحاته الغزلية تهافتًا على المرأة، فهو لا يخاطر بنفسه أو يتجشم الصعاب في سبيل الوصول إليها، كما نجد عند كثير من شعراء الجاهلية، وإنما يتسامى بمشاعره أحيانًا فيجعل التعبير الفني عنها بديلًا عن محاولة إشباعها، ويمثل ذلك قوله في ختام مقدمة قصيدته الميمية (١٤٥):
سَأُهْدِي لَهَا فِي كُلَّ عامٍ قَصِيدَةً
وَأَقْعُدُ مَكْفِيًّا بِيَثْرِبَ مُكْرَمَا
ثامنًا: ومن الجديد في لوحات حسان الغزلية التي تتضمنها مقدماته الجاهلية أنه يصف الجواري والولائد اللاتي كان يشاهدهن في بلاط الغساسنة أو في ديارهم، في أثناء زياراته لهم؛ فيثرن إعجابه، كالذي نقرأه في لوحته الغزلية التي تضمنتها قصيدته النونية، من قوله (١٤٦):
قَدْ دَنَا الفِصْحُ فَالوَلاَئُدُ يَنْظِمْنَ
(م)
قُعُودًَا أَكِلَّةَ المَرْجَانِ
ومما يحمل بعض ملامح الجدة في تلك اللوحة أن حسان لم يتغن فيها بجمال المرأة الجسدي أو النفسي، كما هو الحال في المقدمات الغزلية عند الجاهليين، وإنما عبر عن انبهاره بالمرأة الحضرية، وأدوات زينتها، وعطورها، ولباسها، وهو انبهار حدا به إلى تفضيل المرأة الحضرية على البدوية. يقول:
يَجْتَنِينَ الجَادِيَّ في نُقُبِ الرَّيْطِ
(م)
عَلَيْهَا مَجَاسِدُ الكَتَّانِ
لَمْ يُعَلَّلْنَ بِالمَغَافِرِ والصَّمْغِ
(م)
ولا نَقْفِ حَنْظَلِ الشَّرْيَانِ
[ ٧ / ٣٣٤ ]
تاسعًا: ولعل من الجديد الذي رصده البحث في لوحات حسان الغزلية مزج مشاعره وموصوفاته ببعض عناصر الطبيعة، أو اتخاذ الطبيعة خلفية لبعض المواقف، كما في لوحته الغزلية التي تضمنتها قصيدته الدالية، حيث يختار لصاحبته (شعثاء) عندما يستعيد ذكراها وقتًا تلبس فيه الطبيعة أزهى حللها، يقول (١٤٧):
تَذَكُّرُ شَعْثَاءَ بَعْدَ الكَرَى
وَمُلْقَى عِرَاصٍ وَأَوْتَادَهَا
إِذَا لَجِبٌ منْ سَحَابِ الرَّبيعِ
مَرَّ بِسَاحَتِها جَادَهَا
ويرسم لوجهها صورة لا أبهى ولا أجمل، صورة وجه الغزال الذي غذي بأطيب نبات، وأينعه، ورعى الأماكن التي لا تطؤها الأقدام، فيقول:
وَوَجْهًَا كَوَجْهِ الغَزَالِ الرَّبِيبِ
يَقْرُو تِلاعًا وأَسْنَادَهَا
فَأَوَّبَهُ اللَّيْلَ شَطْرَ العَضَاهِ
يَخَافُ جَهَامًَا وَصُرَّادَها
عاشرًا: ومن أهم ملامح الجدّة في لوحات حسان الظعنية استغلاله لبعض العناصر الأسطورية في الحياة الجاهلية، مثل: الغراب، والسانح، والبارح، في رسم جو الحزن والتشاؤم الذي يصاحب استعداد أحبته للرحيل، كما يبدو في قصيدته البائية،حيث يقول (١٤٨):
وَبَيَّنَ فِي صَوْتِ الغُرَابِ اغْتَرابُهُمْ
عَشِيَّةَ أَوْفَى غُصْنَ بَانٍ فَطَرَّبَا
وَفِي الطَّيْرِ بِالعَلْيَاءِ إِذْ عَرضَتْ لَنَا
وَمَا الطَّيْرُ إِلاَّ أَنْ تَمُرَّ وَتَنْعَبَا
مما يجعله سابقًا لجرير وسواه من الأمويين والعباسيين الذين توسعوا في استغلال تلك العناصر.
حادي عشر: ومن تلك الملامح الجديدة أن عبارة (دع ذا) في شعر حسان قد لا تعني أنه فرغ من المقدمة، ودلف إلى غرض القصيدة، كما هو الشأن عند شعراء الجاهلية؛ بل تعني أنه فرغ من لوحة من لوحات مقدمته ليشرع في لوحة أخرى؛ كما يجد من يتأمل مقدمة قصيدته الميمية التي افتتحها بقوله (١٤٩):
مَا هَاجَ حَسَّانَ رُسُومُ المَقَامْ
وَمَظْعَنُ الحَيِّ وَمَبْنَى الخِيَامْ
[ ٧ / ٣٣٥ ]
.. هذه بعض ملامح الجدة التي رصدها البحث في مقدمات حسان. ولعل محمد بن سلام الجمحي قد نظر إليها، وإلى ما تخلى عنه حسان وسواه من شعراء الحواضر العربية؛ عندما أطلق عليهم لقب (شعراء القرى العربية)، ليميزهم من شعراء البوادي الذين التزموا تلك المقومات، وتقيدوا بها، ولم يخرجوا عنها.
وفي ضوء ذلك يظهر عدم وجاهة النقد الذي وجهه الدكتور حسين عطوان لابن سلام، حين قال منكرًا عليه صنيعه هذا: «ولسنا ندري لماذا أفرد ابن سلام بابا خاصًا بشعراء القرى العربية: مكة، والمدينة، والطائف، والبحرين، واليمامة، مع أنه لم يستخرج من أشعارهم خصائص فنية معينة تميزهم من شعراء البوادي، ولا نصّ على الدافع الذي حمله على ذلك سوى ملاحظته أنّ الشعر يكثر في البوادي، ويقل في الحواضر» (١٥٠) .
فالنظرة العميقة المتأنية إلى مقدمات حسان الجاهلية تكشف دون شك عن خصائص غير التفاوت في كثرة الشعر وقلته، ميزت شعر حسان من شعر سواه من شعراء البوادي، وتبين أن في مقدماته الجاهلية ملامح جديرة بالالتفات إليها، والوقوف عندها.
الحواشي والتعليقات
(١) انظر: الروض الأنف في تفسير ما اشتمل عليه حديث السيرة النبوية، السهيلي ٢/٢٨٠ وقد شكك السهيلي ﵀ في البيت السابع وهو:
على أنيابها أو طعم عض من التفاح هصّره اجتناء
وبنى شكه على أساس فني حيث قال: «والبيت موضوع لأنه لا يشبه شعر حسان ولا لفظه» . وقد آثرت أن أستبعد من البحث كل ما تطرق إليه الشك.
(٢) انظر: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تح محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت ١/١٨٨ ١٨٩.
(٣) المصدر السابق ١/٢٣١.
(٤) هي عمرة بنت خالد بن عطية بن حبيب بن عمرو بن عوف الأوسية. انظر: ديوان حسان تح حنفي ص:١٩١.
[ ٧ / ٣٣٦ ]
(٥) ديوانه تح حنفي ص: ١٩١ وتح عرفات ١/٣٠٧ وأراد يدهن القلب فأدخل اللام والصرم: الهجر، وابتكر: عجّل، والإدهان: الخضوع، والمصانعة، والحصر: الضيق.
(٦) المصدر السابق.
(٧) انظر: الأغاني ٢/١٦٠ ١٦١ وانظر ديوان حسان تح عرفات ١/٢٣٠ ٣٣١.
(٨) ديوان حسان تح حنفي ص: ١٩٤ وتح عرفات ١/٢٣٠.
(٩) المصدر السابق تح حنفي ص: ١٣١ وتح عرفات ١/٢٥.
(١٠) السابق.
(١١) السابق.
(١٢) هو صيفي بن عامر الأسلت، ويكنى أبا قيس، كان قائد الأوس يوم بعاث، لم يدخل الإسلام، وكان شاعرًا مجيدًا. انظر: تاريخ التراث العربي، لسزكين، م٢ ج٢ ص ٣٠٧.
(١٣) البويلة: موضع بالمدينة التقى فيه الأوس والخزرج فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فكانت الدائرة فيه على الأوس، فقال حسان القصيدة: انظر ديوانه تح عرفات ١/٢٤٣.
(١٤) ديوان حسان تح حنفي، ص: ٣١٩ ود. عرفات ١/٢٤٣ وأراد بالرسول: الرسالة. أي إذا ألقى إليه أبو قيس سمعه يبين له ما فيه.
(١٥) العمدة ١/٢٣١.
(١٦) المصدر السابق.
(١٧) نفسه ٢/١٥١.
(١٨) هو هشام بن محمد بن السائب بن بشر عالم بالنسب وأخبار العرب وأيامها ومثالبها ووقائعها أخذ عن أبيه وعن جماعة من الرواة، وله كتب مصنفة، توفي سنة ٢٠٦هـ. الفهرست ص: ١٤٠.
(١٩) هو دريد بن معاوية (الصمة) كان سيد بني جشم بن معاوية (هوازن) وكان من ألد أعداء النبي e، قتل يوم حنين ورثته أخته عمرة، ويعد في الشعراء المعمرين. انظر الشعر والشعراء، لابن قتيبة ص ٤٧٠ ٤٧٣، تاريخ التراث العربي فؤاد سزكين، م٢، ج٢، ص: ٢٧٣، وتاريخ الأدب العربي، فروخ ١/٢٣١.
(٢٠) العمدة ٢/١٥١.
(٢١) المصدر السابق.
(٢٢) يوسف خليف، دراسات في الشعر الجاهلي، ص: ١٢٠.
(٢٣) مقدمة القصيدة العربية في العصر الجاهلي، ص:١٠٩.
(٢٤) مختار الشعر الجاهلي، مصطفى السقا، طبع مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ط٢ ١٩٤٨ ص: ١٧٦.
[ ٧ / ٣٣٧ ]
(٢٥) انظر: ناصر الدين الأسد، مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، دار المعارف ط٦، ص: ٥٨٦، ٥٨٨.
(٢٦) انظر: جمهرة أشعار العرب، طبع بيروت سنة ١٩٦٣م ص ١١٢.
(٢٧) مقدمة الققصيدة العربية في العصر الجاهلي، ص: ١٠٩.
(٢٨) المرجع السابق.
(٢٩) نفسه.
(٣٠) نفسه.
(٣١) العمدة ١/٢٣١.
(٣٢) الشعر الجاهلي مادته الفكرية وطبيعته الفنية، نشر مكتبة الشباب، القاهرة ص: ٣٥١.
(٣٣) مقدمة القصيدة العربية في العصر الجاهلي، ص: ١٠٩.
(٣٤) السابق.
(٣٥) طبقات فحول الشعراء تح محمود شاكر، مطبعة المدني، ص: ٢٥.
(٣٦) المصدر السابق، ص: ٢٥ والخصائص لابن جني طبع دار الكتب ص: ٣٨٦.
(٣٧) انظر: علي الجندي: تاريخ الأدب الجاهلي، ط٢ ١٩٦٦م مكتبة الجامعة العربية، بيروت ج ١ ص: ٣٤، وشوقي ضيف، العصر الجاهلي، ص: ١٧٨.
(٣٨) ناصر الدين الأسد، ص: ٥٨٦.
(٣٩) انظر: ناصر الدين الأسد، ص: ٥٨٧ وقد نقل ذلك عن سركيس في معجم المطبوعات.
(٤٠) انظر تفاصيل ذلك الخلاف في مصادر الشعر الجاهلي، ص: ٥٨٥، ٥٨٦، ٥٨٧.
(٤١) المرجع السابق، ص: ٥٨٥، ٥٨٦.
(٤٢) المرجع السابق ص: ٥٨٥، ٥٨٦، ٥٨٧ وعلي الجندي، ١/٢٣٤.
(٤٣) السابق، ص: ٥٨٥.
(٤٤) السابق، ص ٥٨٦.
(٤٥) السابق، ص: ٥٨٥.
(٤٦) نفسه، ص: ٥٨٧ وانظر علي الجندي ٢/٢٣٤.
(٤٧) نفسه، ص: ٥٨٦.
(٤٨) نفسه.
(٤٩) نفسه، ص: ٥٨٤.
(٥٠) نفسه.
(٥١) انظر: علي الجندي، ص: ٢٣٢.
(٥٢) ابن النديم، الفهرست، ص: ٨٢.
(٥٣) أبو الطيب اللغوي، مراتب النحويين، ص: ٤٩.
(٥٤) ابن جني، الخصائص، ط الهلال ١٩١٣، ص: ٣/٣١١.
(٥٥) انظر: عطوان، مقدمة القصيدة العربية في العصر الأموي، ص: ٩٦.
(٥٦) هي القصائد ذوات الأرقام: ٧١، ٢٢٨، ٧٠، ٥٦، ٣٩، ٢٩، ١٠ من تحقيق حنفي و٢٣، ١٥٠، ١٠، ١٨، ١٣٦، ٤، ٢٦ من تحقيق عرفات.
[ ٧ / ٣٣٨ ]
(٥٧) هي القصيدة رقم ٧٢ من تح حنفي و٨ من تح عرفات.
(٥٨) هي القصيدة رقم ٧ من تح حنفي و٣ من تح عرفات.
(٥٩) هي القصيدة رقم ٢١٨ من تح حنفي و١٢٣ من تح عرفات.
(٦٠) هي القصيدة رقم ٣٨ من تح حنفي و٢٧ من تح غرفات.
(٦١) ٢٣.٨ على وجه التحديد.
(٦٢) ٢٤.٦٣ على وجه التحديد.
(٦٣) خطمة (بفتح أوله، وسكون ثانيه) موضع في أعلى المدينة. ويوم خطمة من أيام الأوس والخزرج قتل فيه حصين بن الأسلت. انظر: ديوان حسان تح حنفي ص: ٣٣٢ وتح عرفات ١/٣٠٠ ومعجم البلدان تح فريد الجندي ج٢ ص ٤٣٣.
(٦٤) سبق التعريف به.
(٦٥) ديوان حسان تح حنفي ص: ٣٣٢ والمفضليات، تح أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون، دار المعارف، الطبعة السابعة، ص: ٢٨٤.
(٦٦) ديوان حسان تح حنفي، ص: ٣٣٥.
(٦٧) هذه العبارة سبقت أغلب تلك القصائد في تح حنفي.
(٦٨) هذه العبارة سبقت أغلب تلك القصائد في تح عرفات.
(٦٩) وردت هذه العبارة في التمهيد للقصيدة رقم٢٩تح حنفي، وفي التمهيد للقصيدة رقم ٤ في تح عرفات.
(٧٠) ديوان حسان تح حنفي ص: ٣٢٢ وتح عرفات ١/٢٥٥.
(٧١) المصدر السابق تح حنفي، ص: ٣٣٥ وتح عرفات ١/٣٠٢.
(٧٢) يوسف خليف، دراسات في الشعر الجاهلي، ص: ١٤٤.
(٧٣) المرجع السابق، ص: ١٢٣.
(٧٤) حسين عطوان، مقدمة القصيدة العربية في الشعر الجاهلي، دار المعارف بمصر، ١٩٧٠م ص: ١١٧.
(٧٥) طبقات الشعراء، مطبعة بريل، ليدن ١٩١٣م، ص: ٥٢.
(٧٦) عطوان، ص: ١١٦.
(٧٧) خليف، دراسات، ص: ١٢٥.
(٧٨) ديوان حسان تح حنفي، ص: ١٢١ وتح عرفات ١/٧٤.
الجابية (بكسر الباء وياء مخففة): قرية من أعمال دمشق من عمل الجيدور من ناحية الجوْلان قرب مرج الصفَّر في شمالي حوران. معجم البلدان ٢/١٠٦.
والبُضيع (مصغر، ويروى بالفتح في هذا البيت): جبل بالشام أسود معجم البلدان ١/٥٢٥.
وحومل (بالفتح): موضع. معجم البلدان ٢/٣٧٣.
[ ٧ / ٣٣٩ ]
.. ومرج الصُفَّر (بالضم وتشديد الفاء): بدمشق، أو على أربعة فراسخ منها.
معجم البلدان ٥/١١٨ وديوان حسان تح عرفات ٢/٧٤.
جاسم: قرية بطرف الجوْلان، بينها وبين دمشق ثمانية فراسخ على يمين الطريق إلى طبرية. معجم البلدان ٢/١٠٩.
وتبنى (بالضم ثم السكون وفتح النون والقصر): بلدة بحوران من أعمال دمشق. معجم البلدان ٢/١٦.
والمدجنات: الأمطار الغزيرة. والعانية: سائلة بالدمع.
(٧٩) خليف، ص: ١٣٣.
(٨٠) ديوان حسان تح حنفي، ص: ١٦٧ وتح عرفات ١/٩١
وبواط (بالضم وآخره طاء مهملة: جبل من جبال جهينة بناحية رضوى. معجم البلدان ١/٥٩٦ وفي ديوان حسان تح حنفي ص ١٦٨ موضع والغطاط: ضرب من القطا شبه الأثافي بها.والألوف: جمع إلف وهو الأليف. وابن عمرو: يعني نفسه نسبها إلى جده الرابع، فهو حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو. انظر: ديوان حسان تح حنفي، ص: ٦١ والشَّطاط: البعد، واللجاج: الخصومة. والافتراط: التضييع والتفريط.
(٨١) خليف، ص: ١١١.
(٨٢) عطوان، مقدمة القصيدة العربية في العصر الجاهلي، ص: ١٣٦.
(٨٣) خليف، ص: ١٤٧.
(٨٤) عطوان، مقدمة القصيدة العربية في العصر الجاهلي، ص: ١٣٦.
(٨٥) ديوان حسان، تح حنفي ص ١٠٢ وتح عرفات ١/١١٣. وملقى عراص وأوتادها أي الموضع الذي كانوا ينزلونه ويعترضون فيه. والمغدودن: الشعر الكثير الطويل، وتنوء: تنهض، وآدها: أثقلها.
والتلاع: مسايل الماء إلى الأودية، وأسناد الجبل: ما قابلك منه واحدها سند. والعضاه: كل شجرة ذات شوك فهي عضة، وشطرها: نحوها. والصّراد: السحاب الذي لا ماء فيه يكون مع شدة برد الريح.
(٨٦) المصدر السابق تح حنفي، ص: ٣٣٥ وتح عرفات ١/٣٠٢
[ ٧ / ٣٤٠ ]
.. وأقطاع: منقطع. والغمر: اسم لمياه عديدة، والماء الكثير. ودار أشراع من شرع الوارد إذ تناول الماء بلا ضم. والإمراع: الخصب. والغروب: الدلاء العظيمة، وإتراع: امتلاء.
(٨٧) خليف، ص: ١٢٤ ١٢٥.
(٨٨) عطوان، مقدمة القصيدة العربية في العصر الجاهلي، ص ١٢٣.
(٨٩) خليف، ص: ١٢٥.
(٩٠) ديوان حسان، تح حنفي، ص: ١٨٠ وتح عرفات ١/٦٢ والخياعيل واحدها خيعل. والخيعل والخيلع واحد وهو: ثوب يجاب وسطه شبيه بالإتب أو البقير. أو قميص بلا كمين تلبسه النساء، أو برد يشق ويلبس بلا كمين، وهو الرهط. والسابري: منسوب إلى سابور. ومرسم: معلم، وريْط: جمع ريْطة وهي كل ملاءَة غير ذات لفقين كلها نسج واحد، وقطعة واحدة. أو كل ثوب لين رقيق. ومباديه: ظواهره. والركد: أراد الأثافي. والشجيج: أراد الوتد. والسحيق: الثوب الخلق. والمنمنم: المزخرف. الهشيم: ما جف من الشجر. والماثل: أراد النؤى الدارس والجون: السحاب الأسود، والساري: الماطر ليلًا، والوابل: أشد المطر وقعًا وأعظمه قطرًا. والمتهزم المتشقق بالماء. الودق: المطر، والمنبجس: المتفجر، وتزجيه: تسوقه. وضعيف العرى: سريع الصب، وبركه: صدره. والداني: الثقيل. والمسف من ثقله. والأكظم: الممتلئ. والأسحم: الأسود. والكاشح: المتولى عنك بوده. الرث: البالي. المتجذم: المتقطع. كظَّ: امتلأ حتى ضاق. والنث: نشر الحديث وإذاعته، ومرجم: غير يقين.
[ ٧ / ٣٤١ ]
(٩١) المصدر السابق، تح حنفي ص: ٣٢٢ وتح عرفات ١/٢٥٥ ومعان، (بالفتح وآخره نون): مدينة في طرف الشام، تلقاء الحجاز، من نواحي البلقاء، معجم البلدان ٥/١٧٩ ويرموك واد بناحية الشام من طرف الغور، كانت به المعركة المشهورة بين المسلمين والروم، معجم البلدان ٥/٤٩٧ والخمان (بفتح أوله وتشديد ثانيه): من ناحية البثنية من أرض الشام. معجم البلدان ٢/٤٤٤ وبلاس (بالفتح والسين المهملة): بلد بينه وبين دمشق عشرة أميال. معجم البلدان ١/٥٦٤.
وداريّا: قرية كبيرة مشهورة من قرى دمشق بالغوطة. معجم البلدان ٢/٤٩٢ وسكاّء (بفتح أوله، وتشديد ثانيه، والمد): قرية بينها وبين دمشق أربعة أميال في الغوطة. معجم البلدان ٣/٢٥٩. وجاسم (بالسين المهملة): اسم قرية بينها وبين دمشق ثمانية فراسخ على يمين الطريق الأعظم إلى طبرية. معجم البلدان ٢/١٠٩ والفصح: عيد النصارى. ويجتنين: يلتقطن. والجادي: الزعفران.
والنقب: جمع النقبة وهي: ثوب كالإزار تجعل له حجزة مطيفة من غير نيق. والمجاسد: جمع مجسد كمبرد: ثوب يلي الجسد. والمغافير: صمغ الثمام واحده مغفور، والشريان: شجر.
(٩٢) عطوان، مقدمة القصيدة العربية في العصر الجاهلي، ص: ١٣٧.
(٩٣) ديوان حسان تح حنفي ص: ١٤٩ وتح عرفات ١/٢٧٩
وجلّق (بكسرتين وتشديد اللام وقاف): اسم لكورة الغوطة كلها، وقيل: بل هي دمشق نفسها. وقيل جلق موضع بقرية من قرى دمشق. معجم البلدان ٢/١٧٩. والبلقاء: كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى قصبتها عمان، معجم البلدان ١/٥٨٠ وشعثاء هذه بنت عمرو بن ماسكة من يهود، وكانت مساكن بني ماسكة بناحية القف، وكان أبو شعثاء قد رأس اليهود التي تلي بيت التوراة، وكان ذا قدر فيهم. ديون حسان تح عرفات ٢/٢٠٨ والمحبس: موضع. والسند: سند الجبل سفحه. وبصرى
[ ٧ / ٣٤٢ ]
(بالضم والقصر): من أعمال دمشق وهي قصبة حوْران. معجم البلدان ١/٥٢٢ والريْط: جمع الريْطة: وهي الملاءَة. والقدد: القطع واحدتها قدة. والمخيسات: الإبل المذللة وسربح: واسع، والجدد: المستوي.
(٩٤) انظر: عناصر مقدمة الظعن. عطوان، مقدمة القصيدة العربية في العصر الجاهلي، ص:١٣٧.
(٩٥) ديوان حسان تح حنفي ص ١٢٥ وتح عرفات ١/٣٤. والرسم ما على وجه الأرض من الآثار. والقاع: الأرض المستوية. والجزع: منعطف الوادي. وتتهم: أتى أهله تهامة وتركوه. والنقيع (بالفتح ثم الكسرة وياء ساكنة وعين مهملة): من أودية الحجاز يدفع سيله إلى المدينة، على أربعة برد. معجم البلدان ٥/٣٤٨ وانظر: ديوان حسان. وتغلم (بالفتح ثم السكون وفتح اللام): جبل، وهما تغلمان بين نخل وبين الطرف دون المدينة بمرحلة، وأفردهما للضرورة. معجم البلدان ٢/٤١ وديوان حسان. والمراض (بفتح الميم): واد فوق التغلمين من أرض غطفان. والمراضان واديان. معجم البلدان ٥/١٠٨ والحور شدّة بياض العين في شدّة سوادها. والترب: اللدة والصديقة، النشاص: سحاب ينشأ في عرض السماء منتصبًا. وإرزامة:رعده، وأعضاده: نواحيه، وتحمحمه: صوته. والمطافيل: الإبل معها أولادها أطفالًا. والرباع جمع رُبَع وهو ما نتج في الربيع. وأثجم: سال. والعقيق: وادي المدينة. والجماء: هضبة، ووئيد الرعد: شدة صوته. والقاؤه بركه: مقامه لا يبرح، وتهزمه تشققه بالماء، والبرك: الصدر: وتربان: بالقرب من العقيق، والتلعة: مسيل الماء إلى الوادي. والعضاه:كل شجر له شوك، الواحدة عضة. والدرقل: ضرب من الثياب.
وعسجن: مددن أعناقهن. والقطر: ضرب من برود اليمن. أو ثياب حمر. غفار: ابن مليل من كنانة. وأسلم: ابن أفصى بن حارثة من خزاعة منازلهم بتهامة وهي من ناحية اليمن.
[ ٧ / ٣٤٣ ]
(٩٦) أبو بكر محمد بن القاسم بن الأنباري:شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات تح عبد السلام هارون، دار المعارف بمصر، ط٢، ص: ٤٩.
(٩٧) ديوان حسان تح حنفي، ص: ١٨٤ وتح عرفات ١/١٠٦ وأعضاد الحوض نواحيه. والنسبة إلى تهامة: تهامي وتهام بالفتح. وظبية مغزل: ذات غزال والنعف: ما انحط من الارتفاع، وارتفع عن الانحطاط. وبرام (بكسر أوله وفتحه): جبل في بلاد بني سليم عند الحرّة من ناحية البقيع. معجم البلدان ١/٤٣٦. وتزجي: تسوق. وبغمت الظبية: صوتت بأرخم ما يكون صوتها. والثغب ما سال من الجبل فحفر في أصله. والرصف: الحجارة المتراصفة المتقاربة.
(٩٨) ديوان الأعشى الكبير، ميمون بن قيس، شرح وتعليق د. محمد محمد حسين، الناشر مكتبة الآداب بالجماميز، المطبعة النموذجية ص: ٢٩٣.
(٩٩) شج: مزج، وبيت رأس: قرية بالأردن. معجم البلدان ١/٦١٦. وبرها: أراد ثمنها، ويولي: يحلف من الأليّة. الرقاق: الرمل المستوي الناعم. وبيسان (بالفتح ثم السكون وسين مهملة ونون): مدينة بالأردن بالغور الشامي، بين حوران وفلسطين. معجم البلدان ١/٦٢٥. ودرياق: شفاء. والذفريان: عن يمين النقرة وشمالها. والبرنس: قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام.
(١٠٠) انظر أسباب الشك في هذه المقدمة، في: مقدمة القصيدة العربية في العصر الجاهلي،
ص: ١٧١.
(١٠١) المرجع السابق.
(١٠٢) نفسه.
(١٠٣) ديوان حسان تح حنفي، ص: ١٨٦ وتح عرفات ١/١٠٦ وجسرة: ناقة ضخمة طويلة، ذات مراح: نشيطة، عقام: عقيمة، جلذية: صلبة. دفقة: واسعة الخطو. خنوف: تخنف برأسها وعنقها من النشاط. اغتلت الدابة: تجاوزت حسن السير. والاغتلاء: الإسراع. لفها: غشاها.
(١٠٤) العمدة ١/٢٣٩.
(١٠٥) مقدمة القصيدة العربية في العصر الجاهلي، ص: ١٠٩.
(١٠٦) انظر: دراسات في الشعر الجاهلي، ص ١٠٦.
(١٠٧) المرجع السابق، ص: ١١٧ ١١٨.
[ ٧ / ٣٤٤ ]
(١٠٨) قضية عمود الشعر في النقد العربي القديم، ص: ٢١٨ ٢١٩.
(١٠٩) الشعر العربي بين الجمود والتطور، ص: ٣٨.
(١١٠) العمدة ١/٢٢٦.
(١١١) انظر: مقدمة القصيدة العربية في العصر الجاهلي، ص: ١٢١ ١٢٦.
(١١٢) ديوان حسان تح حنفي ص: ١٢٥ وتح عرفات ١/٣٤.
(١١٣) مقدمة القصيدة العربية في العصر الجاهلي، ص: ١٦٨.
(١١٤) خليف، دراسات، ص: ١٦٨.
(١١٥) انظر: مقدمة القصيدة في العصر الجاهلي، ص: ١٦٥.
(١١٦) طيف الخيال، تح حسن كامل الصيرفي، طبع دار إحياء الكتب العربية، سنة١٩٦٢م، ص: ١٦.
(١١٧) خليف، ص: ١٦٨.
(١١٨) مقدمة القصيدة العربية في العصر الجاهلي، ص: ١٦٨.
(١١٩) ديوان حسان تح حنفي، ص: ١٨٧ وتح عرفات ١/٥٢ والسفر: المسافرون. وركود النهار: طوله. ونغتاله: نقطعه. والصعر: الموائل من جذب الأزمّة. والعوج: الضمر. والنواجي:السراع. والجون من القطا: المائلة إلى السواد، والكدر: إلى الصفرة. وخطر الحرباء: تحركه.
(١٢٠) مقدمة القصيدة في العصر الجاهلي، ص: ١٦٨.
(١٢١) ديوان حسان، تح حنفي، ص: ١٤٨ وتح عرفات ١/١١٦. وخمان (بفتح أوله وتشديد ثانيه): من نواحي البثينة من أرض الشام. معجم البلدان ٢/٤٤٤. وتترى: تتابع. جنحت: مالت. وغوائر: جمع غائر من غار النجم إذا غاب. لغب: معيبة، أعياها السير. والنعيب: صوت الغراب.
(١٢٢) استعمل الباحث لفظ (الأساطير) بمعناه اللغوي الذي حددته معاجم اللغة وهو: الأحاديث لا نظام لها جمع إسطار، وإسطير بكسرهما، وأُسطور وبالهاء في كل. كما جاء في القاموس المحيط (سطر) والأساطير: الأباطيل، وواحد الأساطير: أسطورة. لسان العرب (سطر) .
(١٢٣) انظر: مقدمة القصيدة العربية في العصر الجاهلية، ص: ١٣٧ ١٣٨.
(١٢٤) الجاحظ، الحيوان، تح عبد السلام هارون، طبع شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر ١٩٣٨م ج٢ ص ٣١٥.
[ ٧ / ٣٤٥ ]
(١٢٥) مقدمة القصيدة العربية في العصر الأموي، ص: ٨٣.
(١٢٦) السابق.
(١٢٧) السابق، ص: ٨٥.
(١٢٨) مقدمة القصيدة العربية في العصر الأموي، ص: ٧٦.
(١٢٩) مقدمة القصيدة العربية في العصر الجاهلي، ص: ١١٦.
(١٣٠) ديوان حسان تح حنفي، ص: ١٨١ وتح عرفات ١/٦٢.
(١٣١) خليف، ص: ١٣٨.
(١٣٢) ديوان حسان تح حنفي، ص: ١٣٨.
(١٣٣) السابق، ص: ٣٢٢.
(١٣٤) خليف، ص: ١٦٩ و١٢٥.
(١٣٥) السابق، ص: ١٣٣.
(١٣٦) ديوان حسان تح حنفي، ص: ١٢١ وتح عرفات ١/٧٤.
(١٣٧) سبق الحديث بالتفصيل عن ذلك في مواضعه أثناء عرض صور المقدمات.
(١٣٨) ديوان حسان تح حنفي، ص: ٣٣٥ وتح عرفات ١/٣٠٠.
(١٣٩) المصدر السابق تح حنفي، ص: ١٨٤ وتح عرفات ١/١٠٦.
(١٤٠) نفسه، تح حنفي، ص: ١٢١ وتح عرفات ١/٧٤.
(١٤١) نفسه، تح حنفي، ص: ٣٢٢ وتح عرفات ١/٢٥٥.
(١٤٢) نفسه، تح حنفي، ص: ١٤٩ وتح عرفات ١/٢٧٩.
(١٤٣) نفسه، تح حنفي، ص: ١٢٢ وتح عرفات ١/٧٤.
(١٤٤) نفسه، تح حنفي، ص: ١٦٨ وتح عرفات ١/٩١.
(١٤٥) نفسه، تح حنفي، ص: ١٢٨ وتح عرفات ١/٣٤.
(١٤٦) نفسه، تح حنفي، ص: ٣٢٢ وتح عرفات ١/٢٥٥.
(١٤٧) نفسه، تح حنفي، ص: ١٠٢ وتح عرفات ١/١١٣.
(١٤٨) نفسه، تح حنفي، ص: ١٤٨ وتح عرفات ١/١١٦.
(١٤٩) نفسه، تح حنفي، ص: ١٨٤ وتح عرفات ١/١٠٦.
(١٥٠) مقدمة القصيدة العربية في العصر الجاهلي، ص: ١١٦.
المصادر والمراجع
١ الأصفهاني: أبو الفرج علي بن الحسين الأموي، طبعة مصورة عن طبعة دار الكتب، مؤسسة جمال للطباعة والنشر، القاهرة (د. ت) .
٢ الأعشى: ميمون بن قيس، ديوان الأعشى الكبير، شرح وتعليق محمد محمد حسين، نشر مكتبة الآداب بالجماميز، المطبعة النموذجية، القاهرة ١٩٥٠م.
٣ ابن الأنباري: أبو بكر محمد بن القاسم، شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات، تحقيق عبد السلام هارون، دار المعارف، ط٢، ١٩٦٩م.
[ ٧ / ٣٤٦ ]
٤ الجاحظ: أبو عثمان، عمرو بن بحر بن محبوب، الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، طبع شركة مكتبة ومطبعة مصطفىالبابي الحلبي وأولاده بمصر، ط١، ١٩٣٨م.
٥ ابن جني: أبو الفتح عثمان بن جني، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، طبع مطبعة دار الكتب المصرية، ط٢، ١٩٥٢م.
٦ حسان بن ثابت:
ديوان حسان بن ثابت الأنصاري، تحقيق وليد عرفات، نشر دار صادر، بيروت ١٩٧٤م.
ديوان حسان بن ثابت، تحقيق سيد حنفي حسنين، دار المعارف، القاهرة، ط٢، ١٩٨٣م.
٧ حسين عطوان:
مقدمة القصيدة العربية في العصر الأموي، دار المعارف بمصر، ١٩٧٤م.
مقدمة القصيدة العربية في العصر الجاهلي، دار المعارف بمصر، ١٩٧٠م.
٨ ابن رشيق: أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، ط٥، ١٤٠١هـ/١٩٨١م.
٩ سزكين: فؤاد، تاريخ التراث العربي، ترجمة محمود فهمي حجازي، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ١٤٠٣هـ /١٩٨٣م.
١٠ ابن سلام: محمد بن سلام الجمحي:
طبقات فحول الشعراء، تحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة،١٩٧٤م.
طبقات الشعراء، مطبعة بريل، ليدن ١٩١٣م.
١١ السهيلي: أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي، الروض الأنف في تفسير ما اشتمل عليه حديث السيرة النبوية لابن هشام، القاهرة، ١٩١٤م.
١٢ أبو الطيب اللغوي: عبد الواحد بن علي، مراتب النحويين، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة، ١٩٧٤م.
١٣ علي الجندي: تاريخ الأدب الجاهلي، مكتبة الجامعة العربية، بيروت، ط٢، ١٩٦٦م.
١٤ عمر فروخ: تاريخ الأدب العربي، دار العلم للملايين، بيروت، ط٢، ١٣٨٨هـ / ١٩٦٩م.
[ ٧ / ٣٤٧ ]
١٥ الفيروزآبادي: محمد بن يعقوب بن محمد، القاموس المحيط، ترتيب الطاهر أحمد الزاوي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط٣، (د. ت) .
١٦ القرشي: أبو زيد بن أبي الخطاب، جمهرة أشعار العرب، بولاق. (د. ت) .
١٧ محمد أبو الأنوار: الشعر الجاهلي مادته الفكرية وطبيعته الفنية، نشر مكتبة الشباب، القاهرة، ١٩٣٦هـ /١٩٧٦م.
١٨ المرتضى: الشريف المرتضى علي بن الحسين، طيف الخيال، طبع دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، ١٩٦٢م.
١٩ مصطفى السقا: مختار الشعر الجاهلي، طبع مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ط٢، ١٩٤٨م.
٢٠ المفضل الضبي: المفضل بن محمد بن يعلى الضبي، المفضليات، تحقيق أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون، دار المعارف، ط٧، ١٩٨٣م.
٢١ ابن قتيبة الدينوري: أبو محمد بن عبد الله بن مسلم، الشعر والشعراء، طبع ليدن ١٩٠٢م.
٢٢ محمد عبد العزيز الكفراوي: الشعر العربي بين التطور والجمود، دار القلم، بيروت (د. ت) .
٢٣ ابن منظور: أبو الفضل، جمال الدين، محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري، لسان العرب، دار صادر، بيروت (د. ت) .
٢٤ ناصر الدين الأسد: مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، دار المعارف، ط٦، ١٩٨٢م.
٢٥ ابن النديم: أبو الفرج، محمد بن إسحق بن يعقوب، الفهرست، دار المعرفة، بيروت ١٣٩٨هـ /١٩٨٧م.
٢٦ ياقوت الحموي: أبو عبد الله، ياقوت بن عبد الله الرومي، معجم البلدان، تحقيق فريد عبد العزيز الجندي، دار الكتب العلمية، بيروت، (د. ت) .
٢٧ يوسف خليف: دراسات في الشعر الجاهلي، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ١٩٨١م.
٢٨ وليد قصاب: قضية عمود الشعر في النقد العربي القديم، الرياض، دار العلوم١٤٠٠هـ /١٩٨٠م.
[ ٧ / ٣٤٨ ]