دراسة فقهية مقارنة
د. عمر بن محمد السبيل (﵀) *
الأستاذ المساعد بقسم الشريعة- كلية الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة أم القرى
ملخص البحث
هذا البحث استكمال لبحث سابق أوضحت فيه حكم الطهارة لمس القرآن الكريم، وفي هذا البحث أوضحت بقية الأحكام المتعلقة بالمس، ببيان ما يصدق عليه اسم المصحف فيحرم مسُّه على غير طهارة، وما لا يدخل في مسمى المصحف فيجوز مسُّه، ثم أوضح البحث أن المس المحرم للمصحف على المحدث إنما هو المس المباشر من غير حائل سواء كان باليد أو بغيرها من أعضاء الجسم، ثم يبين البحث حكم مس ما كتب فيه قرآن من كتب العلم، وغيرها كالدراهم ونحوها، وحكم مس ما نسخت تلاوته من آيات القرآن ونحوها كالأحاديث القدسية، وحكم مس الكتب السماوية الأخرى غير القرآن، وحكم مس الأشرطة التي سجل فيها قرآن، ثم بيان حكم كتابة القرآن بغير اللغة العربية، وحكم كتابته للمحدث والكافر، ثم بيان جواز مس القرآن الكريم على المحدث عند الضرورة، وانتهى البحث ببيان أهم النتائج المستخلصة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
_________________
(١) (*) توفي –﵀ – يوم الجمعة غرة شهر الله الحرام من عام ١٤٢٣هـ، وصلى عليه في المسجد الحرام بعد صلاة العصر من يوم السبت، وقد تبع جنازته خلق من طلاب العلم ومحبي الشيخ –﵀ – وقد كان معروفًا بالتواضع، ولين الجانب، وحسن الخلق، وأمّ المصلين في المسجد الحرام لسنواتٍ. المقدمة: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد سبق وأن كتبت بحثًا بعنوان (حكم الطهارة لمس القرآن الكريم) وقد توصلت من خلاله إلى أن الراجح من قولي العلماء تحريم مس المصحف على البالغ (١)
(٢) لحواشي والتعليقات () أما الصغير فقد توصلت من خلال ذلك البحث إلى أن الراجح من أقوال أهل العلم جواز مسه للمصحف لضرورة التعلم فقط وهو مذهب الأئمة الأربعة إلا الحنابلة في الصحيح من مذهبهم فإنهم يرون جواز مسه للوح المكتوب فيه شيء من القرآن فقط.
[ ١٢ / ٤٧٦ ]
المحدث حدثًا أصغر إذ هو المنقول عن الصحابة وجل التابعين، وبه قال جمهور الأئمة المجتهدين، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وهو الذي عليه العمل والفتوى في مختلف العصور والأمصار، كما قال ابن عبد البر: (أجمع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى وعلى أصحابهم بأن المصحف لا يمسه إلا طاهر) (١)، ثم رأيت إتمامًا للفائدة بحث بقية ما يتعلق بمس القرآن الكريم من أحكام ومسائل، لأنني لم أقف على مؤلَّفٍ مستقل في ذلك، فتم إعداد هذا البحث بعنوان (من أحكام مس القرآن الكريم دراسة فقهية مقارنة) وقد انتظم في مقدمة وثمانية مطالب وخاتمة.
وقد سلكت فيه المسلك العلمي المتبع في بحث المسائل الشرعية بحثًا فقهيًا مقارنًا، بذكر آراء العلماء في كل مسألة من مسائله وأدلتها، مع بيان الراجح من تلك الآراء، مبينًا وجه الترجيح.
فأسأل الله ﷿ أن يكون هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وزلفى لديه إلى جنات النعيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
المطلب الأول: في بيان ما يشمله اسم المصحف
أولًا: نص فقهاء المذاهب الأربعة على أن اسم المصحف يشمل المكتوب منه، وما بين سطوره، وحواشيه، وغلافه المتصل به؛ لأنه يتبعه في البيع. وعلى هذا فقد صرحوا: بأنه لا يجوز للمحدث أن يمس شيئًا من ذلك كله في الصحيح من مذاهبهم، وأن حكم البعض من المصحف، والجزء منه كحكمه كله في تحريم مس شيء منه على البالغ (٢) ودونك أقوالهم المصرحة بذلك:
_________________
(١) الاستذكار، ٨/١٠.
(٢) وكذا الصغير على القول بأن حكمه حكم الكبير في تحريم مس المصحف عليه، أما على القول بجواز مسه للمصحف لحاجة التعليم، فالحكم ظاهر.
[ ١٢ / ٤٧٧ ]
قال في الهداية شرح البداية: (وكذا المحدث لا يمس المصحف إلا بغلافه وغلافه ما يكون متجافيًا عنه، دون ما هو متصل به كالجلد المشرز هو الصحيح) (١) .
وقال في البحر الرائق: (لا يجوز مس المصحف كله المكتوب وغيره) (٢) .
وقال في الذخيرة: (ومس المصحف، أو جلده، أو حواشيه، أو بقضيب، لأن ذلك بمنزلة اللمس عرفًا للاتصال) (٣) .
وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (عن ابن حبيب سواء كان مصحفًا جامعًا أو جزءً، أو ورقة فيها بعض سورة، أو لوحًا، أو كتفًا مكتوبة اهـ ولجلد المصحف قبل انفصاله منه حكمه، وأحرى طرف المكتوب، وما بين الأسطر) (٤) .
وقال في المجموع: (وسواء مس نفس الأسطر، أو ما بينها، أو الحواشي، أو الجلد، فكل ذلك حرام، وفي مس الجلد وجه ضعيف: أنه يجوز، وحكى الدارمي وجهًا شاذًا بعيدًا: أنه لا يحرم مس الجلد ولا الحواشي، ولا ما بين الأسطر، ولا يحرم إلا نفس المكتوب. والصحيح الذي قطع به الجمهور تحريم الجميع) (٥) .
وقال في معونة أولي النهى: (ويحرم بالحدث أيضًا مس مصحف أو بعضه والحكم شامل لما يسمى مصحفًا من الكتاب، والجلد، والحواشي، والورق الأبيض، فلهذا قلت: (حتى جلده وحواشيه، بدليل: البيع) (٦) .
_________________
(١) ١/٣١ وقال ابن عابدين في حاشيته، ١/٣١٥: (فالمراد بالغلاف ما كان منفصلًا كالخريطة، وهي الكيس ونحوها؛ لأن المتصل بالمصحف منه حتى يدخل في بيعه بلا ذكر) .
(٢) ١/٢١١ وانظر أيضًا: بدائع الصنائع، ١/٣٣-٣٤؛ فتح القدير، ١/١٦٩.
(٣) ١/٢٣٧.
(٤) ١/١٢٥ وكذا نحوه في حاشية الصاوي على الشرح الصغير، ١/٢٢٢.
(٥) ١/٧٤، وانظر: المهذب، ١/٣٢، روضة الطالبين، ١/١٩٠، مغني المحتاج، ١/٣٧.
(٦) ١/٣٧٤-٣٧٥ وانظر: الإنصاف، ١/٢٢٣، كشاف القناع، ١/١٣٤.
[ ١٢ / ٤٧٨ ]
وذهب بعض الحنفية (١)، وبعض الشافعية (٢)، وبعض الحنابلة (٣): إلى أن المحرم إنما هو مس المكتوب منه فقط، فلا يدخل في التحريم مس مواضع البياض منه معللين لذلك: بأن الماس له لم يمس القرآن.
قال بعض الحنفية: وهذا مقتضى القياس، وإن كان القول بالتحريم أقرب إلى إجلال القرآن وتعظيمه (٤) .
قال في بدائع الصنائع: (وقال بعض مشايخنا: إنما يكره (٥) له مس الموضع
المكتوب دون الحواشي؛ لأنه لم يمس القرآن حقيقة، والصحيح أنه يكره مس كله؛ لأن الحواشي تابعة للمكتوب، فكان مسها مسًا للمكتوب) (٦) .
وقال ابن مفلح في الفروع: (وقيل- يعني إنما يحرم – كتابته، واختاره في الفنون – يعني ابن عقيل – لشمول اسم المصحف له فقط، لجواز جلوسه على بساط على حواشيه كتابة) (٧) .
ورجحان القول الأول وهو تحريم المس لكل ما يشمله اسم المصحف أمر ظاهر لقوة دليله، ووجاهة تعليله.
ثانيًا: واختلف فقهاء المذاهب الأربعة في حكم مس غلاف المصحف المنفصل عنه كالخريطة والعلاقة التي يحفظ بها المصحف سواء كانت من ثوب أو جلد، وكذا الصندوق الخاص بحفظ المصحف فيه هل يحرم مس شيء من ذلك في حالة كون المصحف فيها أم لا يحرم؟ في ذلك قولان مشهوران للفقهاء:
القول الأول: أنه لا يحرم مس شيء من ذلك.
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع، ١/٣٤، البحر الرائق، ١/٢١١، حاشية ابن عابدين، ١/٤٨٨.
(٢) انظر: المجموع، ١/٧٤.
(٣) انظر: الفروع، ١/١٨٨، الإنصاف، ١/٢٢٣، معونة أولي النهى، ١/٣٧٥.
(٤) انظر: البحر الرائق، ١/٢١١، حاشية ابن عابدين، ١/٤٨٨ وقال: (والصحيح المنع) .
(٥) قوله: (يكره) أي كراهة تحريم كما نص عليه كثير من فقهاء الحنفية، وانظر: فتح القدير ١/١٦٩.
(٦) ١/٣٤.
(٧) ١/١٨٨.
[ ١٢ / ٤٧٩ ]
وبه قال الحنفية (١)، والشافعية في قول (٢)، والحنابلة في الصحيح من المذهب (٣) .
وروي القول به عن الحسن البصري، وعطاء، وطاووس، والشعبي، والقاسم بن محمد، والحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان وغيرهم (٤) مستدلين لذلك بما يأتي:
١ - أن الماس لغلاف المصحف المنفصل ونحوه لم يباشر مس المصحف والنهي إنما يتناول مس المصحف مباشرة من غير حائل (٥) .
٢ - أن انفصال الغلاف ونحوه عن المصحف، وعدم اتصاله به دليل على عدم شمول اسم المصحف له فلا يأخذ حكمه في تحريم المس، بدليل: أنه لا يأخذ حكمه في البيع، فلا يتبع المصحف في البيع إلا بشرط (٦) .
القول الثاني: أنه يحرم مس شيء من ذلك.
وبه قال المالكية (٧)، والشافعية في أصح الوجهين (٨)، والحنابلة في قول (٩)، وبه قال الأوزاعي (١٠) .
وعللوا لذلك: بأن الغلاف ونحوه متخذ للمصحف، ومقصود له، فيكون كجلد المصحف المتصل به في التحريم (١١)، تكرمة للقرآن وتعظيمًا له (١٢) .
_________________
(١) انظر: الهداية، ١/٣١؛ الجوهرة، ١/٣٥؛ البحر الرائق، ١/٢١١.
(٢) انظر: روضة الطالبين، ١/١٩٠؛ مغني المحتاج، ١/٣٧.
(٣) انظر: الإنصاف، ١/٢٢٤، الإقناع، ١/٤١.
(٤) انظر: المصاحف لأبي داود، ص، ٢١٥؛ شرح السنة، ٢/٤٨؛ المغني، ١/١٤٧.
(٥) انظر: المغني، ١/١٤٨، مغني المحتاج، ١/٣٧.
(٦) انظر: المغني، ١/١٤٨، بدائع الصنائع، ١/٣٤، البناية شرح الهداية، ١/٦٤٩.
(٧) انظر: الذخيرة، ١/٢٣٧؛ الشرح الصغير، ١/٢٢٣.
(٨) انظر: روضة الطالبين، ١/١٩٠؛ مغني المحتاج، ١/٣٧.
(٩) انظر: الفروع، ١/١٨٩، الإنصاف، ١/٢٢٤.
(١٠) انظر: المغني، ١/١٤٧.
(١١) انظر: المجموع، ١/٧٤، مغني المحتاج، ١/٣٧.
(١٢) انظر: المغني، ١/١٤٨، الشرح الكبير، ١/٩٥.
[ ١٢ / ٤٨٠ ]
والذي يظهر لي أن الراجح من هذين القولين: هو القول بعدم التحريم، لقوة ما استدل به أصحابه، ووجاهة ما عللوا به، وللفرق الظاهر بين الغلاف المنفصل والمتصل، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض ترجيحه لهذا القول: (والعلاقة وإن اتصلت به فليست منه إنما تراد لتعليقه وهو مقصود زائد على مقصود المصحف، بخلاف الجلد فإنه يراد لحفظ ورق المصحف وصونه) (١) .
المطلب الثاني: في بيان المراد بالمس المحرم
أولًا: اتفق فقهاء المذاهب الأربعة في الصحيح من مذاهبهم على أن مس المصحف للمحدث حدثًا أكبر أو أصغر باليد، أو بغيرها، من أعضاء الوضوء، أو سائر أجزاء البدن، كتقبيله أو مسه بصدر أو ظهر ونحوها مباشرة من غير حائل يعتبر محرمًا، وذلك لصدق اسم المس عليه، فيدخل في عموم النهي عن مس القرآن على غير طهارة؛ لأن كل شيء لاقى شيئًا فقد مسه (٢)؛ ولأن من اللائق بتعظيم المصحف وتكريمه تحريم المس في أعضاء البدن وأجزائه كلها (٣) .
وذهب الحكم بن عتبة، وحماد بن أبي سليمان إلى جواز مس القرآن بظاهر الكف وسائر أجزاء البدن، وأنه لا يحرم إلا المس بباطن اليد فقط.
معللين لذلك: بأن آلة المس هي باطن الكف، فينصرف إليها النهي دون غيرها من أعضاء البدن وأجزائه.
وقد ضعف ابن قدامة هذا القول، ورده بقوله: (وقولهم إن المس إنما يختص بباطن اليد ليس بصحيح، فإن كل شيء لاقى شيئًا فقد مسه) (٤) .
_________________
(١) شرح العمدة، ص، ٣٨٥.
(٢) انظر: المغني، ١/١٤٧، الشرح الكبير، ١/٩٥.
(٣) انظر: مطالب أولي النهى، ١/١٥٤.
(٤) انظر: المغني، ١/١٤٧، الشرح الكبير، ١/٩٥، معونة أولي النهى، ١/٣٧٥.
[ ١٢ / ٤٨١ ]
وذهب الحنفية والحنابلة في قول في كلا المذهبين: إلى أنه يجوز للمحدث حدثًا أصغر أن يمس المصحف بغير أعضاء الوضوء؛ لأن الحدث لا يحل فيها، وإلى جواز مس المصحف بما غسل من أعضاء الوضوء، قبل إكماله، لارتفاع الحدث عنها (١) .
ولا شك في رجحان القول الأول وهو ما ذهب إليه فقهاء المذاهب الأربعة في الصحيح من مذاهبهم لقوة ما استدلوا به، ووجاهة ما عللوا به، ودونك أقوالهم المصرحة بذلك:
قال في حاشية البحر الرائق: (قال العلامة الزيلعي: ولا يجوز له مس المصحف بالثياب التي يلبسها؛ لأنها بمنزلة البدن وهذا يفيد: أنه لا يجوز حمله في جيبه، ولا وضعه على رأسه مثلًا بدون غلاف متجاف، وهذا مما يغفل عنه كثير، فتنبه) (٢) .
وقال الدردير في الشرح الكبير: (ومَنَعَ حدثٌ أصغر، وكذا أكبر صلاة، وطوافًا، ومس مصحف كتب بالعربي، لا بالعجمى إن مسه بعضو، بل وإن مسه بقضيب أي عود) (٣) .
وقال في مغني المحتاج: (ويحرم بالحدث وحملُ المصحف، ومسُّ ورقه المكتوب فيه، وغيره بأعضاء الوضوء، أو بغيرها، ولو كان فاقدًا للطهورين، أو مسه من وراء حائل، كثوب رقيق لا يمنع وصول اليد إليه) (٤) .
_________________
(١) انظر: الدر المختار مع حاشيته لابن عابدين، ١/٣١٦، الفتاوى الهندية، ١/٣٩، الإنصاف، ١/٢٢٥.
(٢) ١/٢١٢، وانظر: فتح القدير، ١/١٦٩.
(٣) ١/١٢٥، وانظر: جواهر الإكليل، ١/٢١.
(٤) ١/٣٦-٣٧، وانظر: المهذب حيث قال: (لا يجوز للمحدث أن يمس المصحف بظهره وإن كانت الطهارة تجب في غيره )؛ حاشية البيجوري ١/٢٢١، وقال: (والمراد مسه بأي جزء لا بباطن الكف فقط، كما توهمه بعضهم) .
[ ١٢ / ٤٨٢ ]
وقال في مطالب أولي النهى: (ويحرم أيضًا مس مصحف وبعضه بيد وغيرها كصدر، إذ كل شيء لاقى شيئًا فقد مسه، ويتجه: أنه يحرم مسه حتى بظفر، وشعر، وسن قبل انفصالها عن محلها، تعظيمًا له واحترامًا، وهو متجه) (١) .
ثانيًا: اختلفت أقوال فقهاء المذاهب الأربعة في حكم مس أو حمل المحدث للمصحف من وراء حائل، وكذا تقليب أوراقه بعود ونحوه، أو حمله ضمن أمتعة، وبيان أقوال كل مذهب في هذه المسائل بالتفصيل على النحو التالي:
مذهب الحنفية:
ذهب الحنفية في الصحيح من المذهب إلى أنه يكره كراهة تحريم أن يمس المصحف بكم أو غيره من ثيابه المتصلة ببدنه، دون ما انفصل عنه، معللين لذلك: بأن الكم تابع ليد الماس، فكما يحرم المس باليد، يحرم بالكم بحكم التبعية، وكذا سائر الثوب المتصل به.
_________________
(١) ١/١٥٤، وانظر: الإقناع، ١/٤٠؛ منتهى الإرادات، ١/٢٧، والشرح الكبير، ١/٩٥، حيث قال: (لا يجوز مسه بشيء من جسده، قياسًا على اليد)، وقال الزركشي في شرح الخرقي، ١/٢١١: (وقول الخرقي ﵀: لا يمس، يشمل مسه بيده، وسائر جسده) .
[ ١٢ / ٤٨٣ ]
والقول الآخر في المذهب: أن ذلك لا يكره، لعدم مباشرة اليد ونحوها للمس؛ لأن التحريم خاص بالمس مباشرة من غير حائل، وبهذا قال محمد بن الحسن واختاره صاحب الكافي، وغيره (١)، قال في البناية شرح الهداية: (ويكره مسه بالكم أي مس المصحف بكم الماس هو الصحيح؛ لأنه تابع له أي كون مسه بالكم مكروهًا هو الصحيح، وفي المحيط: لا يكره مسه بالكم عند عامة المشايخ لعدم المس باليد؛ لأن المحرم هو المس، وهو اسم للمباشرة باليد بلا حائل وفي الذخيرة عن محمد: أنه لا بأس بالمس بالكم، وقيل عنه روايتان) (٢) .
ويجوز للمحدث عندهم تقليب أوراق المصحف بقلم، أو عود، أو سكين، ونحوها لعدم صدق المس عليه (٣) .
مذهب المالكية:
نص المالكية على أنه لا يجوز للمحدث حمل المصحف الكامل من وراء حائل، كثوب، أو وسادة، أو حمله بخريطة، أو علاقة، أو بصندوق مقصود لحفظ المصحف به تعظيمًا للمصحف وتكريمًا، لكن لا بأس بحمله في وعاء مقصود لغيره كأن يحمله ضمن أمتعة قصدت بالحمل، فإن قصد حمل المصحف والأمتعة معًا، فإنه يحرم، وكذا يحرم حمل المصحف في الكرسي الخاص به، لكن لا يُمنع المحدث من مس الكرسي فقط، حالة كون المصحف عليه، لكن من غير حمل له، لانفصال الكرسي عن المصحف.
_________________
(١) انظر: الهداية شرح البداية، ١/٣١، فتح القدير، ١/١٦٩؛ البحر الرائق، ١/٢١٢، حاشية ابن عابدين، ١/٣١٥، وقال: (وفي الهداية: أنه يكره، هو الصحيح؛ لأنه تابع له، وعزاه في الخلاصة إلى عامة المشايخ، فهو معارض لما في المحيط، فكان هو أولى) .
(٢) ١/٦٤٩.
(٣) انظر: البحر الرائق، ١/٢١٢، حاشية ابن عابدين، ١/٣١٦.
[ ١٢ / ٤٨٤ ]
كما يحرم عندهم مس المصحف بعود، أو قضيب، ونحوه، معللين لذلك: بأنه بمنزلة اللمس باليد عرفًا، لاتصال العود ونحوه باليد فيأخذ حكم اليد ذاتها (١) .
واشتد نكير المالكية على تقليب أوراق المصحف الكامل، أو بعضه بأطراف الأصابع المبللة بالريق والبصاق، حتى قال ابن العربي عن ذلك: (إنا لله على غلبة الجهل المؤدي إلى الكفر) (٢) .
والذي يظهر لي أن هذا محل نظر؛ لأن المقلب لأوراق المصحف بشيء من ريقه إنما قصد الاستعانة بالريق على سهولة التقليب لا إهانة المصحف بتلطيخه بالبصاق والريق، فإن قصد ذلك فهو محل التحريم الذي قد يبلغ بصاحبه الكفر عياذًا بالله.
ولذا نص فقهاء الحنفية والشافعية على جواز محو كتاب القرآن من المصحف أو اللوح بالريق إن لم يقصد الإهانة. فقال في الدر المختار: (ومحو بعض الكتابة بالريق يجوز) (٣) .
وقال القليوبي: (ويجوز ما لا يشعر بالإهانة كالبصاق على اللوح لمحوه؛ لأنه إعانة) (٤) .
مذهب الشافعية:
ذهب الشافعية إلى أنه يحرم تقليب أوراق المصحف بعود، أو خشبة ونحوها على الأصح معللين بأنه نقل للورقة فهو كحملها.
والقول الآخر: أنه يصح. وبه قطع العراقيون، ورجحه النووي في الروضة وذلك لأنه غير مباشر للمس، ولا حامل للمصحف (٥) .
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر الثمينة، ١/٦٢، الذخيرة، ١/٢٣٧، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي، ١/١٢٥؛ الشرح الصغير، ١/٢٢٣، أسهل المدارك، ١/١٠٠.
(٢) حاشية البناني على الزرقاني على خليل، ١/٩٣، حاشية العدوي على الخرشي، ١/١٦٠.
(٣) الدر المختار مع حاشيته لابن عابدين، ١/٣٢٢.
(٤) حاشية قليوبي وعميرة على شرح منهاج الطالبين، ١/٣٦؛ تحفة الحبيب على شرح الخطيب، ١/٣٢٧.
(٥) انظر: المجموع، ١/٧٤؛ روضة الطالبين، ١/١٩٠؛ مغني المحتاج، ١/٣٨.
[ ١٢ / ٤٨٥ ]
قال في المهذب: (ويجوز أن يتركه بين يديه، ويتصفح أوراقه بخشبة؛ لأنه غير مباشر له، ولا حامل له) (١) .
قال الأذرعي: والقياس أنه إن كانت الورقة قائمة فصفحها بعود جاز، وإن احتاج في صفحها إلى رفعها حرم، لأنه حامل لها (٢) .
كما ذهب الشافعية إلى أنه يحرم مس المصحف، وتقليب أوراقه من وراء حائل ككم يده، ونحوه، وذلك لأن الكم متصل به، وله حكم أجزائه في منع السجود عليه، ولأن التقليب يقع باليد لا بالكم، بخلاف تقليب الأوراق بالعود على القول بجوازه.
لكن لو قلب أوراق المصحف بكمه فقط، دون يده، كأن يفتل الكم ويقلب به الورق، فهو كالعود في الحكم (٣) .
وقال في المهذب: (ويحرم عليه حمله في كمه؛ لأنه إذا حرم مسه فلأن يحرم حمله – وهو في الهتك أبلغ - أولى) (٤) .
وأما حمل المصحف ضمن متاع، ففيه وجهان: أصحهما، وبه قطع صاحب المهذب، وهو قول جمهور فقهاء المذهب، ونقله الماوردي والبغوي عن نص الشافعي: أنه يجوز؛ لأنه غير مقصود بالحمل لذاته، فعفي عما فيه من القرآن، كما لو كتب كتابًا إلى كافر، وفيه آيات من القرآن.
والثاني: أنه يحرم؛ لأنه حامل للمصحف حقيقة، ولا أثر لكون غيره معه، فهو كما لو حمل متاعًا فيه نجاسة، فإن صلاته تبطل.
قال الماوردي: وصورة المسألة: أن يكون المتاع مقصودًا بالحمل، فإن كان غير مقصود بالحمل لم يجز (٥) .
مذهب الحنابلة:
ذهب الحنابلة في الصحيح من المذهب: إلى أنه لا يحرم على المحدث حمل المصحف ضمن أمتعة، أو في كيس، أو حمله بعلاقته، أو غلافه، أو في كمه.
_________________
(١) ١/٣٢.
(٢) انظر: مغني المحتاج، ١/٣٨.
(٣) انظر: المجموع، ١/٧٤؛ مغني المحتاج، ١/٣٨.
(٤) ١/٣٢، وانظر: حاشية البيجوري، ١/٢٢١.
(٥) انظر: المهذب، ١/٣٢، المجموع، ١/٧٤، مغني المحتاج، ١/٣٧.
[ ١٢ / ٤٨٦ ]
معللين: بأن النهي عن مس المصحف إنما يتناول المس، والحمل ليس بمس فيبقى الحكم على أصل الإباحة.
كما لا يحرم في الصحيح من المذهب تصفح أوراق المصحف بكمه، أو تقليب أوراقه بعود، أو خشبة، أو خرقة، وذلك لأن النهي إنما يتناول المس من غير حائل، ومع وجود الحائل يكون المس للحائل، فلا يحرم لعدم مباشرة المس باليد، بدليل: عدم انتقاض الوضوء بالمس من وراء حائل، بخلاف مباشرة المس، فإنه ينقض الوضوء.
والقول الآخر في المذهب: وهو رواية عن الإمام أحمد، أن ذلك كله يحرم على المحدث، تعظيمًا للقرآن، وتكرمة له.
وقيل: إنما يحرم ما تقدم على غير ورَّاق، لحاجته المتكررة للمس. فيباح له ذلك دفعًا للحرج والمشقة (١) .
قال في الإنصاف: (وعنه – أي الإمام أحمد- المنع من تصفحه بكمه، وخرجه القاضي، والمجد، وغيرهما إلى بقية الحوائل. وأبى ذلك طائفة من الأصحاب منهم المصنف في المغني، وفرق بأن كمه وعباءته متصل به، أشبهت أعضاءه، وأطلق الروايتين في حمله بعلاقته، أو في غلافه، وتصفحه بكمه، أو عود ونحوه، في المستوعب، والمحرر، وابن تميم، والرعايتين، والحاويين، ومجمع البحرين، والفائق) (٢) .
المطلب الثالث: مس ما فيه شيء من القرآن
وتحت هذا المطلب فرعان:
الفرع الأول: مس كتب العلم المشتملة على شيء من القرآن، ككتب التفسير، والحديث، والفقه، وغيرها.
وقد اختلف العلماء في حكم مس المحدث لشيء من هذه الكتب على الأقوال التالية:
القول الأول:
أنه يجوز للمحدث مس كتب العلم المشتملة على آيات من القرآن، سواء أكانت كتب تفسير، أو غيرها.
_________________
(١) انظر: المغني، ١/١٤٧-١٤٨؛ شرح العمدة، ص، ٣٨٥، معونة أولي النهى، ١/٣٧٥، كشاف القناع، ١/١٣٥.
(٢) ١/٢٢٤.
[ ١٢ / ٤٨٧ ]
وبهذا قال بعض الحنفية (١)، وهو الصحيح في المذاهب الثلاثة: المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) . واستدلوا على ذلك بما يأتي:
١ - ما ثبت في الصحيحين (٥) أن النبي (بعث إلى هرقل عظيم الروم بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام، وفيه قول الله تعالى: (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون «٦) .
وكان (يكتب في صدر كتبه إلى أهل النواحي بسم الله الرحمن الرحيم، وهي آية من كتاب الله تعالى (٧) .
فإذا جاز للكافر أن يمس كتابًا فيه آيات من القرآن، فإنه يدل على جواز ذلك للمحدث من باب أولى (٨) .
٢ - أن النهي عن المس على غير طهارة إنما ورد في المصحف خاصة، وكتب العلم لا يصدق عليها اسم المصحف، فلا تثبت لها حرمته (٩)، لعدم قصد القرآن بالمس، وإنما المقصود غيره (١٠) .
القول الثاني:
_________________
(١) حاشية ابن عابدين، ١/٣٢٠.
(٢) الذخيرة، ١/٢٣٧؛ الزرقاني على خليل، ١/٩٤؛ الشرح الصغير، ١/٢٢٥.
(٣) غير أن الشافعية قيدوا الجواز في كتب التفسير خاصة في الأصح من مذهبهم: بأن لا يكون القرآن أكثر من التفسير، فإن كان أكثر من التفسير حرم مسه؛ لأنه في معنى المصحف. انظر: المهذب، ١/٣٢، روضة الطالبين، ١/١٩١، مغني المحتاج، ١/٣٧.
(٤) الإقناع، ١/٤١، منتهى الإرادات، ١/٢٧؛ الروض المربع، ١/١٢٦.
(٥) صحيح البخاري، ١/٩، صحيح مسلم، ٥/١٦٥.
(٦) آل عمران، آية، ٦٤.
(٧) انظر: شرح العمدة، ص، ٣٨٦.
(٨) انظر: المغني، ١/١٤٨، الشرح الكبير، ١/٩٥.
(٩) انظر: المجموع، ١/٧٥-٧٦؛ مغني المحتاج، ١/٣٧، المغني، ١/١٤٨، الشرح الكبير، ١/٩٥.
(١٠) انظر: الذخيرة، ١/٢٣٧، الشرح الصغير، ١/٢٢٥، المهذب، ١/٣٢، الكافي، ١/٤٨.
[ ١٢ / ٤٨٨ ]
أنه يحرم مس شيء من كتب العلم المشتملة على آيات من القرآن سواء أكانت كتب تفسير أو غيرها.
وهو قول في مذهب الشافعية (١)، وفي مذهب الحنابلة (٢)، وذلك صيانة لما في هذه الكتب من القرآن، وتكرمة له وإجلالًا (٣) .
القول الثالث:
أنه يكره مس شيء من كتب العلم المشتملة على آيات من القرآن تكرمة للقرآن وتعظيمًا.
وبهذا قال الحنفية (٤)، وبعض الشافعية (٥) .
القول الرابع:
تحريم مس كتب التفسير (٦)، دون غيرها من كتب العلم.
وهو قول في المذاهب الأربعة: الحنفية (٧)،والمالكية (٨)، والشافعية (٩)
_________________
(١) المهذب، ١/٣٢، روضة الطالبين، ١/١٩١.
(٢) الإنصاف، ١/٢٢٥؛ معونة أولي النهى، ١/٣٧٦.
(٣) انظر: المهذب، ١/٣٢.
(٤) غير أن بعض الحنفية قصر الكراهة على كتب التفسير خاصة لكثرة ما فيها من القرآن، بخلاف غيرها من كتب العلم. انظر: فتح القدير، ١/١٦٩؛ البناية شرح الهداية، ١/٦٥٠، البحر الرائق، ١/٢١٢، حاشية ابن عابدين، ١/٣٢٠.
(٥) المجموع، ١/٧٥.
(٦) ومثله فيما يظهر وإن لم ينص عليه الفقهاء كتب القراءات، بل ربما تكون أولى بالتحريم من كتب التفسير على هذا القول؛ لكثرة ما فيها من القرآن.
(٧) وقيد بعض الحنفية التحريم بمس مواضع الآيات منها فقط. انظر: بدائع الصنائع، ١/٣٣؛ الجوهرة، ١/٣٦؛ الدر المختار مع حاشيته لابن عابدين، ١/٣١٩-٣٢٠.
(٨) إلا أن المالكية قيدوا التحريم على القول به فيما إذا كان التفسير مشتملًا على آيات كثيرة وقصدت بالمس. انظر: الزرقاني على خليل، ١/٩٤، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ١/١٢٥؛ جواهر الإكليل، ١/٢١.
(٩) إلا أن الأصح عند الشافعية أنه إذا كان القرآن أكثر من التفسير، فإنه يحرم قطعًا، بل حكاه بعضهم وجهًا واحدًا، وما عدا ذلك فالتحريم على قول في المذهب. انظر: المجموع، ١/٧٦؛ روضة الطالبين، ١/١٩١، مغني المحتاج، ١/٣٧.
[ ١٢ / ٤٨٩ ]
، والحنابلة (١) .
معللين لذلك: بأن ما في كتب التفسير من القرآن كثير، فتكون في معنى المصحف، فيحرم مسها على المحدث، تعظيمًا للقرآن وإجلالًا، بخلاف غيرها من كتب العلم، فإن ما فيها من القرآن يسير غير مقصود بالمس (٢) .
الترجيح:
والذي يظهر لي أن الراجح من هذه الأقوال هو القول بجواز مس كتب العلم كلها، تفسيرًا كانت أو غيرها، لقوة أدلته، ورجحانها على استدلالات القولين الآخرين، ولما في اشتراط الطهارة لذلك مع عدم النص الموجب، من مشقة وحرج.
ومع هذا فإن الأولى والمستحب للمحدث أن لا يمس كتب العلم المتضمنة لآيات من القرآن إلا على طهارة، كما نص على ذلك كثير من العلماء (٣) .
الفرع الثاني: مس ما كُتِبَ فيه شيء من القرآن مما لا يقصد للقراءة كالدرهم، والدينار، والخاتم، والثوب، والحائط، ونحو ذلك.
وقد اختلف العلماء في حكم مس المحدث لشيء من هذه الأشياء المذكورة إذا اشتملت على آية من القرآن فأكثر، على قولين:
القول الأول:
أنه يجوز للمحدث مس الدرهم ونحوه مما ذكر، إذا كتب فيه شيء من القرآن.
وبهذا قال: المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦) في الصحيح من مذاهبهم (٧)
_________________
(١) الإنصاف، ١/٢٢٥؛ معونة أولي النهى، ١/٣٧٦.
(٢) انظر: فتح الجواد، ١/٥٦، مغني المحتاج، ١/٣٣.
(٣) انظر: مصنف عبد الرزاق، ١/٣٤٤، شرح السنة، ٢/٥٠، بدائع الصنائع، ١/٣٤؛ البحر الرائق، ١/٢١٢، المجموع، ١/٧٦، مغني المحتاج، ١/٣٧.
(٤) ويجوز مس هذه الأشياء عندهم حتى للجنب والحائض. انظر: الذخيرة، ١/٢٣٧، عقد الجواهر، ١/٦٢؛ الشرح الكبير للدردير، ١/١٢٥؛ أسهل المدارك، ١/١٠٠.
(٥) روضة الطالبين، ١/١٩١؛ مغني المحتاج، ١/٣٨؛ فتح الجواد، ١/٥٦.
(٦) الكافي، ١/٤٨؛ الإنصاف، ١/٢٢٤، الإقناع، ١/٤١.
(٧) وبه قال من التابعين الحسن البصري، والقاسم بن محمد، وقتادة. انظر: مصنف عبد الرزاق، ١/٣٤٣، مصنف ابن أبي شيبة، ١/١١٣.
[ ١٢ / ٤٩٠ ]
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
١ - أن الدرهم ونحوه إذا تضمن شيئًا من القرآن فإنه لا يسمى مصحفًا، ولا هو في معنى المصحف، والنهي عن المس للمحدث إنما يتناول المصحف خاصة (١) .
٢ - أن القرآن المكتوب في الدرهم ونحوه لا يقصد بالمس، وإنما المقصود بالمس غيره، فلذا جاز مسه وحمله (٢) .
٣ - أنه كما يجوز للمحدث مس كتب العلم، والرسائل المشتملة على شيء من القرآن، فإنه يجوز له مس الدرهم ونحوه، قياسًا عليها، بل هي أولى بجواز المس (٣) .
٤ - أن في منع المحدث من مس ذلك حرجًا ومشقة، وقد جاء الشرع برفع الحرج والمشقة، كما جاز للصبيان مس الألواح التي فيها قرآن دفعًا للحرج والمشقة عنهم (٤) .
القول الثاني:
أنه لا يجوز للمحدث أن يمس الدرهم ونحوه إذا تضمن آية من القرآن فأكثر.
وبهذا قال الحنفية (٥)، وهو قول في المذاهب الثلاثة: المالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨) .
_________________
(١) انظر: المغني، ١/١٤٨؛ المجموع، ١/٧٥؛ مغني المحتاج، ١/٣٨.
(٢) انظر: المهذب، ١/٣٢؛ مغني المحتاج، ١/٣٨.
(٣) انظر: الكافي، ١/٤٨، المغني، ١/١٤٨.
(٤) انظر: المغني، ١/١٤٨، الشرح الكبير، ١/٩٥.
(٥) بدائع الصنائع، ١/٣٣، مجمع الأنهر، ١/٢٦؛ الجوهرة، ١/٣٦.
(٦) الذخيرة، ١/٢٣٧.
(٧) المهذب، ١/٣٢، روضة الطالبين، ١/١٩١؛ مغني المحتاج، ١/٣٨.
(٨) الكافي، ١/٤٨، الإنصاف، ١/٢٢٤، معونة أولي النهى، ١/٣٧٧. وقال بهذا من التابعين إبراهيم النخعي، وابن سيرين. انظر: مصنف عبد الرزاق، ١/٣٤٤، مصنف ابن أبي شيبة، ١/١١٣.
[ ١٢ / ٤٩١ ]
واستدلوا على ذلك: بأن مس الدرهم ونحوه مما فيه آية من القرآن فيه إخلال بتعظيم كلام الله، فيحرم مسه تعظيمًا لكلام الله تعالى، كما حرم مس المصحف. وكما حرم أيضًا مس الورقة واللوح إذا تضمنا شيئًا من القرآن (١) .
الترجيح:
والذي يظهر لي أن الراجح - والله أعلم- هو القول الأول، وهو القول بجواز مس المحدث للدرهم ونحوه إذا اشتمل على شيء من كلام الله تعالى، وذلك لقوة أدلة هذا القول، ورجحانها.
ويمكن الإجابة عن دليل المانعين: بأن جواز مس المحدث للدرهم ونحوه، ليس فيه إخلال بتعظيم كلام الله تعالى؛ لأن القرآن المكتوب في هذه الأشياء غير مقصود بالمس والحمل فجاز مس هذه الأشياء، ويدل على الجواز ويرجحه أنه (ضمَّن الكتاب الذي أرسله إلى هرقل آيتين من كتاب الله تعالى مع علمه قطعًا بمس الكافر له، كما أنه لم يأمر حامله بالطهارة لمسه، فدل ذلك على جواز مس الكتاب والورقة المتضمنة لشيء من كلام الله، ومن باب أولى بالجواز مس الدرهم والدينار والخاتم، والثوب، والحائط، ونحوها (٢) والعلم عند الله.
المطلب الرابع: حكم مس المحدث للقرآن المنسوخ تلاوته والكتب السماوية الأخرى
اختلف فقهاء المذاهب الأربعة في حكم مس المحدث للقرآن الذي نسخت تلاوته (٣)
_________________
(١) انظر: الذخيرة، ١/٢٣٧؛ بدائع الصنائع، ١/٣٣، مغني المحتاج، ١/٣٨، المغني، ١/١٤٨.
(٢) انظر: مغني المحتاج، ١/٣٧.
(٣) مثال ما نسخت تلاوته وبقي حكمه قوله ﷿: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج (فنسخ قوله سبحانه: (في مواسم الحج (رواه البخاري في صحيحه ٣/١٠٥. قال ابن حجر في فتح الباري، ٣/٥٩٤: وأخرج الحاكم في مستدركه عن عبيد ابن عمير، أنه كان يقرؤها في المصحف. ومن أمثلة ذلك أيضًا: ما ذكر الزركشي في البرهان، ٢/٣٥ بقوله: «روي أنه كان يقال في سورة النور: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فأرجموهما البتة نكالًا من الله» ولهذا قال عمر ﵁: لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي. رواه البخاري في صحيحه معلقًا» وانظر أيضًا: النواسخ لابن الجوزي، ص، ١١٥. ومن أمثلته أيضًا: ما روى البخاري في صحيحه، ٣/٢١٥ أن رسول الله (كان يقرأ «والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى» قال أبو الدرداء: وهؤلاء يريدوني على أن أقرأ: «وما خلق الذكر والأنثى» والله لا أتابعهم» . قال في فتح الباري، ٨/٧٠٧: «ولعل هذا مما نسخت تلاوته ولم يبلغ النسخ أبا الدرداء ومن ذكر معه» .
[ ١٢ / ٤٩٢ ]
والأحاديث القدسية، ومس الكتب السماوية الأخرى: كالتوراة والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وصحف موسى على قولين:
القول الأول:
أنه يجوز للمحدث أن يمس ما نسخت تلاوته من القرآن الكريم والأحاديث القدسية، وكذا يجوز له مس الكتب السماوية الأخرى، وإن علم أنها غير مبدلة.
وبهذا قال بعض الحنفية (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، وبه قال الشافعية في الصحيح من مذهبهم (٣)، وكذا الحنابلة في الصحيح أيضًا (٤) .
ووجه هذا القول: أن المنسوخ لفظه، والأحاديث القدسية، والكتب السماوية الأخرى ليست قرآنًا، والنهي إنما ورد عن مس المحدث للقرآن فيختص الحكم به (٥) .
ومن وجه آخر: أن ما نسخ لفظه من القرآن قد زالت حرمته بالنسخ، والأحاديث القدسية، وأما الكتب السماوية الأخرى، فمع كونها منسوخة، فإن الغالب عليها التبديل والتحريف، فلا يقطع بكونها كلام الله تعالى (٦) .
القول الثاني:
أنه لا يجوز للمحدث أن يمس القرآن المنسوخ التلاوة والأحاديث القدسية، ولا شيئًا من الكتب السماوية.
وبهذا قال الحنفية (٧)
_________________
(١) الدر المختار مع حاشيته لابن عابدين، ١/٣١٥؛ منحة الخالق على البحر الرائق، ١/٢١١.
(٢) شرح الزرقاني، ١/٩٣؛ حاشية العدوي على الخرشي، ١/١٦٠؛ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ١/١٢٥.
(٣) روضة الطالبين، ١/١٩١، المجموع، ١/٧٦.
(٤) شرح الزركشي على مختصر الخرقي، ١/٢١٢، الإنصاف، ١/٢٢٥؛ معونة أولي النهى، ١/٣٧٧، كشاف القناع، ١/١٣٥.
(٥) انظر: منحة الخالق على البحر الرائق، ١/٢١١، المبدع شرح المقنع، ١/١٧٤؛ كشاف القناع، ١/١٣٥.
(٦) انظر: المجموع، ١/٧٦؛ مغني المحتاج، ١/٣٧.
(٧) لكن قال ابن عابدين: ينبغي أن يخص الحكم بما لم يبدل. انظر: حاشية ابن عابدين، ١/٣١٤-٣١٥، ٤٨٨، منحة الخالق على البحر الرائق، ١/٢١١-٢١٢.
[ ١٢ / ٤٩٣ ]
، والشافعية في وجه (١)،والحنابلة في قول ضعيف (٢) .
ووجه هذا القول: إلحاق ما نسخت تلاوته، والأحاديث القدسية، والكتب السماوية الأخرى بالقرآن في تحريم المس، بجامع الاشتراك في وجوب التعظيم والتكريم في كلٍّ.
الترجيح:
والذي يظهر لي أن الراجح هو القول الأول، وهو القول بجواز مس المحدث لما نسخت تلاوته من القرآن، والأحاديث القدسية، والكتب السماوية الأخرى، لوجاهة ما علل به القائلون بالجواز، ورجحانه على ما علل به أصحاب القول الثاني، والعلم عند الله تعالى.
المطلب الخامس: حكم مس الأشرطة التي سجل عليها قرآن
إذا سجل القرآن الكريم على أشرطة بمختلف أنواعها كأشرطة الكاسيت أو الفيديو، أو أقراص الدسك التي تستخدم في الكمبيوتر، أو نحوها، فإنه يجوز مسها للمحدث حدثًا أكبر أو أصغر فيما يظهر، وذلك لأن هذه الأشرطة ونحوها لا تسمى مصحفًا، لأنه لا يمكن قراءة القرآن منها مباشرة، وإنما يستمع للقرآن منها، أو يقرأ بواسطة آلاتها الخاصة بتشغيلها، لذا فإن هذه الأشرطة لا تأخذ حكم القرآن الكريم في تحريم مسه على غير طهارة، وبهذا أفتى أعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية برئاسة شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز دون أن يعللوا للحكم، ونص الفتوى: (لا حرج في حمل أو لمس الشريط المسجل عليه القرآن لمن عليه جنابة ونحوها وبالله التوفيق) (٣) .
_________________
(١) روضة الطالبين، ١/١٩١، المجموع، ١/٧٦.
(٢) شرح الزركشي على مختصر الخرقي؛ ١/٢١٢،الإنصاف، ١/٢٢٥؛ معونة أولي النهى،١/٣٧٧.
(٣) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٤/٧٣.
[ ١٢ / ٤٩٤ ]
كما أرى أن يلحق بهذا في الحكم أيضًا ما لو كتب القرآن الكريم بطريقة برايل للمكفوفين، فإنه لا يأخذ حكم المصحف، فيجوز مسه مع الحدث، لأن المصحف إنما هو لما كتب باللغة التي نزل بها، وهي اللغة العربية التي يقرؤها كل متعلم لها كما قال سبحانه: (وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين «١) . أما طريقة برايل فليست حروفًا وإنما هي طريقة يتعرف من خلالها على الحروف من خلال اللمس، فلذا فإنه إذا كتب بها المصحف إن قيل بجوازه (٢)، فإنه يجوز مسه للمحدث وإن كان حدثه أكبر، هذا ما يظهر لي والعلم عند الله تعالى.
المطلب السادس: حكم كتابة المصحف بغير اللغة العربية وحكم مسه إذا كتب بغير اللغة العربية
وتحت هذا المطلب فرعان:
الفرع الأول: في حكم كتابة المصحف بغير اللغة العربية:
اختلف العلماء – ﵏ – في حكم كتابة المصحف بغير اللغة العربية، قال الزركشي في البرهان: «هل يجوز كتابة القرآن بقلم غير العربي؟ هذا مما لم أر للعلماء فيه كلامًا. ويحتمل الجواز؛ لأنه قد يحسنه من يقرؤه بالعربية، والأقرب المنع، كما تحرم قراءته بغير لسان العرب » (٣) ونقله السيوطي في الإتقان (٤) ولم يزد عليه، وللفقهاء في هذه المسألة قولان:
القول الأول:
أنه يجوز كتابة المصحف بغير اللغة العربية، كأن يكتب بالفارسية، أو الهندية، أو التركية، ونحوها.
_________________
(١) سورة الشعراء، آية رقم (١٩٢-١٩٥) .
(٢) يمكن أن يخرج حكم كتابة المصحف بطريقة (برايل) على حكم كتابة المصحف بغير اللغة العربية، وسيأتي بيان الخلاف في ذلك في المطلب السادس، والعلم عند الله.
(٣) البرهان في علوم القرآن، ١/٣٨٠.
(٤) الإتقان في علوم القرآن، ٢/٣٧٦.
[ ١٢ / ٤٩٥ ]
وبهذا قال الحنفية (١) والشافعية (٢) وبعض الحنابلة (٣) .
معللين للحكم: بأنه قد يحسن كتابته بغير اللغة العربية من يقرؤه باللغة العربية، فيكون في ذلك تيسير وتسهيل على غير العرب، لكن لا يجوز لهم أن يقرؤوه بغير اللغة العربية وإن كتب بغيرها؛ لحرمة قراءة القرآن بغير لسانه المنزل به (٤) .
القول الثاني:
أنه لا يجوز كتابة المصحف بغير اللغة العربية، وبهذا قال المالكية.
مستدلين للحكم: بأن الكتابة أحد اللسانين، فكما لا تجوز قراءته بغير العربية بدليل قوله تعالى: (بلسان عربي مبين «٥) فإنه لا يجوز كتابته بغيرها؛ لأن الكتابة أحد اللسانين، فلا يجوز تغييره عن اللسان المنزل به (٦) .
والذي يظهر لي أن ما ذهب إليه المالكية هو الأرجح لقوة دليلهم، وظهور حجتهم، وهو المناسب لصيانة القرآن والحفاظ عليه عن التغيير والتبديل، والعلم عند الله.
الفرع الثاني: حكم مس المصحف إذا كتب بغير اللغة العربية:
ذهب الحنفية والشافعية إلى المنع من مس المصحف إذا كتب بغير اللغة العربية، فيمنع المحدث من مسه وحمله حتى يتطهر من الحدثين، كمنعه من مس المصحف المكتوب باللغة العربية؛ لعموم الأدلة الدالة على ذلك (٧) .
_________________
(١) البحر الرائق، ١/٢١٢؛ الفتاوى الهندية، ١/٣٩.
(٢) حاشية قليوبي على منهاج الطالبين، ١/٣٦، تحفة الحبيب على شرح الخطيب، ١/٣٢٩.
(٣) البرهان في علوم القرآن، ١/٣٨٠.
(٤) انظر: البرهان في علوم القرآن، ١/٣٨٠؛ الإتقان في علوم القرآن، ٢/٣٧٦، الفتاوى الهندية، ١/٣٩، تحفة الحبيب على شرح الخطيب، ١/٣٢٩.
(٥) سورة الشعراء، آية رقم (١٩٥) .
(٦) انظر: الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي، ١/١٢٥؛ حاشية البناني على الزرقاني، ١/٩٣.
(٧) انظر: البحر الرائق، ١/٢١٢، الفتاوى الهندية، ١/٣٩؛ حاشية قليوبي على منهاج الطالبين، ١/٣٦، تحفة الحبيب على شرح الخطيب، ١/٣٢٩، الموسوعة الفقهية، ٣٨/١٠.
[ ١٢ / ٤٩٦ ]
وذهب المالكية إلى جواز مس المصحف إذا كتب بغير اللغة العربية.
معللين: بأن المصحف المكتوب بغير اللغة العربية ليس بقرآن، وإنما هو في الحقيقة تفسير للقرآن، وكتب التفسير وغيرها من كتب العلم المتضمنة للقرآن أو لشيء منه لا يشترط لمسها الطهارة (١) .
والذي يظهر لي رجحان ما ذهب إليه المالكية من جواز مس المصحف إذا كتب بغير اللغة العربية، لوجاهة ما عللوا به، والعلم عند الله.
المطلب السابع: حكم كتابة المحدث والكافر للقرآن
وتحت هذا المطلب فرعان:
الفرع الأول: حكم كتابة المحدث للقرآن:
اختلف فقهاء المذاهب الأربعة في حكم كتابة المسلم للقرآن، من غير مس المكتوب إذا كان عليه حدث على الأقوال التالية:
القول الأول:
أنه يجوز لمن عليه حدث أصغر أو أكبر أن يكتب القرآن، لكن من غير مس للمكتوب فيه.
وبهذا قال الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) في الراجح من مذاهبهم. مستدلين على ذلك بما يأتي:
١ - أن النهي إنما ورد عن مس المصحف، والكتابة لا تعد مسًا له (٥) .
٢ - أن المباشر للمس هو القلم، وليست يد الكاتب، فهو بمنزلة مس المصحف من وراء حائل (٦) .
٣ - أن الكاتب للقرآن إنما يكتب حرفًا حرفًا، والحرف الواحد لا يعد قرآنًا (٧) .
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي، ١/١٢٥؛ حاشية البناني على الزرقاني، ١/٩٣.
(٢) فتح القدير، ١/١٦٩، البناية شرح الهداية، ١/٦٤٧؛ الدر المختار مع حاشيته لابن عابدين، ١/٣١٧.
(٣) روضة الطالبين، ١/١٩١؛ المجموع، ١/٧٧.
(٤) انظر: الإنصاف، ١/٢٢٦، الإقناع، ١/٤١، معونة أولي النهى، ١/٣٨٣.
(٥) انظر: كشاف القناع، ١/١٣٥، مطالب أولي النهى، ١/١٥٥.
(٦) انظر: فتح القدير، ١/١٦٩؛ حاشية ابن عابدين، ١/٣١٧.
(٧) انظر: البناية شرح الهداية، ١/٦٤٨.
[ ١٢ / ٤٩٧ ]
٤ - أن الصحابة رضوان الله عليهم استكتبوا أهل الحيرة المصاحف وهم نصارى، فدل ذلك على الجواز (١) .
القول الثاني:
أنه لا يجوز للمحدث حدثًا أصغر أن يكتب القرآن.
وبهذا قال المالكية في الصحيح من مذهبهم (٢)، وهو قول في كل من المذاهب الثلاثة: الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥) .
ووجه هذا القول: أن كتابة القرآن في حكم المس له، فتحرم، كما يحرم المس؛ لاتصال القلم بيد الكاتب (٦) .
القول الثالث:
جواز كتابة القرآن لمن عليه حدث أصغر، دون من عليه حدث أكبر.
وهو قول في كل من المذاهب الثلاثة: المالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩) .
ووجه هذا القول ما يأتي:
١ - رفع الحرج والمشقة عن صاحب الحدث الأصغر لتكرره، بخلاف الحدث الأكبر لقلته (١٠) .
٢ - قياس كتابة القرآن على تلاوته، فإنها تجوز لمن عليه حدث أصغر، دون من عليه حدث أكبر (١١) .
الترجيح:
_________________
(١) روي ذلك عن عبد الرحمن بن عوف، وعن عدد من التابعين. انظر: مصنف ابن أبي شيبة، ٦/٦٦، المصاحف لأبي داود، ص، ١٤٨، شرح العمدة، ص، ٣٨٥، شرح الزركشي، ١/٢١٢.
(٢) إلا أنهم أجازوا للمحدث وإن كان جنبًا كتابة الآيات ضمن رسائل ونحوها. انظر: شرح الزرقاني، ١/٩٤؛ الشرح الكبير للدردير، ١/١٢٥، الشرح الصغير، ١/٢٢٣.
(٣) وبه قال محمد بن الحسن الشيباني وغيره من علماء الحنفية. انظر: فتح القدير، ١/١٦٩؛ البناية شرح الهداية، ١/٦٤٨، رد المحتار مع حاشيته لابن عابدين، ١/٣١٧.
(٤) روضة الطالبين، ١/١٩١؛ المجموع، ١/٧٧.
(٥) الإنصاف، ١/٢٢٦، معونة أولي النهى، ١/٣٨٣.
(٦) انظر: فتح القدير، ١/١٦٩.
(٧) شرح الزرقاني، ١/٩٤، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ١/١٢٥.
(٨) المجموع، ١/٧٧.
(٩) الإنصاف، ١/٢٢٦.
(١٠) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ١/١٢٥.
(١١) شرح العمدة، ص، ٣٨٥.
[ ١٢ / ٤٩٨ ]
والذي يظهر لي أن الراجح هو القول الأول، وهو القول بجواز كتابة المحدث مطلقًا للقرآن لوجاهة ما استدل به القائلون بالجواز ورجحانه على ما علل به أصحاب القولين الآخرين والعلم عند الله.
الفرع الثاني: حكم كتابة الكافر للقرآن:
والمراد هنا حكم كتابة الكافر للقرآن من غير مس للمكتوب؛ لأنه يحرم عليه مس القرآن (١) .
ولم أر من نص على هذه المسألة من أصحاب المذاهب الأربعة سوى الحنابلة، ولهم فيها قولان:
القول الأول:
أنه يجوز للكافر أن يكتب القرآن.
وهو الصحيح في المذهب (٢) . قال في الإنصاف: «له نسخه على الصحيح من المذهب، وقال ابن عقيل: بدون حمل ولا مس. قال القاضي في التعليق وغيره: قال ابن عقيل في التذكرة: يجوز استئجار الكافر على كتابة المصحف إذا لم يحمله. قال أبو بكر: لا يختلف قول أحمد: أن المصاحف يجوز أن يكتبها النصارى..» (٣) .
والقول بهذا هو مقتضى مذهب الظاهرية؛ لإجازتهم للكافر أن يمس القرآن (٤)
_________________
(١) حيث ذهب فقهاء المذاهب الأربعة إلى تحريم مس المصحف على الكافر؛ لأن ذلك يحرم على المسلم إذا كان محدثًا، أو جنبًا، فالكافر من باب أولى بالتحريم، والمقصود هنا: أنه يحرم على المسلم أن يمكن الكافر من مس المصحف؛ لأن الكافر لا يتوجه إليه الخطاب. انظر: البناية شرح الهداية، ١/٦٥٠؛ البحر الرائق، ١/٢١٢؛ حاشية العدوي على الخرشي، ١/١٦١؛ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ١/١٢٦؛ المجموع شرح المهذب، ٢/٧٨؛ أسنى المطالب، ١/٦٢؛ شرح الزركشي على مختصر الخرقي، ١/٢١٢؛ الإنصاف، ١/٢٢٧.
(٢) شرح الزركشي على مختصر الخرقي، ١/٢١٢، الإقناع، ١/٤١، غاية المنتهى، ١/٤٤.
(٣) ١/٢٢٦.
(٤) المحلى، ١/٨٣. وبه قال محمد بن الحسن الشيباني أيضًا إذا اغتسل الكافر كما في البحر الرائق، ١/٢١٢ واحتج ابن حزم على جواز مس الكافر للمصحف بتضمين النبي (الكتاب الذي كتبه لقيصر آيات من القرآن، وهي قوله سبحانه: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء.. (الخ الآيات. رواه البخاري في صحيحه، ١/٩، ومسلم في صحيحه، ٥/١٦٥. قال ابن حزم: «فهذا رسول الله (قد بعث كتابًا، وفيه هذه الآية إلى النصارى، وقد أيقن أنهم يمسون ذلك الكتاب» . وأجاب الجمهور عن استدلال ابن حزم بما ذكره ابن حجر في فتح الباري، ١/٤٠٨، بقوله: «إن الكتاب اشتمل على أشياء غير الآيتين، فأشبه ما لو ذكر بعض القرآن في كتاب في الفقه أو التفسير، فإنه لا يمنع قراءته ولا مسه عند الجمهور؛ لأنه لا يقصد منه التلاوة، ونص أحمد: أنه يجوز مثل ذلك في المكاتبة لمصلحة التبليغ، وقال به كثير من الشافعية، ومنهم من خص الجواز بالقليل، كالآية والآيتين» .
[ ١٢ / ٤٩٩ ]
، فكتابته من باب أولى. وقد استدل الحنابلة على ذلك بما يأتي:
١ - ما روي عن بعض الصحابة والتابعين: أنهم استكتبوا النصارى المصاحف، حيث روي عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ «أنه استكتب رجلًا نصرانيًا مصحفًا، فأعطاه ستين درهمًا» (١) . وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى «أنه كتب له نصراني مصحفًا من أهل الحيرة بتسعين درهمًا» (٢) . وروي نحو ذلك عن علقمة، وعن غيرهما من التابعين (٣) .
٢ - أن النهي إنما ورد عن مس القرآن، لا عن كتابته (٤) .
٣ - أن مس القلم للحرف كمس العود للحرف، وذلك جائز، فدل على جواز كتابة الكافر للمصحف إذا لم يمسه بيده (٥) .
القول الثاني:
أنه لا يجوز للكافر أن يكتب القرآن.
قال في الإنصاف: «قيل لأحمد: يعجبك أن تكتب النصارى المصاحف، قال: لا يعجبني. قال الزركشي: فأخذ من ذلك رواية بالمنع » (٦) .
ولعل وجه هذا القول: صيانة القرآن، وإجلاله عن أن يمسه الكافر؛ لأن الكاتب لا يسلم غالبًا من مس المكتوب، فلا يؤمن الكافر أن يمس القرآن أثناء كتابته له، وذلك محرم عليه.
الترجيح:
_________________
(١) رواه أبو داود في كتاب المصاحف، ص، ١٤٨.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، ٦/٦٦، وأبو داود في كتاب المصاحف نحوه، ص، ١٤٩.
(٣) رواه أبو داود في كتاب المصاحف، ص، ١٤٩.
(٤) انظر: كشاف القناع، ١/١٣٥؛ مطالب أولي النهى، ١/١٥٥.
(٥) انظر: الإنصاف، ١/٢٢٦، معونة أول النهى، ١/٣٦٠.
(٦) ١/٢٢٦.
[ ١٢ / ٥٠٠ ]
والذي يظهر لي أن القول الثاني أرجح؛ لأنه أليق بتعظيم القرآن وتكريمه، فينبغي أن يصان كلام الله عن كل من يخشى أن ينتهك حرمته، ويدل عليه نهيه (أن يُسَافر بالقرآن إلى أرض العدو إذا خيف أن يقع بأيديهم وذلك فيما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله «(أنه كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو» (١) .
وأما ما روي من استكتاب بعض الصحابة والتابعين الكافر لكتابة المصحف، فهذا على تقدير صحته، محمول على اضطرارهم إليه لقلة من يحسن الكتابة في زمنهم من المسلمين، فيكون ذلك من باب الضرورات، وللضرورة أحكامها؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات. والعلم عند الله تعالى.
المطلب الثامن: حكم مس المحدث للقرآن عند الضرورة
إذا خشي المحدث على المصحف من غرق أو حرق، أو نجاسة تصيبه، أو مس كافر له، أو سرقة، أو غصب، ولم يتمكن من الطهارة بالماء أو التيمم قبل وقوع ما يخشاه على المصحف فإنه يجوز له في هذه الحالة أن يمسه، ويحمله، وإن كان محدثًا حدثًا أكبر، لأن مسه أو حمله، والحالة هذه من باب الضرورة (والضرورات تبيح المحظورات) (٢) كما هي القاعدة الفقهية المشهورة.
وقد نص على هذه المسألة المالكية (٣)، والشافعية (٤)
_________________
(١) صحيح مسلم، ٦/٣٠. وفي لفظ آخر له: «فإني لا آمن أن يناله العدو» وأصله عند البخاري، ٢/١٦٨.
(٢) انظر هذه القاعدة في: الأشباه والنظائر للسيوطي، ص، ٨٤، الأشباه والنظائر لابن نجيم، ص، ٨٥.
(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ١/١٢٥؛ حاشية الصاوي على الشرح الصغير، ١/٢٢٣.
(٤) روضة الطالبين، ١/١٩٢؛ مغني المحتاج، ١/٣٧. المصادر والمراجع
(٥) القرآن الكريم.
(٦) الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، بيروت: دار الكتب العلمية.
(٧) أسنى المطالب في شرح روض الطالب، زكريا الأنصاري، المكتبة الإسلامية لصاحبها الحاج رياض الشيخ.
(٨) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه الإمام مالك، أبي بكر بن حسن الكشناوي، بيروت: دار الفكر. ٥ – الاستذكار، تصنيف: الإمام يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي، تحقيق: د. عبد المعطي أمين قلعجي، بيروت: دار قتيبة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ-١٩٩٣م.
(٩) الأشباه والنظائر، زين العابدين بن إبراهيم بن نجيم، بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٠٠هـ – ١٩٨٠م.
(١٠) الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، مصور عن الطبعة الأولى، بيروت: دار الكتب العلمية، ١٣٩٩هـ – ١٩٧٩م.
(١١) الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل، شرف الدين موسى الحجاوي المقدسي، تصحيح وتعليق: عبد اللطيف محمد السبكي، مصر: المكتبة التجارية الكبرى.
(١٢) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، علي بن سليمان المرداوي، صححه وحققه: محمد حامد الفقي، القاهرة: مطبعة السنة المحمدية، ١٣٧٦هـ/١٩٥٧م الطبعة الأولى.
(١٣) البحر الرائق شرح كنز الدقائق، زين الدين بن نجيم الحنفي، بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر الطبعة الثانية، طبعة بالأوفست.
(١٤) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني، بيروت: دار الكتاب العربي، ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م الطبعة الثانية.
(١٥) البرهان في علوم القرآن، بدر الدين بن محمد الزركشي، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم، بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر.
(١٦) البناية في شرح الهداية، أبي محمد محمود بن أحمد العيني، تصحيح: محمد عمر الشهير بناصر الإسلام الرامفوري، بيروت: دار الفكر، ١٤٠١هـ / ١٩٨١م الطبعة الأولى.
(١٧) تحفة الحبيب على شرح الخطيب، تأليف: سليمان بن عمر البجيرمي، بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر، ١٣٩٨هـ – ١٩٧٨م.
(١٨) جواهر الإكليل شرح مختصر خليل، تأليف: صالح عبد السميع الآبي، بيروت: دار الفكر.
(١٩) الجوهرة النيرة على مختصر القدوري، أبي بكر بن علي بن محمد الحداد اليمني، ملتان، باكستان: المكتبة الإمدادية.
(٢٠) حاشية البيجوري على الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (بهامس الإقناع)، إبراهيم البيجوري، بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع.
(٢١) حاشية البناني على شرح الزرقاني على مختصر خليل، الشيخ محمد البناني، بيروت: دار الفكر، ١٣٩٨هـ – ١٩٧٨م.
(٢٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، محمد عرفة الدسوقي، بيروت: دار الفكر.
(٢٣) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (بهامش الشرح الصغير)، أحمد بن محمد الصاوي، القاهرة: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، طبع على نفقة راشد بن سعيد المكتوم.
(٢٤) حاشية العدوي على شرح الخرشي (بهامش شرح الخرشي)، تأليف: علي العدوي، بيروت: دار صادر.
(٢٥) حاشية قليوبي وعميرة على شرح جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين، تأليف: الشيخ شهاب الدين القليوبي، والشيخ عميرة، مصر: مطبعة دار إحياء الكتب العربية.
(٢٦) رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين)، تأليف: محمد أمين الشهير بابن عابدين، مصر: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي١٣٨٦هـ/١٩٦٦م الطبعة الثانية
(٢٧) الدر المختار شرح تنوير الأبصار (مع حاشيته لابن عابدين)، محمد علاء الدين الحصكفي، مصر: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي١٣٨٦هـ/١٩٦٦م الطبعة الثانية.
(٢٨) الذخيرة، تأليف: أحمد بن إدريس القرافي، تحقيق: محمد بوخبزه، بيروت: دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى عام ١٩٩٤م.
(٢٩) روضة الطالبين، يحيى بن شرف النووي، دمشق: المكتب الإسلامي للطباعة والنشر.
(٣٠) الروض المربع شرح زاد المستقنع، تأليف: منصور بن يونس البهوتي، القاهرة: المطبعة السلفية، الطبعة السادسة.
(٣١) شرح الزرقاني على مختصر خليل، تأليف: عبد الباقي الزرقاني، بيروت: دار الفكر، ١٣٩٨هـ/١٩٧٨م.
(٣٢) شرح الزركشي على مختصر الخرقي، تأليف: محمد بن عبد الله الزركشي الحنبلي، تحقيق: عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، الرياض: شركة العبيكان للطباعة والنشر.
(٣٣) شرح السنة، الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، بيروت: المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٤٠٣هـ – ١٩٨٣م.
(٣٤) الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك، أحمد بن محمد بن أحمد الدردير، القاهرة: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، طبع على نفقة راشد بن سعيد المكتوم.
(٣٥) شرح العمدة في الفقه (كتاب الطهارة)، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، تحقيق د. سعود بن صالح العطيشان، الرياض: مكتبة العبيكان ١٤١٣هـ/١٩٩٣ م.
(٣٦) الشرح الكبير، عبد الرحمن بن محمد بن قدامة المقدسي، الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود كلية الشريعة.
(٣٧) الشرح الكبير لمختصر خليل (بهامش حاشية الدسوقي)، أحمد بن محمد الدردير، بيروت: دار الفكر.
(٣٨) صحيح البخاري (مع حاشية السندي)، محمد بن إسماعيل البخاري، مصر: مطبعة دار إحياء الكتب العربية.
(٣٩) صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر.
(٤٠) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، جلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس، تحقيق: د. محمد أبي الأجفان – أ. عبد الحفيظ منصور، بيروت: دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى: ١٤١٥هـ – ١٩٩٥م.
(٤١) غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى، مرعي بن يوسف الحنبلي، تصحيح: محمد زهير الشاويش، دمشق: مؤسسة دار السلام للطباعة والنشر، ١٣٧٨هـ.
(٤٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.جمع وترتيب: أحمد بن عبد الرزاق الدويش، الرياض: دار أولي النهى. الطبعة الأولى: ١٤١١هـ.
(٤٣) الفتاوى الهندية (العالمكيرية)، الشيخ نظام وجماعة من علماء الهند، بيروت: دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى ١٤٠٠هـ – ١٩٨٠م.
(٤٤) فتح الجواد شرح الإرشاد، أحمد بن حجر الهيتمي، مصر: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ١٣٩١هـ /١٩٧١م الطبعة الثانية.
(٤٥) فتح القدير، كمال الدين محمد بن عبد الواحد المعروف بابن الهمام، مصر: المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق، ١٣١٦هـ، مصور عن الطبعة الأولى.
(٤٦) الفروع، شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي، راجعه: عبد الستار أحمد فراج. القاهرة: دار مصر للطباعة، ١٣٨١هـ /١٩٦٢م الطبعة الثانية.
(٤٧) الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل، عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، الطبعة الثانية، بيروت: المكتب الإسلامي، ١٣٩٩هـ/١٩٧٩م.
(٤٨) كتاب المصاحف، تصنيف: أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، بيروت: دار الكتب العلمية – الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ – ١٩٨٥م.
(٤٩) كشاف القناع عن متن الإقناع، منصور بن يونس البهوتي،القاهرة: مطبعة أنصار السنة المحمدية، ١٣٦٦هـ/١٩٤٧م.
(٥٠) المبدع في شرح المقنع، إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح، بيروت: المكتب الإسلامي.
(٥١) مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، عبد الرحمن بن الشيخ محمد بن سليمان المعروف بداماد أفندي،القاهرة: دار الطباعة العامرة، ١٣١٦هـ،تصوير: بيروت: دار إحياء التراث العربي. ٤٣ – المجموع شرح المهذب، يحيى بن شرف النووي،مصر: مطبعة الإمام.
(٥٢) المصنف في الأحاديث والآثار، عبد الله بن محمد بن أبي شيبة،تحقيق: مختار أحمد الندوي، بومباي – الهند: الدار السلفية، ١٤٠١هـ/١٩٨١م الطبعة الأولى.
(٥٣) المصنف، عبد الرزاق بن همام الصنعاني،تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، بيروت: المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى.
(٥٤) مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى، مصطفى السيوطي الرحيباني، دمشق: المكتب الإسلامي.
(٥٥) معونة أولي النهى شرح المنتهى، تصنيف: تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي الشهير بابن النجار، تحقيق: د. عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، بيروت: دار خضر الطبعة الأولى ١٤١٦هـ – ١٩٩٥ م.
(٥٦) المغني، عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، الرياض: مكتبة الرياض الحديثة.
(٥٧) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، محمد الشربيني الخطيب، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
(٥٨) منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات، محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي المصري، تحقيق: عبد الغني عبد الخالق، الناشر: عالم الكتب.
(٥٩) منحة الخالق على البحر الرائق (بهامش البحر الرائق)، محمد أمين الشهير بابن عابدين بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، طبعة بالأوفست.
(٦٠) المهذب في فقه الإمام الشافعي، إبراهيم بن علي الشيرازي، بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر، مصور عن الطبعة الثانية ١٣٧٩هـ/١٩٥٩م.
(٦١) النواسخ لابن الجوزي، أبي الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي، تحقيق ودراسة: محمد أشرف المليباري، المدينة المنورة: الجامعة الإسلامية، الطبعة الأولى: ١٤٠٤هـ.
(٦٢) الهداية شرح بداية المبتدي، برهان الدين بن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغيناني مصر: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي. * * *
[ ١٣ / ١ ]
، ولم أجد للحنفية والحنابلة نصًا عليها، إلا أن هذا مما لا يختلف فيه، والعلم عند الله.
* * *
خاتمة البحث:
توصلت من خلال هذا البحث إلى عدة نتائج وأحكام فقهية من أهمها ما يأتي:
١ - أن اسم المصحف الذي لا يجوز للمحدث مس شيء منه يشمل المكتوب منه، وما بين سطوره، وحواشيه، وغلافه المتصل به، فكل ذلك لا يجوز مس شيء منه في الصحيح من مذاهب الأئمة الأربعة، سواء كان مصحفًا كاملًا أو بعض مصحف.
٢ - اتفقت المذاهب الأربعة في الصحيح من مذاهبهم على أن المراد بالمس المحرم على المحدث البالغ هو المس باليد أو بغيرها من أعضاء الوضوء، أو أي جزء من أجزاء البدن مباشرة من غير حائل، واختلفوا فيما عدا ذلك كمسه من وراء حائل، أو تقليبه بعود ونحوه.
٣ - أن الراجح من أقوال أهل العلم استحباب الطهارة لمس كتب العلم المشتملة على آيات من القرآن الكريم ككتب التفسير والحديث والفقه ونحوها، وأنه لا يشترط لمسها الطهارة، وكذا في الحكم أيضًا ما كتب عليه آيات من غير الكتب، كالدراهم والثياب وما في حكمها.
٤ - أنه يجوز للمحدث مس منسوخ التلاوة من القرآن الكريم في الراجح من قولي العلماء.
٥ - أنه يجوز للمحدث مس الكتب السماوية الأخرى كالتوراة والإنجيل والزبور في الراجح من قولي العلماء.
٦ - أنه يجوز مس الأشرطة التي سجل فيها القرآن الكريم بمختلف أنواعها، وكذا ما كتب من القرآن بطريقة (برايل) للمكفوفين فيما يظهر.
٧ - أنه لا يجوز كتابة المصحف بغير اللغة العربية في الراجح من قولي أهل العلم، وأنه لا يحرم مسه إذا كتب بذلك.
٨ - أنه يجوز للمحدث ولو كان حدثه أكبر أن يكتب القرآن الكريم، لكن من غير مس للمكتوب في الراجح من أقوال أهل العلم.
٩ - أنه لا يجوز للكافر أن يكتب القرآن الكريم، ولو لم يمس المكتوب في الراجح من قولي أهل العلم.
[ ١٣ / ٢ ]
١٠ - أنه يجوز للمحدث ولو كان حدثه أكبر أن يمس القرآن الكريم عند الضرورة، لأن الضرورات تبيح المحظورات.
وبهذا انتهى ما أردت جمعه، وما قصدت بيانه وحكمه من هذه المسائل المهمة المتعلقة بأعظم كلام، وأشرف كتاب، فما كان فيه من حق وصواب فذلك من فضل الله وتوفيقه، وما كان فيه من خطأ وزلل فمني، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
* * *
[ ١٣ / ٣ ]