د/إبراهيم بن سليمان البعيمي
الجامعة الإسلامية / كلية اللغة العربيه
ملخص البحث
البحث يتناول بالدرس المسائل النحوية المتعلقة ب (لن) من حيث القول ببساطتها أو تركبها، وكذلك القول بأصالة نونها أو إبدالها من الألف، ودرس البحث أحكام لن من حيث معاقبلة لن ل (لم) في الجزم، وإفادة لن الدعاء، والفصل بين لن ومعمولها، وتلقي القسم بها، ثم درس البحث معاني لن في إفادتها التوكيد أو التأييد، ومدة زمن النفي بلن.
وكان يشيع عند بعض النحاة أن الزمخشري هو أول من قال بأن لن تفيد توكيد النفي، بناء على ما يفهم من عبارات ابن هشام في كتبه النحوية التي يقول فيها (لن حرف يفيد النفي والاستقبال بالاتفاق، ولا يقتضي تأييدًا للزمخشري في أنموذجه، ولا تأكيدًا خلافًا له في كشافه)، والباحث أوضح أن أول من قال بإفادة لن توكيد النفي هو الخليل بن أحمد في العين.
وكذلك شاع عند طلبة العلم أن الزمخشري هو أول من قال بتأييد النفي بلن، بناء على عبارة ابن مالك في شرح الكافية، والباحث أبان أن المعتزلة قبل الزمخشري بزمن طويل بقولون بتأييد النفي بلن ونقل نصوصًا من كتبهم.
نتائج البحث:
درس الباحث كثيرًا من الشواهد النحوية، ورجح في بعضها رواية غير النحاة المبنية على سلامة المعنى.
أشار إلى أن الخليل هو أول من قال بتأكيد النفي بلن.
أوضح أن المعتزلة في القرن الرابع الهجري كانوا يقولون بتأييد النفي بلن.
تمهيد:
[ ١١ / ٣٩٦ ]
الحمد لله رب العالمين الذي شرّف اللغة العربية بالقرآن فأنزل بها أفضل كتبه، وأرسل من أبنائها أشرف رسله، وجعل على المسلمين تعلُّمَها فرضًا كفائيًا، وأصلي وأسلم على نبينا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب سيد ولد آدم قاطبة، وعلى آله وأصحابه مصابيح الدجى، حملوا الأمانة وأدوا الرسالة ونصحوا الأمة اللهم ارض عنهم أجمعين، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه واعصمنا اللهم من مضلات الفتن ٠
أما بعد: فأن في اللغة العربية مسائلَ دقيقة تحتاج إلى إيضاح وتتبع لقضاياها وتبيان لوجه الحق فيها حتى يظهر جليًا للعيان، دون التباس أو غموض في تلك القضايا، وهي كثيرة مبثوثة في بطون أمَّات الكتب، ومن هذه المسائل الدقيقة: قضايا «لن» في مبناها ومعناها؛ إذ يشيع الخلاف فيها بين الزمخشري ومعارضيه، في إفادتها تأكيد النفي كما صرّح به الزمخشري في كتبه كالكشاف والمفصل وفي بعض نسخ الأنموذج، أو في إفادتها تأبيد النفي كما نسب إليه في الأنموذج، وقد كان شيخي الأستاذ الدكتور أحمد عبد اللاه هاشم كتب رسالة سمّاها (قضية لن بين الزمخشري والنحويين) نشرها في مصر عام ١٣٩٩هـ في دار التوفيقية، ردَّ فيها على من اتَّهم الزمخشري بالقول بتأبيد النفي بلن، واستدل على ما ذهب إليه بأدلة ذكرها في تلك الرسالة مُفادها أن الزمخشري لم يقل بتأبيد النفي بلن، وإنما هو شيء تصحَّف على بعض نسَّاخ الأنموذج إذ تلتبس كتابة (تأبيد) ب (تأكيد) في المخطوطات القديمة، فالكلمتان بينهما جناس لاحق، ولا سيما إذا ظُنَّ أن شرطة الكاف فتحة على الباء، فحمل القومُ قولَه على الأسوأ بسبب معتقده الاعتزالي في قضية رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، ولمواقفه المتشددة في مسائل الاعتزال وتشدده في الانتصار لهذه الفرقة الضالة ووسمه أهل السنة والجماعة بالحُمُرِ المُوْكَفَةِ في قوله (١)
_________________
(١) ينظر الكشاف: ٢/١١٦، وسيأتي في الرسالة مزيد إيضاح لموقف الزمخشري، ومواقف خصومه منه ٠
[ ١١ / ٣٩٧ ]
:
لجماعة سمَّوا هواهم سُنَّةً وجماعةٌ حُمْرٌ لعمري مُوكَفَهْ
قد شبَّهوه بخلقه وتخوَّفوا شنع الورى فتستروا بالبَلْكَفَهْ
ومراده بالبلكفة هو قول أهل السنة والجماعة (صفات الله نؤمن بها ونمرُّها كما جاءت بلا كيف)، وكان يدعو إلى مذهبه الاعتزالي فيقول لمن يأخذله الأذن عند أبواب من يزورهم قل له أبو القاسم المعتزلي بالباب ٠
اللهم إنا نعوذ بك من مضلات الفتن، ونسألك أن ترينا الحق حقًا وترزقنا اتباعه، وترينا الباطل باطلا وتوفقنا لاجتنابه، اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، كما نسألك أن ترزقنا رؤيتك يوم القيام لا نضام في ذلك كما نرى البدر ليلة تمامه٠
[ ١١ / ٣٩٨ ]
ولكن ظهرت بعد رسالة (قضايا لن) كتب في النحو واللغة والتفسير وهي مهمة جدًا، يتغيّر بسببها كثير من الأحكام التي أصدرها الدكتور أحمد هاشم فلهذا رأيت أن أعيد النظر والكتابة في هذه القضية على حسب ما استجد فيها، وأحببت أن يكون الموضوع مستوفيًا جميع قضاياها في المبنى والمعنى، متضمنًا كلَّ مسائلها، شاملًا ما قيل فيها من النزاع والخلاف، محتويًا جميع مسائلها ومشاكلها في ذاتها وفي معناها وألا ينحصر البحث في قضيّتي التأكيد والتأبيد، ولست أدعي أن القارئ سيرى في هذا البحث مالم يره أحد من قبل، أو أنني جئت بشيء غير مسبوق ولكنني أقول: استطعت في هذا البحث تصحيح نسبة القول بتأكيد النفي بلن للخليل بن أحمد -﵀وليس للزمخشري كما هو متداول في كتب حروف المعاني، وكتب كثير من النحاة منهم ابن هشام الذي دأب في كتبه على مخالفة الزمخشري في قضية توكيد النفي بلن، وكتب ابن هشام تدرّس في الجامعات السعودية، كما توصَّلت إلى أن القول بتأبيد النفي بلن كان معروفًا قبل ميلاد الزمخشري بزمن بعيد، وذكرت أن الزمخشري ما هو إلا حاكٍ لأقوال من تقدمه سواء في ذلك تأكيد النفي بلن أو تأبيده، كما رجّحت نسبة القول بتأبيد النفي بلن للزمخشري -خلافًا لشيخي الدكتور أحمد هاشم-، كما جمعت في مكان واحد ما تشتت في بطون أمَّات الكتب النحوية، ولممت شمل الأسرة الواحدة التي كانت متفرقة من قبل في كتب النحو وكتب حروف المعاني وكتب التفسير وكتب المعاجم، وحسبي الجمع والترتيب والتنسيق، وجعلت البحث في ثلاثة فصول:
الفصل الأول: دراسة مبنى لن
وفق المباحث التالية
المبحث الأول: لن بسيطة أومركبة
وانتظم المطالب التالية:
المطلب الأول: رأي الخليل بن أحمد
المطلب الثاني: رأي المعارضين له،
المطلب الثالث: رأي المنتصرين له
المبحث الثاني: نون لن أصيلة أومبدلة
الفصل الثاني: أحكام لن
المبحث الأول معاقبة لن ل (لم) في الجزم ٠
[ ١١ / ٣٩٩ ]
المبحث الثاني: إفادة لن الدعاء
المبحث الثالث: الفصل بين لن ومعمولها ٠
المبحث الرابع: تلقي القسم بلن
والفصل الثالث: معانى لن
واحتوى المباحث التالية
المبحث الأول: تأكيد النفي بلن:
وشمل المطالب التالية:
المطلب الأول: رأي الزمخشري ٠
المطلب الثاني: رأي المخالفين له ٠
المطلب الثالث: رأي المؤيدين له
المبحث الثاني: لن الزمخشرية
وفيه المطالب التالية:
المطلب الأول: القول بتأبيد النفي بلن
المطلب الثاني رأي الزمخشري
المطلب الثالث: رأي المعارضين له
المبحث الثالث: لن عند أصحاب المعاني
وأسأل الله لي ولأخواني المسلمين الثبات على الحق وحسن الختام، والعصمة من الضلال بعد الهدي، والتوفيق والسداد في الدارين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه وسار على نهجه إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ٠
الفصل الأول: مبنى لن
المبحث الأول: لن بسيطة أو مركبة ٠
واشتمل على المطالب التالية
المطلب الأول: رأي الخليل
روي عن الخليل بن أحمد في لن روايتان الأولى (١) ليست مشهورة عنه وهي: موافقة الجمهور في القول ببساطة لن ٠
_________________
(١) ينظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/١٦٠، وشرح السيرافي: ١/٨١، وتهذيب اللغة: ١٥/٣٣٢، وتفسير أبي السعود الحنفي:١/١١٧ ٠
[ ١١ / ٤٠٠ ]
والرواية الأخرى (١) عن الخليل هي المشهورة عنه عند النحاة، ووافقه عليها الكسائي (٢)، والخازنجي (٣) وهي القول بتركب لن من حرفين (لا) النافية، و(أن) المصدرية، ثم حذفت الهمزة من (أن) إمّا تخفيفًا، أو اعتباطًا فالتقى ساكنان: الألف، والنون؛ فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فآلت إلى (لن) ويرى الرضي (٤) أنها جاءت على الأصل في قول الشاعر:
_________________
(١) ينظر رأي الخليل في العين: ٨/٣٥٠، والكتاب ٣/٥، والمقتضب: ٢/٨، والأصول:٢/١٤٧، ومعاني القرآن للزجاج: ١/١٦١، والمسائل الحلبيات: ٤٥، معاني الحروف للرماني: ١٠٠، والصاحبي: ٢٥٦ ٠
(٢) ينظر رأي الكسائي في معاني القرآن للزجاج:١/١٦١، وشرح التسهيل لابن مالك:٤/١٥، والجنى الداني: ٢٧١، ومغني اللبيب: ٣٧٤ ٠
(٣) هو أحمد بن محمد البُشْتي أبوحامد إمام في اللغة والأدب له كتاب التكملة، وهو معجم أكمل به ما فات صاحب العين، توفي سنة ثمانٍ وأربعين وثلاثمائة من الهجرة ٠ تنظر ترجمته في: إنباه الرواة: ١/١٤٢ وفي هامشه مزيدٌ من المراجع التي ترجمت له، وينظر رأيه في التصريح ٤/٢٨٨ ٠
(٤) شرح الكافية: ٤/٣٨ ٠
[ ١١ / ٤٠١ ]
يُرَجِّي المرءُ ما لا أنْ يُلاقي وتَعْرضُ دون أدناه الخطوبُ (١)
إذ المراد ما لن يلاقي
ورُدَّ عليه بأن البيت مروي ب (ما إنْ لا يلاقي) بتقديم (إن) وكسر همزتها على لا وبه يزول الشاهد
وذهب الشَّلَوْبينُ (٢) إلى أن الحامل للخليل على القول بالتركيب إنما هو إرادة تقليل الأصول العاملة في الأفعال ما أمكن لتكون عوامل نصب المضارع عنده أداةً واحدة فقط هي (أن) إذ يرى الخليل أن (لن) مركبة من (لا أن) و(إذن) مركبة من (إذ أن) و(كي) ليست ناصبة بنفسها بل المضارع بعدها منصوب بأن مضمرة فلم يبق إلا (أن) وحدها تنصب المضارع ٠
واجتمع للمضارع في (لن) ما افترق في لا أن النفي والنصب؛ إذ إنّ (لا) نافية غير ناصبة للمضارع، و(أن) ناصبة غير نافية
_________________
(١) البيت من الوافر وهو منسوب، لجابر بن رألان الطائي في نوادر أبي زيد: ٢٦٤ ضمن ثلاثة أبيات كما نسب لإياس بن الأرت في الخزانة ٨/٤٤٥، والرواية المثبتة من شرح الكافية للرضي ٤/٣٩، ووافقه عليها صاحب التصريح:٤/٢٨٩، ورواية أبي زيد (ما إن لا يلاقي) بتقديم إن وكسر همزتها على لا النافية، وبها يزول الشاهد، وقال الأخفش في شرح نوادر أبي زيد: «قال أبو الحسن:قوله يرجي العبد ما إن لا يلاقي غلط، والصواب ما أن لا يلاقي، وأن زائدة ٠٠٠ ورواية أبي حاتم ما لا أن يلاقي رواية صحيحة؛ لأن لا في النفي بمنزلة ما وإن كانت إن ليست تكاد تزاد بعد لا» فالرواية عنده بفتح همزة (أن)، وجاء في الخزانة ٨/ ٤٤٢: «ورواية أبي حاتم: ما لا إن يلاقي صحيحة» ٠بكسر همزة (إن)، وخطَّأ البغداديُّ رواية الرضي ٠
(٢) البيت في كشاف الزمخشري ٣/ ٥٢٥، والجنى الداني ٢١٠، ومغني اللبيب:٣٨ () ينظر شرح المقدمة الجزولية ٤٧٣ ٠
[ ١١ / ٤٠٢ ]
قال سيبويه عن (لن): «فأما الخليل فزعم أنها لا أن، ولكنهم حذفوا لكثرته في كلامهم كما قالوا: وَيْلِمِّه يريدون وي لأمه، وكما قالوا يومئذٍ وجعلت بمنزلة حرف واحد كما جعلوا هلاَّ بمنزلة حرف واحد فإنما هي هل ولا، وأما غيره فزعم أنه ليس في لن زيادة، وليست من كلمتين، ولكنها بمنزلة شيء على حرفين ليست فيه زيادة، وأنها في حروف النصب بمنزلة لم في حروف الجزم في أنه ليس واحد من الحرفين زائدًا، ولو كانت على ما يقول الخليل لما قلت: أمَّا زيدًا فلن أضرب؛ لأن هذا اسم والفعل صلة فكأنة قال: أمَّا زيدًا فلا الضرب له» (١)
المطلب الثاني: رأي المعا رضين له
اُعتُرِض على الخليل باعتراضات عدة؛ فاعتَرَض سيبويه عليه بأنه يجوز أن يتقدم عليها معمول فعلها نحو:أما زيدًا فلن أضرب، فلو كانت مركبة من لا وأن لما جاز أن يتقدم معمول فعلها عليها لأن (أن) لها الصدارة، وما كان له الصدارة فلا يتقدم عليه شيء من معمولات جملته، وتقدُّمُ معمول فعل لن عليها دليل على عدم تركبها ٠
كما اُعْتُرِضَ (٢) عليه بأن نحو لن يقوم زيد كلام تام، لا يحتاج إلى تقدير، ولو كانت مركبة من لا وأن لكان الكلام ناقصًا لأن المصدر المنسبك حينئذٍ من أن المصدرية والفعل يعرب مبتدأ يحتاج إلى خبر مقدّر، وجملة لن يقوم زيد كلام تام ليس محتاجًا إلى تقدير، وهذا دليل على بساطة لن ٠
كما اُعتُرض (٣) عليه بأن (لاأن) لم يُسمَع من العرب في نظم أو نثر، فلو كان أصلها (لا أن) لسمع ذلك منهم في المنظوم أو المنثور، ويمكن الإجابة عن الشاهد السابق: بأن الرواية الراجحة فيه هي (ما إن لا يلاقي) بتقديم (إن) وكسر همزتها على (لا) النافية ٠
_________________
(١) الكتاب: ٣/٥ ٠
(٢) ينظر هذا الاعتراض في نُكت الأعلم: ٦٩٢
(٣) ينظر شرح السيرافي: ١/ ٨٢
[ ١١ / ٤٠٣ ]
كما اُعْتُرض (١) على الخليل بأن الأصل في الكلمات البساطة، والتركُّب فرع عنها، ولا يعدل عن هذا الأصل إلابثَبَتٍ قاطع ٠
كما اُعْتُرض (٢) عليه بأن لفظ (لنْ) ليس موافقًا للفظ (لاأن) ولا معناها كمعناها
المطلب الثالث: رأي المنتصرين له
انتصر المازنيُّ (٣) للخليل في الاعتراض الأول بأن الحروف إذا رُكِّبت حصل لها من الاختصاص ما لم يكن لها قبلُ ألا ترى أن الحرف (لو) حرف امتناع لامتناع فإذا تركَّب مع (لا) صار حرف امتناع لوجود
وأجاب المبرد (٤) عن الاعتراض الثاني بأن الخبر محذوف ملتزم الحذف تقديره: (لا أن تقوم حاصل) أي لا القيام حاصل ٠
ولكن يَرُدُّ هذا التوجيه أمران:
أ- أن العطف على فاعل مدخول لن جائز دونما تكرار (لا) نحو: لن يقوم زيد وعمرو ولو كانت (لن) أصلها (لاأن) ومنفيها كما يقولون مؤول بالمفرد لوجب تكرار الجملة الاسمية المنفية ب (لا، أن) كما في قوله تعالى (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار «٥) وقوله تعالى (ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم «٦)
وقول الشاعر:
فلا الجارةُ الدنيا لها تَلْحَيَنَّها ولا الضيفُ عنها إنْ أناخ محوّلُ (٧)
_________________
(١) ينظر هذا الاعتراض في علل النحو للوراق: ١٩٣، والجنى الداني: ٢٧١ ٠
(٢) ينظر نُكت الأعلم: ٦٩٢ ٠
(٣) ينظر رأيه في المقتصد للجرجاني: ١٠٥٠
(٤) ينظر الارتشاف: ١٦٤٣، والجنى الداني: ٢٧١، والمغني: ٣٧٤
(٥) يس: ٤٠
(٦) الكافرون:٣ ٤ ٠
(٧) البيت من الطويل وهو للنمر بن تولب في ديوانه المجموع: ٣٧٣، وجمهرة أشعار العرب: ٥٣٤، وفي منتهى الطلب: ١/ ٢٧٥، وهو من شواهد ابن هشام في المغني ٣٢٥ ٠ والضمير في لها يعود لإبل الشاعر، وتلحى تذمّ، ورواية منتهى الطلب ولا الضيف فيها، وبها أخذ جامع ديوانه، يقول: إن إبله لا تذمها جاراته لأنهن لا يمنعن عنها، ولا يتحول ضيفهم إلى سواهم لانتفاعه بألبانها، والنحاة يستشهدون بالبيت في توكيد المضارع بعد لا النافية والجملة بعدها خبرية لا إنشائية ٠
[ ١١ / ٤٠٤ ]
وقول الآخر:
سُئلت فلم تبخل ولم تعط طائلًا فسيَّان لا ذمٌّ عليك ولا حمدُ (١)
وقول الشاعر:
إذا الجودُ لم يُرزق خلاصًا من الأذى فلا الحمدُ مكسوبًا ولا المالُ باقيا (٢)
ب- لو كانت لن مع مدخولها في تأويل مفرد كما قيل لظهر الخبر في شعر العرب أو نثرهم ولو في بيت نادر أو قول محكي، فلما لم يسمع من العرب مثل هذا دلَّ على أن لن مع مدخولها كلام تام لا يحتاج إلى تأويل، وهذا يؤكد عدم التركيب من لا النافية وأن المصدرية ٠
وأجيب (٣) عن الاعتراض الثالث بأن المحذوف عند العرب قسمان: قسم يجوز استعمال الأصل فيه كما في قول العرب أيُّ شيء؟ ويلٌ لأمه، كما يجوز استعمال الفرع أيضًا نحو: أيْشٍ؟ ويلمِّه، وقسم متروكٌ استعمالُ الأصل فيه كانتصاب المضارع بعد فاء السببية إذ لم يسمع من العرب إظهار أن بعدها ٠
المبحث الثاني: نون لن أصيلة أو مبدلة:
روى ابنُ كَيْسانَ عن الفراء (٤) أن لن ولم أصلهما لا فأبدلت الألف نونًا في لن وميمًا في لم قال السيرافي: «وزعم الفراء أن لن ولم أصلهما واحد، وأن الميم والنون مبدلتان من الألف في لا، وهذا ادعاء شيء لا نعلم فيه دليلًا، فيقال للمحتج عنه، ما الدليل على ما قلت؟ فلا يجد سبيلًا إلى ذلك» (٥)
_________________
(١) البيت من الطويل وهوللحطيئة في ديوانه: ٢٦٨، والشعر والشعراء: ٣٢٤، والأغاني: ٢/١٤٠، والتذكرة الحمدونية:٨/٣٠٦
(٢) البيت من الطويل وهو للمتنبي في ديوانه:٤/ ٥٣١، ضمن إحدى كافورياته، وفيه تعريض مُرٌّ بسيف الدولة، والمتنبي لا يستشهد بشعره ولكن يتمثل به ٠
(٣) شرح السيرافي: ١/٨٢
(٤) ينظر رأيه في شرح السيرافي: ١/ ٨٣، وشرح المفصل لابن يعيش: ٧/١٦، وشرح التسهيل: ٤/١٥، والارتشاف: ٤/١٦٤٣ ٠
(٥) شرح السيرافي: ١/٨٣ ٠
[ ١١ / ٤٠٥ ]
وقال ابن يعيش: «وكان الفراء يذهب إلى أن الأصل في (لن) و(لم) لا، وإنما أُبدل من ألف لا النون في لن والميم في لم؛ ولا أدري كيف اطَّلع على ذلك؛ إذ ذلك شيء لا يطلع عليه إلا بنص من الواضع» (١)
وقال في موضع آخر عن لن: «وكان الفراء يذهب إلى أنها لا والنون فيها بدل من الألف وهو خلاف الظاهر، ونوع من علم الغيب» (٢)
واعترض (٣) على الفراء بأن إبدال الألف نونًا خلاف الأصل، وحمْلٌ على ما لا نظير له في العربية إذ الأصل إبدال النون ألفًا كإبدال نون التوكيد الخفيفة ألفًا حال الوقف عليها كما في قوله تعالى: (القيا في جنهم كلّ كفّار عنيد «٤)،قيل الخطاب لمالك -﵇ - خازن النار وهو واحد، وقيل الخطاب للسائق والشهيد وعليه فلا شاهد في الآية وكقول الشاعر:
وذا النُّصُب المنصوب لا تنسكنّه ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا
وصلِّ على حين العشيّات والضحى ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا (٥)
إذ الأصل: فاعبدن، واحمدن بنون التوكيد الخفيفة، فأبدل من النون ألفًا مراعاة للقوافي المطلقة، وقول الآخر
يحسبه الجاهل ما لم يعلما شيخًا على كرسيه معمما (٦)
أي ما لم يعلمن، ومثله قول الآخر:
_________________
(١) شرح المفصل: ٧/١٦ ٠
(٢) المرجع السابق: ٨/١١٢ ٠
(٣) تنظر الاعتراضات على الفراء في رصف المباني:٢٧٢، ومغني اللبيب:٣٧٣، ومصابيح المغاني: ٤٢٢، والمنصف من الكلام على مغني ابن هشام للشمني٢/٦٨، والتصريح:٤/٢٨٧، وهمع الهوامع: ٤/٩٤ ٠
(٤) ق: ٢٤ ٠
(٥) البيتان من الطويل وهما للأعشى ميمون بن قيس في ديوانه: ١٨٧ ٠
(٦) بيتان من مشطور الرجز مضطربا النسبة إذ نسبا لأبي حيان الفقعسي، ولمساور ابن هند العبسي وللعجاج السعدي وللدبيري، ولعبدٍ من بني عبس، ولأبي حبابة اللص، وهما في وصف الثُّمال أي رغوة اللبن الذي تعلوه ٠ ينظر في ذلك: الكتاب: ٣/٥١٦، ونوادر أبي زيد:١٦٤، والأصول لابن السراج:٢/١٧٢
[ ١١ / ٤٠٦ ]
بادٍ هواك صبرت أم لم تصبرا وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى (١)
أي لم تصبرن، وأمثال هذا كثير جدًا في العربية ٠
وكذلك اعترض عليه بأن إبدال النون ألفًا إنما هو في حال الوقف، فإذا وصل الكلام صحّت النون، ولن لا يوقف عليها بل لا بدّ من وصلها بما بعدها ولا يجوز قطعها مما يبطل القياس ٠
وكذلك اعترض عليه بأن مذهبه خلاف قواعد التصريف ومفارق لسنن العربية في الانتقال من الثقيل إلى الخفيف إذ النون مقطع، والألف صوت، والصوت أخف من المقطع، فلا ينتقل من الخفيف إلى الثقيل، ومذهبه يؤدي إلى هذا
واعترض عليه أيضًا بأن الحرف لا حرف مهمل، ولن حرف عامل فكيف يحمل الحرف العامل على حرف مهمل
الفصل الثاني: أحكام لن
المبحث الأول: معاقبة لن ل (لم) في الجزم:
ذهبت طائفة من العلماء إلى أن لن عاقبت لم في الجزم، وأن ذلك لغة لبعض العرب، فيما رواه أبو عبيدة (٢) -وهو من النوادر- وساقوا على ذلك طائفة من الشواهد منها قول الشاعر:
_________________
(١) البيت مطلع قصيدة عضدية من الكامل وهوللمتنبي في ديوانه: ٢/ ١٦٠، وقد نوقش المتنبي في موضع الشاهد فقال سلوا الشارح يعني ابن جني: ينظر الصبح المنبي عن حيثية المتنبي: ١٤٧ ٠
(٢) ينظر قوله في إعراب القرآن للنحاس:١/٢٠٠، والمخصص: ١٤/٤٥، والارتشاف: ١٦٤٣ ٠
[ ١١ / ٤٠٧ ]
أيادي سبا يا عزَّ ما كنت بعدكم فلن يَحْلَ للعينين بعدكِ منظر (١)
ومنها قول الشاعر:
هذا الثناء فإن تسمع به حسنًا فلن أعرِّضْ أبيت اللعن بالصفد (٢)
وقول أعرابي في مدح الحسين بن عليٍّ ﵄:
لن يخب الآن مِنْ رجائك مِنْ حرَّك من دون بابك الحلقه (٣)
_________________
(١) البيت من الطويل وهو لكثير عزة في ديوانه: ٣٢٨، والرواية فيه فلم يَحْلَ، وهي المتفقة مع رواية الفراء في المنقوص والممدود: ٣٦، وأبي علي القالي في المقصور والممدود: ٢٧٤، والزمخشري في المستقصى: ٢/٩٠، وعليها فلا شاهد في البيت، والرواية المثبتة من المغني: ٣٧٥، وروي منزل بدل منظر في ديوانه:٢٥٤، واللسان والتاج (سبأ) ٠والفعل يحلى من باب فرح، يقال حَلِيَ بقلبي وبعيني يَحْلَى وحَلا الشيءُ في فمي يَحْلُو من باب نصر ويقال في الوصف من الفعلين هو حُلْوٌ ينظر المحكم:٤/٣ ٠
(٢) البيت من البسيط للنابغة الذبياني في ديوانه: ٢٧، والرواية فيه فلم أعرِّض، وفي تفسير الطبري: ١٣/٢٥٥، وشرح القصائد التسع المشهورات للنحاس: ٢/٧٦٥، وشرح القصائد العشر للتبريزي ٤٦٥: (فما عَرَضْتُ)، وأشارالأخيران إلى رواية الديوان (فلم أعرِّض)، وعليها فلا شاهد في البيت، والرواية المثبتة في تفسير القرطبي:١/١٦٣، والفريد في إعراب القرآن المجيد: ١/٢٤٩، والدر المصون:١/٢٠٤، ومصابيح المغاني في حروف المعاني: ٤٢٤ ٠ والصفد: بفتحتين: اسم مصدر من أَصْفَدْتُ الرجل أُصْفِدُهُ إصفادًا، وهو العطاء جزاءً، قال الأصمعي: «لا يكون الصَّفَد ابتداء إنما هو بمنزلة المكافأة» شرح القصائد التسع للنحاس:٧٦٦ ٠
(٣) بيت من المنسرح في مدح الحسين بن عليٍّ رضي الله تعالى عنهما، وهو في مغني اللبيب: ٣٧٥، وهمع الهوامع:٤/٩٧، والأشموني: ٣/٢٧٨ ٠ وللبيت قصة مذكورة في شرح شواهد المغني: ٦٨٨، وشرح أبيات المغني: ٥/١٦١ ٠
[ ١١ / ٤٠٨ ]
ومنها ما رواه الإمام القرطبي في تفسيره (١)، وابن مالك (٢)، من قول الملَك في النوم لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: «لن ترع لن ترع» (٣) بجزم المضارع بلن قال ابن مالك: «وفي لن ترع لن ترع إشكال ظاهر؛ لأن لن يجب انتصاب الفعل بها، وقد وليها في هذا الكلام بصورة المجزوم ٠٠٠ ويجوز أن يكون السكون سكون جزم على لغة من يجزم بلن، وهي لغة حكاها الكسائي» (٤)
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن:١/١٦٣ ٠
(٢) شواهد التوضيح والتصحيح: ١٥٨ ٠
(٣) الحديث أخرجه البخاري في عدة مواضع بروايتين الأولى: (لم ترع) في كتاب التهجد باب فضل قيام الليل والثانية (لن تراع) في كتاب فضائل الصحابة باب مناقب عبد الله بن عمر ﵄ ٠ وقال ابن حجر في الفتح:٣/١٠: «وفي رواية الكشميهني في التعبير:لن تراع وهي رواية الجمهور بإثبات الألف، ووقع في رواية القابسي: لن ترع بحذف الألف قال ابن التين وهي لغة قليلة -أي الجزم بلن- حتى قال القزاز: لا أعلم له شاهدًا» وذكر العيني في عمدة القاري: ٦/١٧٤ رواية الكشميهني ولم يشر إلى رواية القابسي وعلّق محمد فؤاد عبد الباقي على رواية ابن مالك بقوله: (فمن أين جاءت رواية لن ترع) فقول محمد فؤاد عبد الباقي: «من أين جاءت رواية لن ترع» أقول: هي من رواية القابسي كما أشار إليها ابن حجر﵀ - ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وابن مالك -﵀- إمام في الحفظ وآية في باب الشواهد ٠
(٤) شواهد التوضيح والتصحيح: ١٦٠ ٠
[ ١١ / ٤٠٩ ]
وبتمحيص هذه الشواهد التي ساقوها دليلًا على ما ذهبوا إليه نجد أن بيت كثيِّر مرويٌّ في جلّ المصادر ب (لم يَحْلَ) وهي رواية أحسن في المعنى؛ لأنه يشكو لعزة حاله فيما مضى بعد فراقها إياه وأنه كان مشتتًا كأيادي سبا، ولم يَحْلَ له منظر منذ ذلك الفراق، وهذا المعنى عذب في عرف المتصافين، دالٌّ على ثبات الود، و(لم يحلَ) هي المتسقة مع هذا المعنى لإحالتها زمن المضارع للمضي، أما رواية (لن يحلَ) فهي غير متسقة مع المعنى؛ لأن فيها إقرارًا بأنه قد حلي له فيما مضى منظر، وكأنها تعاتبه على ذلك، وهو يأسف على ما بدر منه، ويؤكد لها أنه فيما بعدُ لن يَحْلَى له بعدها منظر إنْ هي سامحته٠
وكذلك بيت النابغة (لن أُعَرِّضْ) مرويٌّ في المصادر القديمة ب (فلم أُعرِّضْ)،أو (فما عَرَضْتُ)، ورواية (لم أعرّض) وكذلك (فما عرَّضت) أقوى في المعنى من رواية (فلن أعرِّض) لأن الرجل ينفي عن نفسه تهمةً رُمِيَ بها عند النعمان في شأن المتجرّدة، وينكر تلك التهمة من أساسها، ورواية (لن أعرِّضْ) فيها إقرار منه بما رُمي به، ومعاهدةٌ بعدم العود مستقبلًا، وفرق شاسع بين نافٍ ما اتهم به، ومقرٍّ معترف معتذر معاهد بعدم العود ٠
أما بيت الأعرابي في مدح الحسين ﵄ فقال عنه البغدادي: «البيت أنشده أبو الحسين بن الطراوة، وأقول: كيف يصح اجتماع لن مع الآن، ولا يصح ذكر الآن إلا مع لم، فإن قلت اجعل الخيبة المقيَّدة بالآن منفية بالمستقبل قلت: الخيبة المنفية إنما هي المقيدة بالآن ٠٠٠ قال البَطَلْيَوْسي: وجزم الأعرابي بلن، وذكر اللِّحياني أن ذلك لغة لبعض العرب يجزمون بالنواصب، وينصبون بالجوازم» (١)
والرواية المشهورة لحديث ابن عمر هي (لم ترع لم ترع)، ولكن رواية (لن ترع لن ترع) أحسن من حيث المعنى فقط؛ لأن فيها بشارةً لابن عمر ﵄ بأنه لن يراع في قادم الأيام ٠
_________________
(١) شرح أبيات المغني: ٥/١٦١ ٠
[ ١١ / ٤١٠ ]
وعلى هذا فالجزم بلن لغةٌ لبعض العرب كما ذكر اللِّحياني (١)، ولكنها لغة ضعيفة، لا ترقى لأن تتخذ قاعدة، وشواهدها لم تسلم من الاعتراض عليها كما رأينا ٠
كما لا يمكن من خلال الشواهد التي سيقت عزوها لقبيلة بعينها، لأن الشاهد الأول لخزاعي، والثاني لغطفاني، والثالث لأعرابي دون تخصيص، والرابع لقرشي ٠
قال السهيلي عن لن: «كان ينبغي أن تكون جازمة؛ لأنها حرف نفي مختص بالأفعال، فوجب أن يكون إعرابه الجزم الذي هو نفي الحركة وانقطاع الصوت ليتطابق اللفظ والمعنىكما تقدم في باب الإعراب» (٢)
المبحث الثاني: إفادة لن الدعاء:
لايُعرف خلاف بين النحاة في جواز الدعاء ب (لا) النافية على المخاطب، أوعلىالغائب، أما الدعاء على النفس فقد منعه طائفة من النحاة منهم أبو حيان (٣)، وأجازه ابن عصفور، وابن هشام واستدلَّ الأخير بقول الشاعر:
لن تزالوا كذلكم ثم لا زل تُ لكم خالدًا خلود الجبال
بضمير المتكلم في (زلتُ) وبضمير المخاطب في (لكم) وستأتي مناقشة هذا البيت
أما الدعاء ب (لن) فمحل نزاع عند النحاة؛ إذ نقل ابن السراج عن قوم تجويزه فقال «وقال قوم يجوز الدعاء بلن مثل قوله (فلن أكون ظهيرًا للمجرمين «٤) وقال الشاعر:
لن تزالوا كذلكم ثم لا زل تَ لهم خالدًا خلود الجبال (٥)
والدعاء بلن غير معروف، إنما الأصل ما ذكرنا أن تجيء على لفظ الأمر والنهي، ولكنه قد يقصد بها الدعاء إذا دلّت الحال على ذلك» (٦)
وفسَّر من أجاز الدعاء بلن في الآية الكريمة بأن المعنى: (رب لا تجعلني أكون ظهيرًا للمجرمين)
_________________
(١) ينظر سفر السعادة: ٥٦٥
(٢) نتائج الفكر: ١٣٠ ٠
(٣) ينظر رأيه في شرح أبيات المغني: ٥/١٥٦ ٠
(٤) القصص: ١٧ ٠
(٥) البيت من الخفيف للأعشى وهوآخر بيت ضمن قصيدته التي يمدح فيها الأسود ابن المنذر اللخمي ومطلعها: ما بكاء الكبير بالأطلال وسؤالي فهل ترد سؤالي وهو في ديوانه ٢٩٦ ٠
(٦) الأصول: ٢/١٧١ ٠
[ ١١ / ٤١١ ]
ووافقه على ذلك ابن عصفور (١)، وابن هشام في المغني (٢)، وخالفه في التوضيح (٣) وشرح القطر (٤)، وشرح اللمحة البدرية (٥)
ومنعه أبو حيان (٦) واحتجَّ بأن فعل الدعاء لا يسند إلى المتكلم بل إلى المخاطب أو الغائب
ورد عليه ابن هشام (٧) فزعم جواز إسناد فعل الدعاء إلى المتكلم، محتجًا بأن الشاعر عطف جملة (لازلتُ) وهي جملة إنشائية علىجملة لن تزالوا ولو كانت الأولى خبرية لما صح عطف الإنشائية عليها، وعنده إن جملة (لازلتُ لكم) بتاء المتكلم وكاف المخطاب، وهذه هي رواية بعض النحاة، ورواية الديوان (لا زلتَ لهم) بفتح التاء وضمير الغيبة، أي (لازلتَ) أيها الممدوح خالدًا لهم خلود الجبال قال البغدادي: «وقوله لن يزالوا إلى آخره بالياء التحتية بضمير الغيبة الراجع لمجموع مَن ذَكر ممن قَتلوا وأَسروا وسَبوا ونَهبوا من الأعداء وممن غَزا معه وقَتل وغَنِمَ من الأولياء، وقوله ولازلتَ بالخطاب للمدوح، ولهم بضمير الغيبة، فظهر مما ذكر أن البيت قد روي في كتب النحو على خلاف الرواية الصحيحة» (٨)
وإليك هذا الشاهد الذي ورد فيه الدعاء على النفس اصطدته من كتب المعاجم ٠
لا ذعرتُ السوَام في فلق الصب ح مغيرًا ولا دُعيتُ يزيدا (٩)
ويجوز أن يكون منه أيضًا قول النابغة:
ما قلتُ من سيِّء مما رميت به إذن فلا رفعت سوطي إليَّ يدي (١٠)
_________________
(١) ينظر رأيه في الارتشاف: ١٤٦٦ ٠
(٢) مغني اللبيب: ٣٧٣ ٠
(٣) التصريح: ٤/١٣٦ ٠
(٤) شرح القطر:١١٣ ٠
(٥) شرح اللمحة:٢/٣٣٨ ٠
(٦) ينظر رأيه في شرح أبيات المغني: ٥/١٥٦ ٠
(٧) ينظر مغني اللبيب: ٣٧٥
(٨) شرح أبيات المغني: ٥/١٥٧ ٠
(٩) البيت من الخفيف دون عزو في المحكم: ٩/٨٧، واللسان (زيد) والسوامّ: هي الإبل الراعية يقال: إبل سائمة وسوام، وهي التي تترك في المرعى حيث شاءت، وذَعَرَها بمعنى أدخل فيها الذُّعْر والخوف وذلك بطردها والإغارة عليها ٠
(١٠) البيت من البسيط في ديوانه: ٢٥ ٠ وهو من اعتذاريات النابغة للنعمان بن المنذر مما رُمِيَ به في شأن المتجردة
[ ١١ / ٤١٢ ]
ويحتمله قول الآخر:
لا درَّ درِّي إن أطعمت نازلكم قِرْفَ الحَتِيِّ وعندي البُرُّ مكنوز (١)
المبحث الثالث: الفصل بين لن ومعمولها
الأصل في الإعمال للأفعال؛ فلهذا تعمل متقدمة، ومتأخرة، ومذكورة ومحذوفة، ومتصلة بمعمولاتها، ومفصولة عنها ٠
أما الحروف فهي عوامل ضعيفة لاتعمل في متقدم أبدًا، ولا يفصل بينها وبين ومعمولاتها بأجنبي في سعة الكلام، فإن فصل بينها وبين معمولاتها بأجنبي أهملت ك (إذن) الداخلة على المضارع نحو إذن زيد يكرمُك بإهمال إذن بسبب الفصل بالأجنبي٠
ولن حرف ينصب المضارع بنفسه، ولا يعمل في متقدم أبدًا إذ لا يقال يقومَ لن زيد، ولا يفصل بينه وبين معموله فلا يقال: لن زيدٌ يقومَ ولكن العرب يتوسعون في الظرف والجار والمجرور والقسم فيفصلون بهن بين الحرف ومعموله مع بقاء الإعمال سمع من العرب قولهم:
فلا تلحني فيها فإن بحبها أخاك مصاب القلب جَمٌّ بلابلُهْ (٢)
إذ فصل بين إن واسمها وخبرها بالجار والمجرور الذي هو معمول الخبر، والأصل: فإن أخاك مصاب بحبها، كما سمع من العرب قولهم:
إذن والله نرميَهم بحرب تشيب الطفل من قبل المشيب (٣)
_________________
(١) البيت من البسيط للمتنخل الهذلي في أشعار الهذليين:١٢٦٣، ولأبي ذؤيب في الحيوان: ٥/٢٨٥، وهو من شواهد سيبويه:٢/٨٩ ٠ والحَتِيّ: المُقْل وهو ثمر شجر الدَّوْم، وقِرْفُه: قشره، وكان العرب يجعلون من قشر المُقْلِ سويقًا، والشاعر هنا يذكر نزوله بقوم فلم يقروه، فقال البيت مفتخرًا بالجود والكرم وأنه لن يبخل على أضيافه ولن يقدم لهم رديء الطعام والبر عنده موجود ٠
(٢) البيت من الطويل وهو من شواهد سيبويه غير المعزوة في الكتاب: ٢/١٣٣، ولم ينسبه من أتى بعده، وأهمله د/رمضان عبد التواب في بحثه بحوث ومقالات في اللغة / أسطورة الأبيات الخمسين في كتب سيبويه،
(٣) البيت من الوافر وهو لحسان بن ثابت في ملحق ديوانه: ٣٧١ ٠
[ ١١ / ٤١٣ ]
ففصل بين إذن ومعمولها بالقسم، وأعملها فنصبت نرميهم
وسمع من العرب في ضرورة الشعر قولهم:
لن ما رأيتُ أبا يزيد مقاتلًا أدعَ القتال وأشهدَ الهيجاء (١)
إذ المعنى لن أدع القتال ما رأيت أبا يزيد مقاتلًا، ف (ما) مصدرية ظرفية تسبك مع ما بعدها بمصدر أي لن أدع القتال مدة رؤيتي أبا يزيد مقاتلًا قال ابن جني: «وقد شُبِّه الجازم بالجارّ ففصل بينهما كما فصل بين الجارّ والمجرور؛ وأنشدنا لذي الرمة:
فأضحت مغانيها قفارًا رسومها كأن لم سوى أهل من الوحش تؤهلِ (٢)
وجاء هذا في ناصب الفعل ٠أخبرنا محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى بقول الشاعر:
لمَّا رأيت أبا يزيد مقاتلا أدعَ القتال ٠٠٠
أي لن أدع القتال ما رأيت أبا يزيد مقاتلًا، كما أراد الأول: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش، وكأنه شبّه لن بأنَّ فكما جاز الفصل بين أنّ واسمها بالظرف في نحو قولك:بلغني أنّ في الدار زيدًا، كذلك شبَّه لن مع الضرورة بها ففصل بينها وبين منصوبها بالظرف الذي هو:ما رأيت أبا يزيد أي مدة رؤيتي» (٣)
وقال ابن عصفور فيما يخص ضرورة الفصل بين المتلازمين: «ومنه الفصل بين الحروف التي لا يليها إلا الفعل في سعة الكلام وبين الفعل نحو قول الشاعر:
لن - ما رأيت أبا يزيد مقاتلا- أدعَ القتال وأشهدَ الهيجاء
يريد لن أدع القتال وأشهد الهيجاء ما رأيت أبا يزيد مقاتلًا ففصل بين لن والفعل المتصل بها» (٤)
أما تقديم معمول فعلها عليها فجائز في السعة قال الشاعر:
_________________
(١) البيت من الكامل دون عزو وهو في الخصائص:٢/٤١١، والمقرب: ١/٢٦٢، ومغني اللبيب: ٣٧٣ ٠ والفعل أدع: منصوب بلن أي لن أدع القتال، وأشهد منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد واو العطف والمصدر معطوف على القتال والمعنى لن أدع القتال وشهود الهيحاء ٠
(٢) البيت من الطويل وهو في ديوانه: ١٤٦٥ ٠، ورواية الديوان: مبانيها، بلادها
(٣) الخصائص: ٢/٤١٠ ٠
(٤) الضرائر: ٢٠١ ٠
[ ١١ / ٤١٤ ]
مه عاذلي فهائمًا لن أبرحا بمثل أو أحسن من شمس الضحى (١)
إذ قدم خبر أبرح على لن مع منفيها ٠
وكان مما احتج به سيبويه على الخليل بعدم تركب لن من لا وأن قوله أما زيدًا فلن أضرب، فقدم معمول فعلها عليها في السعة ٠
المبحث الرابع: تلقي القسم بلن
العرب توقع المضارع المنفي في جواب القسم (٢)، والمشهور عندهم نفيه ب (لا)،أو (إنْ) أو (ما) فمثال تلقي القسم ب (لا) النافية قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم «٣)
وقول الشاعر:
لئن عاد لي عبدُ العزيز بمثلها وأمكنني منها إذن لا أقيلُها (٤)
ومثال النفي ب (ما) قول الشاعر:
_________________
(١) بيت من الرجز، أو هما بيتان من مشطوره، دون عزو في شواهد التوضيح: ١٠٣، والأشموني: ١/٢٣٤، وحاشية الخضري: ٢/١١٠ ٠ ومه اسم فعل أمر مبني على السكون بمعنى اكفف، وعاذل منادى منصوب والياء مضاف إليه، والفاء استئنافية، هائمًا خبر أبرح مقدم، وبمثل جارومجرور والمضاف إليه محذوف دل عليه اللاحق كما في نحو قطع الله يد ورجل من قالها، والجار والمجرور متعلق بأحسن
(٢) ينظر في هذا المبحث:شرح الجمل لابن عصفور: ١/٥٢٦، وشرح التسهيل لابن مالك: ٣/٢٠٦، وشرح الكافية للرضي: ٤/٣١٢، والارتشاف: ٤/ ١٧٧٩ ٠
(٣) النساء:٦٥ ٠
(٤) البيت من الطويل لكثيّر عزة في ديوانه: ٣٠٥، وهو يدور في جل كتب النحو في باب إعراب الفعل في إلغاء إذن لتوسطها بين القسم وجوابه ٠ ومن خبر هذا البيت أن كثيِّرًا مدح عبد العزيز بن مروان بقصيدة أعجبته فقال له احتكم يا أبا صخر -وكان كثيِّرٌ محمَّقًا- فقال اجعلني مكان ابن رُمَّانة -كاتب سر عبد العزيز-، فغضب عليه عبد العزيز وطرده فندم كثيّر وقال قصيدة يعتذر فيها لعبد العزيز منها الشاهد ٠ تنظر القصة في: البيان والتبيين: ٢/٢٤١، والعقد الفريد: ٣/٨، والخزانة: ٨/٤٧٧ ٠
[ ١١ / ٤١٥ ]
لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع (١)
ومثال النفي بإن قولك: والله إن يعلم بهذا إلا زيد، ولم أقف له على شاهد، ولكنّ النحاة يجيزونه (٢)
ويجوز حذف النافي مع الفعل المضارع إن كان أحد هذه الحروف (لا أو ما أو إن)؛ لأنهن مهملات أصالة كما في قوله تعالى: (تالله تفتأ تذكر يوسف «٣) أي لا تفتأ ٠
وذهبت طائفة كبيرة من النحاة إلى عدم جواز تلقي القسم ب (لن ولم) من أدوات النفي؛ وعلل الرضي ذلك بأن العامل الحرفي لا يحذف مع بقاء عمله، وإن أبطلوا العمل لم يتعيّن النافي المحذوف (٤)
وقد سمع من العرب تلقي جواب القسم بلن قال الشاعر:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسَّد في التراب دفينًا (٥)
كما سمع منهم تلقي الجواب بلم حكى الأصمعي أنه قيل لأعرابي:ألك بنون؟ قال: (نعم وخالِقِهِمْ لم تَقُمْ عن مِثْلِهِمْ مُنْجِبَةٌ) (٦) ومنه قول الأعشى:
لئن مُنيْتَ بنا عن غِبِّ معركة لم تلفنا من دماء القوم ننتفل (٧)
_________________
(١) البيت من الطويل للبيد بن ربيعة في ديوانه: ١٦٨ ٠
(٢) ينظر: شرح الجمل لابن عصفور: ١/٥٢٦، وشرح التسهيل لابن مالك: ٣/٢٠٦، وشرح الكافية للرضي: ٤/٣١٢، والارتشاف: ٤/ ١٧٧٩ ٠ () النساء:٦٥ ٠
(٣) يوسف: ٨٥ ٠
(٤) ينظر شرح الكافية:٤/٣١٢
(٥) البيت مطلع قصيدة من الكامل منسوبة لأبي طالب عم النبي صلى لله عليه وسلم وهو في ديوانه المجموع: ٩١، والكشاف: ٢/١٢، وشرح التسهيل لابن مالك:٣/٢٠٧، والجنى الداني: ٢٧٠ ٠
(٦) ينظر القول في شرح التسهيل لابن مالك:٣/٢٠٧،والارتشاف: ٤/١٧٧٩، والمساعد:٢/٣١٤ ٠
(٧) البيت من البسيط وهو للأعشى في ديوانه: ١١٣ شرح محمد محمد حسين، و٣١٢ تحقيق د/ محمد أحمد قاسم، وفي كلتا النسختين (لم تلفنا) وبها يتحقق الشاهد ٠ ورواية البيت في كتب النحو (لا تلفنا) إذ يستشهدون به على اجتماع القسم والشرط، وجعل الجواب للمتأخر منهما وهو الشرط ٠ ومُنِي بكذا بالبناء للمفعول: ابتلي به، وغِبّ الشيء بكسر الغين وتشديد الباء عقبه، وانتفل من كذا تبرأ منه ٠ ينظر: شرح ابن الناظم: ٧٠٧، وشرح الكافية للرضي: ٤/٤٥٧، وشرح ابن عقيل٤/٤٥
[ ١١ / ٤١٦ ]
الفصل الثالث: معنى لن
المبحث الأول: تأكيد النفي بلن (١)
تمهيد
لن حرف نفي واستقبال ينصب المضارع بنفسه كما يقول الجمهور، وهو ينفي المضارع الذي دخلت عليه السين قال سيبويه: «ولن أضرب نفي لقوله سأضرب، كما أن لاتضرب نفي لقوله اضربْ ولم أضربْ نفي لضربْتَ» (٢)، وقال: «ولم: وهي نفي لقوله فعل، ولن وهي نفي لقوله: سيفعل» (٣) وقال أيضًا: «والسين التي في قولك سيفعل، وزعم الخليل أنها جوابُ لن يفعل» (٤)
وقد اختلف العلماء في مسألتين مهمتين حيال إفادة لن توكيد النفي أو تأبيده أو عدم دلالتها على شيء من ذلك البتة ٠
وسنرجيء الحديث عن قضية تأبيد النفي بلن للمبحث التالي (لن الزمخشرية)
وفي هذا المبحث سنحاول لمَّ شتات مسألة توكيد النفي بلن وِفْقَ المطالب التالية ٠
المطلب الأول: رأي الزمخشري
_________________
(١) ينظر في هذا المبحث كتاب دراسات لأسلوب القرآن الكريم القسم الأول الجزء الثاني:٦٣١
(٢) الكتاب ١/١٣٥-١٣٦ ٠
(٣) المرجع السابق: ٤/٢٢٠ ٠
(٤) المرجع السابق: ٤/٢١٧ ٠
[ ١١ / ٤١٧ ]
يكرر الزمخشري في جلّ كتبه القول بتأكيد النفي بلن قال: «ولن لتأكيد ما تعطيه لا من نفي المستقبل، تقول لا أبرح اليوم مكاني فإذا وكَّدت وشدَّدت قلت لن أبرح اليوم مكاني» (١)، وقال أيضًا: «ولن نظيرة لا في نفي المستقبل ولكن على التأكيد» (٢)، وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا «٣): «فإن قلت ما حقيقة لن في باب النفي قلت لا ولن أختان في نفي المستقبل إلا أنَّ في لن توكيدًا وتشديدًا تقول لصاحبك: لا أقيم غدًا فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غدًا كما تفعل في أنا مقيم وإني مقيم» (٤)، وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى: (قال ربي أرني أنظرْ إليك قال لن تراني «٥): «فإن قلت ما معنى لن؟ قلت تأكيد النفي الذي تعطيه لا، وذلك أن لا تنفي المستقبل تقول لا أفعل غدًا، فإذا أكَّدت نفيها قلت: لن أفعل غدًا» (٦)، وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى: (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا «٧): «لن أخت لا في نفي المستقبل إلا أن لن تنفيه نفيًا مؤكدًا» (٨)، وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى: (ولا يتمنونه أبدًا بما قدّمت أيدهم «٩): «ولا فرق بين لا ولن في أن كل واحدة منهما نفي للمستقبل،إلا أن في لن تأكيدًا وتشديدًا ليس في لا» (١٠)
والنحاة الذين جاؤوا بعد الزمخشري انقسموا بين معارض له، ومؤيد في دعواه إفادة لن تأكيد النفي وسأدرس إن شاء الله في المطلبين التاليين هذين المذهبين ٠
المطلب الثاني:رأي المعارضين له
_________________
(١) المفصل: ٣٠٧ ٠
(٢) الأنموذج:١٠٢ ٠
(٣) البقرة: ٢٤ ٠
(٤) الكشاف: ١/٢٤٨
(٥) الأعراف: ١٤٣ ٠
(٦) الكشاف: ٢/١١٣ ٠
(٧) الحج: ٧٣ ٠
(٨) الكشاف: ٣/٢٢ ٠
(٩) الجمعة: ٧ ٠
(١٠) الكشاف:٤/١٠٣ ٠
[ ١١ / ٤١٨ ]
انبرى للرد على الزمخشري في قضيَّة توكيد النفي بلن طائفة ممن أتي بعده من النحاة منهم ابن عصفور، وأبو حيان، وابن هشام، والمرادي، وغيرهم من تلامذة ابن مالك شراح التسهيل ومن تلامذة أبي حيان٠ قال ابن عصفور في رده على الزمخشري: «ما ذهب إليه دعوى لا دليل عليها بل قد يكون النفي ب (لا) آكد من النفي ب (لن)؛لأن المنفي ب (لا) قد يكون جوابًا للقسم، والمنفي ب (لن) لا يكون جوابًا له، ونفي الفعل إذا أقسم عليه آكد» (١)
فابن عصفور بنى اعتراضه على الزمخشري بأن لا النافية تقع جوابًا للقسم ولن لا تقع جوابًا للقسم، ونفي الفعل المقسم عليه آكد من غير المقسم عليه ٠
ولكن رُدَّ عليه بالشاهد السابق وهو:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسّد في التراب دفينًا
إذ وقعت لن فيه في جوابًا للقسم ٠
وقال أبو حيّان: «ونقل ابن مالك (٢) أن الزمخشري خصَّ النفي بالتأبيد، ونقل ابن عصفور عنه أنه زعم أن لن لتأكيد ما تعطيه لا من نفي المستقبل، وأن مذهب سيبويه والجمهور أن لن لنفي المستقبل من غير أن يشترطا أن يكون النفي بها آكد من نفي لا» (٣)، فأبو حيّان إذن يذكر أن ابن عصفور نقل عن الزمخشري القول بتأكيد النفي بلن، ونقل عن ابن مالك أن الزمخشري يرى تأبيد النفي بلن، ثم اعترض عليه بأن مذهب سيبويه والجمهور أن لن لنفي المستقبل ولم يشترطوا أن يكون النفي بها آكد من النفي بلا ٠
_________________
(١) الجنى الداني: ٢٧٠ ٠ ومثال وقوع لا في جواب القسم قوله تعالى في سورة الحشر ١٢ (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولنَّ الأدبار ثم لا ينصرون (
(٢) نقل ابن مالك ذلك في شرح الكافية الشافية: ٣/١٥٣١ ٠
(٣) ارتشاف الضرب:٤/١٦٤٣-١٦٤٤ ٠
[ ١١ / ٤١٩ ]
وكرر هذا المعنى تلامذة أبي حيان كالمرادي (١)، وابن عقيل (٢)، والسمين الحلبي (٣)
ولهج ابن هشام في مخالفة الزمخشري فقال: «ولا تفيد لن توكيد النفي خلافًا للزمخشري في كشافه ولا تأبيده خلافًا له في أنموذجه وكلاهما دعوى بلا دليل» (٤)، وقال أيضًا: «لن وهي لنفي سيفعل ولا تقتضي تأبيد النفي ولا تأكيده خلافًا للزمخشري» (٥)، وقال أيضًا: «ولن حرف يفيد النفي والاستقبال بالاتفاق، ولا تقتضي تأبيدًا خلافًا للزمخشري في أنموذجه، ولا تأكيدًا خلافًا له في كشافه» (٦)، وقال الأشموني: «ولا تفيد تأبيد النفي ولا تأكيده خلافًا للزمخشري: الأول في أنموذجه والثاني في كشافه» (٧)
وشرح الشيخ خالد الأزهري (٨) كلام ابن هشام دون أن يعترض عليه مما يدلُّ على موافقته له فيما قال ٠
وسبق ابنَ هشام في مخالفة الزمخشري في توكيد النفي بلن ابنُ عصفور كما زعم أبو حيّان، والمرادي، ولم أجد في كتب ابن عصفور المطبوعة الآن التي اطلعت عليها (٩) شيئًا من ذلك، ولعله في كتبه التي لمّا تطبع بعد ٠
وفي الحق أن الزمخشري محظوظ في هذه القضية؛ إذ نَسَبَ له القوم ماليس له، وخالفوه فيما هو تابع فيه غيره، وزادوه شهرة من حيث أرادوا أن يغضُّوا منه؛ إذ أخذ اسمه يتردد في كتبهم، وكتب من جاء بعدهم من النحاة على أنه مؤصِّل مسألةٍ ومبتكرها، وما هو إلا تابع لسواه ليس غير ٠
_________________
(١) ينظر الجنى الداني: ٢٧٠، وتوضيح المقاصد:٤/١٧٣ ٠
(٢) ينظر المساعد: ٣/٦٦ ٠
(٣) ينظر الدر المصون: ١/٢٠٣، ٥/٤٤٩ ٠
(٤) مغني اللبيب: ٣٧٤ ٠
(٥) أوضح المسالك: ٤/١٣٦ ٠
(٦) شرح قطر الندى١١٢ ٠
(٧) شرح الأشموني: ٣/٢٧٨ ٠
(٨) ينظر التصريح: ٤/٢٨٦ ٠
(٩) رجعت إلى كتب ابن عصفور التالية: شرج جمل الزجاجي، والمقرَّب، ومُثُل المقرب، والضرائر، والممتع ٠
[ ١١ / ٤٢٠ ]
ولو تتبع المرء مسألة القول بتوكيد النفي بلن من أصلها لوجد الخليل بن أحمد هو ابنُ بجدتها وهو أول من قال بها، قال في العين: «وأما لن فهي: لا أن وصلت في الكلام، ألا ترى أنها تشبه في المعنى لا، ولكنها أوكد تقول: لن يكرمَك زيد معناه: كأنه يطمع في إكرامه فنفيت عنه ووكدت النفي بلن فكانت أوكد من لا» (١)
وقال الأزهري: «الليث عن الخليل في لن أنه لا أن فوصلت لكثرتها في الكلام،ألا ترى أنها تشبه في المعنى لا ولكنها أوكد تقول: لن يكرمك زيد معناه:كأنه كان يطمع في إكرامه فنفيت ذاك ووكَّدت النفي بلن فكانت أوجب من لا» (٢)
فالخليل بن أحمد هو أول من قال بتأكيد النفي بلن وأبان بأنها تشبه لا في إفادة النفي ولكنها تتميَّز عن لا بأنها آكد من أختها لا في هذا الباب، وكرر هذا المعنى ثلاث مرات «ولكنها أوكد» «فنفيت عنه ووكدت النفي» «فكانت أوكد من لا»
فكان الحق على متأخري النحاة أن يخالفوا الخليل في القول بتوكيد النفي بلن كما خالفوه في القول بتركيبها من لا وأن، وينسبوا الخلاف له وليس للزمخشري المتابع للخليل
_________________
(١) العين:٨/٣٥٠ ٠
(٢) تهذيب اللغة: ١٥/ ٣٣٢ ٠
[ ١١ / ٤٢١ ]
وبما أن سيبويه لم يشر في كتابه إلى قضية توكيد النفي بلن من عدمه، فلذلك أظنُّ -والله أعلم- أن ابن عصفور وأبا حيان لم يعلما برأي الخليل فيها، وأظن أنهما لم يطّلعا على مادة (لن) في كتابي العين، وتهذيب اللغة، واطّلع عليها الزمخشري في أحدهما، أو في كليهما؛ فلذلك أفاد منها الزمخشري، ولم يفد منها الأندلسيون، ولعل مما يؤيد ما ذهبتُ إليه أن ابن سيده -الأندلسي -لم يشر إلى رأي الخليل في كتابيه المحكم (١)، والمخصص (٢) بل نقل في المحكم كلام ابن حني في سر صناعة الإعراب عن لن بنصّه (٣) وهما من أهم الكتب المعاجم المتداولة في بلاد الأندلس
_________________
(١) ينظر المحكم: ١٠/٣٦١ طبعة دار الكتب العلمية وهي طبعة للكتاب كاملة، وما ذكره ابن سيده في لن في المحكم منقول بالنص من سر صناعة الإعراب: ٣٠٥ ٠
(٢) ينظر المخصص: ١٤/ ٤٥،٥٥ ٠
(٣) ينظر المحكم: ١٠/٣٦١ تحقيق عبد الحميد هنداوي دار الكتب العلمية، وينظر سر صناعة الإعراب: ٣٠٥
[ ١١ / ٤٢٢ ]
ثم إن أبا حيان لم يكن مصرًّا على مخالفة الزمخشري في قضية توكيد النفي بلن بل كان في البحر المحيط كثيرًا ما يوافقه على ذلك قال: «لن نفي لما دخلت عليه أداة الاستقبال، ولا نفي للمضارع الذي يراد به الاستقبال فلن أخص؛ إذ هي داخلة على ما ظهر فيه دليل الاستقبال لفظًا؛ ولذلك وقع الخلاف في لا هل تختص بنفي المستقبل أم يجوز أن تنفي بها الحال، وظاهر كلام سيبويه ﵀ هنا أنها لا تنفي الحال ٠٠٠فإذا تقرر هذا الذي ذكرناه كان الأقرب من هذه الأقوال قول الزمخشري أوّلًا من أن فيها توكيدًا وتشديدًا؛ لأنها تنفي ما هو مستقبل بالأداة، بخلاف لا فإنها تنفي المراد به الاستقبال مما لا أداة فيه تخلصه له؛ ولأن لا قد ينفى بها الحال قليلًا فلن أخص بالاستقبال، وأخصّ بالمضارع؛ ولأن (ولن تفعلوا (أخصر من ولا تفعلون؛ فلهذا كله ترجّح النفي بلن على النفي بلا» (١) فهو هنا وافق الزمخشري صراحة «فإذا تقرر هذا الذي ذكرناه كان الأقرب من هذه الأقوال قول الزمخشري أوّلًا من أن فيها توكيدًا وتشديدًا» وعللّ ذلك باختصاص لن بنفي ما هو مستقبل بالأداة، وباختصاصها بالمضارع بخلاف لا التي لايختص بها المضارع، وقد ينفى بها المضارع المراد به الحال أيضًا ٠
وقال أيضًا «وكان حرف النفي لن الذي هو أبلغ في الاستقبال من لا إشعارًا بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوهم وشوكتهم كالآيسين من النصر» (٢)، وقال أيضًا: في قوله تعالى: (قال إنك لن تستطيع معي صبرًا «٣): «ونفى الخضر استطاعة الصبر معه على سبيل التأكيد» (٤)
وقال أيضًا «(لن تتبعونا (وأتى بصيغة لن وهي للمبالغة في النفي» (٥)
_________________
(١) البحر المحيط: ١/١٧٤ طبعة مصطفى الباز ٠
(٢) البحر: ٣/٣٣٣ ٠
(٣) الكهف: ٦٧ ٠
(٤) البحر المحيط: ٧/٢٠٥ ٠
(٥) البحر المحيط: ٩/٤٨٩ ٠
[ ١١ / ٤٢٣ ]
وكذلك الحال مع ابن هشام إذ أومأ إلى توكيد النفي بلن في المغني في أثناء حديثه عن السين قال: «وزعم الزمخشري أنها إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه أفادت أنه واقع لا محالة، ولم أر من فهم وجه ذلك، ووجه أنها تفيد الوعد بحصول الفعل فدخولها على ما يفيد الوعد أو الوعيد مقتضٍ لتوكيده وتثبيت معناه، وقد أومأ إلى ذك في سورة البقرة فقال: (فسيكفيكهم الله «١) ومعنى السين إن ذلك كائن لا محالة، وإنْ تأخر إلى حينٍ، وصرّح به في سورة براءة فقال في: (أولئك سيرحمهم الله «٢) السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة؛ فهي تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد إذا قلت: سأنتقم منك» (٣)
وقال أيضًا: «إن الزمخشري قال في (أولئك سيرحمهم الله (أن السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة فهي مؤكدة للوعد، واعترضه بعض الفضلاء (٤) بأن وجود الرحمة مستفاد من الفعل لا من السين، وبأن الوجوب المشار إليه بقوله لا محالة لا إشعار للسين به، وأجيب بأن السين موضوعة للدلالة على الوقوع مع التأخر، فإذا كان المقام ليس مقام تأخر لكونه بشارة تمحَّضت لإفادة الوقوع، وبتحقق الوقوع يصل إلى درجة الوجوب» (٥)
_________________
(١) الآية: ١٣٧ ٠
(٢) الآية: ٧١ ٠
(٣) مغني اللبيب: ١٨٥ ٠
(٤) المراد به أبو حيّان في البحر المحيط: ٥/٤٦٠ قال: «وقال الزمخشري السين مفيدة وجوب الرحمة لا محالة فهي تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد في قولك سأنتقم منك يومًا ٠٠٠ وفيه دفينة خفية من الاعتزال بقوله السين مفيدة وجوب الرحمة لا محالة يشير إلى أنه يجب على الله تعالى إثابة الطائع كما تجب عقوبة العاصي، وليس مدلول السين توكيد ما دخلت عليه، إنما تدل على تخليص المضارع للاستقبال فقط» أ٠هـ
(٥) مغني اللبيب: ٨٧٠
[ ١١ / ٤٢٤ ]
فابن هشام يميل إلى رأي الزمخشري في أن السين الداخلة على المضارع تفيد توكيده، والسين إنما تدخل على المضارع وهو مثبت؛ وبما أن لن نقيضة السين، والسين تفيد التوكيد في حال الإثبات فلا بدَّ أن يكون نفي المؤكد مؤكدًا أيضًا، ودفاع ابن هشام عن الزمخشري ضد أبي حيّان دليل على قناعته بقول الزمخشري في أن السين تؤ كد الفعل المضارع الذي اتصلت به في المحبوب والمكروه٠
المطلب الثالث:رأي المؤيدين له:
وافق الزمخشري على القول بتأكيد النفي بلن طائفة عريضة من النحاة منهم ابن الخباز قال: «وأما لن فمعناها: النفي المؤكّد تقول: لا أبرح مكاني فإذا بالغت قلت: لن أبرح، وفي التنزيل: (لن تراني (؛ لأنه لم يره» (١)، ومنهم المنتجب الهمداني قال: «لن ولا أختان في نفي المستقبل غير أن لن موضوع للتوكيد والتشديد يقول القائل: لا أفعل كذا، فإن أنكر عليه قال لن أفعل» (٢)، ومنهم الرضي إذ قال: «قوله ولن معناها نفي المستقبل هي تنفي المستقبل نفيًا مؤكدًا وليس للدوام والتأبيد» (٣)،ومنهم القواس الذي قال عن لن: «النفي بها أبلغ من النفي بلا، وإن اشتركا في نفي المستقبل؛ لأنه إذا قيل: لا أكرمك،فإذا قصد التوكيد قيل: لن أكرمك» (٤)، ومنهم الأسفراييني قال: «لن ومعناها نفي المستقبل نحو: (لن أبرح الأض (وهي أوكد من لا» (٥)، ومنهم الإربلي قال: «هي للتأكيد؛لأنها آكد في النفي من لا لقوله تعالى في مجرد النفي (لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين «٦) وفي المبالغة والتأكيد (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي «٧») (٨)، ومنهم الموزعي: «وزعم في المفصل والكشاف أنها تفيد تأكيد النفي، وبه قال ابن
_________________
(١) الغرة المخفية: ١٦٠ ٠
(٢) الفريد في إعراب القرلآن المجيد:١/٢٤٩ ٠
(٣) شرح الكافية: ٤/٣٨ ٠
(٤) شرح ألفية ابن معط: ١/٣٣٩ ٠
(٥) لباب الإعراب: ٤٤٧ ٠
(٦) الكهف: ٦٠ ٠
(٧) يوسف: ٨٠ ٠
(٨) جواهر الأدب: ٢٦٠ ٠
[ ١١ / ٤٢٥ ]
الخباز، وما ادعاه من التأكيد حسن قريب، وربما أعطاه كلام سيبويه حيث قال: لا نفي لقولك يفعل، ولن نفي لقولك سيفعل» (١)، ومنهم الزركشي قال: «وهي في نفي المستقبل آكد من لا وقوله تعالى (فلن أبرح الأرض (آكد من من قوله (لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين (» (٢)، ومنهم السيوطي قال: «ووافقه على إفادة التأكيد جماعة منهم ابن الخباز بل قال بعضهم إن منعه مكابرة؛ فلذا اخترته دون التأبيد» (٣) وقال أيضًا: «وذكر الزمخشري في المفصل وغيره أن النفي بها آكد من النفي بلا» (٤)، ومنهم أبوالسعود الحنفي الذي قال: «كلمة لن لنفي المستقبل ك (لا)، خلا، أن في لن زيادة تأكيد وتشديد» (٥)
ومنهم الصبان قال: «وافقه على التأكيد كثيرون» (٦)
المبحث الثاني: لن الزمخشرية
كثيرًا ما يسمع المرء عبارة (لن الزمخشرية)، والمراد بها في اعتقاد قائلها -والله أعلم - النفي المستمر أو الدائم، وهنا سنحاول بحث هذه الفكرة من جميع جوانبها وفق المطالب التالية:
المطلب الأول: القول بتأبيد النفي بلن
في الحق أن مسألة تأبيد النفي بلن كانت متداولة عند المعتزلة قبل ميلاد الزمخشري بزمنٍ إذ وجدت أقوالًا عديدة لرؤسائهم يذهبون فيها إلى القول بتأبيد النفي بلن منهم الجبّان، والخطيب الإسكافي، والقاضي عبد الجبار، والشريف المرتضى، وهؤلاء عاشوا في القرن الرابع الهجري وأوائل الخامس، والذي يظهر لي أن الزمخشري تلقفها منهم، ولم يكن ابن بجدتها كما مفهوم عند كثير الناس ٠
قال الجبَّان في تفسير قول الشاعر:
_________________
(١) مصابيح المغاني: ٤٢٦ ٠
(٢) البرهان: ٤/٣٨٧
(٣) همع الهوامع: ٤/ ٩٥
(٤) الفرائد الجديدة: ٢/٤٧١ ٠
(٥) إرشاد العقل السليم:١/١٧٧ ٠
(٦) حاشيته على الأشموني: ٣/٢٧٨ ٠
[ ١١ / ٤٢٦ ]
ولن يراجعَ قلبي حبَّهم أبدًا زَكِنْتُ من بغضهم مثلَ الذي زَكِنُوا (١)
«أي نحن متباغضون، يبغضوننا ونبغضهم، ويعادوننا ونعاديهم، وأكد أمر العداوة بأن وصفها بأنها لا تزول أبدًا؛ لأن لن تفيد نفي الشيء في المستقبل أبدًا» (٢)
فهو هنا يصرَّح بأن لن تنفي المستقبل أبدًا، والجبَّان من أصحاب أبي علي الفارسي، وهو من ندماء الصاحب بن عباد وقرناء ابن جني، وأبي علي المرزوقي شارح الحماسة، ولم تعيِّنْ كتب التراجم سنة وفاته، وإنما تذكر أنه كان حيًا عام ٤١٦هـ، قال الصاحب ابن عبّاد: «فاز بالعلم من أصبهان ثلاثةٌ: حائكٌ وحلاَّجٌ وإسكافٌ» (٣) فالحائك أبو عليّ المرزوقي، والإسكاف هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب، والحلاّج هو أبو منصور بن ماشدة وهو الجبّان ٠
والصاحب ابن عباد توفي عام ٣٨٦هـ، وأبو منصور الجبان في ذلك التاريخ كان فائزًا بالعلم، وكان رأسًا من المعدودين المشار إليهم وكان يوازن بالمرزوقي
وقال الخطيب الإسكافي - المتوفي سنة -٤٢٠-في شرح قوله تعالى (ولن يتمنوه أبدًا بما قدَّمت أيديهم (: «ووجب أن يكون ما يبطل تمني الموت المؤدي إلى بطلان شرطهم أقوى ما يستعمل في بابه وأبلغه في معنى ما ينتفي شرطهم به، وكان ذلك بلفظ لن التي هي للقطع والبتات ثم أكَّد بقوله أبدًا ليبطل تمني الموت الذي يبطل دعواهم بغاية ما يبطل به» (٤)
_________________
(١) البيت من البسيط وهو لقنعب بن أم صاحب الفزاري في شرح أبيات إصلاح المنطق ٤٤٣، وإسفار الفصيح: ١/٣٥٢ وفي هامشه زيادة تخريج لمن يرغب في المزيد ٠ وزَكِنَ كفرح بمعنى:علم
(٢) شرح فصيح ثعلب لأبي منصور محمد بن علي الجبَّان الأصبهاني: ١٠٩ ٠
(٣) معجم الأدباء: ٥/٣٤ ٠
(٤) درة التزيل وغرة التأويل: ١٣ ٠
[ ١١ / ٤٢٧ ]
وقال الشريف المرتضى في تأويل آية الأعراف: «وقد استدلَّ بهذه الآية كثير من العلماء الموحدين على أنه لايرى بالأبصار من حيث نفى الرؤية نقيًا عامًا بقوله (لن تراني (ثم أكَّد ذلك بأن علَّق الرؤية باستقرار الجبل الذي علمنا أنه لم يستقر» (١)
وقال أيضًا «فأما قوله في قصة موسى ﵇: (إنك لن تستطيع معي صبرًا (فظاهره يقتضي أنك لا تستطيع ذلك في المستقبل، ولا يدل على أنه غير مستطيع للصبر في الحال» (٢»
والزمخشري مولود عام: ٤٦٧ هـ، وتوفي عام ٥٣٨هـ أي أن الزمخشري ولد بعد وفاة هؤلاء بما يقارب نصف قرن ٠
فعلى هذا يكون القول بتأبيد النفي بلن معروفًا عند أهل المشرق الإسلامي في القرن الرابع الهجري وأوائل الخامس قبل أن يولد الزمخشري بما يزيد على نصف قرن من الزمان، وقد يكون الجبّان وأقرانه مسبوقين أيضًا بهذه الفكرة، ولا سيما أن طغيان الاعتزال كان قبل هذا الوقت أيام المأمون والمعتصم، ورؤساؤهم الكبار المعدودين فيهم عاشوا قبل زمن الجبّان والمرتضي ٠
واستمر القول بهذه العبارة في زمن الزمخشري، وعند طلابه أيضًا؛ إذ نجد الطَّبَرْسِيَّ يقول بتأبيد النفي بلن وهو من أقران الزمخشري سنًا وعلمًا، قال في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا «٣): «أي ولن تأتوا بسورة مثله أبدًا؛ لأن لن تنفي على التأبيد في المستقبل» (٤)
وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى: (قال لن تراني «٥): «هذا جواب من الله تعالى، ومعناه لا تراني أبدًا؛ لأن لن ينفي على وجه التأبيد كما قال (ولن يتمنّوه أبدًا «٦) وقال (ولن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له «٧») (٨)
_________________
(١) الأمالى: ٢/٢٢١ ٠
(٢) المرجع السابق: ٢/١٦٦ ٠
(٣) البقرة:٢٤
(٤) مجمع البيان: ١/٩٠ طبعة دار الفكر عام ١٤١٨ هـ
(٥) الأعراف:١٤٣ ٠
(٦) البقرة:٩٥ ٠
(٧) الحج: ٧٣ ٠
(٨) مجمع البيان: ٤/٢٧١ ٠
[ ١١ / ٤٢٨ ]
فالطبرسي يؤكد أن لن حرف ينفي المستقبل على وجه التأبيد، والطَّبَرْسِيُّ شيعي إمامي، كان في زمن الزمخشري إذ ولد عام ٤٦٢ هـ في طَبَرْستان، وتوفي عام ٥٤٨هـ على الأرجح، والزمخشري كما سبق ولد عام ٤٦٧ هـ، وتوفي عام ٥٣٨هـ، وألف الطبرسيُّ كتابه هذا قبل أن يطلَّع على الكشاف؛ إذ فرغ من تأليفه عام ٥٣٦ هـ وكتابه مجمع البيان مستمدٌّ من كتاب البيان لمحمد بن الحسن بن علي الطوسي، ثم لمَّا اطلع الطَّبَرْسِيُّ على كشاف الزمخشري أعجبه أيَّما إعجاب فصنَّف كتابًا آخر أسماه: جامع الجوامع ليكون جامعًا بين فوائد البيان للطوسي والكشاف للزمخشري
ولو قال قائل: إن هذه المسألة - أعني القول بتأبيد النفي بلن - كانت منتشرةً عند الشيعة الإمامية، وعند المعتزلة في عصر الزمخشري لم يكن مجانبًا للصواب ٠
ويقول الخاروني الشوكاني وهو أحد تلامذة الزمخشري: «لن وهي للنفي على التأبيد، ولردّ قول من يقول: سيقوم زيد، وسوف يقوم زيد، نحو لن يقوم زيد» (١)
فهذا الخاروني تلميذ الزمخشري ينصُّ علىأن لن تفيد تأبيد النفي، وليس بمستغرب أن يكون تلقَّفها من شيخه الزمخشري في دروسه التي كان يلقيها على تلامذته، ولا سيما أن فكرة تأبيد النفي بلن كانت معروفة عند أهل المشرق الإسلامي كما رأينا قبل قليل وكانوا على علم وبصيرة سابقة بها ٠
_________________
(١) القواعد والفوائد في الإعراب تحقيق د/ عبد الله بن حمد الخثران: ١٠٥ ٠
[ ١١ / ٤٢٩ ]
ويقول صدر الأفاضل - وهو أحد شرَّاح المفصل-: «قال الشيخ ينبغي أن تعلم أن النفي بها لا يكون للتأبيد، لكنه يكون أشد وأبلغ منه في لا، واستدلَّ لذلك باستعمالهم إيَّاها مع التقييد واستشهد بقوله تعالى (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي «١) ولك أن تقول: ما المانع من أن تكون للتأبيد، ويستعمل مع التقييد؟ ألا ترى أنك لو قرنتها بلفظة التأبيد لم يمنع من التقييد أيضًا مثاله قولك:لن أخرج أبدًا حتى يأذن لي الأمير، وقال تعالى: (إنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها «٢) وهذا تقييد مع التأبيد» (٣)
فصدر الأفاضل ينقل نصًّا من الشيخ ولا أعلم من هذا الشيخ الذي أومأ إليه، أهو عبد القاهر الجرجاني الذي يقوم صدر الأفاضل في النص السابق بشرح كتابه الجمل في النحو، أم يريد شيخًا آخر غيره من علماء المشرق، فصدر الأفاضل ينافح عن فكرة تأبيد النفي بلن ويرد قول الشيخ المانع من تأبيد النفي بلن، ويجيز مجيء لن للتأبيد مع التقييد، ويجب ألا يغيب عن البال أن صدر الأفاضل أحد شرّاح المفصل
ونقل محقق التخمير عن حاشية كُتبتْ على إحدى نسخه الخطية ما يلي: «جاء في هامش نسخة ب: (ح) ابن الدهان أبو الحسن عن الخليل في كتاب الأدوات أن لن كلمة تؤكد الجحد في المستقبل، فإذا قلت: لن أفعل فقد أكدت على نفسك أنك لا تفعله أبدًا، وقال في تفسير لن إنه يخلِّص الفعل للمستقبل وينفيه، وذلك في قولك لن يذهب زيد أبدًا إذا قال قائل: سيذهب زيد غدًا» (٤)
من خلال النص السابق نلمح أن كلمة (أبدًا) تكررت مرتين، الأولى منهما تُشْكِلُ؛ لأنها جاءت في سياق تفسير معنى لن من غير أن يكون المتكلم قد نصَّ على الأبد في كلامه، بخلاف كلمة (أبدًا) الثانية إذ جاء ت منصوصًا عليها في المثال من المتكلِّم ٠
_________________
(١) يوسف:٨٠
(٢) المائدة ٢٤ ٠
(٣) ترشيح العلل في شرح الجمل: ١٧٧ ٠
(٤) التخمير: ٤/ ٨٥ ٠
[ ١١ / ٤٣٠ ]
ومن هنا فإن ما ذكره أبو الحسن عن الخليل في كتاب الأدوات مشكل أيضًا،إذ يجوز أن تكون هذه العبارة هي التي استقى منها القائلون بتأبيد النفي بلن مذهبهم وساروا عليه
ولا نعلم من أبو الحسن هذا؟ أهوأحد الأخافشة؟ أم هو الرماني؟ أم غيرهم، ثم يقال هل للخليل كتاب يقال له الأدوات؟ كلُّ ذلك لا نجد له إجابة الآن، وإنما نقول: إن القوم قبل الزمخشري كانوا على علمٍ ودراية بمقولة تأبيد النفي بلن ٠
ويقول ابن يعيش: «اعلم أن لن معناها النفي، وهي موضوعة لنفي المستقبل، وهي أبلغ في نفيه من لا؛ لأن لا تنفي يفعل إذا أريد به المستقبل، ولن تنفي فعلًا مستقبلًا قد دخل عليه السين أو سوف، وتقع جوابًا لقول القائل سيقوم زيد، وسوف يقوم زيد، والسين وسوف تفيدان التنفيس في الزمان؛ فلذلك يقع نفيه على التأبيد وطول المدة نحو قوله تعالى (ولن يتمنوه أبدًا بما قدمت أيديهم «١)، وكذلك قول الشاعر:
ولن يراجع قلبي حبَّهم أبدًا زَكِنْتُ من بغضهم مثل الذي زَكِنُوا (٢)
فذكر الأبد بعد لن تأكيدًا لما تعطيه لن من النفي الأبدي، ومنه قوله تعالى: (لن تراني «٣) ولم يلزم منه عدم الرؤية في الآخرة؛ لأن المراد:إنك لن تراني في الدنيا؛ لأن السؤال وقع في الدنيا، والنفي على حسب الإثبات» (٤)
ويقول السكاكي: «ولن وهو لنفي سيفعل، وأنه لتأكيد النفي في الاستقبال، وقد أشير إلى أنه لنفي الأبد» (٥)، فالسكاكي يقطع بالتأكيد، ويلّمح بالتأبيد؛ لأنه لم يعترض عليه، وكأنه يقول لامانع من أن يجتمع في لن التأكيد والتأبيد فيكون النفي أبدًا مؤكدًا٠
_________________
(١) البقرة: ٩٥ ٠
(٢) سبق تخريج البيت ٠
(٣) الأعراف: ١٤٣
(٤) شرح المفصل: ٨/١١١
(٥) مفتاح العلوم: ١٠٨ ٠
[ ١١ / ٤٣١ ]
ويقول ابن عطية: «وقوله ﷿ (لن تراني (نصٌّ من الله تعالى على منعه الرؤية في الدنيا، ولن تنفي الفعل المستقبل، ولو بقينا مع هذا النفي بمجرده لقضينا أنه لا يراه أبدًا ولا في الآخرة، لكن وَرَدَ من جهة أخرى بالحديث المتواتر أن أهل الجنة يرون الله تعالى يوم القيامة فموسى ﵇ أحرى برؤيته» (١)
فابن عطية يرى أن البقاء على أصل الوضع اللغوي في لن يمنع رؤية المؤمنين ربهم مطلقًا؛ لأنها -كما فهم - للنفي المؤبد، ولكنه يقرر أن رؤية المؤمنين ربهم في الآخر ثابتة بسبب أمر خارج عن الوضع اللغوي ل (لن) وهو الحديث المتواتر ٠
ويقول الفاكهي: «محل الخلاف في أنها هل تقتضي التأبيد أم لا فيما إذا أُطلق النفي أو قُيِّد بالتأبيد، أما إذا قيّد بغيره نحو (فلن أكلم اليوم أنسيًا (فلا خلاف بينهم في أنها لاتفيده، فقد ظهر أن من ردَّ على الزمخشري في قوله بتأبيد النفي بهذه الآية وشبهها مما قيّد فيه نفيها منفيها بغير التأبيد ليس على تحقيق المسألة» (٢)
ويقول يس العليمي: «وانتصر الحفيد للزمخشري فقال: واعلم أن قول النحويين لن ليست لتأبيد النفي مع أنها لنفي سيفعل متناقض؛ وذلك لأن سيفعل مطلق، ونقيضه لن يفعل الدائمة، فلو لم تكن لتأبيد النفي لم يكن قولنا لن يفعل نقيضًا لقولهم سيفعل؛ لأنه على ما قالوه من عدم التأبيد يجوز أن يكون النفي على حالةٍ والإثبات على أخرى، فالحق أنها لتأبيد النفي كما ذكره الزمخشري لاسيما ومدلولات الألفاظ ليست راجعة إلى اعتقاد أحد» (٣) ثم ردّ يس العليمي على الحفيد بما يطول ذكره فمن أراد الوقوف عليه فليراجعه في موضعه ٠
_________________
(١) المحرر الوجيز: ٧/ ١٥٥ ٠
(٢) شرح الفاكهي على قطر الندى: ١/١٤٣ ٠
(٣) حاشية يس على شرح الفاكهي: ١/١٤٤ ٠
[ ١١ / ٤٣٢ ]
ويقول الأسفندري - وهو أحد شرّاح المفصل-: «قال ﵁: فصل ولن لتأكيد ما تعطيه لا إلى آخره (حم) قال صاحب الكتاب: لن ك (لا) في النفي إلا أن في لن معنى التأكيد وليس كما يزعم القوم أنها للتأبيد؛ إذ لو كانت كذلك لما جاز فيه التحديد كما في الآية التي تليت عليك» (١)
والأسفندري يرمز ب (حم) لحاشيةٍ على المفصل منسوبةٍ للزمخشري نفسه، فلئن صحَّت نسبة الحاشية إليه فذلك إما براءةٌ مما نسب إليه، أو رجوع منه عما كان يعتقده٠
وقدكتب الأستاذ الدكتور أحمد عبد اللاه هاشم بحثًا عنوانه (قضية لن بين الزمخشري والنحويين) في ستٍ وأربعين صحيفة من القطع المتوسط ونشره في دار التوفيقيةبمصر عام ١٩٧٩م ذهب في بحثه إلى أن تحريفًا وقع في بعض نسخ الأنموذج للزمخشري إذ يرى أن كلمة تأكيد تحرفت إلى تأبيد في بعض النسخ، لاسيما أن رسم الكلمتين متقارب، فبينهما ما يسمّى الجناس اللاحق، ثم حمل عليه معارضوه، وساعدهم على ذلك سوء معتقد الرجل ٠
وأقول: الذي يظهر لي -والله أعلم - أن الرجل قد كتبها في النسخ القديمة من أنموذجه (التأبيد) ولم يقع في بعض النسخ تحريف، كما ذهب إليه الدكتور أحمد هاشم، ثم طارت تلك النسخ مع تلامذتة في الآفاق، وعزاها إلية ابن مالك وغيره بناء على تلك النسخ، والمعروف عن الزمخشري أنه كان باقعة في الدهاء فخشي ألا يُنْظَرَ في كتابه إن أبقاها، فغيَّرها في النسخ اللاحقة إلى تأكيد، ولاسيما أنَّ له في مثل هذا العمل سابقةً، إذ يُرْوَى أنه افتتح كتابه الكشاف بقوله: «الحمد لله الذي خلق القرآن» (٢) فقيل له: إنْ أبقيتها لم ينظر أحد في كتابك فغيّرها
المطلب الثاني رأي الزمخشري
_________________
(١) شرح المفصل: ١٤٦/ أ (مخطوط)
(٢) ينظر: وفيات الأعيان: ٥/١٧٠، ومقدمة كتاب الكشاف: ١/٣
[ ١١ / ٤٣٣ ]
يُنسب إلى الزمخشري - كما ذكرنا في المبحث السابق- القولُ بتأبيد النفي بلن في إحدى نسخ الأنموذج قال الأربلي (١): «قال -أي الزمخشري في الأنموذج- ولن نظيرة لا في نفي المستقبل ولكن على التأكيد، أقول: إذا أردت نفي المستقبل مطلقًا قلت:لا أضرب مثلًا، وإذا أردت نفيه مع التأكيد قلت لن أضرب مثلًا، وفي بعض النسخ للتأبيد بدل قوله للتأكيد» (٢)
وقال الموستاري (٣)
_________________
(١) هو محمد بن عبد الغني الأربلي الرومي جمال الدين ويقال له أحيانًا الأردبيلي، اُختُلِف في سنة وفاته اختلافًا شديدًا، فقيل ٦٤٧ هـ وعليه حاجي خليفة والزركلي ويُضْعِفُ هذا القولَ أنَّ الأربلي له حاشية على تفسير البيضاوي المتوفي سنة ٦٩١هـ، وقيل توفي سنة: ٩٨٠ هـ وعليه البغداديُّ في هدية العارفين وعمر رضا كحالة، ويُضعِف هذا القول أن إحدى نُسخِ الأنموذج كُتبت سنة ٨٦٥ هـ ٠ وجمعًا بين القولين أرى أن الأربلي من علماء القرن الثامن الهجري أو التاسع، وعلى هذا فهو بعد ابن مالك وتلامذته بزمنٍ، وهو ما يجعل إفادته من كتبهم أمرًا محتملًا، وفيها ما نُسب للزمخشري من القول بتأبيد النفي بلن، فنَسَبَ إلى الزمخشري مانسب ثقةً في نقلهم، دون أن يكون وقف عليها، كما يُحتمل أن يكون قد وقف بنفسه على بعض نسخ الأنموذج ورأى فيها ما قاله ٠ تنظر ترجمته في: كشف الظنون: ١٨٥، وهدية العارفين: ٢/٢٧٥، والأعلام: ٦/٢١١، ومعجم المؤلفين: ١٠/١٧٨، وينظر مقدمة محقِّق كتاب شرح الأنموذج، ومن العجيب أنه دوَّن سنة وفاته ٦٤٧هـ ثم دوّن في مصنفات الأربلي حاشيته على تفسير البيضاوي٠
(٢) شرح الأنموذج: ٢٣٣ ٠
(٣) هو مصطفى بن يوسف بن مراد الأيوبي الموستاري ولد عام ١٠٦١ وتوفي عام ١١٥١ هـ له الفوائد العَبْدِيَّة في شرح أنموذج الزمخشري ٠ ينظر ترجمته في سلك الدرر: ٤/٢١٨، وهدية العارفين: ٢/٤٤٣، والأعلام: ٧/٢٤٧ ٠
[ ١١ / ٤٣٤ ]
وهو من شرّاح الأنموذج المتأخرين: «تقول لا أبرح اليوم مكاني، فإذا وكَّدت وشددت قلت: لن أبرح اليوم مكاني قال تعالى: (لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين «١) وقال: (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي «٢)، وقد وقع في بعض النسخ التأبيد بدل التأكيد وهو مبني على مذهب أهل الاعتزال» (٣)
وقال ابن مالك: «ثم أشرت إلى ضعف قول من رأى تأبيد النفي بلن وهو الزمخشري في أنموذجه» (٤)، وقال ابنه بدر الدين: «وذكر الزمخشري في أنموذجه أن لن لنفي التأبيد» (٥) هكذا جاء في شرح التسهيل بتقديم كلمة نفي على كلمة تأبيد مما جعل المعنى ينعكس.
وقال أبو حيّان: «ونقل ابن مالك أن الزمخشري خصَّ النفي بالتأبيد» (٦)
وقال ابن هشام: (لن وهي لنفي سيفعل ولا تقضي تأبيدًا ولا تأكيدًا خلافًا للزمخشري» (٧)، وقال أيضًا «لن حرف يفيد النفي والاستقبال بالاتفاق، ولا يقتضي تأبيدًا، خلافًا للزمخشري في أنموذجه، ولا تأكيدًا خلافًا له في كشافه» (٨)،وقال أيضًا: «ولا تقتضي تأبيدًا ولا تأكيدًا خلافًا للزمخشري» (٩)
والذي بين أيدنا من الأنموذج ليس فيه ذكر للتأبيد قال: «ولن نظيرة لا في نفي المستقبل ولكن على التأكيد» (١٠)
_________________
(١) الكهف: ٦٠ ٠
(٢) يوسف: ٨٠ ٠
(٣) الفوائد العبدية:٧٦ / ب (مخطوط)
(٤) شرح الكافية الشافية: ٣/١٥٣١
(٥) شرح التسهيل: ٤/١٤ ٠
(٦) ارتشاف الضرب: ٤/١٦٤٣ ٠
(٧) أوضح المسالك: ٤/١٣٦ ٠
(٨) شرح قطر الندى: ١١٢ ٠
(٩) شرح اللمحة البدرية: ٢/٣٣٨ ٠
(١٠) الأنموذج: ٣٢ ٠
[ ١١ / ٤٣٥ ]
ويرى الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة -﵀- أن الزمخشري ذكر في كشافه تأكيد النفي بلن، كما ذكر تأبيده أيضًا، وألمح الشيخ عضيمة إلى أن أبا حيان في البحر المحيط قد وقع في مزالق الكشاف في بعض المواضع فتابع الزمخشري في ألفاظه الدالة على القول بتأكيد النفي بلن أوالدالة على القول بتأبيده، وهوما يخالف ما حذَّر منه في كتبه النحوية، قال الشيخ عضيمة: «في الكشاف لن أخت لا إلا أن لن تنفيه نفيًا مؤكدًا وتأكيده هاهنا للدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل منافٍ لأحوالهم كأنه قال محال أن يخلقوا» (١) ثم نقل الشيخ عضيمة عبارة أبي حيان وهي: «وهذا القول الذي قاله في لن هو المنقول عنه أن لن للنفي على التأبيد» (٢)، ومن العبارات التي وردت في الكشاف وفَهِمَ منها الشيخ عضيمة تأبيد النفي بلن ما يلي (كأنه محال أن يخلقوا)، وعبارة: (إقناط من إيمانهم، وأنه كالمحال الذي لا تعلق به للتوقع) وعبارة (فلا يكون منهم اهتداء البتة كأنه محال منهم لشدة تصميمهم) وعبارة: (وإنما جيء بلن الذي هو لتأكيد النفي للإشعار بأنهم لقلتهم وضعفهم، وكثرة عدوهم وشوكته كالآيسين من النصر) وعبارة: (نفي لدخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس) وأمثال هذه العبارات ٠
ومن العجب أن أبا حيان كثيرًا ما كان يقع في مزالق الكشاف وينقل منه أمثال تلك العبارات السابقة الدالَّة على القول بتأبيد النفي بلن وقد تتبعه الشيخ عضيمة (٣) رحمه الله تعالى
المطلب الثالث: رأي المعارضين
_________________
(١) دراسات لأسلوب القرآن القسم الأول: ٢/٦٣٢ ٠
(٢) ينظر المرجع السابق: ٢/ ٦٣٢ والبحر المحيط: ٧/٥٣٧ ٠
(٣) ينظر دراسات لأسلوب القرآن القسم الأول: ٢/ ٦٣٥ ٠
[ ١١ / ٤٣٦ ]
نسب ابن مالك وأبو حيّان وغيرهما للزمخشري (١)
_________________
(١) كان الزمخشري رأسًا في الاعتزال، مجاهرًا به، داعيًا إليه، قال ياقوتٌ في ترجمته: ١٩/١٢٦: «كان إمامًا في التفسير والنحو واللغة والأدب، واسع العلم كبير الفضل، متفننًا في علوم شتَّى، معتزلي المذهب متجاهرًا بذلك» وحكى ابنُ خلكان في وفيات الأعيان: ٥/١٧٠: عن الزمخشري أنه كان معتزليًا متظاهرًا به حتى نُقِلَ عنه أنه إذا قصد صاحبًا له وأستأذن عليه في الدخول يقول لمن يأخذ له الإذن قل له أبو القاسم المعتزلي بالباب، وذكر أنه أوّل ما صنف كتابه الكشاف جعل خطبته قوله: (الحمد لله الذي خلق القرآن) فقيل له:إنه متى تركته على هذه الهيئة هجره الناس، ولا يرغب فيه أحد فغيره بقوله: (الحمد لله الذي جعل القرآن) وجعل عندهم بمعنى خلق قال ابن خلكان: «ورأيت في كثير من النسخ: (الحمد لله الذي أنزل القرآن) وهذا إصلاح الناس لا إصلاح المصنِّف»، وهو ما جعل المفسرين يحتاطون من أقواله حتى إن ابن المنيِّر استخرج اعتزاليات من الكشاف بالمناقيش، وكان سببًا في انحراف ابن مالك وأبي حيان عنه، وكانا يصفانه بالنحوي الصغير، وكتابه المفصل بالمحتقر، مع أن أبا حيّان استلَّ جواهر الكشاف في البحر المحيط، وإنك لتجد الصحائف المتعددة في البحر المحيط مأخوذة بنصها من الكشاف، وكثيرًا ما يقع أبو حيّان في مزالق الزمخشري الاعتزالية، وأشرت فيما مضى إلى أن الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة -﵀- قد أحصى عليه مواضع قال فيها أبو حيّان بألفاظ الزمخشري الموحية بتأبيد النفي بلن متابعة للزمخشري وهو الذي يحذِّر منه، وكان ابن مالك يقول عن الزمخشري:إنه نحوي صغير، روي الصفدي في الوافي بالوفيات: ٣/٣٦٣، عن ابن مالك قوله عن الشيخ جمال الدين بن الحاجب: «إنه أخذ نحوه من صاحب المفصل، وصاحب المفصل نحوه صُغيِّرات ثم قال الصفدي، وناهيك بمن يقول هذا في حق الزمخشري» ونقل هذه العبارة عن الصفدي صاحب نفح الطيب: ٢/٢٢٥، والسيوطي بلفظ: «وصاحب المفصل نحويٌّ صغير» بغية الوعاة:١/١٣٤ ٠ ويقول السيوطي في الأشباه والنظائر: ٥/٢٧: «قال الشيخ تاج الدين بن مكتوم في تذكرته:أجاز الزمخشري وصف كم الخبرية، وجعل من ذلك قوله تعالى: (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثًا ورئيا (وقال: (أحسنُ أثاثًا (في موضع النصب صفة ل (كم) ذكر ذلك في الكشاف وقد نص الشَّلَوْبين في حواشي المفصل، وابن عصفور في شرح الجمل الكبير على أن كم الخبرية لا توصف، وقلت لشيخنا الأستاذ أبي حيان: قولهما معارِض الزمخشري فردّ ذلك عليّ وقال: أصحابنا يقولون:إن الزمخشري غير نحوي، ولا يلتفتون إليه، ولا إلى خلافه في النحو يعني المواضع التي خالف فيها، وانفرد بها، وكتابه المفصل عندهم محتقر لا يُشتغل به، ولا يُنظر إليه إلا على وجه النقص له والحط عليه، وأنشدني لبعض الأندلسيين: ما يقول الزمخشري عند عمرو بن قنبر والخليل بن أحمدٍ والفتى عبد الاكبر لم يزدنا زيادة غيرتبديل الاسطر وسوى اسمه الذي نصف مجموعه خري» ينظر رأي الزمحشري في هذه المسألة الكشاف::- ٢/٥٢١ -، وينظر رد أبي حيان في البحر ٧/٢٩٠ دون استنقاص لشخص الزمخشري كما ورد في تذكرة ابن مكتوم ٠
[ ١١ / ٤٣٧ ]
القول بتأبيد النفي بلن قال ابن مالك:
ومن رأى النفي بلن مؤبدا فقولَه اردد وخلافَه اعضدا
وشرح هذا البيت فقال: «ثم أشرت إلى ضعف قول من رأى تأبيد النفي بلن وهو الزمخشري في أنموذجه، وحامله على ذلك اعتقاده أن الله تعالى لا يرى، وهو اعتقاد باطل بصحة ذلك عن رسول الله ﷺ أعني ثبوت الرؤية جعلنا الله من أهلها، وأعاذنا من عدم الإيمان بها» (١)
وقال أيضًا: «وينصب المضارع بلن مستقبلًا بحدٍّ وغير حدٍّ خلافًا لمن خصَّها بالتأبيد» (٢)
وردَّ ابن الجوزي على من يرى تأبيد النفي ب (لن) دون أن يعين القائل قال: «قوله (لن تراني (تعلق بهذا نفاة الرؤية، وقالوا لن لنفي الأبد، وذلك غلط؛ لأنها قد وردت وليس المراد بها الأبد في قوله (ولن يتمنّوه أبدًا بما قدّمت أيديهم «٣) ثم أخبر عنهم بتمنيه في النار بقوله (يا مالك ليقض علينا ربّك «٤)؛ ولأن ابن عباس قال في تفسيرها: لن تراني في الدنيا» (٥)
ويقول القواس: «وأما لن فلنفي المستقبل، وقيل:إنها لتأبيد النفي، ويبطله قوله تعالى: (ولن يتمنوه أبدًا (لأنها لوكانت موضوعة للتأبيد لما احتيج إليه؛ ولأنها نزلت في حق اليهود، ونفي تمني الموت مختص بالدنيا؛ لأنهم يتمنونه في الآخرة بدليل قوله: (ليقض علينا ربك (» (٦)
ويقول أبو حيّان: «ونقل ابن مالك أن الزمخشري خص النفي بالتأبيد» (٧)
_________________
(١) لأبي حيان نفسه أبيات في البحر المحيط في سورة النمل:٨/٢٥٢ يحذر فيها من الزمخشري وكشافه مطلعها: ولكنه فيه مجال لناقد وزلاَّت سوء قد أخذن المخانقا فيثبت موضوع الأحاديث جاهلًا ويعزو إلى المعصوم ما ليس لائقا () شرح الكافية الشافية: ١٥٣١ ٠
(٢) تسهيل الفوائد: ٢٢٩ ٠
(٣) البقرة: ٩٥ ٠
(٤) الزخرف: ٧٧ ٠
(٥) زاد المسير: ٣/٢٥٦ ٠
(٦) شرح ألفية ابن معط:١/ ٣٣٩ ٠
(٧) الارتشاف: ٤/١٦٤٣ ٠
[ ١١ / ٤٣٨ ]
ويقول ابن هشام: «ولا تفيد لن توكيد النفي خلافًا للزمخشري في كشافه ولا تأبيده خلافًا له في أنموذجه وكلاهما دعوى بلا دليل» (١)، وقال أيضًا: «لن وهي لنفي سيفعل ولا تقتضي تأبيد النفي ولا تأكيده خلافًا للزمخشري» (٢)، وقال أيضًا: «ولن حرف يفيد النفي والاستقبال بالاتفاق، ولا تقتضي تأبيدًا خلافًا للزمخشري في أنموذجه، ولا تأكيدًا خلافًا له في كشافه» (٣)
ويقول المرادي: «ولا يلزم أن يكون نفيها مؤبدًا خلافًا للزمخشري» (٤)، وقال أيضًا: «فأما لن فحرف نفي ينصب المضارع، ويخلصه للاستقبال، ولا يلزم أن يكون مؤبدًا خلافًا للزمخشري ذكر ذلك في أنموذجه» (٥)
ويقول ابن عقيل في شرح هذه العبارة «وينصب المضارع بلن مستقبلًا بحد وبغير حد خلافًا لمن خصها بالتأبيد» قال: «وهو الزمخشري ذكر ذلك في الأنموذج» (٦)
وقال ابن الناظم: «وذكر الزمخشري في أنموذجه أن لن لنفي التأبيد» (٧)، هكذا بتقديم كلمة نفي على كلمة التأبيد، والمعنى ينعكس حينئذٍ تمامًا، ولعل المراد تأبيد النفي كما ذكر ذلك والده، ووردت هذه العبارة أيضًا بتقديم كلمة نفي على كلمة تأبيد عند ابن كثير في تفسير قوله تعالى (لن تراني (قال: «وقد أشكل حرف النفي ههنا على كثير من العلماء؛لأنها موضوعة لنفي التأبيد ٠٠٠ وقيل إنها لنفي التأبيد في الدنيا» (٨)، بتكرار عبارة (نفي التأبيد) مرتين، وهذا أمر مشكل لو بقي على وضعه، ولكن يقال لعله خطأ طباعيٌّ أو سبق لسان من المصنف، أو تحريف من الناسخ ٠
_________________
(١) مغني اللبيب: ٣٧٤ ٠
(٢) أوضح المسالك: ٤/١٣٦ ٠
(٣) شرح قطر الندى١١٢ ٠
(٤) الجنى الداني: ٢٧٠ ٠
(٥) توضيح المقاصد والمسالك:٤/١٧٣ ٠
(٦) المساعد: ٣/٦٦ ٠
(٧) شرح التسهيل: ٤/١٤ ٠
(٨) تفسير القرآن العظيم: ٢/٢٥٤ ٠
[ ١١ / ٤٣٩ ]
وكأن ابن كثير في استشكاله هذا يرى تأبيد النفي بلن؛ لأنه علل وجه الاستشكال بأن لن (موضوعة لنفي التأبيد) أي لتأبيد النفي، إذ لو كان على حسب عبارته (نفي التأبيد) لم يكن هناك إشكال، فأهل السنة -ومنهم ابن كثير - يرون أنها لا تفيد تأبيدًا ٠
وحاول الزركشي الجمع بين الأقوال المتعارضة في مسألة إفادتها التأبيد من عدمه، إذ يرى أن التأبيد لا يدلُّ على الدوام فقال: «وأما التأبيد فلا يدل على الدوام تقول: زيد يصوم أبدًا، ويصلي أبدًا، وبهذا يبطل تعلق المعتزلة بأن لن تدل على امتناع الرؤية، ولو نفى بلا لكان لهم فيه متعلق» (١)، وقال أيضًا: «وليس معناها النفي على التأبيد خلافًا لصاحب الأنموذج بل النفي مستمر في المستقبل إلا أن يطرأ ما يزيله» (٢)
من خلال النصوص السابقة يمكننا القول إن النحاة قد انقسموا في مسألة تأبيد النفي بلن إلى مذهبين:
أحدهما: وعليه ابن مالك وأبو حيان أن لن لا تقتضي تأبيد النفي إطلاقًا سواء أقيِّد منفيها بالأبد أم لم يقيد ٠
والثاني: أن لن تفيد تأبيد النفي بذاتها، ولكنهم خصُّوا الأبد في الدنيا فقط دون الآخرة، ومنهم ابن عطية، وابن يعيش، والزركشي وحفيد ابن هشام وغيرهم
المبحث الثالث: لن عند أصحاب المعاني:
_________________
(١) البرهان: ٤/٣٨٨ ٠
(٢) المرجع السابق: ٤/٣٨٧ ٠
[ ١١ / ٤٤٠ ]
ذهبت طائفة من أصحاب المعاني إلى أن (لن) تنفي الزمن القريب فقط، ولا يمتدُّ زمن منفيها؛ وعللوا ذلك بأن لها نصيبًا من حروفها؛ إذ الحرف الأخير فيها نون؛ وهو مقطع أي: حرف صامت فكان لها نصيب منه، أما أختها في النفي (لا) فهي تنفي الزمن القريب والبعيد على السواء؛ وذلك لأن الحرف الأخير منها ألف؛ وهو حرف صائت يمتد به النفس عند النطق، فكان لها منه نصيب أيضًا قال السهيلي عن لن: «ومن خواصها أنها تنفي ما قرب لا يمتدّ معنى النفي فيها كامتداد معنى النفي في حرف (لا) إذا قلت:لا يقوم زيد أبدًا ٠٠٠ فحرف (لا) لام بعدها ألف يمتد بها الصوت ما لم يقطعه تضييق النفس، فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها، ولن بعكس ذلك فتأمّله فإنه معنى لطيف، وغرض شريف» (١)، وقال الإمام ابن قيِّم الجوزية: «قلت لشيخنا أبي العباس ابن تيمية قدّس الله روحه: قال ابن جني مكثت برهة إذا ورد عليّ لفظ آخذ معناه من نفس حرفه وصفاته وجرسه وكيفية تركيبه، ثم أكتشفه كما ظننته أو قريبًا منه فقال ﵀: وهذا كثيرًا ما يقع لي، وتأمل حرف (لا) كيف تجدها لامًا بعدها ألف يمتدّ بها الصوت مالم يقطعه ضيق النفس فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها، و(لن) بعكس ذلك فتأمله فإنه معنى بديع» (٢) ٠، وإلى هذا المعنى ذهب عبد الواحد الزَّمْلَكاني (٣)
_________________
(١) نتائج الفكر: ١٣٠ ٠
(٢) بدائع الفوائد: ١/٩٥ ٠
(٣) ينظر البحر المحيط: ١/١٧٤، والمساعد: ٣/٦٧، وهمع الهوامع: ٤/٩٥، والأشباه والنظائر: ٥/١٩ ٠ وعبد الواحد الزَّمْلَكاني هو: أبو المكارم عبد الواحد بن عبد الكريم بن خلف كمال الدين بن خطيب زَمْلَكى كان عالمًا متميِّزًا في علوم عدة، ولي القضاء بصرخد، ودرّس ببعلبك، له معرفة تامة بالمعاني والبيان توفي بدمشق سنة إحدى وخمسين وستمائة ٠ تنظر ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي:٨/ ٣١٦، وبغية الوعاة: ٢/١١٩ ٠
[ ١١ / ٤٤١ ]
في كتابه التبيان في علم البيان (١)، والزركشي (٢)
وذهبت طائفة عريضة من النحاة إلى أن (لن) و(لا) أختان في نفي المستقبل القريب والبعيد على حد سواء، ولا فرق بينهما في امتداد زمن النفي، وليس لأحدهما فضل على الآخر في ذلك، وأن ما ذكره السهيلي ومن تابعه من التفريق بينهما في زمن النفي، وأن لكل واحد من الحرفين نصيب من حروفه ما هو إلا من خيالات البيانيين قال ابن عصفور: «وهذا الذي ذهب إليه باطل، بل كل منهما يستعمل حيث يمتد النفي، وحيث لا يمتد، فمن الأول في لن (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا «٣) (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا «٤)، وفي لا: (إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى «٥)، ومن الثاني: (فلن أكلم اليوم إنسيًا «٦) وفي لا: (أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام (» (٧) (٨)
وقال أبو حيان: «ودعوى بعض أهل البيان أن لن لنفي ما قرب، ولا يمتد نفي الفعل فيها كما يمتد في النطق بلا من باب الخيالات التي لأهل البيان» (٩)
كما ذهب البيانيون أيضًا إلى أن العرب تنفي المظنون ب (لن) وتنفي المشكوك ب (لا)، قال ذلك ابن الزملكاني (١٠)، ولكي نقف على الفرق الدقيق بين الشك والظن لا بدّ من التعريف بهما وتلمس الفوارق الدقيقة بينهما
_________________
(١) التبيان في علم البيان:٨٤ ٠ وقال السيوطي عن التبيان: «وحين وصل كتاب التبيان هذا إلى المغرب نقضه ابن رُشيْد من المقيمين بتونس نقضًا في كل قواعده، ونقضه أيضًا الكاتب أبو المطرّف بن عميرة وكان من البلاغة والتحقيق بالعلوم اللسانية والعقلية بحيث لا يدانية أحد من أهل عصره» الأشباه والنظائر: ٥/٢١ ٠
(٢) ينظر البرهان: ٤/٣٨٧ ٠
(٣) الجاثية:١٩ ٠
(٤) البقرة: ٢٤ ٠
(٥) طه: ١١٨ ٠
(٦) مريم: ٢٦ ٠
(٧) آل عمران: ٤١ ٠
(٨) الأشباه والنظائر: ٥/٢٠، وينظر البحر المحيط: ١/١٧٤، المساعد لابن عقيل: ٣/٦٦ ٠
(٩) ارتشاف الضرب: ٤/١٦٤٤ ٠
(١٠) ينظر رأيه في الإتقان: ٢/٢٣٥ ٠
[ ١١ / ٤٤٢ ]
فالشك هو: اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما؛ وذلك قد يكون لوجود أمارتين متساويتن عنده في النقيضين، أو لعدم الأمارة فيهما، والشك ضرب من الجهل وأخص منه؛ لأن الجهل قد يكون عدم العلم بالنقيضين رأسًا فكل شكٍّ جهل ولا عكس، وإن كان طرف الوقوع وعدمه على السوية فهو الشك ٠
وإن كان أحد الطرفين راجحًا والآخر مرجوحًا، فالمرجوح وَهَمًا، والراجح إن قارن إمكان الوقوع سمي ظنًا، وإن لم يطابق سمي جهلًا مركبًا ٠
والظن: هو: الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، ويستعمل في اليقين والشك ٠
وقيل الظن: أحد طرفي الشك بصفة الرجحان ٠ (١)
_________________
(١) كليات أبي البقاء: ٣/٦٢، وينظرالفروق لأبي هلال العسكري: ٧٩، ومفردات الراغب: (شكك) ٢٦٥، والمصباح المنير: (شكك) ١٢٢،والتعريفات للجرجاني: ١٢٨ والتوقيف على مهمات التعاريف: ٤٣٦،وكشاف اصطلاحات الفنون: ٢/٥٣٠ المصادر والمراجع *- الإتقان في علوم القرآن جلال الدين السيوطي / تح محمد أبو الفضل إبراهيم /المكتبة العصرية بيروت ١٤٠٧هـ ٠ *-ارتشاف الضرب من لسان العرب لأثير الدين أبي حيان /تح رجب عثمان محمد/ الخانجي / القاهرة ١٤١٨هـ ٠ *-إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب لياقوت الحموي /نسخة مصورة عن طبعة دار المأمون ٠ *- إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود الحنفي / تح عبد القادر عطا / مكتبة الرياض لا ط ٠ *- الأزهية في علم الحروف لعلي بن محمد الهروي / تح عبد المعين الملوحي/ مجمع اللغة بدمشق: ١٤٠١ هـ ٠ *- إسفار الفصيح لأبي سهل محمد الهروي/ تح د أحمد قشاش / المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة ١٤٢٠هـ٠ *- أسماء المغتالين لمحمد بن حبيب -ضمن نوادر المخطوطات - تح عبد السلام هارون / مصطفى الحلبي١٣٩٣هـ٠ *-الأشباه والنظائر للسيوطي / تح د٠ عبد العال سالم مكرم / مؤسسة الرسالة بيروت:١٤٠٦هـ *-الأشموني = منهج السالك إلى ألفية ابن مالك ٠ *-الأصول في النحو لابن السراج / تح عبد الحسين الفتلي / مؤسسة الرسالة / بيروت: ١٤٠٥ هـ *-إعراب القراءات الشواذ لأبي البقاء العكبري / تح محمد عزوز/ عالم الكتب بيروت: ١٩٩٦م *-إعراب القرآن للنحاس / تح زهير غازي زاهد / عالم الكتب / بيروت: ١٤٠٥هـ٠ *- الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني / تح عبد الستار فراج / الدار التونسية للنشر ط:١٩٨٣م٠ *-الأمالي الشجرية لأبي السعادات بن الشجري / تح د محمود الطناحي/مكتبة الخانجي القاهرة: ١٤١٣ هـ٠ *-أمالي المرتضي (غرر الفوائد ودرر القلائد) / تح محمد أبو الفضل إبراهيم /دار الفكر العربي ٠ *-إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي / تح محمد أبو الفضل إبراهيم/مؤسسة الكتب الثقافية بيروت: ١٤٠٦هـ ٠ *- الإنصاف في مسائل الخلاف لأبي البركات بن الأنباري / تح محمد محيي الدين عبد الحميد / دار الفكر بيروت ٠ *- الأنموذج في النحو للزمخشري / اعتنى به سامي بن حمد المنصور / لاط / لات٠ *-أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام / تح محمد محيي الدين عبد الحميد / المكتبة العصرية بيروت ٠ *- الإيضاح في شرح المفصل لابن الحاجب / تح موسى العليلي / مطبعة العاني بغداد ٠ *- البحر المحيط لأثير الدين أبي حيان / المكتبة التجارية مكة المكرمة ١٤١٢هـ ٠ *- بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية / مكتبة ابن تيمية بالقاهرة ٠ *- البرهان في علوم القرآن للزركشي / تح محمد أبو الفضل إبراهيم / دار المعرفة بيروت ٠ *- بغية الوعاة للسيوطي / تح محمد أبو الفضل إبراهيم / المكتبة العصرية بيروت ٠ *- تاج العروس للزبيدي/تح علي شيري دار الفكر بيروت١٤١٤هـ٠ *- التبيان في إعراب القرآن لأبي البقاء العكبري / تح علي البجاوي / عيسى الحلبي ١٩٧٦م٠ *- التبيان في علم البيان لعبد الواحد الزملكاني / تح د٠ أحمد مطلوب ود٠ خدبجة الحديثي / مطبعة العاني ١٣٨٣هـ ٠ *-التخميرشرح المفصل في صنعة الإعراب لصدر الأفاضل الخوارزمي / تح د عبد الرحمن العثيمين:دار الغرب بيروت: ١٩٩٠م ٠ *-ترشيح العلل في شرح الجمل لصدرالأفاضل الجوارزمي/تح عادل محسن العميري/جامعة أم القرى:١٤١٩هـ٠ *- تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد لابن مالك / تح محمد كامل بركات / دار الكتاب العربي ١٣٨٧هـ ٠ *- التصريح بمضمون التوضيح للشيخ خالد الأزهري/تح د: عبد الفتاح بحيري/مؤسسة الزهراء ١٤١٣ هـ٠ *- تعليق الفرائد وتسهيل الفوائد لبدر الدين الدماميني / تح د ٠ محمد المفدى / مطابع الفرزدق بالرياض ١٤٠٣هـ ٠ *- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل القرآن ٠ *- تفسير القرآن العظيم لابن كثير / دار المعرفة بيروت لبنان ٠ *- تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن ٠ *-تنزيه القرآن عن المطاعن للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني /دار النهضة الحديثة *-تهذيب اللغة للأزهري/تح محمد علي النجار وزملائه/المؤسسة العامة للتأليف والنشر القاهرة: ١٩٦٤م ٠ *-توضيح المقاصد والمسالك للمرادي/تح د٠ عبد الرحمن سليمان /مكتبة الكليات الأزهرية الطبعة الثانية. *- جامع البيان للطبري / دار الفكر بيروت: ١٤٠٥هـ٠ *- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي /دار الكتب العلمية بيروت:١٤٠٩ هـ٠ *-جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي / تح علي البجاوي / دار نهضة مصر ط الأولى ٠ *- جمهرة اللغة لابن دريد /تح رمزي البعلبكي/ دار العلم للملايين:١٩٨٧ م ٠ *- الجنى الداني في حروف المعاني للمرادي / تح د٠ فخر الدين قباوة، ومحمد نديم فاضل / دار الآفاق بيروت: ١٤٠٣هـ ٠ *- جواهر الأدب في معرفة كلام العرب لعلاء الدين الأربلي / تح د أميل بديع يعقوب / دار النفائس بيروت:١٤١٢هـ ٠ *- حاشية الخضري على شرح ابن عقيل لمحمد الخضري / دار إحياء الكتب العلمية بالقاهرة ٠ *- حاشية الصبان على الأشموني لمحمد على الصبان / عيسى البابى الحلبي ٠ *-حاشية يس العليمي على شرح الفاكهي لقطر الندي/ مصطفى الحلبي ١٣٩٠ هـ٠ *- الحيوان للجاحظ / تح عبد السلام هارون / مصطفي البابي الحلبي ١٣٥٦هـ٠ *- خزانة الأدب لبعد القادر البغدادي / تح عبد السلام هارون / الهيئة المصرية العامة للكتاب: ١٩٧٩م ٠ *- الخصائص لأبي الفتح بن جني / تح محمد على النجار / دار الكتب المصرية: ١٣٧١هـ ٠ *-دراسات لأسلوب القرآن محمد عبد الخالق عضيمة / مطبعة السعادة:١٣٩٢هـ٠ *-درة التنزيل وغرة التأويل لمحمد بن عبد الله المعروف بالخطيب الإسكافي/دار الكتن العلمية٠ *-الدر المصون في علوم الكتاب المكنون للسمين الحلبي / تح د٠ أحمد الخراط / دار القلم دمشق: ١٤٠٦هـ ٠ *- ديوان أبي طالب / جمعه د محمد التونجي / دار الكتاب العربي:١٤١٤هـ ٠ *-ديوان الأعشى الكبير /شرح وتعليق د محمد محمد حسين / مؤسسة الارسالة: ١٤٠٣هـ ٠ *-ديوان الأعشى الكبير/تح محمد أحمد قاسم /المكتب الإسلامي - بيروت:١٤١٥ هـ٠ *- ديوان امرئ القيس / تح حقيق محمد أبو الفضل إبراهيم / دار المعارف:١٩٦٤م٠ *- ديوان حسان بن ثابت / رواية الأثرم، ومحمد بن حبيب / تح د٠ سيد حنفي حسنين / الهيئة المصرية العامة للكتاب:١٩٧٤م ٠ *- ديوان الحطيئة / برواية وشرح ابن السكيت / تح د٠ نعمان محمد أمين طه / مكتبة الخانجي بالقاهرة: ١٤٠٧هـ ٠ *- ديوان كثير عزة جمع الدكتور إحسان عباس / دار الثقافة بيروت:١٩٧١م ٠ *-ديوان الكميت بن معروف الأسدي/ضمن شعراء مقلون / صنعة د حاتم الضامن / عالم الكتب:١٤٠٧ هـ٠ *- ديوان لبيد بن ربيعة العامري / تح إحسان عباس /إصدار وزارة الإعلام بالكويت:١٩٨٤م *- ديوان المتنبي شرح أبي البقاء العكبري / تح مصطفى السقا وزملائه /مطبعة مصطفى الحلبي: ١٣٩١هـ ٠ *- ديوان النابغة الذبياني شرح الأعلم / تح محمد أبو الفضل إبراهيم / دار المعارف بالقاهرة:١٩٧٧م ٠ *- ديوان النمر بن تولب / ضمن شعراء إسلاميون / صنعة نوري القيسى/ عالم الكتب بيروت:١٤٠٥ هـ ٠ *- رصف المباني في شرح حروف المعاني لآحمد بن عبد النور المالقي / تح أحمد الخراط / دار القلم بيروت: ١٤٠٥هـ ٠ *- زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي / المكتب الإسلامي الطبعة الرابعة: ١٤٠٧ هـ ٠ *- سر صناعة الإعراب لأبي الفتح بن جني / تح د٠ حسن هنداوي/دار القلم دمشق: ١٤٠٥هـ ٠ *- سفر السعادة وسفير الإفادة علم الدين السخاوي / تح د محمد الدالي/ مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق: ١٤٠٣هـ ٠ *-سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر للمرادي/ دار البشائر:١٤٠٨ هـ ٠ *-السنن الكبرى للبيهقي / نسخة مصورة عن الطبعة الأولى ١٣٤٤هـ حيدر أباد الهند ٠ *-شرح ابن عقيل / تح حقيق محمد محيي الدين عبد الحميد / الطبعة الخامسة عشرة ١٣٨٦هـ ٠ *- شرح ابن الناظم / تح عبد الحميد السيد/دار الجيل بيروت ٠ *- شرح أبيات مغني اللبيب لعبد القادر البغدادي / تح عبد العزيز رباح وأحمد الدقاق / دار المأمون دمشق ١٣٩٣هـ ٠ *- شرح أشعار الهذلييين لأبي سعيد السكري / تح عبد الستار فراج / مكتبة العروبة بالقاهرة ٠ *- شرح ألفية ابن معط لعبد العزيز القواس / تح د٠ علي الشوملي / مكتبة الخانجي بالقاهرة ١٤٠٥هـ ٠ *- شرح الأنموذج في النحو / للأربلي / تح د شاذلي فرهود /دار العلوم بالرياض ١٤١١هـ *-شرح الأنموذج في النحو للموستاري=الفوائد العبدية ٠ *- شرح التسهيل لابن مالك / تح د٠عبد الرحمن السيد، ود ٠ محمد بدوي مختون / هجر بالقاهرة ١٤١٠هـ ٠ *- شرح جمل الزجاجي لابن عصفور / تح د٠ صاحب أبو جناح / وزارة الأوقاف العراقية ١٩٨٠م ٠ *- شرح شذور الذهب لابن هشام / تح محمد محيي الدين عبد الحميد / توزيع دار الأنصار القاهرة ١٣٩٨ ٠ *-شرح شواهد المغني للسيوطي/ دار مكتبة الحياة بيروت ١٣٨٦هـ٠ *- شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ لابن مالك / تح عدنان الدوري / مطبعة العاني بغداد ١٣٩٧هـ ٠ *-شرح فصيح ثعلب للجبّان الأصبهاني / تح عبد الجبار حعفر القزاز / المكتبة العلمية لاهور باكستان ٠ *- شرح القصائد العشر للخطيب التبريزي / تح د ٠ فخر الدين قباوة / دار الآفاق الجديدة بيروت ١٤٠٠هـ ٠ *-شرح قطر الندى لابن هشام / تح محمد محيي الدين عبد الحميد / المكتبة العصرية ١٤١٤هـ *- شرح الكافية لرضي الدين الأستراباذي / تح د يوسف حسن عمر منشورات جامعة قار يونس ليبيا ١٣٩٨ ٠ *- شرح الكافية الشافية لابن مالك / تح د٠ عبد المنعم هريدي / جامعة أم القري مكة المكرمة ١٤٠٢هـ ٠ *- شرح كتاب سيبويه لأبي سعيد السيرافي الجزء الأول والثاني/تح د٠ رمضان عبد التواب/الهيئة المصرية العامة للكتاب ٦٨٩١/ ١٩٩٠م ٠ *- شرح اللمجة البدرية لابن هشام الأنصاري / تح د صلاح راوي/ دار مرجان القاهرة ١٩٨٤ *- شرح المقدمة الجزولية / للشلوبين / د تركي بن سهو العتيبي / مكتبة الرشد بالرياض ١٤١٣هـ *- شرح المفصل في صنعة الإعراب الموسوم بالتخمير لصدر الأفاضل / تح د٠ عبد الرحمن العثيمين / دار الغرب الإسلامي ١٩٩٠م ٠ *- شرح المفصل لابن يعيش / المطبعة المنيرية بالقاهرة ١٩٢٨م *- الشعر والشعراء لابن قتيبة / تح أحمد شاكر / دار المعارف بالقاهرة *-شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح لابن مالك / تحقيق فؤاد عبد الباقي /طار الكتب العلمية بيروت *- الصاحبي لأحمد بن فارس / تح أحمد صقر/ عيسى البابي الحلبي ١٩٧٧م ٠ *- الصبح المنبي عن حيثية المتنبي للبديعي / تح مصطفى السقا وزملائه / دار المعارف ١٩٧٧م *- الصحاح للجوهري / تح أحمد عبد الغفور عطار / نسخة مصورة عن الطبعة الأولى ٠ *- صحيح البخاري ت د٠ مصطفى ديب البغا / دار ابن كثير الطبعة الرابعة ١٤١٠هـ ٠ *- صحيح مسلم / فؤاد عبد الباقي / المكتبة الإسلامية استانبول ٠ *- الصفوة الصفية في شرح الدرة الألفية للنيلي / تح د محسن سالم العميري / جامعة أم القرى ١٤٢٠هـ *- ضرائر الشعر لابن عصفور / تح السيد إبراهيم محمد / دار الأندلس ١٤٠٢هـ٠ *- طبقات الشافعية الكبرى للسبكي / تح عبد الفتاح الحلو، ومحمود الطناحي / دار إحياء الكتب العربية ٠ *- العقد الفريد لابن عبد ربه / تح أحمد أمين وزملائه / لجنة التأليف والنشر ١٣٨٤هـ ٠ *- علل النحو لأبي الحسن الوراق / تح د محمود الدرويش / مكتبة الرشد ١٤٢٠هـ *-عمدة القاري شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني / مصطفى البابي الحلبي ط الأولى: ١٣٩٢ هـ *- العين للخليل بن أحمد / تح مهدي الخزومي، وإبراهيم السامرائي/ مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت ١٤٠٨هـ ٠ *- عيون الأخبار لابن قتيبة/ نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب ٠ *- الغرة المخفية لابن الخباز / تح حامد محمد العبدلي / دار الأنبار بغداد ٠ *- فتح الباري لابن حجر العسقلاني / المكتبة السلفية الطبعة الثالثة ١٤٠٧هـ ٠ *- الفرائد الجديدة للسيوطي / تح عبد الكريم المدرس / وزارة الأوقاف العراقية *- الفريد في إعراب القرآن المجيد للمنتجب الهمذاني / تح د٠ محمد النمر، وفؤاد مخيمر / دار الثقافة الدوحة ١٤١١هـ ٠ *- الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري / تح حسام الدين القدسي / دار الكتب العلمية بيروت *- الفوائد العبدية للموستاري/شرح الأنموذج في النحو / نسخة خطية برقم ١٠٠/٤١٥ مكتبة عارف حكمت *- القواعد والفوائد في الإعراب لركن الدين الخاروني الشوكاني /تح د عبد الله حمد الخثران / دار المعرفة الأسكندرية ١٤١٣ *- قضية لن بين الزمخشري والنحويين / للدكتور أحمد عبد اللاه هاشم / دار التوقيفية ١٣٩٩ *-الكامل لأبي العباس المبرد / تح محمد الدالي/مؤسسة الرسالة ١٤٠٦هـ ٠ *- الكتاب لسيبوية / تح عبد السلام هارون / الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٧٧م ٠ *-الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل / لجار الله الزمخشري/مصطفى البابي الحلبي القاهرة ١٣٩٢ هـ٠ *-كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون / لحاجي خليفة / مكتبة المثنى بغداد ٠ *- اللباب في علل البناء والإعراب/لأبي البقاء العكبري/تح غازي طليمات وعبد الإله نبهان/مطبوعات جمعة الماجد بدبي / الطبعة الأولى:١٤١٦هـ٠ *-لسان العرب لابن منظور / دار الفكر بيروت ١٤١٠هـ ٠ *-ما ينصرف وما لاينصرف لأبي إسحاق الزجاج / تح هدى قراعة / لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة ١٣٩١هـ ٠ *- مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى / تح محمد فؤاد سزكين / مكتبة الخانجي ١٩٨٨م ٠ *- مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي / ضبط إبراهيم شمس الدين / دار الكتب العلمية بيروت ١٤١٨هـ٠ *- مجيب الندى إلى شرح قطر الندى لأحمد الفاكهي / مصطفى الحلبى ١٣٩٠ هـ ٠ *- المحتسب لابن جني / تح علي النجدي ناصف وزملائه / لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة ١٣٨٦هـ ٠ *- المحرر الوجيز لابن عطية / تح المجلس العلمي بفاس / وزارة الأوقاف المغربية ١٣٩٥هـ ٠ *- المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده / تح د عبد الحميد هنداوي / دار الكتب العلمية ١٤٢١هـ *-المخصص لابن سيده / دار الفكر بيروت٠ *- المزهر للسيوطي / تح محمد أحمد جاد المولى وزملائه / دار التراث بالقاهرة الطبعة الثالثة ٠ *- المسائل الحلبيات لأبي علي الفارسي / تح د٠ حسن هنداوي / دار القلم دمشق ١٤٠٧هـ٠ *- المساعد على تسهيل الفوائد لابن عقيل/تح د٠ محمد كامل بركات/جامعة أم القرى ١٤٠٠هـ *- المستقصى في أمثال العرب للزمخشري / دار الكتب العلمية بيروت ١٣٩٧هـ ٠ *-مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب / تح د حاتم الضامن /مؤسسة الرسالة ١٤٠٧هـ٠ *- مصابيح المغاني في حروف المعاني للموزعي/ تح د عايض العمري /دار المنار ١٤١٤هـ٠ *- المصباح المنير للفيومي / مكتبة لبنان ١٩٨٧ م ٠ *- معاني الحروف للرماني / تح د٠ عبد الفتاح شلبي / دار الشروق جدة ١٤٠٤هـ ٠ *-معاني القرآن للأخفش / تح د٠ فائز فارس / دار البشير ١٤٠١هـ٠ *- معاني القرآن وإعرابه للزجاج / تح د٠ عبد الجليل عبده شلبي /عالم الكتب ١٤٠٨هـ ٠ *- معاني القرآن للفراء / عالم الكتب بيروت ٠ *- معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب ٠ *- معجم شواهد العربية لعبد السلام هارون / مكتبة الخانجي ١٣٩٢هـ٠ *-معجم شواهد النحو الشعرية للدكتور حنا حداد / دار العلوم ١٤٠٤هـ ٠ *- معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة / مكتبة المثنى بيروت ٠ *- مغني اللبيب لابن هشام ت مازن المبارك ورفاقه / دار الفكر ١٩٧٩م٠ *-المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني / تح محمد سيد كيلاني/مصطفى الحلبي٠ *-المفصل للزمخشري / دار الجيل الطبعة الثانية ٠ *- مفتاح العلوم للسكاكي / تح نعيم زرزور / دار الكتب العلمية بيروت ١٤٠٣هـ ٠ *- المقتبس في شرح المفصل للأسفندري / نسخة خطية برقم ١٩٤٨ و١٩٤٨مكتبة جار الله تركيا *- المقتصد في شرح الإيضاح للجرجاني / تح كاظم المرجان / وزارة الثقافة العراقية ١٩٨٢م *- المقتضب لأبي العباس المبرد / تح محمد عبد الخالق عضيمة / وزارة الأوقاف المصرية ١٣٩٩هـ *- المقرب لابن عصفور / تح أحمد الجبوري وعبد الله الجبوري/ مطبعة العاني بغداد ١٣٩١هـ *-المقصور والممدودلأبي عليّ القالي/تح د أحمد عبد هريدي/مكتبة الخانجي ١٤١٩هـ *- منتهى الطلب من أشعار العرب لابن ميمون / تح د محمد نبيل طريفي /دار صادر ١٩٩٩ *- المنقوص والممدود للفراء / تح عبد العزيز الميمني / دار المعارف ١٩٧٧ ٠ *- منهج السالك لأبي حيّان / رسالة دكتوراه في الولايات المتحدة نسخة مصورة ٠ *- منهج السالك إلى ألفية ابن مالك لعلي بن محمد الأشموني / عيسى البابي الحلبى ٠ *- نتائج الفكر للسهيلي / تح د محمد البنا / دار الرياض ١٤٠٤هـ ٠ *- نفح الطيب لأحمد المقرئ التلمساني / تح د٠ إحسان عباس / دار صادر ٠ *- النكت في تفسير كتاب سيبويه / للأعلم الشنتمري / تح زهير عبد المحسن سلطان / معهد المخطوطات بالكويت ١٤٠٧هـ ٠ *- النوادر لأبي زيد الأنصاري/تح د٠ محمد عبد القادر أحمد/دار الشروق ١٤٠١هـ *- نوادر المخطوطات / جمعها عبد السلام هارون / مصطفى الحلبي /١٣٩٣ ٠ *- همع الهوامع للسيوطي / تح عبد العال سالم / دار البحوث العلمية ١٣٩٤هـ ٠ *- الوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي / المعهد الألماني للأبحاث ١٤١١هـ ٠ *- وفيات الأعيان لابن خلكان / تح د٠ إحسان عباس / دار صادر ١٩٧٢م ٠ *-هدية العارفين وأسماء المؤلفين وآثار المصنفين لإسماعيل البغدادي / مكتبة المثنى بغداد
[ ١١ / ٤٤٣ ]
ومن المعلوم عند البيانيين أن أضرب الخبر ثلاثة: ابتدائي، وطلبي، وإنكاري، وأن النفي أسلوب خبري ٠
وبعد الوقوف على هذه الفوارق بين الظن والشك، أستطيع القول إن ابن الزملكاني -وهو المهتم بعلم البيان - أراد تطبيق هذه القواعد على (لن ولا) فلحظ ما في لن من تأكيد النفي المناسب إلقاؤه على المتردد في تلقيه؛ إذ هي أشدُّ في النفي من لا وأوقع في نفس السامع فناسب جعلها للمظنون؛ لأن السامع كان يترجح في اعتقاده ثبات ما نفته لن؛ فجاءت لتؤكد نفي ما كان معتقِدًا ثباته ٠
وأما «لا» فليس فيها شيء من التأكيد فناسب جعلها للشك الذي هو اعتدال النقيضين في نفس السامع وتساويهما عنده ٠
الحواشي والتعليقات
[ ١١ / ٤٤٤ ]