دراسة لغوية
د. عبد الله بن حمد الدايل
الأستاذ المشارك بقسم اللغة العربية بكلية المعلمين في الرياض
ملخص البحث
يعرض هذا البحث لتفسير مركَّب لغوي هو (أَرَأَيْتَ) وفروعه التي تشمل نوعين:
أولهما: (أَرَأَيْتِ - أَرَأَيْتُمَا - أَرَأَيتُمْ - َأَرَأَيْتُنَّ) .
والآخر: (أَرَأَيْتَكَ - أَرَأَيْتَكِ - أَرَأَيْتَكُما - أَرَأَيْتَكُمْ - أََرَأَيْتَكُنَّ) .
ويحاول البحث إجراء دراسة صوتية تعرض لصُوَر نطق هذه المركبات، وتستقصي القراءات القرآنيّة الواردة فيها ثمَّ ينتقل البحث إلى إجراء دراسة صرفية تُعْني بتصنيف جزأي الخطاب الواردين في المركّب، ودراسة نحوية تعنى ببيان إعمال الفعل، وبيان المفاعيل.
وفي القسم الرابع من البحث تتناول الدِّراسة دلالة (أَرَأَيْتَ) وفروعه.
وفي الخاتمة يورد البحث أهمّ النتائج وهي:
١ - أنَّ (أَرَأَيْتَ) من القوالب الثابتة وهذا اللفظ وفروعه كثير الدوران في القرآن الكريم والأساليب العربية الأخرى.
٢ - أنَّ معناه هو: أخبرني أو أعلمني، ويفتقر إلى مفعولين.
٣ - إذا زيد على هذه الصيغة الكاف فإنّ التاء تلتزم الفتح وتصبح الدَّلالة على الجنس والعدد من وظائف الكاف وفي هذه الحالة يرى البصريون، ومن تبعهم أن التاء هي الضمير وهو في موقع الفاعل، وأنّ الكاف حرف خطاب، وللكوفيين أو لبعضهم خلاف في ذلك.
٤ - معنى "أَرَأَيْتَ " مأخوذ من معنى (رأى) البصرية والقلبية في الوقت نفسه، ومعنى الهمزة هنا التعجّب.
٥ - دخول الهمزة الدّالة على الاستفهام التعجبي يجعل (أَرَأَيْتَ) جملة إنشائية بمعنى أخبرني أو أعلمني
٦ - أنَّ في همزته الثانية أربع لغات هي: التحقيق، والتسهيل، وإبدالها ألفًا، وحذفها.
٧ - أنه لم يرد " أَرَأَيْتَ " وفروعه بتحقيق الهمز - في الشواهد الشعرية بل ورد " أَرَيْتَ "، و"أرَيْتَكَ" بلا همز.
***
المقدِّمة
[ ١١ / ٣٠١ ]
الحمدلله وحده، والصلاة، والسلام على من لا نبيَّ بعده:
سأعالج هنا " أَرَأَيْتَ"، وفروعه وهو عبارة عن "رأى" التُزِم فيه صيغة المضي، وسُبق بهمزة الاستفهام، ولحق به تاء موحَّدة مفتوحة، يتصل بها في الغالب كاف تختلف باختلاف المخاطب إفرادًا، وتثنية، وجمعًا، وتأنيثًا. وتظلَّ تاؤه مفتوحة مع الكاف "أَرَأَيْتَكَ"، ومضمومة مع الميم " أَرَأَيْتُم"، ومع نون النسوة " أَرَأَيْتُنَّ".
و"أَرَأَيْتَ" وما زيد عليه من لواصق (أي ما يتصل به من أوله)، ولواحق (أي ما يلحق به من آخره) كثير الدوران في القرآن الكريم، وفي الأساليب العربية الأخرى فهو يرد على صور "أَرَأَيْتَ"، "أَفَرَأَيْتَ"، "أَرَأَيْتَكَ " "أَرَأَيْتَكُمَا"، "أَرَأَيْتَكُمْ"، "أَرَأَيْتَكُنَّ"، "أَرَأَيْتُم" (١)، وهذا التعبير يفتقر إلى دراسة لغوية من أجل معرفة جوانبه الصوتية، والصرفية، والنحوية، والدّلالية ولذلك جاءت المباحث وفق هذه الأقسام الأربعة.
وتتمثَّل مشكلة البحث في الجمع بين جزأين لغويين دالَّين على شخص واحد، وهذان الجزءان هما تاء المخاطب، والكاف التي ترمز إلى المخاطب المفرد المذكَّر في "أَرَأَيْتَكَ"، والمؤنث في "أَرَأَيْتَكِ"، والمثنى بنوعيه في "أَرَأَيْتَكُما"، وجمع الذكور في "أَرَأَيْتَكُم"، وجمع الإناث في "أَرَأَيْتَكُنَّ".
فكيف يتم تحليل هذه العبارة؟ والذي نقصده التحليل النحوي الذي يشمل الصرف، أي باستعمال النحو بمعناه العام.
_________________
(١) ورد "أَرأَيْتَ" وفروعه في القرآن العظيم في أربعة وثلاين موضعًا؛ انظر: محمد فؤاد عبد الباقي، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، بيروت، دار المعرفة، ط٣، ١٩٩٢م، (رأي)، ص ص ٣٥٧، ٣٥٨، ومحمد عبد الخالق عضيمة، دراسات لأسلوب القرآن الكريم، مصر، مطبعة السعادة، ط١، ١٩٧٢م/ ١/٥٤٠-٥٤٤.
[ ١١ / ٣٠٢ ]
والتحليل هو الإعراب في الدَّرس النحوي القديم. ولا بدَّ في الإعراب من تصنيف العناصر النحوية أي من وضع تسميةٍ لكلّ عنصر: أهو اسم، أم فعل، أم حرف؟
إنّ موقف النحويين المحلِّلين؛ لهذه العبارة يكشف لنا عن إدراكهم لضرورة التصنيف النحوي لأن الإعراب كما هو معروف يعدُّ تحليلًا نحويَّا للنصوص اللغوية.
ومن ثمَّ فإنَّ الدراسة التي تكشف لنا عن طبيعة هذا المركَّب اللغوي يجب أن تتناوله من حيث الأقسام الأربعة: الصوتيّة، والصرفيّة، والنحويّة والدَّلاليّة. ذلك أن الاقتصار في هذا المركب على مستوى دراسي واحد يُبقى في النفس حاجة إلى بيان طبيعة هذا المركب.
إن كثيرًا من المصادر اللغوية النحوية، أو التفسيرية القديمة تقتصر على ذكر معنى هذا المركَّب دون توضيحٍ لما يكتنفه من غموضٍ يحتاج إلى إزالة، ويتصل ببيان تأصيليّ تحليليّ للمركَّب، فالاقتصار على قولهم: إنَّ العبارة تعني (أخبرني) أو (انتبه) أو (أعلمني) أراه غير كافٍ ولهذا السبب سأتناول هذا التركيب تناولًا لغويًا يشمل المستويات اللغوية المعروفة هادفًا إلى تجلية جوانب هذا المركَّب من خلال الدِّراسة التي تتناوله على المستويات المذكورة وتقوم بالتالي بالدِّراسة التحليليَّة، والتأصيليَّة للعبارة حتى لا يبقى هناك جانب، أو مدخل للغموض يكتنف هذا المركَّب بسبب عدم دراسته دراسة شاملةً تُعنى بالتوضيح، والبيان لكافة الجوانب.
إنَّ أهم ما يواجهنا هو مسألة تصنيف جزأي الخطاب من حيث عدُّهما ضميرين، أو عدّ أحدهما ضميرًا، والآخر حرفًا دالاَّ على الخطاب، وله في الوقت نفسه دلالة على الجنس، والعدد لا يمكن إنكارها.
المبحث الأول: المستوى الصوتي
تحقيق الهمز وحذفه:
[ ١١ / ٣٠٣ ]
نبَّه الفرَّاء ت (٢٠٧ هـ) على أنَّ "أَرَأَيْتَ " البصريَّة مهموزة في حين أنَّ "أَرَأَيْتَ " التي بمعنى (أخبرني) في همزتها الثانية لغتان: الهمز، وتركه بيد أنَّ ترك الهمز هو أكثر كلام العرب، إذ يقول في أثناء تفسيره لقوله تعالى:
«[الأنعام:٤٠]
"العرب لها في "أَرَأَيْتَ" لغتان، ومعنيان: أحدهما أن يسأل الرجلُ الرجلَ أَرَأَيْتَ زيدًا بعينك؟ فهذه مهموزة والمعنى الآخر أن تقول:" أَرَأَيْتَكَ" وأنت تريد "أخبرني"، وتهمزها وتترك الهمز إن شئت وهو أكثر كلام العرب" (١) .
ويعزو أبو العبَّاس ثعلبَّ ت (٢٩١ هـ) إلى الكسائي أنَّهم "إنَّما تركوا الهمز (في أَرَأَيْتَكَ بمعنى أخبرني) ليفرِّقوا بينه، وبين رأي العين" (٢) . وهذا القول فيه نظر؛ لأن سياق الكلام، وما يشتمل عليه من قرائن حالية، أو معنوية، أو لفظيّة سيفرِّق بين معاني "أَرَأَيْتَك"، خاصة أنَّ (أَرَأَيْتَكَ) التي بمعنى (أخبرني) الغالب فيها تحقيق الهمزة.
والحقيقة أنَّ "أَرَأَيْتَكَ" بجميع معانيه، وفروعه يجوز فيه الهمز، وتركه أي أنَّه يجوز أن يقال: "أَرَأَيْتَكَ" بالهمز، و"أَرَيْتَكَ" بلا همز، وذلك مسموع من العرب.
_________________
(١) أبو زكريَّا يحيى بن زياد الفرَّاء، معاني القرآن، بيروت، عالم الكتب، ط٣، ١٩٨٣م، ١/٣٣٣.
(٢) أبو العباس ثعلب، مجالس ثعلب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مصر، دار المعارف، ١٩٤٩م، ١/٢٦٠.
[ ١١ / ٣٠٤ ]
فالمسألة لا تخص (أَرَأَيْتَك) بمعنى أخبرني فحسب. قال أبو العبَّاس ثعلب ت (٢٩١هـ) في أثناء حديثه عن "أَرَأَيْتَك": " وربما همزوه" (١) ويلحظ أنَّه هنا أطلق، ولم يخصِّص "أَرَأَيْتَك" التي بمعنى أخبرني هنا في حين أنه ورد في تهذيب اللغة قولٌ ينسب إلى أبي العبّاس ثعلب نصَّ فيه على ترك الهمز، وجوازه في "أَرَأَيْتَكَ" التي بمعنى "أخبرني"؛ إذ جاء ما نصُّه:" قال (أي ثعلب): (أَرَأَيْتَكَ زيدًا قائمًا)؟ إذا استخبر عن زيد تَرَكَ الهمز، ويجوز الهمز. وإذا استخبر عن حال المخاطب كان الهمز الاختيار، وجاز تركه كقولك: أَرَأَيْتَكَ نَفْسَكَ؟ أي ما حالك، ما أمرك؟ ويجوز أَرَيْتَكَ نَفْسَكَ" (٢) .
ونسب ابن جرير الطبري ت (٣١٠ هـ) إلى بعض نحويِّي الكوفة أنَّ أكثر الكلام في "أَرَأَيْتَك" هو ترك الهمز يقول:"وقال بعض نحويِّي الكوفة: أَرَأَيْتَكَ عمرًا أكثر الكلام فيه ترك الهمز" (٣) دون أن يخصِّص "أَرَأَيْتَكَ" التي بمعنى أخبرني. ومعنى هذا أنَّ لغتي تحقيق الهمز، وتركه تشمل باب "رأى" جميعه. ونسب ابن مجاهد ت (٣٢٤ هـ) إلى الكسائي قراءة (أَرَأَيْتَ وفروعه) بحذف الهمزة في كلِّ القرآن (٤) .
_________________
(١) السابق.
(٢) أبو منصور الأزهري، تهذيب اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، مكتبة الخانجي، ط١، ١٩٧٦م، (رأى) ١٥/٣٢١.
(٣) ابن جرير الطبري، تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل أي القرآن)، بيروت، دار الفكر، ١٩٨٨م، م٥/ ج٧/ ص١٩٠.
(٤) ابن مجاهد، السبعة في القراءات، تحقيق شوقي ضيف، مصر، دار المعارف، ط٢، ١٩٨٠م، ص٢٥٧.
[ ١١ / ٣٠٥ ]
وممنِّ نسب هذه القراءة إلى الكسائي أيضًا: ابن مهران الأصبهاني ت (٣٨١ هـ) (١)، وأبو زرعة ت (٣٩٠ هـ) (٢)، ومكي بن أبي طالب ت (٤٣٧هـ) (٣) والفخر الرازي ت (٦٠٤ هـ) (٤)، وأبو البقاء العكبري ت (٦١٦ هـ) (٥)، والدمياطي ت (١١١٧هـ) (٦) .
وبيَّن أبو زرعة (٣٩٠هـ) أنَّ حجة الكسائي في ذلك هي "إجماع العرب على ترك الهمزة في المستقبل في قولهم: "ترى ونرى" فَبنى الماضي على المستقبل مع زيادة الهمزة في أوّلها لأنَّ من شرطه إذا تقدمها همزة الاستفهام، فحينئذ يستثقل الجمع بينهما، وأخرى وهي أنَّها كتبت في المصاحف بغير ألف" (٧) .
وعزا أبو جعفر النحاس ت (٣٣٨ هـ) هذه القراءة إلى عيسى بن عمر والكسائي، إذ يقول: "وقرأ عيسى بن عمر، والكسائي "قُلْ أَرَيْتَكُمْ" بحذف الهمزة الثانية" (٨) .
_________________
(١) ابن مهران الأصبهاني، المبسوط في القراءات العشر، تحقيق سُبيع حمزة حاكمي، جدة، دار القبلة للثقافة الإسلامية، بيروت، مؤسسة علوم القرآن، ط١، ١٩٨٨م، ص١٦٨.
(٢) أبو زرعة عبد الرحمن بن زنجلة، حجّة القراءات، تحقيق سعيد الأفغاني، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط٤، ١٩٨٤م، ص ٢٥٠.
(٣) مكي بن أبي طالب القيسي، الكشف عن وجوه القراءات السبع وحججها، تحقيق محيي الدين رمضان، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط٤، ١٩٧٨م، ١/٤٣١.
(٤) الفخر الرازي، نفسير الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب، بيروت، دار الفكر، ١٩٩٠م، ١٢/٢٣٤.
(٥) أبو البقاء العكبري، التبيان في إعراب القرآن، تحقيق علي محمد البجاوي، مصر، عيسى البابي الحلبي وشركاه، ١٩٧٦م، ١/٤٩٤.
(٦) أحمد بن عبد الغني الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر، بيروت، دار الندوة الجديدة، (بلا تاريخ)، ص ٥٦
(٧) أبو زرعة، حجة القراءات، ص ٢٥٠.
(٨) أبو جعفر النحاس، إعراب القرآن، تحقيق زهير غازي زاهد، مصر، عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية، ط٢، ١٩٨٥م، ٢/٦٦.
[ ١١ / ٣٠٦ ]
وعقَّب على ذلك بقوله: "وهذا بعيدٌ في العربية، وإنَّما يجوز في الشعر" (١) .
ويبدو أنَّ حذف الهمزة من " أَرَأَيْتَكَ " ليس مطردًا في القياس؛ إذ التخفيف القياسي جعلها بَيْنَ بَيْنَ دون حذفها، أو قلبها.
ومِمَّن نسب أيضًا قراءة حذف الهمزة في " أرَيْتَكُمْ" إلى عيسى بن عمر، والكسائي - أبوعبد الله القرطبي ت (٦٧١ هـ) (٢) .
والفخر الرازي ت (٦٠٤ هـ) الذي استحسن هذه القراءة فقال: "والكسائي ترك الهمزة في كل القرآن وأمَّا مذهب الكسائي فحسن، وبه قرأ عيسى بن عمر، وهو كثير في الشعر، وقد تكلمت العرب في مثله بحذف الهمزة للتخفيف كما قالوا:
وسَلْهُ، وكما أنشد أحمد بن يحيى، وَإِنْ لَمْ أُقَاتِلْ فَأَلْبِسُونِي بُرْقٌعا (٣) بحذف الهمزة أراد: فَأَلْبِسُونِي بإثبات الهمزة" (٤) .
_________________
(١) السابق.
(٢) أبو عبد الله القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، بيروت، دار الكتب العلمية، ط١، ١٩٨٨م، ٣/٦/٢٧٢.
(٣) لم أهتد إلى قائله. انظر في الشاهد: ابن جني، الخصائص، تحقيق: محمد علي النجار، بيروت، دار الكتاب العربي، (د. ت)، ٣/١٥١، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ٥/١٠، والسمين الحلبي، الدرُّ المصون في علوم الكتاب المكنون، تحقيق أحمد محمد الخراط، دمشق، دار العلم، ط١، ١٩٨٧م، ٤/٦١٧، أبو حيَّان الأندلسي، البحر المحيط، بيروت، دار الفكر، ط٢، ١٩٨٣م، ٣/٢٠٦.
(٤) الفخر الرازي، تفسير الفخر الرازي، ١٢/ ٢٣٤.
[ ١١ / ٣٠٧ ]
ونسب الفارسي ت (٣٧٧هـ) هذه القراءة إلى عيسى بن عمر فقط مبينًّا أنَّ حذف الهمزة في هذه القراءة ليس حذفًا قياسيًا بل هو حذف غير قياسي للتخفيف، يقول: "فأمَّا قراءة عيسى (١): "أَرَيْتُمْ" بحذف الهمزة فليس بتخفيف قياسي، ولكنَّه يحذف الهمزة حذفًا كما تحذف الحرف حذفًا للتخفيف، وإن لم يوجب القياس المطَّرد؛ ألا ترى أن الهمزة إنَّما تحذف على جهة القياس إذا كان ما قبلها ساكنًا، فتلقى حركتها على الساكن (٢) كما حكى سيبويه ت (١٨٠ هـ) عن عيسى أن أهل التخفيف يقرؤون (٣) «([النمل:٢٥]
وإذا كان الحذف القياسي في الهمزة إنَّما هو من الوجه الذي ذكرنا، ولم يكن ما قبل الهمزة من قوله "أَرَيْتُم" ساكنًا ثبت أنَّ حذفها ليس على القياس" (٤) .
ومثل حذف الهمزة هنا ما ذكره الخليل بن أحمد ت (١٧٥ هـ) من أنَّ "لن" أصلها "لا أَنْ" فحذفت الهمزة استخفافًا، ثم حذفت الألف من "لا" للتخلص من التقاء الساكنين. (٥)
وأشار العكبري ت (٦١٦ هـ) إلى القراءة بحذف الهمزة، وأوضح أنَّ "طريق ذلك أن تُقْلَبَ ياء، وتسكَّن، ثم تحذف لالتقاء الساكنين". (٦)
وبيَّن السمين الحلبي ت (٧٥٦ هـ) ثلاث طرق لحذف الهمزة من" أَرَأَيْتَ ":
_________________
(١) وهي قراءة الكسائي أيضًا انظر ابن مجاهد، السبعة، ص ٢٥٧، ومكي بن أبي طالب، الكشف، ١/٤٣، وابن الجزري، النشر في القراءات العشر، تصحيح على محمد الصنَّاع، بيروت، دار الكتب العلمية، (بلا تاريخ)، ١/٣٩٧-٣٩٨، وأبو حيَّان، البحر المحيط، ٤/١٢٥.
(٢) أبو علي الفارسي، المسائل الحلبيات، تحقيق حسن هنداوي، دمشق، دار القلم، بيروت، دار المنارة، ط١، ١٩٨٧م، ص ٤٣.
(٣) سيبويه، الكتاب، مصر، المطبعة الكبرى الأميريَّة (بولاق)، ١٣١٦هـ، ٢/١٦٥.
(٤) أبو علي الفارسي، المسائل الحلبيات، ص ٤٣.
(٥) سيبويه، الكتاب (طبعة بولاق)، ١/٤٠٧.
(٦) أبو البقاء العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ١/٤٩٤.
[ ١١ / ٣٠٨ ]
الأول: أنها حُذفت مباشرة دون إبدال؛ وذلك لاستثقال الجمع بين همزتين، ولأنَّه حصل بها الثقل، ولثبوت حذفها في المضارع.
والثاني: أنها أُبدلت ألفًا، ثم حُذِفت؛ لالتقاء الساكنين.
والثالث: أنها أبدلت ياء، ثم حُذِفت؛ لالتقاء الساكنين كذلك (١) والأول عنده هو الظاهر.
وحذف الهمزة في "أَرَأَيْتَ" وفروعه له صلة كما يبدو بحذف الهمزة في مضارعه "أَرَى"، وترَى، ونَرَى، ويَرَى، ونحو ذلك.
يقول الخليل ت (١٧٥هـ): "واعلم أنَّ ناسًا من العرب لمّا رأوا همزة "يرى" محذوفة في كل حالاتها حذفوها أيضًا من "رأى" في الماضي، وهم الذين يقولون: "رَيْتُ" (٢) .
وقراءة " أَرَيْتَ" بحذف الهمزة ليست بالاختيار عند الزمخشري ت (٥٣٨ هـ) "لأنَّ حذفها مختصٌّ بالمضارع ولم يصحَّ عن العرب "رَيْتَ" ولكن الذي سَهَّلَ من أمرها وقوع حرف الاستفهام في أول الكلام" (٣) .
وأرى أنَّ اختيار الزمخشري قراءة معيَّنة، وتركه أخرى، أو تفضيله قراءة على أخرى فيه نظر؛ إذ لا تفاضل بين القراءات المتواترة، فالقراءة سُنَّة مُتَّبعة.
والذي يظهر لي أنَّه لو قال: ولغة " أَرَيْتَ" بحذف الهمزة ليست بالاختيار لكان ذلك أولى؛ خاصة أنَّه نصَّ على أنَّ حذفٍ الهمزة في هذه القراءة غير قياسي، إذ يقول: " (أَرَيْتُمْ) بحذف الهمزة ليس بحذفٍ قياسّي". (٤)
وقول الزمخشري: "ولم يصحّ عن العرب "رَيْتَ" في نصّه السابق - فيه نظر؛ إذ ذكر الخليل أنَّ "بعض العرب تقول: رَيْتَ بمعنى "رَأَيْتَ" (٥) ومن حفظ حجَّة على من لم يحفظ كما هو مشهور.
_________________
(١) السمين الحلبي، الدر المصون، ٤/٦١٧.
(٢) الخليل بن أحمد، العين، تحقيق مهدي المخومي وإبراهيم السامرائي، بيروت، منشورات، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ٨/٣١٠.
(٣) أبو القاسم الزمخشري، الكشاف، الرياض، مكتبة المعارف، بيروت، دار المعرفة، (د. ت)، ٤/٢٣٦.
(٤) السابق.
(٥) الخليل بن أحمد، العين، ٨/٣٠٧.
[ ١١ / ٣٠٩ ]
التحقيق والتخفيف والإبدال:
قال الفارسي ت (٣٧٧هـ): "وفي الهمزة التي هي عين الفعل من "رَأَى" ضربان من اللفظ: التحقيق، والتخفيف. فالتحقيق أن تخرجها نبرة لا تنحو بها نحو حرف من حروف اللين. والتخفيف أن تجعل الهمزة بين الهمزة، وبين الحرف الذي حركتها منه، فإذا خُفِّفت التي في "رَأَى" جُعِلت بين الهمزة، والألف فقلت: "رَاى" (١) .
وقد اختلف القُرَّاء في تحقيق الهمز، وتخفيفه، وإثبات الألف من غير همز في "أَرَأَيْتَكَ "، و"أَرَأَيْتَكُمْ" و"أَرَأَيْتَ " وفروعه في القرآن الكريم.
إذ نسب ابن مجاهد ت (٣٢٤ هـ) إلى ابن كثير، وعاصم، وأبي عمرو، وابن عامر، وحمزة قراءة "أَرَأَيْتَكَ"، و"أَرَأَيْتَكُمْ" و"أَرَأَيْتَ "، وفروعه في كلِّ القرآن بالهمز (٢)، أي بتحقيق الهمز.
ونبّه على قراءة تحقيق الهمز كثيرون منهم: الأزهري ت (٣٧٠هـ) (٣)، وابن مهران ت (٣٨١ هـ) (٤)، وأبو زرعة ت (٣٩٠ هـ) (٥)؛ إذ يقول مبينًّا حجَّة من قرأ بالهمز: "وقرأ الباقون: "أَرَأَيْتَكُمْ" و"أَرَأَيْتُم" بالهمزة، وحُجِّتهم أنَهم لم يختلفوا فيما كان من غير استفهام، فكذلك إذا دخل حرف الاستفهام فالحرف على أصله " (٦) يريد أنَّ الهمزة حُقِّقَت على الأصل؛ لأنَّ أصل الحرف مهموز؛ فالهمزة عين الفعل.
_________________
(١) أبو علي الفارسي، المسائل الحلبيات، ص ٤٢.
(٢) ابن مجاهد، السبعة في القراءات، ص٢٥٧.
(٣) أبو منصور الأزهري، معاني القراءات، تحقيق عيد مصطفى درويش، وعوض بن حمد القوزي، مصر، دار المعارف، ط١، ١٩٩١م، ١/٣٥٣.
(٤) ابن مهران الأصبهاني، المبسوط في القراءات العشر، ص١٦٨.
(٥) أبو زرعة، حجّة القراءات، ص ٢٥٠.
(٦) السابق.
[ ١١ / ٣١٠ ]
وممن أشار أيضًا إلى قراءة تحقيق الهمز مكي بن أبي طالب القيسي ت (٤٣٧هـ) غير أنَّه ذكر أنَّ حمزة إذا وقف سهَّل الهمزة، وجعلها بين الهمزة، والألف (١) .
وممن نبَّه على هذه القراءة الفخر الرازي ت (٦٠٤هـ) (٢)، وأبوالبقاء العكبري ت (٦١٦هـ) (٣) .
وعزا ابن مجاهد إلى نافع أنَّه قرأ " أَرَيْتَكَ "، و"أَرَيْتَكُمْ"، و"أَرَيْتَ " وأشباه ذلك من غير همز، والألف على مقدار ذوق الهمز أي أنَّه يسهِّل الهمزة، ويذيقها الهمزة، أو يُشِمُّها الهمزة قليلًا بحيث يجعلها بين الهمزة، والألف (٤) .
أي أنه يقرأ كلّ هذا في القرآن بألف في تقدير الهمز، ولا يهمز؛ من أجل تخفيف الهمز كما يبدو ونسب ابن مهران ت (٣٨١هـ) هذه القراءة إلى أبي جعفر أيضًا (٥) .
_________________
(١) مكي بن أبي طالب القيسي، التبصرة في القراءات، تحقيق محيي الدين رمضان، الكويت، معهد المخطوطات العربية المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ط١، ١٩٨٥م، ص١٩٢.
(٢) الفخر الرازي، نفسير الفخر الرازي، ص ١٢/٢٣٤.
(٣) أبو البقاء العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ١/٤٩٤.
(٤) ابن مجاهد، السبعة في القراءات، ص٢٥٧.
(٥) ابن مهران الأصبهاني، المبسوط في القراءات العشر، ص١٦٨.
[ ١١ / ٣١١ ]
والمراد بتخفيف الهمزة هنا "جعلها بين الهمزة، والألف على التخفيف القياسي" (١) على حدَّ قول الفخر الرازي وهو ما عبَّر عنه أبو البقاء العكبري ت (٦١٦هـ) بقوله: "وتُلَيَّنُ (أي الهمزة) للتخفيف" (٢)، والقراءة بتخفيف الهمزة أو تسهيلها بَيْنَ بَيْنَ وهي قراءة نافع أشار إليها أبو جعفر النحاس ت (٣٣٨هـ) (٣)، ومكي بن أبي طالب ت (٤٣٧هـ) (٤)، والفخر الرازي ت (٦٠٤هـ) (٥)، وغيرهم.
ونبّه أبو جعفر النحاس على أنَّ أبا عبيد حكى عن نافع أنَّه يُسْقِط الهمزة، ويُعَوِّض منها ألفًا هكذا "أَرَايْتَكُمْ" (٦) .
واعترض النحاس على ذلك قائلًا:"وهذا عند أهل اللغة غلط عليه؛ لأنَّ الياء ساكنة، والألف ساكنة، ولا يجتمع ساكنان" (٧) .
على أنَّ أبا زرعة ت (٣٩٠ هـ) يحتج لقراءة نافع هذه ب: "أنَّه كره أن يجمع بين همزتين" (٨) .
ونسب الدمياطي ت (١١١٧ هـ) قراءة "أَرَأَيْتَ"، وفروعه بالتسهيل بَيْنَ بَيْنَ إلى قالون، وورش من طريق الأصبهاني، وكذا أبو جعفر.
يقول الدمياطي: "السادس: مفتوحة (أي الهمزة) بعد فتح، فقرأ قالون، وورش من طريق الأصبهاني، وكذا أبو جعفر بالتسهيل بَيْنَ بَيْنَ في (أَرَأَيْتَ) حيث وقع بعد همزة الاستفهام نحو أَرَأَيْتُم، أَرَأَيْتَكُمْ، أَرَأَيْتَ، أَفَرَأَيْتَ" (٩) .
_________________
(١) الفخر الرازي، تفسير الفخر الرازي، ١٢/٢٣٤.
(٢) أبو البقاء العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ١/٤٩٤.
(٣) أبو جعفر النحاس، إعراب القرآن، ٢/٦٦.
(٤) مكي بن أبي طالب القيسي، التبصرة في القراءات، ص١٩٢، والكشف عن وجوه القراءات السبع وحججها، له، ١/٤٣١.
(٥) الفخر الرازي، تفسير الفخر الرازي، ١٢/٢٣٤.
(٦) أبو جعفر النحاس، إعراب القرآن، ٢/٦٦.
(٧) السابق.
(٨) أبو زرعة، حجّة القراءات، ص٢٥٠
(٩) أحمد بن عبد الغني الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر، ص ٥٦.
[ ١١ / ٣١٢ ]
وتسهيل الهمزة بَيْنَ بَيْنَ أشهر من إبدالها ألفًا خالصة. وعليه الجمهور وهو الأقيس ذكر ذلك الدمياطي (١) .
وإبدال الهمزة ألفًا خالصة تروى عن الأزرق، قال ابن الجزري ت (٨٣٣ هـ) في أثناء حديثه عن قراءة تسهيل الهمزة بَيْنَ بَيْنَ في "رأيت" إذا وقع بعد همزة الاستفهام: "واختلف عن الأزرق عن ورش في كيفية تسهيلها فروى عن بعضهم إبدالها ألفًا خالصة، وإذا أبدلها مدَّ لالتقاء الساكنين مدًّا مشبعًا". (٢) أي بمد الصوت عند النطق بالألف.
وممن أشار إلى ذلك الدمياطي (٣) . وإبدال الهمزة ألفًا في " أَرَأَيْتَ"، وما زيد عليه "أجرى في الرواية" (٤) كما يقول مكي بن أبي طالب ت (٤٣٧ هـ) رادَّا ذلك إلى أنَّ "النقل، والمشافهة إنما هو بالمدَّ عنه (أي عن ورش) وتمكين المد إنما يكون مع البدل" (٥) .
على أنَّه يذكر أنَّ جعل الهمزة الثانية " بَيْنَ بَيْنَ أقيس على أصول العربية" (٦) مستدركًا أنَّ المدّ لا يكون مشبعًا كالبدل (٧) .
_________________
(١) السابق.
(٢) ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ١/٣٩٨.
(٣) الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر، ص ٥٦.
(٤) مكي بن أبي طالب القيسي، التبصرة في القراءات، ص ١٩٢. قال مكي بن أبي طالب: "قيل عن ورش إنَّه يبدلها ألفًا وهو أجرى في الرواية "التبصرة في القراءات، ص ١٩٢.
(٥) السابق، وانظر الكشف عن وجوه القراءات السبع له، ١/٤٣١.
(٦) مكي بن أبي طالب القيسي، التبصرة في القراءات، ص ١٩٢، وانظر الكشف عن وجوه القراءات السبع له، ١/٤٣١.
(٧) مكي بن أبي طالب القيسي، التبصرة في القراءات، ص ١٩٢.
[ ١١ / ٣١٣ ]
ونجده يشير إلى مسوّغ لجواز البدل في الهمزة، فيقول: "وحَسَّنَ جواز البدل في الهمزة، وبعدها ساكن أنَّ الأول حرف مدّ ولين، فالمدُّ الذي يحدث مع الساكن يقوم مقام حركة يتوصل بها إلى النطق بالساكن الثاني" (١) . وقوله هذا فيه تأكيد للقول بأنَّ الألف حركة مضاعفة، فلا بأس من اعتبارها حركة قبل ساكن.
ويبدو أنَّ من قرأ " أَرَايْتَكَ " وفروعه بإبدال الهمزة ألفا يشبع المدّ، لالتقاء الساكنين.
وبذلك يتبين أنَّ إبدال الهمزة ألفًا في " أَرَأَيْتَ " رواية صحيحة؛ إذ هو مسموع من العرب وقد حكاه قطرب، وغيره كما في النشر (٢) .
ويذكر الدمياطي ت (١١١٧هـ) أنه إذا "وقف للأزرق في وجه البدل عليه على نحو أَرَأَيْتَ تعيَّن التسهيل بَيْنَ بَيْنَ لئلا يجتمع ثلاث سواكن ظواهر ولا وجود له في كلام عربي" (٣) .
وعلى الرغم من أنَّ الأصل تحقيق الهمزة التي هي عين الفعل من "أَرَأَيْتَ"، وما شابهه فإنَّه يغلب على ظني أنَّ لغة تسهيل همزة " أَرَأَيْتَ" بَيْنَ بَيْنَ، أو حذفها له ما يسوِّغه وفقًا لقانون الجهد الأقل في الاستعمال اللغوي فالكلمة إذا كثر استعمالها كما هو مشهور اعتراها بعض التغيير، أو الحذف، وذلك؛ لأنَّ كلمة " أَرَأَيْتَ" قد اجتمع فيها همزتان مفتوحتان بينهما حرفٌ مفتوحٌ أيضًا، وهذا أمر مستثقل، ويزيد ذلك ثقلًا اجتماع هاتين الهمزتين في الفعل مع اتصاله بضمير الفاعل، فكان لا بدَّ من تخفيف الهمزة بتسهيلها بين الهمزة، والألف، أو حذفها طلبًا للتخفيف ولم يمتنع تخفيف الهمزة بَيْنَ بَيْنَ مع أنَّ ما بعدها ساكن؛ لأنَّها في زنة المخفَّفة المتحركة.
_________________
(١) مكي بن أبي طالب القيسي، الكشف عن وجوه القراءات السبع، ١/٤٣١.
(٢) ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ١/٣٩٨.
(٣) الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر، ص ٥٦.
[ ١١ / ٣١٤ ]
أمَّا حذف الهمزة هنا فليس له ضابط، ولا عِلَّة، ولكن لكثرة الاستعمال كراهة التكرير، والثقل.
قال مكي بن أبي طالب ت (٤٣٧ هـ): "فإن قيل: فما بال الهمزة كُرِهَ فيها التكرير، واستُثْقِل فالجواب أنَّ الهمزة حرف بعيد المخرج جَلْد صعب على اللافظ مع ما فيها من الجهر والقوة ولذلك استعملت العرب في الهمزة التحقيق، والتخفيف، وإلقاء حركتها على ما قبلها، وإبدالها بغيرها من الحروف، وحذفها في مواضعها وذلك كله؛ لاستثقالهم لها فإذا انضاف إلى ذلك تكريرها كان أثقل كثيرًا عليهم، فاستعملوا في تكرير الهمزة من كلمتين التخفيف للأولى، والتخفيف للثانية، والحذف للثانية والحذف للأولى، وبعضهم يحققهما جميعًا، إذ الأولى كالمنفصلة من الثانية، إذ هي من كلمة أخرى" (١) .
ومما تجدر الإشارة إليه أنَّه امتنع حذف الهمزة الأولى التي هي همزة الاستفهام في "أَرَأَيْتَكَ"، لأنَّ حذفها يخلُّ بالمعنى.
يتبينُ مما سبق أنَّ هناك أربع لغات في الهمزة من " أَرَأَيْتَ " وفروعه وهي:
١ -تحقيق الهمز، ٢ - تسهيله بَيْنَ بَيْنَ، ٣ - إبداله ألفًا، ٤ - حذفه.
والشواهد الشعرية ل "رأى" بتصاريفها كثيرة في المظانِّ اللغوية، والأدبية بيد أنني سأقتصر على إيراد شواهد " أَرَأَيْتَ" وفروعه، لأنَّ هذا البحث خاص به وقد كشف جمعي لشواهد هذا الباب أنَّ ما جاء منه من الشواهد الشعرية صيغتان هما:
" أَرَيْتَ "، و"أَرَيْتَكَ" بلا همز.
قال الراجز: أَرَيْتَ إنْ جَاءَتْ به أُمْلُودا مُرَجَّلًا ويلْبسُ البُرُودا (٢)
_________________
(١) مكي بن أبي طالب القيسي، الكشف عن وجوه القراءات السبع، ١/٧٢.
(٢) الشاهد في ملحقات ديوان رؤبة بن العجاج، تصحيح وليم بن الورد البرُوسيّ، مراجعة لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، بيروت، منشورات دار الآفاق الجديدة، ط٢، ١٩٨٠م، ص ١٧٣. والشاهد بلا نسبة في الفارسي، المسائل الحلبيات، ص ٤٦، وابن جني، الخصائص، ١/١٣٦، والسمين الحلبي، الدر المصون، ٤/٦١٦، ٦٢٦، وابن منظور، لسان العرب إعداد يوسف خياط، بيروت، دار لسان العرب، (د. ت)، (رأى)، ١/١٠٩٣ وهو منسوب في خزانة الأدب إلى رجل من هذيل. البغدادي، خزانة الأدب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، مكتبة الخانجي، الرياض، دار الرفاعي، ط١، ١٩٨٣م، ١١/٤٢٠، الشاهد رقم (٩٥٠) .
[ ١١ / ٣١٥ ]
أَقَائِلُنَّ أَحْضِرُوا الشُّهُودا
وعدَّ الفارسي ت (٣٧٧ هـ) قلب الهمزة هنا ضرورة ذاكرًا أنه ليس سائغًا مطردًا، وإنْ سُمِعَ في بعض الأشعار (١) .
وقال أبو الأسود الدؤلي:
أَرَيْتَ أمْرَأً كُنْتُ لم أَبْلُهُ أَتَانِي فَقَالَ اتَّخِذْنِي خليلًا (٢)
ومنه قوله:
أَرَيْتَ إِنْ أُعْطِْيْتَ هَيْدًا هَيْدَبًا (٣)
وقوله:
أَرَيْتَ إِذَا جَالَتْ بِكَ الخَيْلُ جَوْلَةً وَأَنْتَ على بِرْذَوْنَةٍ غَيْرِ طَائِلِ (٤)
ومن شواهد حذف الهمز في " أَرَأَيْتَكَ " قول الشاعر:
_________________
(١) أبو علي الفارسي، المسائل العسكرية، تحقيق محمد الشاطر أحمد محمد، مصر، مطبعة المدني، ط١، ١٩٨٢م، ص ١٤٠، ١٤١.
(٢) الشاهد لأبي الأسود الدؤلي، ديوانه، تحقيق محمد حسن آل ياسين، بغداد، مكتبة النهضة، ١٩٦٤م، ص ١٢٢ وفي الجوهري، الصحاح، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، بيروت، دار العلم للملايين، ط٣، ١٩٨٤م، (رأى)، ٦/٢٣٤٨، والسمين الحلبي، الدرَّ المصون، ٤/٦١٧، وابن منظور، لسان العرب (بيروت)، (رأى)، ١/١٠٩٣، والأزهري، تهذيب اللغة، (رأى)، ١٥/٣٢٠.
(٣) لم أهتد إلى قائله. والشاهد بلا نسبة في الفرَّاء، معاني القرآن، ١/٤، والفارسي، المسائل الحلبيات، ص ٤٧، وابن منظور، لسان العرب، (بيروت)، (هيد)، ٣/٨٥٤. والهيد الهيدب: ثديُ المرأة وَرَكْبُها إذا كان مسترخيًا، ابن منظور، لسان العرب (بيروت)، (هدب)، ٣/٧٨٠.
(٤) لم أقف على قائله. والشاهد بلا نسبة في الجاحظ، الحيوان، تحقيق عبد السلام محمد هارون، بيروت، دار إحياء التراث العربي، المجمع العلمي العربي الإسلامي، (د. ت)، ٢/٢٨٥، ابن يعيش، شرح المفصَّل، بيروت، عالم الكتب، القاهرة، مكتبة المتنبي (د. ت)، ٥/٩٨، وابن منظور، لسان العرب (بيروت)، (رأي)، ١/١٠٩٣.
[ ١١ / ٣١٦ ]
أَرَيْتَكَ إنْ مَنَعْتَ كَلاَمَ لَيْلى أتَمْنَعُِني عَلَى لَيْلَى البُكْاءَ (١)
وقول عمر بن أبي ربيعه:
أَرَيْتَكَ إذْ هُنَّا عَلَيْكَ أَلَمْ تَخَفْ رَقِيْبًا وَحَوْلي مِنْ عَدُوِّك حُضَّرُ (٢)
المبحث الثاني: المستوى الصرفي
اختلف النحويون في "التاء" و"الكاف" في "أَرَأَيْتَكَ" وفروعه فذهب سيبويه ت (١٨٠هـ) إلى أنَّ "الكاف" التي تلحق "أَرَأَيْتَ " حرفُ خطابٍ يفيد التوكيد والاختصاص وليست ضميرًا. و"التاء" هي علامة المضمر المخاطب المرفوع مستدلًا بقول العرب:"أَرَأَيْتَكَ فلانًا ما حاله؟ "؛ يقول: (وإنَّما جاءت هذه الكاف توكيدًا وتخصيصًا وممَّا يدلُّك على أنَّه ليس باسم قول العرب: أَرَأَيْتَكَ فلانًا ما حالُه؟ فالتاء علامة المضمر المخاطب المرفوع، ولو لم تُلْحِق الكاف كنت مُسْتَغْنيًا فإنَّما جاءت الكاف في "أَرَأَيْتَ " توكيدًا، وما يجيء في الكلام توكيدًا لو طُرِح كان مستغنىً عنه كثير.. والمعنى في التوكيد والاختصاص بمنزلة الكاف التي في "رُوَيْدَ" وما أشبهها" (٣) .
_________________
(١) انظر في الشاهد بلا نسبة: الجوهري، الصحاح، (رأى)، ٦/٢٣٤٨. وانظره منسوبًا لركاض بن أباق الدُبيري في ابن منظور، لسان العرب (بيروت)، (رأى)، ١/١٠٩٣.
(٢) ديوان عمر بن أبي ربيعه، بيروت، دار القلم للطباعة والنشر (د. ت)، ص ٩٦. وانظر في الشاهد بلا نسبة السمين الحلبي، الدر المصون، ٤/٦١٦.
(٣) سيبويه الكتاب (طبعة بولاق)، ١/١٢٤، ١٢٥.
[ ١١ / ٣١٧ ]
فيفهم من قول سيبويه أنَّ "التاء" في "أَرَأَيْتَ " هي ضمير الفاعل، وأنَّ "الكاف" حرف خطاب زائد لا موضع له يجوز إثباته، وحذفه غير أنَّ إثباته يفيد التوكيد، والاختصاص أي أنَّ الكاف حرف يدل على اختلاف المخاطب، والتاء مفردة مفتوحة دائمًا. ومذهب سيبويه هذا هو مذهب البصريين (١) عامة ممن حذوا حذوه وهم أبو الحسن الأخفش ت (٢١٥ هـ) (٢)، وأبو العبَّاس المبرّد ت (٢٨٦ هـ) (٣)، وأبوإسحاق الزجَّاج ت (٣١١ هـ) (٤)، وأبوجعفر النحاس ت (٣٣٨ هـ) (٥)، وأبوعلي الفارسي ت (٣٧٧ هـ) (٦)، وابن جني ت (٣٩٢هـ) (٧)
_________________
(١) نص بعض العلماء على أنَّ هذا المذهب هو مذهب البصريين قال أبو حيَّان:"ومذهب البصريين أنَّ التاء هي الفاعل (يريد في "أَرَأَيْتَكم") وما لحقها حرف يدل على اختلاف المخاطب وأغنى اختلافه عن اختلاف التاء" أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط ٤/١٢٥، ارتشاف الضرب من لسان العرب، تحقيق مصطفى أحمد النماس، جدة، دار المدني، ط١، ١٩٨٤م، ١/٥١٠، وممن عزاه إلى البصريين السمين الحلبي، الدرَ المصون، ٤/٦١٨، ٦١٩، وجلال الدين السيوطي، همع الهوامع، تحقيق عبد العال سالم مكرم، وعبد السلام محمد هارون، الكويت، دار البحوث العلمية، ١٩٧٥م، ١/٢٦٥، سليمان الجمل، الفتوحات الإلهية، بيروت، دار إحياء التراث العربي، (د. ت)، ٢/٢٧.
(٢) الأخفش سعيد بن مسعدة (الأوسط)، معاني القرآن، تحقيق عبد الأمير محمد أمين الورد، بيروت، عالم الكتب، ط١، ١٩٨٥م، ٢/٤٨٨، ٤٨٩.
(٣) أبو العباس المبرّد، المقتضب، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة، بيروت، عالم الكتب، (د. ت)، ٣/٢٠٩، ٢١٠، ١/٤٠، ٣/٢٧٧.
(٤) أبو إسحاق الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، تحقيق عبد الجليل عبده شلبي، بيروت، عالم الكتب، ط١، ١٩٨٨م، ٢/٢٧٠، ٢٧١، ٣/٢٤٩.
(٥) أبو جعفر النحاس، إعراب القرآن، ٢/٦٦، ٤٣٢.
(٦) أبو علي الفارسي، المسائل الحلبيات، ص٧٥.
(٧) ابن جني، سرّ صناعة الإعراب، تحقيق حسن هنداوي، دمشق، دار القلم، ط١، ١٩٨٥م، ١/٣٠٩.
[ ١١ / ٣١٨ ]
، وأبوالقاسم الزمخشري ت (٥٣٨ هـ) (١)، وأبو البقاء العكبري ت (٦١٦ هـ) (٢)، وابن يعيش ت (٦٤٣ هـ) (٣)،وابن مالك ت (٦٧٢ هـ) (٤)، وابن هشام ت (٧٦١ هـ) (٥)، والصبان ت (١٢٠٦ هـ) (٦) .
ويعلِّل المبرّد ذلك بأنَّ: " (الكاف) لو كانت اسمًا استحال أن تُعَدِّي "رأيت" إلى مفعولين الأول هو الثاني، والثاني هو الأول (٧) .
ويؤكد ابن جنيَّ أنَّ الكاف في "أَرَأَيْتَك" حرفُ خطابٍ لا موضع لها من الإعراب وأنَّ "زيدًا" في تركيب "أَرَأَيْتَكَ زيدًا ما صنع" هو المفعول الأول، "وما صنع" هو المفعول الثاني، حيث يقول: "وأمَّا قولهم "أَرَأَيْتَكَ زيدًا ما صنع؟ "فإنَّما الكاف هنا أيضًا للخطاب ولا يجوز أن تكون اسمًا، لأنَّ "زيدًا" هو المفعول الأوَّل، "وما صنع" في موضع المفعول الثاني؛ فالكاف إذن لا موضع لها من الإعراب" (٨) .
_________________
(١) الزمخشري، الكشاف، ٢/١٣، ٣٦٦.
(٢) أبو البقاء العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ١/٤٩٥.
(٣) ابن يعيش، شرح المفصَّل، ٣/١٣٤.
(٤) ابن مالك، شرح التسهيل، تحقيق عبد الرحمن السيَّد ومحمد بدوي المختون، مصر، هجر للطباعة والنشر، ط١، ١٩٩٠م، ١/٢٤٧.
(٥) ابن هشام الأنصاري، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق مازن المبارك ومحمد علي حمد الله، مراجعة سعيد الأفغاني، بيروت، دار الفكر، ط٥، ١٩٧٩م، ص٢٤٠.
(٦) الصبان، حاشية الصبان على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، مصر، مطبعة دار إحياء الكتب العربية، (د. ت)، ١/١٤٠.
(٧) أبو العباس المبرد، المقتضب، ٣/٢٧٧.
(٨) ابن جني، سرّ صناعة الإعراب، ١/٣١١، وانظر ١/٣٠٩.
[ ١١ / ٣١٩ ]
ويستدلُّ أبو البقاء العكبري ت (٦١٦ هـ) على أنَّ "الكاف" في "أَرَأَيْتَك" حرفُ خطاب جيء به للتأكيد، وليست اسمًا ب "أنَّها لو كانت اسمًا لكانت إمَّا مجرورة وهو باطل؛ إذ لا جارَّ هنا، أو مرفوعة وهو باطل أيضًا؛ لأمرين: أحدهما أنَّ الكاف ليست من ضمائر المرفوع، والثاني: أنه لا رافع لها؛ إذ ليست فاعلًا؛ لأنَّ التاء فاعل، ولا يكون لفعلٍ واحد فاعلان. وإمَّا أن تكون منصوبة وذلك باطلٌ لثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ هذا الفعل يتعَّدى إلى المفعولين كقولك: أَرَأَيْتَ زيدا ما فعل، فلو جعلت الكاف مفعولًا لكان ثالثًا، والثاني أنَّه لو كان مفعولًا لكان هو الفاعل في المعنى، وليس المعنى على ذلك؛ إذ ليس الغرض أَرَأَيْتَ نَفْسَكَ، بل أَرَأَيْتَ غَيْرَكَ، ولذلك قلت: أَرَأَيْتَكَ زيدًا، و(زيدٌ) غير المخاطب، ولا هو بدل منه، والثالث: أنَّه لو كان منصوبًا على أنه مفعول لظهرت علامة التثنية، والجمع، والتأنيث في التاء فكنت تقول: أَرَأَيْتُماكُما، وأَرَأَيْتُمُوكُم، وَأَرَأْيتُنَّكُنَّ" (١) .
أمَّا الكسائيَّ ت (١٨٩هـ) فيرى أنَّ الكاف في "أَرَأَيْتَك" في موضع نصب (٢) .
ويقول أبو حيان (٧٤٥هـ): "ومذهب الكسائي أنَّ الفاعل هو التاء وأنَّ أداة الخطاب اللاحقة في موضع المفعول الأول " (٣) .
_________________
(١) العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ١/٤٩٥.
(٢) أبو العباس ثعلب، مجالس ثعلب، ١/٢٦٠.
(٣) أبو حيَّان، البحر المحيط، ٤/١٢٥، وانظر ارتشاف الضرب له، ١/٥١٠ وممن عزا هذا المذهب إلى الكسائي أيضًا: السمين الحلبي، وابن هشام، والسيوطي، والجمل، والألوسي. انظر السمين الحلبي، الدر المصون، ٤/٦١٩، وابن هشام، مغني اللبيب، ص ٢٤٠، السيوطي، همع الهوامع، ١/٢٦٦، الجمل، الفتوحات الإلهية، ٢/٢٧، الألوسي، روح المعاني، بيروت، إدارة الطباعة المنيرية، دار إحياء التراث العربي، ط٤٣، ١٩٨٥م، ٧/١٤٩.
[ ١١ / ٣٢٠ ]
فالكاف عند الكسائي "في موضع نصب كأنَّ الأصل: أَرَأَيْتَ نفسك على غير هذه الحال فهذا يثنَّى ويجمع ويؤنَّث فيقال: أَرَأَيْتُماكُما، وأَرَأَيْتُمُوكُم، وأَرَأَيْتُنَّ كُنَّ، أوقع فعله على نفسه، وسأله عنها، ثم كثر به الكلام حتى تركوا التاء موحّدة للتذكير، والتأنيث، والتثنية، والجمع؛ فقالوا "أَرَأَيْتَكُمْ زيدًا ما صنع، وَأَرَأَيْتَكُنَّ زيدًا ما صنع، فوجَّدوا التاء، وثنّوا الكاف، وجمعوها، فجعلوها بدلًا من التاء" (١) .
وقول الكسائي هذا قد اعترض عليه أبوعلي الفارسي ت (٣٧٧ هـ) (٢)، وابن جني ت (٣٩٢هـ) إذ يقول: " فذلك غلط من قِبَلِ أنَّ السؤال إنَّما هو عن زيد في صنيعه، ولست تسأل عن المخاطب ما صنع، وأيضًا فلو كانت الكاف هي المفعول الأول، وزيد هو المفعول الثاني لجاز أن تقتصر على زيد فتقول: أَرَأَيْتَكَ زيدًا، كما تقول: ظننتك زيدًا. فحاجة زيد إلى ما بعده تدلُّ على أنه هو المفعول الأول، وأنَّ ما بعده في موضع المفعول الثاني. وأيضًا فإنَّا نجد معنى: أَرَأَيْتَكَ زيدًا ما صنع، وأَرَأَيْتَ زيدًا ما صنع، واحدًا فدلَّ هذا على أنَّ الكاف للخطاب، وليست مغيرّة شيئًا من الإعراب، وأيضًا فلو كانت (الكاف) هي المفعول الأوَّل، و(زيدًا) هو المفعول الثاني لوجب أن تقول للمؤنث: أَرَأَيْتَكِ زيدًا، فتكسر التاء كما تقول: ظَنَنْتِكِ قائمة ولوجب أن تقول للاثنين أَرَأَيْتُمَاكُما الزيدين، كما تقول: ظَنَنْتُمَاكُمَا قائمين، وكذلك في الجماعة المذكَّرة، والمؤنثة. فترك العرب هذا كلَّه، وإقرارهم التاء مفتوحة على كلِّ حال يدلُّ على أنَّ لها، وللكاف في هذا النحو مذهبًا ليس لهما في غير هذا الوضع" (٣) .
_________________
(١) ابن جرير الطبري، تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل أي القرآن)،٥/١٠/١٩٠، ١٩١.
(٢) أبو علي الفارسي، المسائل العسكرية، ص١٣٩.
(٣) ابن جني، سر صناعة الإعراب، ١/٣١١، ٣١٢.
[ ١١ / ٣٢١ ]
يتبين من قول ابن جني أنَّ الكاف حرفُ خطابٍ، ولا يمكن أن تكون مفعولًا أول للأسباب الآتية:
أولًا: أنَّ السؤال في قولنا: "أَرَأَيْتَكَ زيدًا ما صنع "إنَّما هو عن زيد،
ثانيًا: أنه لا يجوز الاقتصار على زيد في الجملة السابقة؛ لأنَّ الفائدة لا تتمُّ عنده.
ثالثًا: أنَّ معنى الجملة السابقة، ومعنى "أَرَأَيْتَ زيدًا ما صنع" واحد.
رابعًا: ثبات التاء موحَّدة مفتوحة.
ويذهب الفرَّاء ت (٢٠٧ هـ) مذهبًا مغايرًا، فالكاف عنده ضمير نصب استُعير للرفع أي أنها في موضع الفاعل استُعيِرتْ ضمائر النصب للرفع؛ قال الفرَّاء: "وموضع الكاف نصب، وتأويله رفع" (١) .
وينزل الكاف هنا منزلة الكاف في "دُوْنَكَ" في كونها مجرورة لفظًا مرفوعة معنى؛ فيقول: " كما أنَّك إذا قلت للرجل: دُوْنَكَ زيدًا، وجدت الكاف في اللفظ خَفْضًا، وفي المعنى رفعًا؛ لأنَّها مأمورة" (٢) .
يريد أنَّ الكاف وإن كان لفظها لفظ المنصوب في نحو " أَرَأَيْتَكَ " إلا أنَّها مرفوعةُ المحلّ.
"والتاء" عنده هي حرفُ الخطاب؛ يقول أبو حيَّان الأندلسي ت (٧٤٥ هـ): "ومذهب الفرَّاء أنَّ التاء هي حرف خطاب كهي في أنت، وأنَّ أداة الخطاب بعده هي في موضع الفاعل استُعيرت ضمائر النصب للرفع" (٣) .
ويبدو أن الفرَّاء ذهب هذا المذهب؛ لأن الفعل يتحوَّل عن التاء إلى الكاف.
ويعترض الزجاج ت (٣١١ هـ) على قول الفرَّاء هذا فيقول:"قال الفرَّاء لفظها لفظ نصب، وتأويلها تأويل رفع وهذا لم يَقُلْه من تقدَّم من النحويين، وهو خطأ" (٤) .
_________________
(١) الفرَّاء، معاني القرآن، ١/٣٣٣.
(٢) السابق.
(٣) أبو حيَّان الأندلسي، البحر المحيط، ٤/١٢٥، ١٢٦، وارتشاف الضرب له، ١/٥١٠. وهذا مخالف لمذهب الفراء في هذا الضمير حيث إن جمهور النحويين هم الذين يرون أن "التاء" من "أنت"، حرف خطاب أما الفراء فيرى أن المجموع هو الضمير.
(٤) الزجَّاج، معاني القرآن وإعرابه، ٢/٢٤٦.
[ ١١ / ٣٢٢ ]
ويعلِّل ذلك بقوله: "لأنَّ قولك: أَرَأَيْتَكَ زيدًا ما شأنه تصير "أَرَأَيْتَ " قد تعدَّت إلى الكاف، وإلى زيد، فيصير ل "رَأَيْتَ" اسمان، فيصير المعنى أَرَأَيْتَ نَفْسَكَ زَيْدًا ما حاله؟ وهذا محال" (١) .
يُفهم من قول الزجَّاج أنَّ مردّ الخطأ في قول الفرَّاء هو أنَّ " أَرَأَيْتَ " يصير له فاعلان هما: التاء والكاف؛ لذا لم يقبله النحويون القدماء.
وممَّن اعترض على قول الفرَّاء هنا أبو جعفر النحاس ت (٣٣٨ هـ)؛ إذ يقول: "هذا محال، ولكن الكاف لا موضع لها، وهي زائدة للتوكيد كما يقال: ذاك" (٢)، والزمخشري ت (٥٣٨ هـ) إذ يقول: "تقول: أَرَأَيْتَكَ زيدًا ما شأنه؟ فلو جعلت للكاف محلًا لكنت كأنك تقول: أَرَأَيْتَ نَفْسَكَ زيدًا ما شأنه وهو خُلْفٌ من القول" (٣) .
وقد اعترض أبو علي الفارسي ت (٣٧٧ هـ) على قول الفرَّاء ذاكرًا أنَّ التاء هي الفاعل، لا الكاف، لامتناع وجود فاعلين لفعل واحد؛ يقول: "فالذي يُفْسِدُ قول من قال: إنه رَفْعٌ أنَّ التاء هي الفاعلة، وموضعها رفع فيمتنع إذن أن تكون الكاف مرفوعة لاستحالة كون فاعلين لفعل واحد في كلامهم على غير وجه الاشتراك لأحدهم بالآخر بغير حرف العطف؛ فهذا القول بعيد جدًا" (٤) .
_________________
(١) السابق.
(٢) النحاس، إعراب القرآن، ٢/٦٦، وانظر، ٢/٤٣٢.
(٣) الزمخشري، الكشاف، ٢/١٣.
(٤) أبو علي الفارسي، المسائل العسكرية، ص ١٣٩.
[ ١١ / ٣٢٣ ]
وممَّن اعترض على الفرَّاء: مكي بن أبي طالب ت (٤٣٧ هـ)، إذ يقول: "وقال الفرَّاء لفظها لفظ منصوب، ومعناها معنى مرفوع؛ وهذا محال؛ لأنَّ التاء هي الكاف في " أَرَأَيْتَكَ " فكان يجب أن تظهر علامة جمع في التاء، وكان يجب أن يكون فاعلان لفعل واحد، وهما لشيء واحد، ويجب أن يكون قولك " أَرَأَيْتَكَ زيدًا ما صنع؟ " معناه: أَرَأَيْتَ نفسك زيدًا ما صنع؟ لأنَّ الكاف هو المخاطب، وهذا الكلام محال في المعنى، ومتناقض في الإعراب، والمعنى؛ لأنك تستفهم عن نفسه في صدر السؤال، ثم ترد السؤال عن غيره في آخر الكلام، وتخاطب أولًا، ثم تأتي بغائب آخر؛ ولأنَّه يصير ثلاثة مفعولين ل (رأيت)، وهذا كله لا يجوز" (١) .
والراجح في المسألة ما ذهب إليه البصريون من عدِّ "الكاف" حرف خطاب، والتاء ضمير الفاعل؛ لأنَّه محكومٌ بفاعليّة "التاء" في غير هذا الفعل بإجماع، ولم يُعْهَدْ ذلك في الكاف، ثم إنَّ الكاف يُسْتَغْنى عنها بخلاف التاء فكانت التاء أولى بالفاعليَّة، والدليل على أنَّ الكاف يُسْتَغْنى عنها أنَّ معنى: أَرَأَيْتَكَ زيدًا ما حاله، هو أَرَأَيْتَ زيدًا ما حاله؟
ثم إنَّ الاسم الواقع بعد الكاف لما كان غير الكاف، فإنَّ هذا ليدل دلالة واضحة على أنها ليست المفعول الأول ل أَرَأَيْتَ لأنَّ هذا الفعل يتعدَّى إلى مفعولين الأول منهما هو الثاني في المعنى، فبهذا يكون الكاف حرفَ خطاب بمنزلة الكاف في: "ذَلِكَ"، و"هُنَالك"، و"رُوَيْدَكَ".
أمَّا "التاء" في "أَرَأَيْتَكَ" فلا يجوز أن يكون للخطاب؛ لأنَّه لا يجوز أن يلحق الكلمة علامتان للخطاب.
_________________
(١) مكي بن أبي طالب القيسي، مشكل إعراب القرآن، ١/٢٦٦، وممن ردّ مذهب الفراء: السمين الحلي، انظر السمين الحلبي، الدر المصون، ٤/٦٢١.
[ ١١ / ٣٢٤ ]
لذلك أفردت التاء في جميع الأحوال، وجعلت على لفظ واحد ثابت، وجُعل التغيُّر في الكاف، لَيدُلَّ على اختلاف أحوال الفاعل إفرادًا وتثنية وجمعًا وتذكيرًا وتأنيثًا.
و"أَرَأَيْتَكَ" هذه تاؤها تكون موحَّدةً مفتوحةً دائمًا للمفرد والمثنى والجمع مذكَّرًا كان، أو مؤنَّثًا إن اتصلت بها الكاف في حين أنَّ الكاف تتغير بتغير المخاطب.
قال الفرَّاء ت (٢٠٧هـ): " تقول: " أَرَأَيْتَكَ"، وتنصب التاء منها وتترك التاء موحَّدة مفتوحة للواحد، والواحدة، والجميع في مؤنَّثه ومذكَّره.
فتقول للمرأة: أَرَايْتَكِ زيدًا هل خرج؟، وللنسوة أَرَايْتَكُنَّ زيدًا ما فعل؟ (١) . والفرَّاء يريد بقوله: "وتنصب التاء فيها": أي وتفتح التاء كما يبدو؛ لأنَّ التاء في " أَرَأَيْتَكَ " مبنيَّة على الفتح.
ومِمَّن أشار أيضًا إلى فتح التاء في "أَرَايْتَكَِ" وفروعه، واختلاف الكاف باختلاف المخاطب أبو العبَّاس ثعلب ت (٢٩١ هـ) (٢) .
ويعلَّل بن جني ت (٣٩٢ هـ) لزوم فتح التاء في "أَرَأَيْتَكَ"، وتغيُّر الكاف بعدها بتغير حال الفاعل بكَون التاء عُدَّت اسمًا خالصًا، والكاف علامة الخطاب؛ يقول: "وإنما فُتِحَت التاء في كلَّ حال، واقتُصِر في علامة المخاطبين، وعددهم على ما بعد التاء في قولك للرجل: أَرَأَيْتَكَ زيدًا ما صنَع؟ وللمرأة "أَرَأَيْتَكِ زيدًا ما فَعَل؟ وأَرَأَيْتَكُما، وأَرَأَيْتَكُمْ، وأَرَأَيْتَكُنَّ بفتح التاء البتة؛ لأنها أُخْلِصَت اسمًا، وجُعِلَتْ علامة الخطاب فيما بعد" (٣) .
_________________
(١) الفرَّاء، معاني القرآن، ١/٣٣٣.
(٢) أبو العبَّاس ثعلب، مجالس ثعلب، ١/٢٥٩.
(٣) ابن جني، سرّ صناعة الإعراب، ١/٣١٢.
[ ١١ / ٣٢٥ ]
ومما هو جدير بالإشارة إليه أنَّ بقاء التاء مفتوحة في " أَرَأَيْتَكَِ" بمعنى أخبرني أمرٌ جائز، لا واجب؛ قال أبو حيان ت (٧٤٥ هـ): "وإذا كانت بمعنى أخبرني جاز أن تختلف التاء باختلاف المخاطب، وجاز أن تتصل بها الكاف مشعرة باختلاف المخاطب، وتبقى التاء مفتوحة كحالها للواحد المذكَّر" (١) .
ويرجع ابن الشجري ت (٥٤٢ هـ) فتح التاء في "أَرَأَيْتَكُمْ" وهو لجماعة الذكور، وفي "أَرَأَيْتَكُنَّ" وهو لجماعة الإناث وفي "أَرَأَيْتَكُما" وهو للمثنى بنوعيه، و"أَرَأَيْتَكِ" وهو للمفرد المؤنث؛ لكون التذكير، والتوحيد هما الأصلين فالتذكير أصل للتأنيث، والتوحيد، أو الإفراد أصل للتثنية، والجمع؛ يقول: "وأمَّا فتح التاء في "أَرَأَيْتَكُمْ"، وأَرَأَيْتَكُما، وأَرَأَيْتَكِ يا هذه، وأَرَأَيْتَكُنَّ فقد علمت أنَّك إذا قلت: رَأَيْتَ يارجل فتحت التاء، وإذا قلت: رَأَيْتِ يا فلانة كسرتها، وإذا خاطبت اثنين، أو اثنتين، أو جماعة ذكورًا، أو إناثًا ضممتها فقلت: رَأيْتُما وَرَأيْتُم وَرَأيْتُنَّ. وقد ثبت، واستقرَّ أنَّ التذكير أصلٌ للتأنيث، وأنَّ التوحيد أصلٌ للتثنية، والجمع فلمَّا خَصُّوا الواحد المذكَّر المخاطب بفتح التاء، ثم جرّدوا التاء من الخطاب، فانفردت به الكاف في أَرَأَيْتَكَ، وأَرَأَيْتَكٍ يا زينب، والكاف، وما زيد عليها في أَرَأَيْتَكُما، وأَرَأَيْتَكُمْ، وأَرَأَيْتَكُنَّ ألزموا التاء الحركة الأصلية؛ وذلك لما ذكرته لك من كون الواحد أصلًا للاثنين، وللجماعة، وكون المذكر أصلًا للمؤنَّث" (٢) .
توحيد "التاء" في "أَرَأَيْتَكَ":
_________________
(١) أبو حيان، البحر المحيط، ٤/١٢٥.
(٢) ابن الشجري، الأمالي الشجرية، بيروت، دار المعرفة، (د. ت)، ١/٢٩٩-٣٠٠ (المجلس السابع والثلاثون)، المسألة السادسة) .
[ ١١ / ٣٢٦ ]
ونحن نتساءل لِمَ لمْ يُثَنَّ الضمير الذي هو "التاء" في "أَرَأَيْتَكُما"، ولم يُجْمَعْ في "أَرَأَيْتَكُمْ" و"أَرَأَيْتَكُنَّ" (١) .
ويردُّ الفرَّاء ت (٢٠٧ هـ) توحيد التاء في "أَرَأَيْتَكَ" التي بمعنى أخبرني إلى أنَّ العرب "لم يريدوا أن يكون الفعل منها واقعًا على نفسها، فاكتفوا بذكرها في الكاف، ووجَّهُوا التاء إلى المذكَّر، والتوحيد؛ إذ لم يكن الفعل واقعًا" (٢) .
فالفرَّاء يذكر أنَّ توحيد التاء هنا ناشيء من أنَّه لا موضع لها، وأنَّ الموضع للكاف أي أنَّ الكاف قامت مقام التاء، فلذلك وحّدوها، وثنّوا الكاف، وجمعوها وتعليله هذا انعكاس لرأيه في التاء، والكاف في "أَرَأَيْتَكَ" وفروعه.
_________________
(١) “أَرَأَيْتَ " البصريَّة تتصرَّف تاؤها تصرف سائر الأفعال من إفراد وتثنية وجمع أي تتغير تاؤها قال الفرَّاء في أثناء حديثه عن "أَرَأَيْتَ ": "العرب لها في "أَرَأَيْتَ " لغتان ومعنيان: أحدهما أن يسأل الرجل الرجل أَرَأَيْتَ زيدًا بعينك؟ فهذه مهموزة فإذا أوقعتها على الرجل قلت أَرَأَيْتَك على غير هذه الحال؟ تريد: هل رأيت نفسك على غير هذه الحال؟ ثم تثنَّى وتجمع فتقول للرجلين: أَرَأَيْتَماكما، وللقوم: أَرَأَيْتُموكم، وللنسوة: أَرَأَيْتُنَّكُنَّ، وللمرأة: أَرَأَيْتِكِ تخفض التاء والكاف ولا يجوز إلاَّ ذلك" الفرَّاء، معاني القرآن، ١/٣٣٣.
(٢) الفرَّاء، معاني القرآن، ١/٣٣٣، وتابعه سليمان الجمل، الفتوحات الإلهية، ٢/٢٨؛ يقول: "وإنما تركت العرب التاء واحدة (أي في أَرَأَيْتَكَ وفروعه) لأنهم لم يريدوا أن يكون الفعل واقعًا من المخاطب على نفسه فاكتفوا من علامة المخاطب بذكرها في الكاف وتركوا التاء في التذكير والتوحيد مفردة إذ لم يكن الفعل واقعًا" الجمل، الفتوحات الإلهية، ٢/٢٨.
[ ١١ / ٣٢٧ ]
ويعلِّل السيرافي ت (٣٦٨ هـ) إفرادهم التاء في "أَرَأَيْتَكَِ وفروعه" استغناء بتثنية الكاف، وجمعها عن تثنية التاء، وجمعها من أجل الفرق بين "أَرَأَيْتَ " التي بمعنى أخبرني، والتي بمعنى عَلِمْتُ (١) .
ونجد هذا التعليل عند أبي علي الفارسي ت (٣٧٧ هـ) (٢) .
أمَّا ابن الشجري ت (٥٤٢ هـ) فيذكر أنَّه إنَّما جاء مفردًا في "أَرَأَيْتَكُما" و"أَرَأَيْتَكُمْ" و"أَرَأَيْتَكُنَّ"؛ لأنَّه لو ثنِّى، أو جمع لكان ذلك جمعًا بين خطابين، وهو غير جائز (٣) .
ولقد عدَّ أبو علي الفارسي قولهم " أَرَأَيْتَكَ" وفروعه شاذًّا عن الاستعمال مُطَّرِدًا في القياس (٤) .
المبحث الثالث: المستوى النحوي
تحدَّث بعض النحويين عن تعدِّي "أرأيْتَ"، و"أَرَأَيْتَكَ"، وربطوا ذلك بالمعنى؛ إذ يذهب الرضي الإستراباذي ت (٦٨٦ هـ) إلى أنَّ (أَرَأَيْتَكَ) "منقول من (رَأَيْتَ) بمعنى أبْصَرْتَ أو عَرَفْتَ كأنَّه قيل أَأَبْصَرْتَهُ، وشاهدت حاله العجيبة، أو أَعَرَفْتَها؟ أخبرني عنها " (٥) .
وتكون على هذا القول متعدِّية إلى مفعولٍ واحد.
_________________
(١) أبو سعيد الحسن السيرافي، شرح كتاب سيبويه (بيكروفيلم) بقسم المخطوطات بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، برقم ١٠٢٩٦/ف مصوَّر من دار الكتب المصرية رقم (١٣٧) نحو، ٢/ق ٥٣ب، ق ٥٤أ.
(٢) أبو علي الفارسي، المسائل الحلبيَّات، ص٧٥.
(٣) ابن الشجري، الأمالي الشجرية، ١/٢٩٢ (المجلس السابع والثلاثون)، المسألة الثانية) .
(٤) أبو علي الفارسي، المسائل العسكرية، ص ١٣٥-١٣٨.
(٥) الرضي الأستراباذي، شرح الرضي على الكافية لابن الحاجب، بيروت، دار الكتب العلمية، (د. ت)، ٢/٢٨٢.
[ ١١ / ٣٢٨ ]
ويعزو الصبان ت (١٢٠٦ هـ) إلى ابن هشام ت (٧٦١ هـ) أنَّ "أَرَأَيْتَ" هذه منقولة من "أَرَأَيْتَ" بمعنى أَعَلِمْتَ؟ لا من أَرَأَيْتَ بمعنى أَأَبْصَرْتَ؟ " (١) ويقوِّي ذلك عنده أنَّها تتعَّدى إلى مفعولين" (٢)
ويعدّ هذا الأسلوب "مِن الإنشاء المنقول إلى إنشاء آخر" (٣) .
وسواء أكانت "أَرَأَيْتَ " منقولة من " أَرَأَيْتَ" بمعنى عَرَفْتَ أم بمعنى أبصرت أم بمعنى عَلِمْتُ فإنها في أصلها جملةٌ خبريَّةٌ، ثم تحوَّلت بعد النقل، وبعد أن لازمتها همزة الاستفهام إلى جملة إنشائية لها معنى جديد وهي "أخبرني" وهي مع ذلك لا تدل على استفهام، ولا تحتاج إلى جواب.
و"أَرَأَيْتَكَ" يحتاج إلى مفعولين - إذا كان بمعنى أخبرني - الأوَّل الاسم المنصوب بعدها، والثاني جملة الاستفهام.
قال سيبويه ت (١٨٠ هـ): " وتقول: أَرَأَيْتَكَ زيدًا أبو من هو، وأَرَأَيْتَكَ عمرًا أعندك هو أم عند فلان؟ لا يحسن فيه إلاَّ النصب في زيد، ألا ترى أنَّك لو قلت أَرَأَيْتَ أبو من أنت؟ أو أَرَأَيْتَ أزيدٌ ثَمَّ أم فلانٌ لم يحسن؛ لأن فيه معنى أَخْبِرْني عن زيد، وهو الفعل الذي لا يَستَغْني السكوت على مفعوله الأول فدخول هذا المعنى فيه لم يجعله بمنزلة أَخْبِرْني في الاستغناء، فعلى هذا أُجْرِيَ، وصار الاستفهام في موضع المفعول الثاني" (٤) .
_________________
(١) الصبَّان، حاشية الصبَّان، ١/١٤٠.
(٢) السابق.
(٣) السابق.
(٤) سيبويه، الكتاب (بولاق)، ١/١٢٢.
[ ١١ / ٣٢٩ ]
ويفهم من قول سيبويه أنَّه لا بدَّ بعد قولك "أَرَأَيْتَكَ" التي بمعنى أخبرني من اسمٍ منصوب هو المفعول به الأول، ثم يليه جملة الاستفهام التي هي في موضع المفعول الثاني. وأنَّه لا يجوز رفع ما بعد "أَرَأَيْتَكَ" - على التعليق؛ لأنَّه لا يجوز تعليقها؛ إذ هي بمعنى أخبرني، وأخبرني لا يُعَلَّق. ومع أنَّ "أَرَأَيْتَكَ" بمعنى أخبرني فإنها لا تقتصر على مفعول واحد مثلها، بل تتعدَّى إلى مفعولين شأنها في ذلك شأن رأى القلبيَّة.
المبحث الرابع: المستوى الدلالي
نصَّ بعض العلماء على مجيء "أَرَأَيْتَ " وفروعه بمعنى أخبرني؛ قال سيبويه ت (١٨٠هـ) ": "..وتقول أَرَأَيْتَكَ زيدًا أبو من هو فيه معنى أَخْبِرنِي عن زيد" (١) .
وقال أبو سعيد السيرافي ت (٣٦٨هـ) في أثناء شرحه لهذا الباب:
"أَرَأَيْتَك" بمعنى أخبرني " (٢) .
وفي معاني القرآن للفراء ت (٢٠٧هـ): "تقول: أَرَأَيْتَكَ وأنت تريد أخبرني" (٣) .
وقال الزجاج ت (٣١١هـ) في أثناء تفسيره لقوله تعالى: «([الإسراء: ٦٢]
"وقوله: (أَرَأَيْتَكَ) في معنى أخبرني" (٤) .
_________________
(١) السابق.
(٢) أبو سعيد الحسن السيرافي، شرح كتاب سيبويه، ٢/ق٤٩ب، ق ٥٠أ.
(٣) أبو زكريَّا يحيى بن زياد الفرَّاء، معاني القرآن، ١/٣٣٣.
(٤) أبو إسحاق الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، ٣/٢٤٩.
[ ١١ / ٣٣٠ ]
وأشار كثير من العلماء إلى أنَّه بمعنى أخبرني ومنهم الراغب الأصفهاني ت (٥٠٢هـ) (١)، وأبوالقاسم الزمخشري ت (٥٣٨هـ) في مواضع متفرَّقة من كشافه (٢)، وابن مالك ت (٦٧٢هـ) (٣)، والرضي الإستراباذي ت (٦٨٦هـ) (٤) وأبو حيَّان الأندلسي ت (٧٤٥هـ) (٥)، والفيروزآبادي ت (٨١٧هـ) (٦) .
وينسب ابن فارس ت (٣٩٥هـ) إلى أبي عبيد أنه بمعنى أعلمني؛ إذ يقول: "وقال أبو عبيد إذا قيل: أَرَأَيْتَ في المسألة معناه أعلمني" (٧) .
ويبدو أنَّه ليس هناك اختلاف بين أعلمني، وأخبرني في هذا السياق فهما متقاربان في المعنى.
يقول أبو علي الفارسي ت (٣٧٧هـ): " وأخبروني، وأعلموني متقاربان" (٨) .
وأشار أبو حيان في "ارتشاف الضرب" إلى هذين المعنيين فقال: "وإذا قلت " أَرَأَيْتَكَ " فالهمزة دخلت على رَأَيْتَ فإمَّا أن يكون بمعنى أعلمتك، أو بمعنى أخبرني" (٩) .
ونبَّه أبو علي الفارسي على معنى آخر في " أَرَأَيْتَ " وهو (انتبه) .
_________________
(١) الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، تحقيق محمد سيَّد كيلاني، بيروت، دار المعرفة (د. ت)، (رأى)، ص ٢٠٩.
(٢) أبو القاسم الزمخشري، الكشاف، ٢/١٣، ٣٦٦، ٣٩٦، ٢/٤٢١، ٣/١٧٧.
(٣) ابن مالك، تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، تحقيق محمد كامل بركات، مصر، دار الكاتب العربي، ١٩٦٧م، ص ٤٠، وشرح التسهيل له، ١/٢٤٦.
(٤) الرضي الأستراباذي، شرح الرضي على الكافية لابن الحاجب، ٢/٢٨٢.
(٥) أبو حيَّان الأندلسي، البحر المحيط، ٤/١٢٥.
(٦) الفيروز آبادي، القاموس المحيط، تحقيق مكتب التراث، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط١٠٢، ١٩٨٧م، (فصل الراء)، ص ١٦٥٩.
(٧) أبو الحسين أحمد بن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط١، ١٩٨٤م، (رأى)، ص ٤١٢.
(٨) أبو علي الفارسي، المسائل الحلبيات، تحقيق، ص ٧٧.
(٩) أبو حيَّان الأندلسي، ارتشاف الضرب من لسان العرب، ١/٥١٠.
[ ١١ / ٣٣١ ]
يقول: (يكون بمعنى "انتبه") (١) . والحقيقة أنَّ هذا المعنى الذي ينبِّه له أبو علي الفارسي ت (٣٧٧ هـ) ينسب أيضًا إلى أبي الحسن الأخفش ت (٢١٥ هـ) فهو عنده قد يخرج من معنى أخبرني إلى "معنى أمَّا، أو تنبَّه" (٢) . ويظهر أنه لمح هذ المعنى فيه لأنَّ ما بعده تفصيل لشيء، أو إيضاح كما يبدو.
وفي البحر المحيط قول ينسب إلى الكرْمَاني ينص على أنَّ "أَرَأَيْتَكُم"استفهام وتعجب (٣) . ويظهر لي أنَّ كون الاستفهام للتعجُّب على هذا الرأي لا ينافي كون ذلك بمعنى أخبرني. والطريف في الموضوع هو إطلاق الرؤية، وإرادة الإخبار؛ إذ الرؤية سببٌ للإخبار كما هو معلوم، وكذلك جعل الاستفهام، بمعنى الأمر ولعلَّ الجامع بين الاستفهام والأمر في أسلوب "أَرَأَيْتَ" كونهما طلبًا.
ولنا أن نتساءل عن استعمال "أَرَأَيْتَ " في الإخبار أحقيقة هو أم مجاز؟ وما مسوِّغه؟ ورد في الفتوحات الإلهية ما نصُّه:"استعمال "أَرَأَيْتَ " في الإخبار مجاز أي أخبروني عن حالتكم العجيبة" (٤) ويجوِّز ذلك بقوله:"ووجه المجاز أنَّه لمَّا كان العلم بالشيء سببًا للإخبار عنه، أو الإبصار به طريقًا إلى الإحاطة به علمًا، وإلى صحة الإخبار عنه استعملت الصيغة التي لطلب العلم، أو لطلب الإبصار في طلب الخبر، لاشتراكهما في الطلب. ففيه مجازان: استعمال رأى التي بمعنى عَلِمَ، أو أَبْصَرَ في الإخبار، واستعمال الهمزة التي هي لطلب الرؤية في طلب الإخبار" (٥) .
والذي يُنْعِم النظر في "أَرَأَيْتَ " وفروعه في السياق القرآني يلحظ أنَّه جاء بمعنى أخبرني كثيرًا، من ذلك قوله ﷾: «([النجم:١٩-٢٢]
_________________
(١) أبو علي الفارسي، المسائل الحلبيَّات، ص ص ٧٦، ٧٧.
(٢) أبو حيَّان الأندلسي، البحر المحيط، ٤/١٢٦، والسمين الحلبي، الدرُّ المصون، ٤/٦٢٣.
(٣) أبو حيَّان، البحر المحيط، ٤/١٢٤.
(٤) سليمان الجمل، الفتوحات الإلهية، ٢/٢٧.
(٥) السابق.
[ ١١ / ٣٣٢ ]
قال أبو علي الفارسي في معرض تفسيره لها: "فهو بمنزلة "أخبروني" وقد دلَّ قوله ﷿ " (١) . «([النجم:٢١] على ذلك.
ومنه أيضًا قوله تعالى: «([الأنعام:٤٠]
قال أبو القاسم الزمخشري ت (٥٣٨ هـ) في أثناء تفسيره لها: " () أخبروني" (٢) ونبَّه على هذا المعنى (٣) وهو يفسَّر قوله ﷾: «[الإسراء:٦٢]
وقوله ﷿: «[القصص:٧١-٧٢]
وحقيقة الأمر أنَّ معنى "أخبرني" يشترك مع معانٍ أخرى؛ إذ جاء "أَرَأَيْتَ " محتملًا معنى "أخبرني"، ومعنى "أمَّا"، أو "تنبَّه"، أو "انتبه"، أو معناه الأصلي وهو رؤية العين، أو المعرفة؛ وذلك في بعض المواضع من القرآن الكريم من ذلك قوله ﷾: «[الكهف: ٦٣]
فالسمين الحلبي ت (٧٥٦ هـ) في أثناء تفسيره لهذه الآية ينسب إلى أبي الحسن الأخفش ت (٢١٥ هـ) أنَّ " " خرج عن بابه فصار بمعنى "أمَّا" أو "تنبَّه" بيد أنَّه لا يجوِّز رأي الأخفش هذا "لأنَّه إخراجٌ للفظة عن موضوعها من غير داعٍ إلى ذلك" (٤) .
وهذا المعنى الذي نسبه السمين إلى الأخفش نصَّ عليه أبو علي الفارسي
_________________
(١) الفارسي، المسائل الحلبيَّات، ص٧٨، ٧٩.
(٢) أبو القاسم الزمخشري، الكشاف، ٢/١٣.
(٣) السابق، ٢/٣٦٦، ٣/١٧٧.
(٤) السمين الحلبي، الدرُّ المصون، ٤/٦٢٣.
[ ١١ / ٣٣٣ ]
ت (٣٧٧ هـ) في معرض حديثه عن الآية السابقة فقال: "كأنَّ المعنى: انتبه فإنَّي نسيت الحوت" (١) . ودللَّ على إرادة هذا المعنى بدخول الفاء الرابطة، يقول: "ولذلك دخلت الفاء كما تدخل في جواب الجزاء" (٢) . وبينما يعدُّ الأخفش والفارسي "أَرَأَيْتَ" هنا بمعنى أمَّا، أو تنبَّه، أو انتبه يذكر أبو القاسم الزمخشري أنه بمعنى "أخبرني" (٣) في حين أنَّ الفخر الرازي ت (٦٠٤هـ) جعله على معناه الأصلي وهو رؤية العين، أو معنى عرف، يقول في أثناء تفسيره لها: " ورأيت على معناه الأصلي، وقد جاء هذا الكلام على ما هو المتعارف بين الناس، فإنَّه إذا حدث لأحدهم أمرٌ عجيب قال لصاحبه: أَرَأَيْتَ ما حدث لي؟ كذلك هَهنا كأنه قال: أَرَأَيْتَ ما وقع لي منه إذ أوينا إلى الصخرة " (٤) .
وقد جاء "أَرَأَيْتَ" محتملًا معنى "انتبه" كذلك في قوله تعالى: «[الملك:٣٠]
قال أبو علي الفارسي في أثناء حديثه عن هذه الآية:"كأنه قال: انتبهوا فمن يأتيكم، كما كان قوله: «[الكهف:٦٣] كذلك" (٥)
_________________
(١) الفارسي، المسائل الحلبيَّات، ص ص ٧٧، ٧٨.
(٢) السابق، ص ٧٨.
(٣) أبو القاسم الزمخشري، الكشاف، ٢/٣٩٦.
(٤) الفخر الرازي، تنفسير الفخر الرازي، ٢١/١٤٨.
(٥) الفارسي، المسائل الحلبيَّات، ص٧٨. المصادر والمراجع - القرآن الكر يم. - الأخفش أبو الحسن سعيد بن مسعدة ت (٢١٥هـ): * معاني القرآن، تحقيق عبد الأمير محمد أمين الورد، بيروت، عالم الكتب، ط١، ١٤٠٥هـ/١٩٨٥م. الأزهري: أبو منصور محمد بن أحمد ت (٣٧٠هـ): - تهذيب اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، مكتبة الخانجي، ط١، ١٣٩٦هـ/١٩٧٦م. - معاني القراءات، تحقيق عيد مصطفى درويش، وعوض بن حمد القوزي، مصر، دار المعارف، ط١، ١٤١١هـ/١٩٩١م. - الألوسي: أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود ت (١٢٧٠هـ): * روح المعاني، بيروت، إدارة الطباعة المنيرية، دار إحياء التراث العربي، ط٤، ١٤٠٥هـ/١٩٨٥م. - البغدادي: عبد القادر بن عمر ت (١٠٩٣هـ): * خزانة الأدب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، مكتبة الخانجي، الرياض، دار الرفاعي، ط١، ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م. - ثعلب أبو العباس أحمد بن يحيى ت (٢٩١هـ): * مجالس ثعلب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مصر، دار المعارف، ١٣٦٨هـ/١٩٤٩م. - الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر ت (٢٥٥هـ): * الحيوان، تحقيق عبد السلام محمد هارون، بيروت، دار إحياء التراث العربي، المجمع العلمي العربي الإسلامي (د. ت) . - ابن الجزري: الحافظ أبو الخير محمد بن محمد الدمشقي ت (٨٣٣هـ): * النشر في القراءات العشر، تصحيح علي محمد الصناع، بيروت، دار الكتب العلمية، (د. ت) . - الجمل: سليمان بن عمر العجيلي الشافعي ت (١٢٠٤هـ): * الفتوحات الإلهية، بيروت، دار إحياء التراث العربي، (د. ت) . - ابن جني: أبو الفتح عثمان ت (٣٩٢هـ): - الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، بيروت، دار الكتاب العربي، (د. ت) . - سر صناعة الإعراب، تحقيق حسن هنداوي، دمشق، دار القلم، ط١، ١٤٠٥هـ ١٩٨٥م. - الجوهري: إسماعيل بن حماد ت (٣٩٣هـ): * الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، بيروت، دار العلم للملايين، ط٣، ١٤٠٤هـ/١٩٨٤م. - أبو حيَّان الأندلسي: محمد بن يوسف ت (٧٤٥هـ): * ارتشاف الضرب من لسان العرب، تحقيق مصطفى أحمد النحاس، جدة، دار المدني، ط١، ١٤٠٤هـ/١٩٨٤م. * البحر المحيط، بيروت، دار الفكر، ط٢، ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م. - الخليل بن أحمد: أبوعبد الرحمن الفراهيدي الأزدي ت (١٧٠هـ): * كتاب العين، تحقيق مهدي المخزومي وابراهيم السامرائي، بيروت، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط١، ١٤٠٨هـ/١٩٨٨م. - الدمياطي: أحمد بن عبد الغني ت (١١١٧هـ): * إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر، بيروت، دار الندوة الجديدة، (د. ت) . - الدؤلي: أبو الأسود ظالم بن عمرو ت (٦٩هـ): * ديوانه، تحقيق محمد حسن آل ياسين، بغداد، مكتبة النهضة، ١٣٨٤هـ/١٩٦٤م. - الرازي: فخر الدين محمد بن ضياء الدين ت (٦٠٤هـ): * تفسير الفخر الرازي، المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب، بيروت، دار الفكر، ١٤١٠هـ/١٩٩٠م. - الراغب الأصفهاني: أبو القاسم الحسن بن محمد ت (٥٠٢هـ): * المفردات في غريب القرآن، تحقيق محمد سيِّد كيلاني، بيروت، دار المعرفة، (د. ت) . - ابن أبي ربيعة: عمر بن عبد الله ت (٩٣هـ): * ديوانه، بيروت، دار القلم للطباعة والنشر، (د. ت) . - الرضي الأستراباذي: محمد بن الحسن نجم الدين ت (٦٨٦هـ): * شرح الرضي على الكافية، بيروت، دار الكتب العلمية، (د. ت) . - الزجَّاج: أبو إسحاق إبراهيم بن السري ت (٣١١هـ): * معاني القرآن وإعرابه، تحقيق عبد الجليل عبده شلبي، بيروت، عالم الكتب، ط١، ١٤٠٨هـ/١٩٨٨م. - أبو زرعة: عبد الرحمن بن محمد بن زنجلة ت (حوالي ٣٩٠هـ): * حجة القراءات، تحقيق سعيد الأفغاني، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط٤، ١٤٠٤هـ/١٩٨٤م. - الزمخشري: أبو القاسم جارالله محمود بن عمر ت (٥٣٨هـ): * الكشاف، بيروت، دار المعرفة، (د. ت) . - السمين الحلبي: أحمد بن يوسف (٧٥٦هـ): * الدرُّ المصون في علوم الكتاب المكنون، تحقيق أحمد محمد الخراط، دمشق، دار القلم، ط١، ١٤٠٨هـ/١٩٨٧م. - سيبويه: أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر ت (١٨٠هـ): * الكتاب، مصر، مطبعة بولاق، ١٣١٦/١٨٩٨م. - السيرافي: أبو سعيد الحسن بن عبد الله ت (٣٦٨هـ): * شرح كتاب سيبويه (ميكروفيلم) بقسم المخطوطات بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، برقم ١٠٢٩٦/ف مصوَّر من دار الكتب المصرية برقم (١٣٧) نحو. - السيوطي: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر ت (٩١١هـ): * همع الهوامع، تحقيق وشرح عبد العال سالم مكرم، وعبد السلام محمد هارون، الكويت، دار البحوث العلمية، ١٣٩٤هـ/١٩٧٥م. - ابن الشجري: أبو السعادات ضياء الدين هبة الله بن علي بن حمزة العلوي الحسيني ت (٥٤٢هـ): * الأمالي الشجرية، بيروت، دار المعرفة، (د. ت) . - الصبَّان: محمد بن علي ت (١٢٠٦هـ): * حاشية الصبان على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، مصر، مطبعة دار إحياء الكتب العربية (عيسى البابي الحلبي) وشركاه، (د. ت) . - الطبري: أبو جعفر محمد بن جرير ت (٣١٠هـ): * تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، بيروت، دار الفكر، ١٤٠٨هـ/١٩٨٨م. - عبد الباقي، محمد فؤاد: * المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، بيروت، دار المعرفة، ط٣، ١٤١٢هـ/١٩٩٢م. - ابن العجاج رؤبة بن عبد الله ت (١٤٥هـ): * ديوانه، تصحيح وليم بن الورد البروسيّ، مراجعة لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، بيروت، منشورات دار الآفاق الجديدة، ط٢، ١٤٠٠هـ/١٩٨٠م. - عضيمة، محمد عبد الخالق: * دراسات لأسلوب القرآن الكريم، مصر، مطبعة السعادة، ط١، ١٣٩٢هـ/١٩٧٢م. - العكبري: أبو البقاء عبد الله بن الحسين ت (٦١٦هـ): * التبيان في إعراب القرآن، تحقيق علي محمد البجاوي، مصر، عيسى البابي الحلبي وشركاه، ١٣٩٧هـ/١٩٧٦م. - ابن فارس: أبو الحسين أحمد ت (٣٩٥هـ): * مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط١، ١٤٠٤هـ/١٩٨٤م. - الفارسي: أبو علي الحسين بن أحمد ت (٣٧٧هـ): * المسائل الحلبيات، تحقيق حسن هنداوي، دمشق، دار القلم، بيروت، دار المنارة، ط١ ١٤٠٧هـ/١٩٨٧م. * المسائل العسكرية، تحقيق محمد الشاطر أحمد محمد، مصر، مطبعة المدني، ط١، ١٤٠٣هـ/١٩٨٢م. - الفرَّاء: أبو زكريا يحيى بن زياد ت (٢٠٧هـ): * معاني القرآن، بيروت، عالم الكتب، ط٣، ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م. - الفيروز آبادي: مجد الدين محمد بن يعقوب ت (٨١٧هـ): * القاموس المحيط، تحقيق مكتب تحقيق التراث، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط٢، ١٤٠٧هـ/١٩٨٧م. - القرطبي: أبوعبد الله محمد بن أحمد ت (٦٧١هـ): * الجامع لأحكام القرآن، بيروت، دار الكتب العلمية، ط١، ١٤٠٨هـ/١٩٨٨م. * القيسي: مكي بن أبي طالب ت (٤٣٧هـ): - مشكل إعراب القرآن، تحقيق ياسين محمد السواح، دمشق، دار المأمون للتراث، (د. ت) . - التبصرة في القراءات، تحقيق محيى الدين رمضان، الكويت، معهد المخطوطات العربية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ط١، ١٤٠٥هـ/١٩٨٥م - الكشف عن وجوه القراءات السبع وحججها، تحقيق محيى الدين رمضان، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط٤، ١٤٠٧هـ/١٩٨٧م. - ابن مالك: أبو عبد الله محمد بن مالك ت (٦٧٢ هـ): * تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، تحقيق محمد كامل بركات، مصر، دار الكتاب العربي، ١٣٨٦هـ/١٩٦٧م. * شرح التسهيل، تحقيق عبد الرحمن السيد ومحمد بدوي المختون، مصر، هجر للطباعة، ط١، ١٤١٠هـ/١٩٩٠م. - المبرّد أبو العباس محمد بن يزيد ت (٢٨٦هـ): * المقتضب، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة، بيروت، عالم الكتب، (د. ت) . - ابن مجاهد: أحمد بن موسى ت (٣٢٤هـ): * السبعة في القراءات، تحقيق شوفي ضيف، مصر، دار المعارف، ط٢، ١٤٠٠هـ/١٩٨٠م. - ابن منظور: أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الأنصاري ت (٧١١هـ): * لسان العرب، إعداد يوسف خيَّاط، بيروت، دار لسان العرب، (د. ت) . - ابن مهران الأصبهاني: أبو بكر أحمد بن الحسين ت (٣٨١هـ): * المبسوط في القراءات العشر، تحقيق سُبيع حمزة حاكمي، جدة، دار القبلة للثقافة الإسلامية، بيروت، مؤسسة علوم القرآن، ط٢، ١٤٠٨هـ/١٩٨٨م. - النحاس: أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل ت (٣٣٨هـ): * إعراب القرآن، تحقيق زهير غازي زاهد، مصر، عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية، ط٢، ١٤٠٥هـ/١٩٨٥م. - ابن هشام الأنصاري: أبو محمد جمال الدين عبد الله بن يوسف ت (٧٦١هـ): * مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق مازن المبارك، ومحمد علي حمدالله، مراجعة سعيد الأفغاني، بيروت، دار الفكر ط٥، ١٣٩٩هـ/١٩٧٩هـ. - ابن يعيش: موفق الدين يعيش بن علي ت (٦٤٣هـ): * شرح المفصَّل، بيروت، عالم الكتب، القاهرة، مكتب المتنبِّي، (د. ت) .
[ ١١ / ٣٣٤ ]
ومع أنَّ هذا الاحتمال وارد في الآية الكريمة إلا إنِّي أرجَّحُ أنه هنا أيضًا بمعنى أخبروني.
وعليه يتبيَّن أنَّ مجيء () بمعنى "أخبرني" هو الغالب، وهو المعنى الأساس وفقًا للسياق القرآني، وهو مساوٍ لمعنى (أعلمني) والغالب ورود هذا الاستعمال في سياق التعجُّب، والدّال على التعجُّب فيه هو همزة الاستفهام، لأنها تخرج عن معناها الحقيقي المتمثِّل في طلب الفهم إلى معانٍ أخرى مجازية، أو بلاغية من بينها التعجب.
وذلك؛ لأنَّ (رأيت) يفهم منها الرؤية البصرية الحسيَّة، أو العلم، الإدراك أو هما معًا وهو ما صرّح به الرّازي فكأنَّ عبارة (أَرَأَيْتَ) مركَّب لغويّ له دلالة على التعجُّب، وطلب الرؤية البصرية، والقلبية بشأن أمرٍ ما وهو ما نلمحه في سائر استعمال هذا المركَّب في السياق القرآني، وفي اللغة.
ويشمل هذا المعنى فروع (أَرَأَيْتَ) ذات الجزء الخطابي الواحد: أَرَأَيْتِ - أَرَأَيْتُمَا - أَرَأَيْتُمْ - أَرَأَيْتُنَّ، حيث يتنوع ضمير المخاطب للدلالة على الجنس، والعدد كما يشمل هذا المعنى فروع (أَرَأَيْتَ) ذات الجزأين الخطابيَّين: أَرَأَيْتَكَ - أَرَأَيْتَكِ - أَرَأَيْتَكُمَا - أَرَأَيْتكُمْ - أرأيتكنَّ حيث يتنوَّع حرف الخطاب؛ للدلالة على الجنس، والعدد مع التزام ضمير المخاطب المفرد المذكر.
الخاتمة
لقد انتهيت بحمدالله، وعونه بعد هذه الدراسة المتواضعة ل "أَرَأَيْتَ " وفروعه إلى هذه النتائج:
١ - أنَّ "أَرَأَيْتَ"، وفروعه كثير الدوران في القرآن الكريم، والكلام العربي شعرًا، أو نثرًا.
٢ - أنَّ معناه هو: أخبرني، أو أعلمني، وأنّ الغالب أن يذكر في سياق التعجّب.
[ ١١ / ٣٣٥ ]
٣ - أنّه من القوالب الثابتة حيث يلتزم صيغة المضيّ، ويسبق بهمزة الاستفهام للدَّلالة على التعجب، وتتصل به تاء ضمير المخاطب التي تُفْتَحُ، على أصل إرادة المخاطب المفرد المذكر، وقد تكسر أو يضاف إليها الحروف الدّالة على التثنية، أو الجمع بنوعيه (أَرَأَيْتَ - أَرَأَيْتِ - أَرَأَيْتُمَا - أَرَأَيْتُمْ - أَرَأَيْتُنّ) .
٤ - إذا زيد على هذه الصيغة الكاف فإنّ التاء تلتزم الفتح، وتصبح الدَّلالة على الجنس، والعدد من وظائف الكاف (أَرَأَيْتَكَ - أَرَأَيْتَكِ - أَرَأََََََيْتَكٌمَا - أَرَأَيْتكُمْ - أَرَأَيْتَكُنّ) وفي هذه الحالة يرى البصريون، ومن تبعهم أنَّ التاء هي الضمير، وهو في موقع الفاعل، وأنّ الكاف حرف خطاب وهو القول الرّاجح، والسائد في النحو العربي. وللكوفيين، أو لبعضهم خلاف في ذلك.
٥ - معنى "أَرَأَيْتَ " مأخوذ من معنى (رأى) البصرية، والقلبية في الوقت نفسه، ومعنى الهمزة هنا التعجّب.
٦ - دخول الهمزة الدّالة على الاستفهام التعجبي يجعل (أَرَأَيْتَ) جملة إنشائية بمعنى أخبرني، أو أعلمني. وكأنَّ الهمزة دلّت على التعجّب، والطلب في الوقت نفسه.
٧ - يفتقر الفعل الى مفعولين يأتي أولهما في الغالب اسمًا صريحًا، ويرد الثاني في الغالب جملة، وقد يغني عن المفعولين جملة، أو جُمَل تقع بعد (أَرَأَيْتَ) .
٨ - أنَّ في همزته الثانية أربع لغات هي: التحقيق على الأصل، والتسهيل، وإبدالها ألفًا، وحذفها.
٩ - أنه لم يرد " أَرَأَيْتَ " وفروعه بتحقيق الهمز على الأصل - في الشواهد الشعرية فيما أعلم، بل ورد " أَرَيْتَ "، و"أَرَيْتَكَ" بلا همز.
الحواشي والتعليقات
[ ١١ / ٣٣٦ ]