في التعامل مع الأخبار المتعارضة
الدكتور محمد سعيد منصور
الأستاذ المساعد في أصول الفقه، كلية الحقوق، جامعة الأزهر، غزة
ملخص البحث
يبين هذا البحث كيفية تعامل الإمام مالك (مع الأخبار المتعارضة؛ لكونها ظنية الثبوت أو الدلالة؛ لإزالته بعد أن يُحَكِمَ ظنه من تلقاء نفسه، وفق قرائن تعين على النظر في ثبوتها؛ إذ تحف بكل سند من أسانيدها لمعرفة الصَّالِح فيما ينسب إلى النبي (منها للعمل به وترك ما سواه، وكذلك تعين في الكشف عن دلالتها؛ إذ قد يكون معناها قطعيًا فلا تحتمل غير ما دلت عليه، وقد يكون ظنيًا فتحتمل غيره، وعندئذٍ يمكن أن تُؤَوِّلَ بَعضُها بعضا، إما بصرف الظاهر منها بما يوافق الآخر في معناه، أو بتخصيص العام بالخاص، أو تقييد المطلق بالمقيد، أو بترجيح ما يقبل الترجيح بالمزية الداخلية أو الخارجية.
* * *
تقديم:
الحمد لله الذي وضع عنا ما كان على من قبلنا من إصرٍ وأغلال، وتعهد بحفظ الوحي بشقيه من الاختلاف والتغيير والزوال، كي نعبده أبدًا عبادةً سليمة خالية من كل مظاهر الزيغ والضلال، والصلاة والسلام على سيد الرسل كافة محمد المبعوث لإزالة الإلحاد والانحلال، وعلى سائر المرسلين وآلهم وصحبهم صفوة الأجيال، وعلى كل من ساروا على نهجهم فحرموا الحرام وأحلوا الحلال.
أما بعد: فإن المستقرئ لكتب الفروع المختلفة يجد أن التعارض في المسألة الواحدة بين ظواهر الأدلة الصحيحة هو سبب الاختلاف فيها، وأنه بين الأخبار يشكل أكثر أنواعه وأعقدها بينها جميعًا نظريًا وعمليا، وقد عمل كل إمام مجتهد منهاجًا يقوم على قوانين وأسس ليسير على وفقه لدفعه بينها (١)
_________________
(١) لحواشي والتعليقات (*) هذا البحث سيكون –إن شاء الله تعالى- باكورة عمل للتعرض لمنهاج الأئمة الأربعة في التعامل مع الأدلة المتعارضة.
[ ١٣ / ١٢٠ ]
، بحيث يسري عليها كلها بصورة إجمالية أيًّا كانت آية من قرآن، أو خبر، أو إجماع، أو قياس، أو ما عداها من أدلة الأحكام الشرعية، أما بصورة تفصيلية فإنه يختلف تبعًا لاختلاف طبيعة الدليل الذي يتعلق به، وأتناول في هذا البحث على وجه التحديد منهاج الإمام مالِك في التعامل مع الأخبار المتعارضة، معتمدًا على الموارد والأدلة والقرائن الموجودة في كتب الفقه وأصوله والحديث وعلومه؛ لكشف النقاب عن هذا الموضوع الذي يعتبر من أهم الأدوات والوسائل التي تستخدم في استخراج الأحكام الشرعية العملية من الأحاديث النبوية، بعد تمحيصها وتحقيقها وفهمها على أكمل وجه وأتم شكل.
وقد جاء البحث بعد هذا التقديم الموجز في ثلاثة مباحث وخاتمة:
- أما المبحث الأول: فقد عرضت فيه للكلام عن: أوجه الجمع بين الأحاديث المتعارضة، وجعلته في تسعة مطالب:
المطلب الأول: الجمع ببيان اتحاد مدلولي اللفظين.
المطلب الثاني: الجمع ببيان اختلاف المحل أو الحال.
المطلب الثالث: الجمع ببيان التقاء مدلولي الأمر أو النهي.
المطلب الرابع: الجمع بين الخبرين العامين.
المطلب الخامس: الجمع بين الخبرين الخاصين.
المطلب السادس: الجمع بين الخبرين لتعارضهما في العموم والخصوص المطلق.
المطلب السابع: الجمع بين الخبرين لتعارضهما في العموم والخصوص الوجهي.
المطلب الثامن: الجمع ببيان المقيد للمطلق.
المطلب التاسع: الجمع ببيان الاختلاف من جهة المباح.
- وأما المبحث الثاني: فقد خصصته لدراسة: النسخ بين الأحاديث المتعارضة.
- ثم عقبتها بالمبحث الثالث، وهو: الترجيح بين مختلف الحديث، وجعلته في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الترجيح من جهة الأسانيد وما يتعلق بها.
المطلب الثاني: الترجيح من جهة المتون وما يتعلق بها.
المطلب الثالث: الترجيح باعتبار أمر خارجي.
- وأخيرًا الخاتمة: وضمنتها أهم ما توصلت إليه من نتائج.
[ ١٣ / ١٢١ ]
والله تعالى أسأل أن يلهمنا الصواب والسداد، وأن يوفقنا إلى الخير والرشاد.
٣٠ رمضان ١٤٢١هـ الموافق ٢٦ ديسمبر ٢٠٠٠م.
المبحث الأول: أوجه الجمع بين الأحاديث المتعارضة
وتحته تسعة مطالب
إذا كان النسخ بين الأخبار محتملًا فإن مالكًا يقوم بالجمع بينها جميعا) (١) (، وسأتناول -إن شاء الله تعالى- منهاجه في الجمع من خلال أنواعه التي تنتظم تحت المطالب الآتية:
المطلب الأول: الجمع ببيان اتحاد مدلولي اللفظين
إذا أفاد مدلول كل من الخبرين حكمًا يخالف الآخر، فالأولى بدلًا من توهيم أحدهما وإطراحه وإعمال ما يعارضه، القيام بمحاولة تأويل ما يحتمل التأويل، كي يتفق كلاهما في المعنى المراد، ولكن بشرط ألاَّ يخرج به عن روح الشريعة، ولا يخالف إجماع الأمة، ومن أمثلة ذلك: ما جاء عن عائشة ﵂ زوج النبي (أنها قالت: (ما طال عَلَيَّ وما نسيت القطع في ربع دينار فصاعدا» (٢) (.
فهذا الحديث يفيد أن يد السارق لا تقطع حتى تبلغ سرقته ربع دينار فأزيد.
فيقابله: ما رواه أبو هريرة (عن النبي (أنه قال: ﴿لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده﴾) (٣) (.
فهذا الحديث يدل على أن يد السارق تقطع في القليل والكثير، وذلك يوافق عموم قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما () (٤) (.
_________________
(١) انظر: البصري: المعتمد ١٧٦، ١٧٧، وابن الحاجب: المختصر ٢/٣٠٩، ٣١٠، والقرافي: شرح تنقيح الفصول ٤٢١، والشاطبي: الموافقات ٤/٨٨، والزركشي: البحر المحيط ٦/١٣٥، والعبادي: الآيات البينات ٤/٢٩٠- ٢٩٦، والشنقيطي: نشر البنود ٢/٢٧٣
(٢) أخرجه: مالك في الموطأ (١٥١٧)، والمدونة ٦/٢٨٥٣، واللفظ له، والبخاري (٦٧٨٩)، ومسلم (١/ ١٦٨٤) .
(٣) متفق عليه: البخاري (٦٧٩٩)، ومسلم (٧/ ١٦٨٧)، وكلاهما بلفظه.
(٤) من الآية ٣٨ من سورة المائدة.
[ ١٣ / ١٢٢ ]
فيبين مالك أن الجمع بين هذين الحديثين ممكن؛ وذلك بجعل حديث عائشة ﵂ أصلا، فيقطع في ربع دينار فصاعدا، وكذا فيما قيمته ذلك كذلك) (١) (؛ فكأنه ذهب إلى أن الرسول (أراد بالبيضة ما يبلغ قيمتها ربع دينار فأكثر، كبيض الحديد لا بيض الدجاج وما ماثله، وكذا الحبل لعله يرى أن منها ما يساوي النصاب المقرر أو يزيد عليه كحبل السفينة وشبهه، وبذلك يزول التعارض) (٢) (.
المطلب الثاني: الجمع ببيان اختلاف المحل أو الحال
_________________
(١) انظر: الموطأ (١٥١٨)، والمدونة ٦/ ٢٨٥٢، ٢٨٥٣.
(٢) انظر: الشيرازي: اللمع ٩، والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٦٠، ١٦١، وابن حجر: الفتح ١٢/ ١٠٨، ١٠٩.
[ ١٣ / ١٢٣ ]
إذا ورد خبران لبيان شيء واحد بحكمين متناقضين، تبعًا لتباين إدراك مَنْ يلتمسهما؛ إذ هنالك من لا ينتبه إلى سبب تضاد المحل أو الحال اللذين يُسَنُّ فيهما الحكمان المتغايران فيعتقد أن بينهما تعارضا، وفي الحقيقة أنه منتفٍ ألبتة؛ نظرًا لأنه يمكن أن يحمل كل واحد منهما على محل أو حال مختلفين تمامًا عن بعضهما، فيعمل بكل واحد في موضعه المناط به، بحسب القرائن التي ترشد إليه) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول الله (، أنه كان وهو بمصر يقول: والله ما أدري كيف أصنع بهذه الكرابيس) (٢) (، وقد قال رسول الله (: ﴿إذا ذهب أحدكم الغائط أو البول فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها بفرجه﴾) (٣) (.
وما روي عن أبي هريرة (أن النبي (: (نهى أن تستقبل القبلة لبول أو غائط» (٤) (.
فيعارضهما: ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: (إن أُناسًا يقولون إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس)، قال عبد الله: (لقد ارتقيت على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله (على لبنتين مستقبل بيت المقدس» (٥) (؛ أي: لحاجته، هذه رواية مالك عنه، وفي غير رواية مالك: (مستقبل بيت المقدس مستدبر القبلة)، وهو مفسر لما وقع في روايته) (٦) (.
_________________
(١) انظر: الشافعي: الرسالة ٢١٤، والغزالي: المستصفى ٢/ ٣٩٥، وابن قدامة: روضة الناظر ٣/ ١٠٢٩، وابن السبكي: الإبهاج ٢/ ٢١١، وابن نجيم: فتح الغفار ٢/ ١١٣، وأمير بادشاه: تيسير التحرير ٣/ ١٤٤.
(٢) الكرابيس: واحداها كرباس، وهو الكَنِيف؛ أي الخلاء، الذي يكون مشرفًا على سطح بقناة إلى الأرض، فإذا كان أسفل فليس بكرباس. انظر: ابن منظور: لسان العرب ٦/ ١٩٤، ٩/ ٣١٠.
(٣) أخرجه: مالك في الموطأ (٤٥٤) واللفظ له، والبخاري (٣٩٤)، ومسلم (٥٩/ ٢٦٤) .
(٤) أخرجه: مالك في المدونة ٢/ ٥٦٩.
(٥) أخرجه: مالك في الموطأ (٤٥٦)، والمدونة ٢/ ٥٦٩.
(٦) انظر: مالك: المدونة ٢/ ٥٦٩.
[ ١٣ / ١٢٤ ]
وقد بين مالك أن استعمال هذه الأحاديث كلها ممكن؛ إذ جعل حديث ابن عمر ﵄ مخصصًا لحديث أبي أيوب وأبي هريرة ﵄، وقال: إنما عنى بذلك الصحاري والفيافي ولم يعنِ بذلك القرى والمدائن، هذا قوله في المدونة، فعلى قوله فيها يجوز استقبال القبلة واستدبارها في القرى والمدائن من غير ضرورة إلى ذلك) (١) (.
وقد تعرض مالك لكثير من الأخبار التي تعارضت بسبب اختلاف أحوالها، وقام بالجمع بينها، وإزالة ما يكتنفها من تعارض، وذلك بإنزال كل واحد بحسب ما يقتضيه حاله؛ كي يعمل بها جميعا؛ فمن ذلك: مسألة محل سجود السهو) (٢) (، والصيام في السفر) (٣) (، والتقبيل للصائم) (٤) (، وأكل المحرم للحم الصيد الذي يهدى له) (٥) (، والخِطبة على الخِطبة) (٦) (، وحضانة الغلام) (٧) (.
المطلب الثالث: الجمع ببيان التقاء مدلولي الأمر أو النهي
_________________
(١) المصدر نفسه، نفس الموضع، بتصرف يسير.
(٢) انظر: مالك: الموطأ (٢٠٦- ٢١٥)، والمدونة ١/ ١٥٨- ١٦٤، والبخاري (٧١٤، ١٢٢٤)، ومسلم (٩٧/ ٥٧٣، ١٠١/ ٥٧٤) .
(٣) انظر: مالك: الموطأ (٦٥٤- ٦٦٢)، والمدونة ١/ ٢٠٩، ٢١٠.
(٤) انظر: مالك: الموطأ (٦٤٦، ٦٥٢)، والمدونة ١/ ٢٠٥، وأبو داود (٢٣٨٥)، والخطابي: معالم السنن ٣/ ٢٦٢.
(٥) انظر: مالك: الموطأ (٧٧٢- ٧٩١)، والمدونة ١/ ٣٩٠، وابن العربي: أحكام القرآن ٢/ ١٩٩- ٢٠١، وابن قدامة: المغني ٣/ ٣١٣، والكحلاني: سبل السلام ٢/ ١٩٤، والشوكاني: نيل الأوطار ٥/ ٢٠.
(٦) انظر: مالك: الموطأ (١١٠٠، ١١٠١)، وأحمد: المسند ٦/ ٤١٢، ٤١٣.
(٧) انظر: ابن رشد: بداية المجتهد ٢/ ٦٧، والشوكاني: نيل الأوطار ٦/ ٣٢٨- ٣٣٢.
[ ١٣ / ١٢٥ ]
أ- الجمع بحمل الأمر على الندب: إذا ورد خبران أحدهما يقتضي الفعل على جهة الوجوب، والثاني يجعل فعل ذلك الفعل مندوبا، فيصير حد التأويل الراجح جعل الخبر النادب قرينة صارفة لظاهر الأمر في الخبر الموجب من الوجوب إلى الندب، بحيث لا يترتب على فعله إثم) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن المغيرة بن شعبة (أن النبي (: (مسح أعلى الخف وأسفله» (٢) (.
فيقابله: ما روي عن علي (أنه قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله (: يمسح على ظاهر خفيه» (٣) (.
فذهب مالك مذهب الجمع بين هذين الحديثين، حيث حمل حديث المغيرة (على الاستحباب، وحديث علي (على الوجوب) (٤) (.
ومنها: ما روي عن أبي سعيد الخدري (أن رسول الله (قال: ﴿غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم﴾) (٥) (.
وما روي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله (قال: ﴿إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل﴾) (٦) (.
_________________
(١) انظر: الغزالي: المستصفى ١/ ٣٨٧، والكلوذاني: التمهيد ١/ ١٧٤، والقرافي: نفائس الأصول ٨/ ٣٨٤٨، ٣٨٤٩، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٣/ ٤٦١، والشوكاني: إرشاد الفحول ١٧٧.
(٢) أخرجه: الترمذي (٩٧)، وابن ماجه (٥٥٠)، وكلاهما بلفظه، وانظر أيضا: مالك: الموطأ (٧٠)، والبخاري (١٨٢)، ومسلم (٧٥/ ٢٧٤) .
(٣) أخرجه: أبو داود (١٦٣) .
(٤) انظر: مالك: المدونة ١/ ٨٥، ٨٦، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ٢٢، والكحلاني: سبل السلام ١/ ٥٨، ٥٩، والشوكاني: نيل الأوطار ١/ ١٨٤.
(٥) أخرجه: مالك في الموطأ (٢٢٦)، والبخاري (٨٧٩)، ومسلم (٥/ ٨٤٦)، وكلهم بلفظه.
(٦) أخرجه: مالك في الموطأ (٢٢٧)، والبخاري (٨٧٧)، وكلاهما بلفظه، ومسلم (١/ ٨٤٤) .
[ ١٣ / ١٢٦ ]
فيعارضهما: ما روي عن سالم بن عبد الله أنه قال: دخل رجل) (١) (من أصحاب رسول الله (المسجد يوم الجمعة، وعمر بن الخطاب يخطب، فقال عمر: (أية ساعة هذه)؟ فقال: (يا أمير المؤمنين، انقلبت من السوق فسمعت النداء فما زدت على أن توضأت)، فقال عمر: (والوضوء أيضًا وقد علمت أن رسول الله كان يأمر بالغسل» (٢) (.
وما روي عن سمرة بن جندب (أنه قال: قال رسول الله (: ﴿من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل﴾) (٣) (.
وقد جمع مالك بين هذه الأحاديث جميعا؛ حيث ذهب كما هو معروف من مذهبه إلى إمكانية حمل الأخبار التي صُرِّحَ فيها بأنه لا يجزئ غير الغسل على الندب، والقرينة الدالة عليه، هذه الأخبار المختلفة، والجمع بينها ما أمكن هو الواجب، وقد أمكن بهذا) (٤) (.
وبالرغم من ذلك: "فالأحوط للمؤمن ألاَّ يترك غسل الجمعة") (٥) (.
ومن الأوامر التي صرفها مالك من الوجوب إلى الندب: الغسل من غسل الميت) (٦) (، واستئذان البكر) (٧) (.
_________________
(١) هو: عثمان بن عفان (. انظر: مسلم (٤/ ٨٤٥) .
(٢) أخرجه: مالك في الموطأ (٢٢٥) واللفظ له، والبخاري (٨٧٨)، ومسلم (٣، ٤/ ٨٤٥) .
(٣) أخرجه: أبو داود (٣٥٤) واللفظ له، والترمذي (٤٩٧)، والنسائي (١٣٧٩) .
(٤) انظر: ابن العربي: أحكام القرآن ٤/ ٢٥٣، والكاساني: البدائع ١/٤٠٠، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ٢٠٢، والقرافي: نفائس الأصول ٨/ ٣٨٤٨، ٣٨٤٩، والكحلاني: سبل السلام ١/ ٨٨، والشنقيطي: نشر البنود ٢/ ٢٧٤، والشوكاني: نيل الأوطار ١/ ٢٣١، ٢٣٢.
(٥) الكحلاني: سبل السلام ١/٨٨.
(٦) انظر: الكحلاني: سبل السلام ١/ ٦٩، ٧٠، والشوكاني: نيل الأوطار ١/ ٢٣٧- ٢٣٩.
(٧) انظر: مالك: الموطأ (١١٠٣- ١١٠٦) .
[ ١٣ / ١٢٧ ]
ب- الجمع بحمل النهي على الكراهة: إذا ورد خبران وكان أحدهما ينهى عن فعل شيء، والثاني يجيزه بعينه، فَيُجْمَعُ بينهما بجعل الخبر المجيز دليلًا مانعًا للتحريم؛ لأنه بمقتضاه يمكن تأويل صيغة التحريم في الخبر المحرم من التحريم إلى الكراهة) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن أبي هريرة (: أن النبي (كان في جنازة، فرأى عمر امرأة فصاح بها، فقال النبي (: ﴿دعها يا عمر، فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب﴾) (٢) (.
وما روي عن أم عطية ﵂ أنها قالت: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا» (٣) (، قال النووي: "معناه نهانا رسول الله (عن ذلك نهي كراهة تنزيه لا نهي عزيمة تحريم") (٤) (.
فيعارضهما: ما روي عن علي (إذ قال: خرج رسول الله (، فإذا نسوة جلوس، قال: ﴿ما يجلسكن؟﴾ قلن: ننتظر الجنازة، قال: ﴿هل تغْسلن؟﴾ قلن: لا، قال: ﴿هل تحملن؟﴾ قلن: لا، قال: ﴿هل تدلين فيمن يدلي؟﴾ قلن: لا، قال: ﴿فارجعن مأزورات غير مأجورات﴾) (٥) (.
غير أن مالكًا أجاز اتباع النساء للجنائز، وكرهه للشابة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من فتنة؛ لأنه حمل حديث النهي ههنا على التنزيه بقرينة حديثي الجواز) (٦) (.
_________________
(١) انظر: السرخسي: أصول السرخسي ١/١٩، والغزالي: المستصفى ١/ ٤٣٥، وابن الحاجب: المختصر ٢/٩١، والقرافي: شرح تنقيح الفصول ١٣٩- ١٤١، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦- ٦٠.
(٢) أخرجه: ابن ماجه (١٥٨٧) .
(٣) متفق عليه: البخاري (١٢٧٨)، ومسلم (٣٥/ ٩٣٨)، وكلاهما بلفظه.
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي ٢/٧.
(٥) أخرجه: ابن ماجه (١٥٧٨) .
(٦) انظر: مالك: المدونة ١/٢٠٠، وابن عبد البر: الكافي ١/ ٢٨٣، والنووي: صحيح مسلم بشرحه ٢/٧، والشوكاني: نيل الأوطار ٤/١١١.
[ ١٣ / ١٢٨ ]
ومن النواهي التي تفيد التنزيه لا التحريم عند مالك: ما جاء في الحجامة وإجارة الحجام) (١) (.
المطلب الرابع: الجمع بين الخبرين العامين
إذا كان الخبران على وزان واحد في القوة، وكذا العموم؛ بأن يصدق كل منهما على كل ما يصدق عليه الآخر، وأمكن الجمع بينهما بإنزال كل واحد على حال مغاير لما أنزل عليه الآخر، جمع؛ لأنه أولى من إلغاء أحدهما) (٢) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن زيد بن خالد الجُهَنِي (، أن رسول الله (قال: ﴿ألا أخبركم بخير الشهداء: الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها﴾) (٣) (.
فيقابله: ما روي عن عمران بن حصين ﵄ حيث قال: قال النبي (: ﴿خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم﴾ . قال عمران: لا أدري أذكر النبي (بَعْدُ: قرنين أو ثلاثة، قال النبي (: ﴿إن بعدكم قومًا يَخونون ولا يُؤتمنون، ويَشهدون ولا يُستشهدون، ويَنذرون ولا يَفُون، ويظهر فيهم السِّمَنُ﴾) (٤) (.
وقد جمع مالك بينهما؛ إذ حمل الأول على المبادر بالشهادة وهو يعلم أن المشهود له عالم بها، فهذا قبيح؛ لعدم الحاجة إلى مبادرته حينئذٍ.
بخلاف من بادر ليخبر صاحبها، وهو لا يعلم بها، أو يخبر ورثته بعد وفاته، أو من يتحدث عنهم بذلك، فهذا حسن؛ لأنه يوصل إلى الحق) (٥) (.
المطلب الخامس: الجمع بين الخبرين الخاصين
_________________
(١) انظر: مالك: الموطأ (١٧٧٨- ١٧٨٠)، وابن رشد: بداية المجتهد ٢/٢٥٢، ٢٥٣، والنووي: صحيح مسلم بشرحه ١٠/٢٣٣، والكحلاني: سبل السلام ٣/٨٠، والشوكاني: نيل الأوطار ٥/٢٨٤- ٢٨٦.
(٢) انظر: المراجع نفسها، نفس المواضع.
(٣) أخرجه: مالك في الموطأ (١٣٩٩)، ومسلم (١٩/ ١٧١٩)، وكلاهما بلفظه.
(٤) متفق عليه: البخاري (٢٦٥١) واللفظ له، ومسلم (٢١٤/ ٢٥٣٥) .
(٥) انظر: ابن حجر: الفتح ٥/٣٠٧، والشنقيطي: نشر البنود ٢/ ٢٧٤.
[ ١٣ / ١٢٩ ]
إذا كان الخبران على استواء واحد في القوة، وكذا خاصين في الدلالة؛ أي: أن كلًا منهما خاص بالنسبة للآخر؛ لعدم تناول أحدهما ما يتناوله الثاني، وأمكن الجمع بينهما بحمل كل واحد على خلاف ما يحمل عليه معارضه، جمع؛ لأنه أولى من إلغاء أحدهما كما سبق) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كان النساء يبعثن إليها بالدِّرْجَةِ) (٢) (فيها الكُرْسُفُ) (٣) (فيه الصُّفْرَةُ من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة فتقول لهن: لا تعجلن حتى تَرَيْنَ القَصَّة البيضاء» (٤) (، تريد بذلك الطهر من الحيضة) (٥) (.
فيقابله: ما روي عن أم عطية ﵂ إذ قالت: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئا» (٦) (، وفي رواية أخرى: (بعد الطهر شيئا» (٧) (.
وقد رام مالك في إحدى الروايتين عنه الجمع بينهما، إذ ذهب إلى أن خبر عائشة ﵂ في إثر انقطاع الدم، وخبر أم عطية ﵂ هو بعد انقطاعه، أو أن خبر عائشة ﵂ هو في أيام الحيض، وخبر أم عطية ﵂ في غير أيام الحيض) (٨) (.
_________________
(١) انظر: المحلي: شرح الورقات ٥٧، والمارديني: الأنجم الزاهرات ١٩٦.
(٢) الدِّرْجَة: جمع دُرْج، وهو كالسَّفَط؛ أي الوعاء الصغير تضع فيه المرأة خِف متاعها وطيبها. انظر: ابن الأثير: النهاية ٢/١١١، وابن منظور: لسان العرب ٢/ ٢٦٩، ٧/٣١٥.
(٣) الكرسف: جمع كرسفة، وهو القطن. انظر: ابن الأثير: النهاية ٤/١٦٣، وابن منظور: لسان العرب ٩/٢٩٧.
(٤) القصة البيضاء: هي أن تخرج القطنة أو الخرقة التي تحتشي بها الحائض كأنها قَصَّةٌ بيضاء لا يخالطها صُفرة ولا كُدْرة. انظر: ابن الأثير: النهاية ١/١٢١، ٤/٧١، وابن منظور: لسان العرب ٧/٧٧.
(٥) أخرجه: مالك في الموطأ (١٢٦) .
(٦) ٤٩) أخرجه: البخاري (٣٢٦) .
(٧) أخرجه: أبو داود (٣٠٧) .
(٨) ابن رشد: بداية المجتهد ١/٦٢ بتصرف يسير، وانظر أيضا: مالك: المدونة ٢/ ٥٩٢.
[ ١٣ / ١٣٠ ]
المطلب السادس: الجمع بين الخبرين لتعارضهما في العموم والخصوص المطلق
إذا كان الخبران المتعارضان بينهما عموم وخصوص مطلق، بمعنى أن يكون أحدهما عامًا في دلالته والآخر خاصا، ثم تجتمع دلالتهما العامة والخاصة تلك في شيء، ثم ينفرد العام في أحدهما عن الخاص في الثاني بصدد شيء آخر، فحينئذٍ يُجمع بينهما بحمل العام على الخاص، وذلك بأن يعمل بالخاص فيما دلّ عليه، ويعمل بالعام فيما انفرد به عنه) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن أبي هريرة (أن رسول الله (انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله، فقال رسول الله (: ﴿أصدق ذو اليدين؟﴾ فقال الناس: نعم، فقام رسول الله (فصلى ركعتين أُخريين، ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع) (٢) (
فيقابله: ما روي عن ابن مسعود (أنه قال: قال رسول الله (: ﴿إن الله يُحدث من أمره ما يشاء، وإن الله (قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة﴾) (٣) (.
وما روي عن زيد بن أرقم (أنه قال: (إنْ كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي (يُكلم أحدنا صاحبه بحاجته حتى نزلت (حافظوا على الصلاة () (٤) (الآية فأمرنا بالسكوت» (٥) (.
_________________
(١) انظر: البصري: المعتمد ١٧٦، والباجي: إحكام الفصول ١/١٦٠- ١٦٢، والإشارة ١٩٦- ١٩٨، والآمدي: الإحكام ٤/٤٧٤، ٤٧٥، والعضد: شرح المختصر ٢/٣١٤، والزركشي: البحر المحيط ٦/١٦٥، والمحلي: شرح الورقات ٥٥، ٥٦، والمارديني: الأنجم الزاهرات ١٩٤، ١٩٥، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٧٤، وأمير بادشاه: تيسير التحرير ٣/ ١٥٩، وبحر العلوم: فواتح الرحموت ٢/ ٢٠٦.
(٢) أخرجه: مالك في الموطأ (٢٠٦) واللفظ له، والمدونة ١/ ١٥٨، والبخاري (٧١٤)، ومسلم (٩٩/ ٥٧٣) .
(٣) أخرجه: أبو داود (٩٢٤) واللفظ له، والنسائي (١٢٢٠) .
(٤) من الآية ٢٣٨ من سورة البقرة.
(٥) متفق عليه: البخاري (١٢٠٠) واللفظ له، ومسلم (٣٥/ ٥٣٩) .
[ ١٣ / ١٣١ ]
وما روي عن معاوية بن الحكم (أنه قال: سمعت رسول الله (يقول: : ﴿إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن﴾) (١) (.
وقد بين مالك أن هذه الأخبار غير متعارضة، وأن الجمع بينها ممكن؛ لأنه لم يتمسك بظواهر ما يقتضي منها تحريم الكلام في الصلاة كيف كان؛ أي: على العموم، وإنما ذهب إلى تخصيصها بالخبر الذي يفيد أن من تكلم فيها متعمدًا على جهة إصلاحها، أو ناسيا، بنى على صلاته ولم يعدها، إن كان قليلًا غير متباعد، وسجد سجدتي السهو بعد السلام، وإن كان مع الإمام فإنه يحمل ذلك عنه) (٢) (.
وتعرض مالك كذلك لجملة من المسائل التي تباينت فيها الأخبار لتباين العام والخاص، فجمع بينها بحمل العام على الخاص، من ذلك: ما يقوله السامع للمؤذن) (٣) (، واشتراط النصاب في زكاة النبات) (٤) (وجناية البهيمة) (٥) (.
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٣٣/ ٥٣٧) .
(٢) انظر: مالك: المدونة ١/ ١٣٤، ١٥٨، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ١٤٣، ١٤٤، وابن قدامة: المغني ٦/ ٦٩٥.
(٣) انظر: مالك: المدونة ١/ ١٠١، ١٠٢، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ١٣١، وابن قدامة: المغني ٢/ ٤٢٧، والكحلاني: سبل السلام ١/ ١٢٧، والشوكاني: نيل الأوطار ٢/ ٥٢.
(٤) انظر: مالك: الموطأ (٦١٢)، والمدونة ١/ ٣٢١، ٣٢٢، والغزالي: المستصفى ٢/ ١٤١، وابن العربي: أحكام القرآن ١/ ٣١٣، ٢/ ٢٨٧، ٢٨٨، والحازمي: الاعتبار ٣٨، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ٣٥٣، ٣٥٤، وابن قدامة: المغني ٦/ ٦٩٥، ٦٩٦، والنووي: صحيح مسلم بشرحه ٧/ ٥٤، وابن الهمام: فتح القدير ٢/ ٢٤١- ٢٥٨، والمحلي: شرح الورقات ٥٨، والمارديني: الأنجم الزاهرات ١٩٨، ١٩٩.
(٥) انظر: مالك: الموطأ (١٤٣١)، والبخاري (١٤٩٩)، ومسلم (٤٥/ ١٧١٠)، والدارقطني: سنن الدارقطني (٣٢٧٣، ٣٣٥٢)، والبيهقي: السنن الكبرى ٨/ ٣٤١، والكحلاني: سبل السلام ٣/ ٢٦٤، والشوكاني: نيل الأوطار ٥/ ٣٢٥.
[ ١٣ / ١٣٢ ]
المطلب السابع: الجمع بين الخبرين لتعارضهما في العموم والخصوص الوجهي
إذا كان الخبران المتعارضان بينهما عموم وخصوص وجهي، وذلك بأن تلتقي دلالتهما العامة والخاصة على شيء، وينفرد أيضًا كل منهما في شيء آخر، فإنه والحال كذلك نخصص عموم الأول بالخصوص الكائن في الثاني، ثم نعكس؛ أي: نخصص عموم الثاني بالخصوص الوارد في الأول، ولا يتأتى العمل بأحدهما معينًا من غير مرجح لما في ذلك من التحكم) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: أن مالكًا قال في المدونة: "قال رسول الله (: ﴿من نسي صلاة فليصلها حين يذكرها﴾) (٢) (، قال: ومن ذكر صلاة نسيها فليصلها إذا ذكرها في أية ساعة كانت من ليل أو نهار عند مغيب الشمس أو عند طلوعها، قال: وإن بدا حاجب الشمس فليصلها، قال: وإن غاب بعض الشمس فليصلها إذا ذكرها ولا ينتظر، وذلك أن رسول الله (قال: ﴿من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها﴾، قال مالك: فوقتها حين يذكرها فلا يؤخرها عن ذلك") (٣) (.
ولمسلم عن أنس بن مالك (: (من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (٤) (.
فيعارض ذلك أخبار أخرى تفيد انه لا تجوز الصلاة أيًّا كانت فريضة مقضية، أو سنة، أو نافلة، في أوقات معينة بإطلاق منها:
ما روي عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله (قال: ﴿لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها﴾) (٥) (.
_________________
(١) انظر: المحلي: شرح الورقات ٥٩، والمارديني: الأنجم الزاهرات ١٩٨، والشنقيطي: مذكرة أصول الفقه ٣٢٢.
(٢) وأخرجه أيضا: مالك في الموطأ (٢٤)، والبخاري (٥٩٧)، ومسلم (٣١٤/ ٦٨٤) .
(٣) ١/ ١٥٣، ١٥٤، وانظر أيضا: ابن رشد: بداية المجتهد ١/ ١٢٣.
(٤) ٣١٥/ ٦٨٤) .
(٥) أخرجه: مالك في الموطأ (٥١٥)، والبخاري (٥٨٥)، ومسلم (٢٨٩/ ٨٢٨)، وكلهم بلفظه.
[ ١٣ / ١٣٣ ]
وما روي عن أبي هريرة (: أن رسول الله (: (نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس» (١) (.
وما روي عن عقبة بن عامر (أنه قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله (ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نَقْبُرَ فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضَيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب» (٢) (.
إذًا إذا انضافت الأوقات المكروهة فيها الصلاة، المذكورة في هذه الأخبار إلى بعضها بعضًا كانت خمسة وهي: بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وحين طلوع الشمس حتى ترتفع، وحين زوال الشمس وقت الظهر، وبعد العصر حتى تغيب الشمس، وحين تميل الشمس للغروب.
وقد بين مالك أن هذه الأخبار المتعارضة تدل على بعضها بعضا، لأن أول خبرين عامان في الأوقات؛ أي: أنهما يدلان على أنه يجوز لمن فاتته صلاة بنسيان أو نوم قضاؤها في أي وقت من الأوقات منهي عن الصلاة فيه أو غير منهي، خاصان من جهة الصلاة في الصلاة الفائتة، والأخبار الثلاثة المباينة لهما، عامة في الصلاة؛ أي: تدل على عدم الصلاة مطلقًا سواء كانت فائتة أم لا، وسواء كان لها سبب أم لا، خاصة من جهة الأوقات في الأوقات المكروهة كما ترشد أوجه دلالتها.
_________________
(١) أخرجه: مالك في الموطأ (٥١٦) واللفظ له، والبخاري (٥٨٨)، ومسلم (٢٨٥/ ٨٢٥) .
(٢) أخرجه: مسلم (٢٩٣/ ٨٣١) .
[ ١٣ / ١٣٤ ]
وبناء على ذلك أثبت مالك أن نهي النبي (ههنا لا يناط بكل صلاة لزمت المصلي بوجه من الوجوه، وإنما استثنى قضاء الصلوات المفروضة إذا فاتت لناسٍ في أي وقت ذكرها، أو لنائم حينما يستيقظ، وبذلك أكد أن النهي في هذه الأوقات يختص بالنوافل سواء كانت تفعل لسبب كتحية المسجد أم لغير سبب) (١) (.
المطلب الثامن: الجمع ببيان المقيد للمطلق
إذا تعارض خبران وكان أحدهما مطلقًا والثاني مقيدا، فإنه يجمع بينهما باتفاق العلماء بحمل المطلق على المقيد) (٢) (؛ لكنهم اختلفوا في الحالات التي يجوز فيها الحمل من عدمه) (٣) (، وكما لا يخفى عليك فإن المجال لا يتسع لذكرها ومناقشتها ههنا؛ ولكنَّ الذي يعنينا في هذا المقام ذكر أمثلة تطبيقية تبين مذهب مالك في الجمع ببيان المقيد للمطلق، وذلك فيما يأتي:
روي عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي (قال: ﴿الطفل لا يُصلى عليه، ولا يرث، ولا يورث حتى يستهل﴾) (٤) (.
_________________
(١) انظر: مالك: المدونة ١/ ١٥٣، ١٥٤، والشافعي: الرسالة ٣١٦- ٣٣٠، والأم ١/ ٩٧، ٩٨، والخطابي: معالم السنن ١/ ٢٥٠، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ١٢٣، ١٢٤، وابن قدامة: المغني ٢/ ١٠٧، وابن الهمام: فتح القدير ١/ ٢١٧- ٢٣٩، والكحلاني: سبل السلام ١/ ١١١- ١١٤، والشوكاني: نيل الأوطار ٢/ ٢٥- ٢٨.
(٢) انظر: العضد: شرح المختصر ٢/ ٣١٤، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٧٥، ٦٧٦.
(٣) انظر: الشيرازي: اللمع ٤٣، ٤٤، وابن قدامة: روضة الناظر ٢/ ٧٦٥- ٧٦٩، والقرافي: شرح تنقيح الفصول ٢٦٦- ٢٦٨، وبحر العلوم: فواتح الرحموت ١/ ٣٦١- ٣٦٨، والشوكاني: إرشاد الفحول ١٦٤- ١٦٦.
(٤) أخرجه: الترمذي (١٠٣٢) واللفظ له، وابن ماجه (١٥٠٨) .
[ ١٣ / ١٣٥ ]
فيعارضه: ما روي عن المغيرة بن شعبة (أن النبي (قال: ﴿الطفل يُصلى عليه﴾) (١) (.
فدفعًا للتعارض وجمعًا بين الحديثين، ذهب مالك إلى أن الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث ولا يُورث ولا يسمى ولا يغسل ولا يحنط حتى يستهل صارخا؛ لأنه حمل حديث المغيرة (المنتشر بلا قيد، على القيد الذي ذكر في حديث جابر () (٢) (.
ومن ذلك: ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (من لم يجد نعلين فليلبس خفين؛ وليقطعهما أسفل من الكعبين» (٣) (.
فيقابله: ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (سمعت النبي (يخطب بعرفات من لم يجد إزارًا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين» (٤) (.
فمن أجل التوفيق بين الحديثين، ذهب مالك: إلى أن هذا القطع واجب؛ إذ رأى أن حديث ابن عباس ﵄ مطلق عن شرط القطع، فلم يبق على شيوعه، وإنما يحمل على حديث ابن عمر ﵄ المقيد بالقطع) (٥) (
المطلب التاسع: الجمع ببيان الاختلاف من جهة المباح
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (٣١٨٠)، والترمذي (١٠٣١)، والنسائي (١٩٤٢)، وابن ماجه (١٥٠٧)، وكلهم بلفظه ما عدا أبا داود جاء في روايته السقط بدلًا من الطفل.
(٢) انظر: المدونة ١/ ١٩٣، وابن العربي: أحكام القرآن ٣/ ٢٧٣، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ٣١٤.
(٣) أخرجه: مالك في الموطأ (٧١٥)، والبخاري (١٥٤٢)، ومسلم (٣/ ١١٧٧)، واللفظ لمالك ومسلم.
(٤) متفق عليه: البخاري (٥٨٠٤) واللفظ له، ومسلم (٤/ ١١٧٨) .
(٥) انظر: مالك: المدونة ١/ ٨٦، ٤١٢.
[ ١٣ / ١٣٦ ]
إذا جاء عن الرسول (فعلان متباينان فأزيد، لأمر واحد، بأن يفعل أحدهما تارة ويتركه تارة أخرى، أو يفعل نقيضه، وتيسر استخدامها كلها لكونها مباحة، تعين استخدامها، وعلى المكلف فعل أحدها على سبيل التخيير، ومن الأمثلة على ذلك: ما قاله مالك: في المدونة: "قد اختلفت الآثار في التوقيت يريد في الأعداد، وروي أن رسول الله (توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثًا ثلاثًا ومرتين في بعض الأعضاء وثلاثًا في بعضها، وليس الاختلاف في هذا اختلاف تعارض وإنما هو اختلاف تخيير وإعلام بالتوسعة") (١) (.
ومنها: مسح الوضوء بالمنديل) (٢) (.
المبحث الثاني: النسخ بين الأحاديث المتعارضة
إذا كان النسخ بين الأخبار متحققا، فإن مالكًا لا يعمد ألبته إلى دحضه بأي وجه من وجوه الجمع المعتبرة، وإنما امتثالًا وإذعانًا لما كشف عنه الشارع الحكيم، يلجأ مباشرة إلى نسخ أحدهما بالآخر؛ وذلك بأن يحكم أن المتأخر منهما رافع لحكم المتقدم) (٣) (، وأشهر القرائن وأثبتها التي يستدل بها على معرفة ذلك أربعة، وهي: ما يعرف بتصريح الرسول (، أو بتصريح الصحابي، أو بالتاريخ، أو بدلالة الإجماع) (٤) (، وإليك القول الجملي فيها:
_________________
(١) ٢/ ٥٦٤، وانظر أيضا: الموطأ (٣١)، والبخاري (١٥٧- ١٦٠)، ومسلم (٣/ ٢٢٦- ١٨/ ٢٣٥)، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ١٥، والشوكاني: نيل الأوطار ١/ ١٤١، ١٧٢، ١٧٣.
(٢) انظر: مالك: المدونة ١/ ٦٩، ٧٠، والشوكاني: نيل الأوطار ١/ ١٧٥، ١٧٦.
(٣) انظر: ابن الصلاح: علوم الحديث ٢٧٧، وابن الحاجب: المختصر ٢/ ١٨٥، ٣٠٩، ٣١٠، والقرافي: شرح تنقيح الفصول ٤٢١، وابن القيم: اعلام الموقعين ١/ ٣٥، والشاطبي: الموافقات ٣/ ٨١، ٤/ ٨٨، والشنقيطي: نشر البنود ٢/ ٢٧٣، ومحمد منصور: منزلة السنة ٤٣٦- ٤٤٢.
(٤) انظر: الشافعي: الأم ٥/ ٥٩٩، وابن الصلاح: علوم الحديث ٢٧٧، ٢٧٨.
[ ١٣ / ١٣٧ ]
١- ما يعرف بتصريح الرسول (: ومن أمثلته: ما روي عن أبي سعيد الخدري (أنه قَدِمَ من سفر، فقدم إليه أهله لحما، فقال أبو سعيد: ألم يكن رسول الله (نهى عنها؟ فقالوا: إنه قد كان من رسول الله (بعد أمر، فخرج أبو سعيد فسأل عن ذلك فَأُخْبِرَ أن رسول الله (قال: ﴿نهيتكم عن لحوم الأضحى بعد ثلاث، فكلوا وتصدقوا وادَّخِروا، ونهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، وكل مسكر حرام، ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هُجْرا﴾ . يعني لا تقولوا سُوءَا) (١) (.
٢- ما يعرف بقول الصحابي: ومن أمثلته: حديث أُبَي بن كعب (أن الفُتيا التي كانوا يفتون أن (الماء من الماء» (٢) (كانت رخصة رخصها رسول الله (في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد) (٣) (.
ومنها: ما روي عن أبي هريرة (عن رسول الله (أنه قال: ﴿توضئوا مما مست النار﴾) (٤) (.
_________________
(١) أخرجه: مالك في الموطأ (١٠٤٢)، وانظر أيضا: مسلم (٣٩، ٤١/ ١٩٧٧)، والشيرازي: اللمع ٦١، والغزالي: المستصفى ١/ ١٢٨، والحازمي: الاعتبار ٢٠٠- ٢٠٢، ٢٣٣- ٢٣٧، وابن قدامة: روضة الناظر ١/ ٣١٤، وابن الصلاح: علوم الحديث ٢٧٧، والقرافي: نفائس الأصول ٩/ ٣٩٠٤، والعضد: شرح المختصر ٢/ ١٩٥، ١٩٦، والسيوطي: تدريب الراوي ٢/ ١٩٠، ١٩١، وأمير بادشاه: تيسير التحرير ٣/ ٢٢٢، وبحر العلوم: فواتح الرحموت ٢/ ٩٥، والشوكاني: إرشاد الفحول ١٩٧.
(٢) أخرجه: من حديث أبي سعيد الخدري (مسلم (٨٠/ ٣٤٣) .
(٣) أخرجه: أبو داود (٢١٥) واللفظ له، والترمذي (١١٠)، وابن ماجه (٦٠٩)، وانظر أيضا: مالك: المدونة ١/ ٧٨، ٧٩، ومسلم (٨٧- ٨٩/ ٣٤٨- ٣٥٠)، والحازمي: الاعتبار ٥٢- ٦١، وابن الصلاح: علوم الحديث ٢٧٧، وآل تيمية: المسودة ٢٢٢، والسيوطي: تدريب الراوي ٢/ ١٩١.
(٤) أخرجه: مسلم (٩٠/ ٣٥٢) .
[ ١٣ / ١٣٨ ]
ثم نسخ ذلك بما روي عن جابر (إذ قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله (ترك الوضوء مما غيرت النار» (١) (.
٣- ما يعرف بالتاريخ: كحديث شداد بن أوس (أن رسول الله (أتى على رجل بالبقيع، وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال: ﴿أفطر الحاجم والمحجوم﴾) (٢) (.
فيقابله: حديث ابن عباس ﵄ إذ قال: (احتجم النبي (وهو صائم» (٣) (.
وقد ذهب مالك إلى أن خبر شداد (كان عام الفتح سنة ثمان، بينما خبر ابن عباس ﵄ كان عام حجة الإسلام سنة عشر؛ أي: بعده بسنتين فيكون ناسخًا له) (٤) (.
٤- ما يعرف بدلالة الإجماع: كحديث معاوية بن أبي سفيان (، قال: قال رسول الله (: ﴿إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاقتلوهم﴾) (٥) (.
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (١٩٢) واللفظ له، والنسائي (١٨٥)، وانظر أيضا: الشيرازي: اللمع ٦١، والحازمي: الاعتبار ٧٧- ٨٦، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ٤٦، وابن الصلاح: علوم الحديث ٢٧٧، ٢٧٨، والسيوطي: تدريب الراوي ٢/ ١٩١.
(٢) أخرجه: أبو داود (٢٣٦٩) واللفظ له، وابن ماجه (١٦٨١) .
(٣) أخرجه: البخاري (٥٦٩٤) .
(٤) انظر: مالك: الموطأ (٦٦٣- ٦٦٥)، والشافعي: الأم ٥/ ٦٤٠، والحازمي: الاعتبار ٢١٦، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ٢٩٣، ٢٩٤، وابن الصلاح: علوم الحديث ٢٧٨، والسيوطي: تدريب الراوي ٢/ ١٩١، ١٩٢.
(٥) أخرجه: أبو داود (٤٤٨٢) واللفظ له، والترمذي (١٤٤٤)، وابن ماجه (٢٥٧٣) .
[ ١٣ / ١٣٩ ]
فقتل شارب الخمر في المرة الرابعة كان في أول الأمر ثم نسخ بعد، بانعقاد الإجماع على وضعه، والإجماع كما يدل الاستقراء والتمحيص لا ينسخ نصا؛ لأنه لا ينعقد إلاّ بعد انتهاء زمن النص، والنسخ لا يكون إلاّ بنص، ولكن يدل على وجود ناسخ غيره) (١) (.
المبحث الثالث: الترجيح بين مختلف الحديث
ذكر العلماء وجوهًا للترجيح بين مختلف الحديث تكاد تتجاوز العد كثرة) (٢) (، أو حتى لا تتناهى) (٣) (، كما أن هنالك منها ما هو افتراضي، لا يمت إلى الواقع بصلة، وليس له أثر في الفقه، ولكن يمكن من رام هذه الصناعة أن يقف من تلقاء نفسه على تلك المرجحات التي لا تنحصر دون حاجة إلى تعدادها؛ لأن مثارها غلبة الظن) (٤) (، إلاّ أن المتأمل فيها يجدها تتداخل فيما بينها؛ لذلك آثرت تيسيرًا لإدراكها، وتنظيمًا للعمل، ردها جميعًا وحصرها وضبطها في ثلاثة مطالب إجمالية، بحيث يندرج ما عداها تحتها) (٥) (وهي:
المطلب الأول: الترجيح من جهة الأسانيد وما يتعلق بها
_________________
(١) انظر: مالك: الموطأ (١٥٣٠- ١٥٣٣)، والمدونة ٦/ ٢٨٤٨، والشافعي: الأم ٥/ ٥٥٠،٦٤٢، ٦٤٣، والترمذي (١٤٤٤)، والخطابي: معالم السنن ٦/ ٢٨٧، والبيهقي: السنن الكبرى ٨/ ٣١٤، والحازمي: الاعتبار ٢٩٨- ٣٠٠، وابن الصلاح: علوم الحديث ٢٧٨، والسيوطي: تدريب الراوي ٢/ ١٩١، ١٩٢.
(٢) انظر: الحازمي: الاعتبار ١٤، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٦٣- ٤٦٨، والأرموي: التحصيل ٢/ ٢٦٣- ٢٧٠، وابن السبكي: الإبهاج ٣/ ٢١٨- ٢٣٣، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٤٩- ١٧٩، والسيوطي: تدريب الراوي ٢/ ١٩٨، والعبادي: الآيات البينات ٤/ ٢٩٧، والشوكاني: إرشاد الفحول ٢٧٦- ٢٨٠.
(٣) انظر: ابن رشد: الضروري ١٤٦.
(٤) انظر: الباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٤٥، وابن رشد: الضروري ١٤٦، والرازي: المحصول ٥/ ٤٤٣، والأنصاري: غاية الوصول ١٤٧، والشوكاني: إرشاد الفحول ٢٧٨
(٥) انظر: الغزالي: المستصفى ٢/ ٣٩٥، وابن قدامه: روضة الناظر ٣/ ١٠٣٠- ١٠٣٨.
[ ١٣ / ١٤٠ ]
في هذا المطلب أعرض وجوه الترجيح المندرجة تحته في قسمين: الأول منهما يتناولها باعتبار حال الراوي، أما الثاني فباعتبار مجموع السند؛ أي: قوته في مجموعه، وذلك فيما يأتي:
القسم الأول: وجوه الترجيح باعتبار حال الراوي
الوجه الأول: الترجيح بقوة الحفظ وزيادة الضبط وما في معناهما:
أن يكون راوي أحد الخبرين أحفظ وأضبط، وراوي الذي يعارضه دون ذلك، وإن كان كل واحد منهما ثقة يحتج بروايته إذا انفرد، فيقدم خبر الحافظ الضابط؛ لأن الثقة بروايته أكثر) (١) (، ومثاله) (٢) (: ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله (قال: ﴿من أعتق شِرْكًا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّمَ عليه قيمة العدل، فأعطى شركاءه حِصَصَهُم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ﴾) (٣) (.
_________________
(١) انظر: البصري: المعتمد ١٧٩، ١٨٠، والباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٤٨، ٦٤٩، والإشارة ٣٣١، وإمام الحرمين: البرهان ٢/ ١١٦٦، ١١٦٧، والغزالي: المستصفى ٢/ ٣٩٥، والسمرقندي: الميزان ٧٣٣، وابن قدامة: روضة الناظر ٣/ ١٠٣٢، وابن الحاجب: المختصر ٢/ ٣١٠، والأرموي: الحاصل ٢/ ٩٧٧، ٩٧٨، والقرافي: شرح تنقيح الفصول ٤٢٢، والأرموي: التحصيل ٢/ ٢٦٤، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٥٦، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٣٥، وأمير بادشاه: تيسير التحرير ٣/ ١٦٣، والشنقيطي: نشر البنود ٢/ ٢٧٨.
(٢) انظر: الباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٤٨، ٦٤٩، وابن رشد: بداية المجتهد ٢/ ٤٠٠- ٤٠١.
(٣) الموطأ (١٤٥٨)، والبخاري (٢٥٢٢)، ومسلم (١/ ١٥٠١)، واللفظ لمالك ومسلم.
[ ١٣ / ١٤١ ]
فيعارضه: ما رواه الشيخان عن بشر بن محمد) (١) (عن عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبي عروبة) (٢) (عن قتادة عن النضر بن أنس) (٣) (عن بشير بن نَهيك) (٤) (عن أبي هريرة (عن النبي (قال: ﴿من أعتق شَقيِصًا من مملوكه فعليه خَلاصُهُ في ماله فإن لم يكن له مال قُوِّمَ المملوك قيمة عَدْل، ثم اسْتُسْعِيَ غير مشقوق عليه﴾) (٥) (.
وقد رجح مالك ما رواه؛ لأنه رواه كما ذكرنا آنفًا عن نافع عن ابن عمر ﵄ وهم جميعًا حفاظ أئمة) (٦) (، قال البخاري: أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄) (٧) (، بخلاف الخبر المخالف؛ إذ رواه سعيد بن أبي عروبة وهو كما بينا في ترجمته كثير التدليس واختلط.
الوجه الثاني: الترجيح بكثرة المزكين للراوي:
_________________
(١) هو: بشر بن محمد السَّخْتياني، أبو محمد، المَرْوزي، صدوق، رُمي بالإرجاء، توفى سنة ٢٢٤هـ. له ترجمة في: المزي: تهذيب الكمال (٦٩٣)، وابن حجر: تهذيب التهذيب ١/ ٤٠١.
(٢) هو: سعيد بن أبي عروبة، أبو النضر البصري، ثقة حافظ، لكنه كثير التدليس واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة، توفي سنة ١٥٧هـ. له ترجمة في: ابن النديم: الفهرست ٣٧٥العارفين ٥/ ٣٨٧.
(٣) هو: النضر بن أنس بن مالك الأنصاري، أبو مالك البصري، ثقة، روى عن أبيه وابن عباس، مات سنة بضع ومائة. له ترجمة في: المزي: تهذيب الكمال (٧٠١١)، وابن حجر تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٨٩.
(٤) هو: بشير بن نَهيك، السدوسي، ويقال: السلولي، أبو الشعتاء البصري، تابعي، وثقة العِجْلِي والنسائي، وضعفه أبو حاتم. له ترجمة في: الذهبي: الميزان (١٤٣٩)، وابن حجر: تهذيب التهذيب ١/ ٤١٢، ٤١٣.
(٥) متفق عليه: البخاري (٢٤٩٢) واللفظ له، ومسلم (٣/ ١٥٠٣) .
(٦) انظر: الباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٤٩.
(٧) انظر: ابن حجر: تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٦٩.
[ ١٣ / ١٤٢ ]
أن تكون كثرة المزكين في جانب أحد الخبرين فيرجح على الآخر؛ لأن التزكية مؤثرة للغاية في باب الرواية؛ لأنها ترفع مرتبتها وتؤكد صحتها) (١) (، ومن أمثلته ما روي عن أبي هريرة (عن النبي (أنه قال: ﴿من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء﴾) (٢) (.
وما روي عن بسرة بنت صفوان ﵂ أنها سمعت رسول الله (يقول: ﴿إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ﴾) (٣) (.
فيقابلهما: ما روي عن قيس بن طلق) (٤) (عن أبيه (قال: خرجنا وفدًا حتى قدمنا على رسول الله (فجاءه رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول الله، ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ فقال: ﴿وهل هو إلاّ مُضغة منك﴾) (٥) (
غير أن مالكًا قدم حديثي أبي هريرة وبسرة ﵄؛ لأن رواتهما كَثُرَ مزكوهم، على حديث طلق (؛ لأنهم قلوا: بل واختلف أيضًا في عدالتهم) (٦) (.
الوجه الثالث: الترجيح بتأخر إسلام الراوي:
_________________
(١) انظر: ابن السبكي: الإبهاج ٣/ ٢٢٢، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٥٦، والشنقيطي: نشر البنود ٢/ ٢٧٩، والعطار: حاشية العطار ٢/ ٤٠٦، ٤٠٧.
(٢) أخرجه: أحمد في المسند ٢/ ٣٣٣.
(٣) أخرجه: مالك في الموطأ (٨٨)، والمدونة ١/ ٦٤، وأبو داود (١٨١)، والترمذي (٨٢) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (١٦٣)، وابن ماجه: (٤٧٩)، واللفظ لمالك والنسائي وابن ماجه.
(٤) هو: قيس بن طلق بن علي الحنفي اليمامي، وثقة العجلي وابن معين وضعفه أحمد. له ترجمة في: الذهبي: الميزان (٧٣٦٧)، وابن حجر: تهذيب التهذيب ٨/ ٣٥٦.
(٥) أخرجه: مالك في المدونة ٢/ ٥٧٢، وأبو داود (١٨٢)، والترمذي (٨٥)، والنسائي (١٦٥)، وابن ماجه: (٤٨٣)، واللفظ لمالك وأبي داود والنسائي.
(٦) انظر: مالك: المدونة: ١/ ٦٣، ٢/ ٥٧٢، ٥٧٣، وابن السبكي: الإبهاج ٣/ ٢٢٢، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٥٦، والشنقيطي: نشر البنود ٢/ ٢٧٩، والعطار: حاشية العطار ٢/ ٤٠٦، ٤٠٧.
[ ١٣ / ١٤٣ ]
أن يكون أحدهما متقدم الإسلام والآخر متأخرا، فالأولى ترجيح رواية من تأخر إسلامه على من تقدم؛ لأن تأخر الإسلام دليل على أن روايته آخرا) (١) (، ومن أمثلة ذلك: ما روي عن ابن عباس ﵄ إذ قال: قال رسول الله (: ﴿لا رضاع إلاّ ما كان في الحولين﴾) (٢) (.
فيعارضه: ما روي عن عائشة ﵂ حيث قالت: جاءت سهلة بنت سُهيل إلى النبي (فقالت يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم -وهو حليفه- فقال النبي (: ﴿أرْضِعِيهِ﴾، قالت: وكيف أُرْضِعُهُ وهو رجل كبير؟ فتبسم رسول الله (وقال: ﴿قد علمت أنه رجل كبير﴾) (٣) (.
فاعتمد مالك خبر ابن عباس ﵄ الذي يبين أن حكم التحريم يختص بالصغير؛ لأنه تأخر إسلامه، فهو لم يَقْدِم المدينة إلاّ قبل الفتح، أما قصة سالم فكانت في أول الهجرة؛ لأن سهلة امرأة أبي حذيفة هاجرت عقب نزول قوله تعالى: (ادعوهم لآبائهم () (٤) (، والآية نزلت في أوائل الهجرة) (٥) (.
_________________
(١) انظر: الرازي: المحصول ٥/ ٤٢٥، والأرموي: الحاصل ٢/ ٩٨١، والقرافي: شرح تنقيح الفصول ٤٢٣، والإسنوي: نهاية السول ٤/ ٤٩٠، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٥٨، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٤٤، والعبادي: الآيات البينات ٤/ ٢٩٩، ٣٠٠، والشنقيطي: نشر البنود ٢/ ٢٨٢.
(٢) أخرجه: الدارقطني (٤٣١٨) .
(٣) أخرجه: مسلم (٢٦/ ١٤٥٣) .
(٤) من الآية ٥ من سورة الأحزاب.
(٥) انظر: مالك: المدونة ٣/١٠٨٧- ١٠٨٩، والبخاري (٤٠٠٠)، والخطابي: معالم السنن ٣/١٠،١١، وابن عبد البر: الاستيعاب (٨٨٦)، والنووي: صحيح مسلم بشرحه ١٠/٣٠،٣١، وابن القيم: التهذيب ٣/١١،١٢.
[ ١٣ / ١٤٤ ]
ومنها: تقديم مالك أيضًا لحديثي أبي هريرة وبسرة ﵄؛ لتأخر إسلامهما، على حديث طلق (، فإن طلقًا قدم المدينة في السنة الأولى من الهجرة، وسمع من النبي (حديث عدم النقض، حين كان يبني مسجده في بدء الإسلام، أما أبو هريرة (فأسلم عام خيبر؛ أي: بعدها بست سنين، وبسرة ﵂ أسلمت عام الفتح؛ أي: بعدها بثمان) (١) (.
قال الجعبري) (٢) (: "فمذهب مالك في الأشهر أن أحاديث النقض محكمة ناسخة لأحاديث الرخصة لصحتها وتأخرها عن حديث طلق [ولِمَا سيأتي إن شاء الله تعالى] ورجحانها بكثرة الرواة") (٣) (.
الوجه الرابع: الترجيح بكون أحدهما صاحب الواقعة أو المباشر لها:
_________________
(١) انظر: مالك: المدونة ٢/٥٧٢، والخطابي: معالم السنن ١/١٣٣، والبيهقي: السنن الكبرى ١/١٣٥، وإمام الحرمين: البرهان ٢/١١٥٩.
(٢) هو: إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجعبري، الخليلي، الشافعي، توفي سنة ٧٣٢هـ. له ترجمة في: الإسنوي: طبقات الشافعية (٣٥١)، وابن كثير: البداية والنهاية ١٤/١٦٠.
(٣) رسوخ الأخبار ١٩٤.
[ ١٣ / ١٤٥ ]
يقدم خبر من كان أشد ملابسة بما رواه على من عداه؛ لأنه يكون بلا ريب أعلم من غيره به وألصق، وأبعد عن الذهول والتخليط فيه؛ لذلك فإن القلب إلى قبول روايته أميل، والظن في صحته أغلب) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن عائشة ﵂، أن رجلًا قال لرسول الله (وهو واقف على الباب وأنا أسمع: يا رسول الله إني أصبح جُنبًا وأنا أريد الصيام، فقال (: ﴿وأنا أصبح جنبًا وأنا أريد الصيام فأغتسل وأصوم﴾، فقال له الرجل: يا رسول الله إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله (وقال: ﴿والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي﴾) (٢) (.
وما روي عن عائشة وأم سلمة ﵄ أنهما قالتا: (كان رسول الله (يصبح جنبا، من جماع غير احتلام، في رمضان، ثم يصوم» (٣) (.
فيقابلهما: ما روي عن أبي هريرة (أنه قال: (من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم الحديث» (٤) (.
_________________
(١) انظر: البصري: المعتمد ١٧٩، ١٨٣، والباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٤٧، والإشارة ٣٣١، والغزالي: المستصفى ٢/ ٣٩٥، والقرافي: شرح تنقيح الفصول ٤٢٣، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٥٤، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٢٠، ٦٣٧، والبناني: حاشية البناني ٢/ ٣٦٦، والشنقيطي: نشر البنود ٢/ ٢٨١- ٢٨٣، والعطار: حاشية العطار ٢/ ٤٠٩، والشنقيطي: مذكرة أصول الفقه ٣٢١.
(٢) أخرجه: مالك في الموطأ (٦٤٢) واللفظ له، ومسلم (٧٩/ ١١١٠) .
(٣) أخرجه: مالك في الموطأ (٦٤٣) واللفظ له، والبخاري (١٩٣١، ١٩٣٢)، ومسلم (٧٨/ ١١٠٩) .
(٤) أخرجه: مالك في الموطأ (٦٤٤) واللفظ له، والبخاري (١٩٢٥، ١٩٢٦)، ومسلم (٧٥/ ١١٠٩) .
[ ١٣ / ١٤٦ ]
غير أن مالكًا قال في المدونة: "لا بأس أن يتعمد الرجل أن يصبح جنبًا في رمضان") (١) (؛ إذ اعتبر ما روته عائشة وأم سلمة ﵄ عن زوجهما رسول الله (، هو الراجح في الموضوع؛ لأنهما أعلم بكيفية الأمر، وبحاله (من غيره) (٢) (.
ومنها: ما روي عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعائشة زوج النبي (كانوا يقولون: (إذا مس الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل» (٣) (. وهنالك طائفة من الأخبار، تؤكد معناه وتعضده) (٤) (.
لكن يقابلها: ما روي عن أبي سعيد الخدري ([في سياق قصة] أن الرسول (قال: ﴿إنما الماء من الماء﴾) (٥) (.
وقد جاءت أخبار أخرى تحمل نفس معناه) (٦) (.
إلاّ أن مالكًا رجح خبر عائشة ﵂ ومن وافقها حيث قال في المدونة: "إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل") (٧) (؛ لأنها صاحبة الموضوع، والمباشرة له، فتكون أقعد بما باشرت وأعرف بشأنها وأثبت) (٨) (.
الوجه الخامس: الترجيح بفقه الراوي:
تقدم رواية الفقيه على من دونه سواء كانت الرواية بالمعنى أم باللفظ؛ لأنه أعرف بمقتضيات الألفاظ.
ولكن هنالك من العلماء من قال: هذا الترجيح إنما يكون في خبرين مرويين بالمعنى، أما المروي باللفظ فلا ينطبق عليه ذلك.
_________________
(١) ١/ ٢١٣، وانظر أيضا: ابن رشد: بداية المجتهد ١/ ٣٩٨.
(٢) انظر: التلمساني: مفتاح الوصول ١٤٨، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٥٤.
(٣) أخرجه: مالك في الموطأ (١٠٠) .
(٤) انظر: مالك: الموطأ (١٠١- ١٠٤)، والمدونة ١/ ٧٩، والبخاري (٢٩١)، ومسلم (٨٧- ٨٩/ ٣٤٨ -٣٥٠) .
(٥) تقدم تخريجه، انظر رقم ٨٣.
(٦) انظر: البخاري (١٨٠، ٢٩٢، ٢٩٣)، ومسلم (٨١ -٨٦/ ٣٤٣- ٣٤٧) .
(٧) ١/ ٧٨.
(٨) انظر: الحازمي: الاعتبار ١٩،٢٠.
[ ١٣ / ١٤٧ ]
والراجح الأول؛ لأن الاسترواح إلى حديث الفقيه أولى؛ لكون الوثوق باحترازه أتم؛ لتمييزه بين ما يجوز وما لا يجوز) (١) (.
وذلك كتقديم مالك رواية عائشة وأم سلمة ﵄ بأن الغسل من الجنابة ليس شرطًا في صحة الصوم على رواية أبي هريرة (أنه شرط في صحته؛ لأنهما كانتا أفقه من أبي هريرة () (٢) (.
وتقديمه أيضًا رواية عائشة ﵂ بأنه يجب الغسل بمجرد التقاء الختانين وإن لم يحدث إنزال، على رواية أبي سعيد (بأن ذلك لا يكون إلاّ بالإنزال؛ لذات السبب) (٣) (.
الوجه السادس: ترجيح رواية من كان أحسن استقصاء:
_________________
(١) انظر: الشيرازي: اللمع ٨٤، والحازمي: الاعتبار ٢٠، والرازي: المحصول ٥/ ٤١٥، ٤١٦، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٦٥، والقرافي: شرح تنقيح الفصول ٤٢٣، وابن السبكي: الإبهاج ٣/ ٢٢٠، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٥٣، والعبادي: الآيات البينات ٤/ ٢٩٧، والشنقيطي: نشر البنود ٢/ ٢٧٧، ٢٧٨، والعطار: حاشية العطار ٢/ ٤٠٦.
(٢) انظر: مالك: المدونة ١/ ٢١٣، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٥٣.
(٣) انظر: مالك: الموطأ (١٠٠- ١٠٤)، والمدونة ١/ ٧٨.
[ ١٣ / ١٤٨ ]
إذا كان أحد الراويين أبلغ استقصاء للحديث وأحسن نسقًا وسياقًا له من غيره، فيقدم على معارضه؛ لأن ذلك يدل على شدة اهتمامه بحكمه، وحفظ جميع أمره، بخلاف من لم يتحقق فيه ذلك، فإنه يحتمل أن يكون قد سمع جزءًا من الحديث، فتوهم أن ما سمعه هو المراد، وبه تتم الإفادة كاملة غير منقوصة؛ لذا اكتفى بما سمعه، مع أن الخبر قد يكون مرتبطًا بكلام آخر يتمم معناه، ولا يكون قد تنبه إليه) (١) (، وذلك مثل أن يقدم مالك) (٢) (ما روي عن جابر (في إفراد الحج؛ إذ قال: في وصف حجة النبي «أهللنا أصحاب رسول الله في الحج خالصًا ليس معه عمرة» (٣) (، على ما روي عن أنس (في القران، حيث قال: (أهل النبي (بحج وعمرة» (٤) (؛ لأن جابرًا كان أكثر الناس استيفاء لحج الرسول (؛ إذ سرد الحديث من حال كون النبي (في المدينة إلى أن عاد إليها، فدل ذلك على تهممه وحفظه وضبطه وإتقانه لحجة النبي (، أما من نقل لفظة واحدة من الحج فإنه يجوز أنه لم يعلم سببها) (٥) (.
الوجه السابع: ترجيح رواية الكبير على رواية الصغير:
_________________
(١) انظر: الباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٥٨، والإشارة ٣٣٦، والحازمي: الاعتبار ٢٠، وآل تيمية: المسودة ٣٠٨، والقرافي: شرح تنقيح الفصول ٤٢٣، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٦١، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٣٦، والشوكاني: إرشاد الفحول ٢٧٨.
(٢) انظر: مالك: المدونة ١/ ٣٣٢، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ٤٦١.
(٣) متفق عليه: البخاري (٧٣٦٧) واللفظ له، ومسلم (١٤٧/ ١٢١٨) .
(٤) متفق عليه: البخاري (٤٣٥٣، ٤٣٥٤)، ومسلم (١٨٥، ١٨٦/ ١٢٣٢) .
(٥) انظر: الباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٥٨، والحازمي: الاعتبار ٢٠، والزركشي، البحر المحيط ٦/ ١٦١.
[ ١٣ / ١٤٩ ]
إذا كان أحد الراويين حين تحمل الراوية بالغا، والآخر صغيرا، فرواية البالغ أوثق؛ لأنه يكون مطلعًا على الأخبار، مرتبطًا بالوقائع، مهتمًا بالأحداث، أكثر من الصغير؛ ولكونه أوسع منه تجربة، وأعمق خبرة، وأقرب ضبطا، وأزيد عناية، وأشد تحرزًا في روايته) (١) (، وَمَثَّلَهُ مالك بتقديم رواية ابن عمر ﵄ في الإفراد على رواية أنس (بالقران، إذ روي عن بكر) (٢) (أنه ذكر لابن عمر أن أنسًا حدثهم أن النبي (أهل بعمرة وحجة، فقال (أهل النبي (بالحج وأهللنا به معه» (٣) (؛ لأن ابن عمر ﵄ يرى: أن أنسًا كان يلج على النساء وهن متكشفات الرؤوس؛ أي: أنه كان صغيرا) (٤) (.
الوجه الثامن: ترجيح رواية من كان أقرب مكانًا أو نسبا:
_________________
(١) انظر: الشيرازي: اللمع ٨٣، والحازمي: الاعتبار ١٦، والرازي: المحصول ٥/ ٤٢١، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٦٥، وابن الحاجب: المختصر ٢/ ٣١٠، وآل تيمية: المسودة ٣٠٧، والقرافي: شرح تنقيح الفصول ٤٢٤، والزركشي: البحر المحيط ٦/١٥٣، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/٦٤٧، وأمير بادشاه: تيسير التحرير ٣/ ١٦٤، وبحر العلوم: فواتح الرحموت ٢/ ٢٠٨، والشوكاني: إرشاد الفحول ٢٧٦.
(٢) هو: بكر بن عبد الله بن عمرو المزني، أبو عبد الله البصري، ثقة ثبت جليل، مات سنة ١٠٨هـ على الراجح. له ترجمة في: المزي: تهذيب الكمال (٧٣٥)، وابن حجر: تهذيب التهذيب ١/ ٤٢٤، ٤٢٥.
(٣) متفق عليه: البخاري (٤٣٥٣، ٤٣٥٤) واللفظ له، ومسلم (١٨٥، ١٨٦/ ١٢٣٢) .
(٤) انظر: مسلم (١٨٥، ١٨٦/ ١٢٣٢)، وابن قدامة: المغني ٣/ ٢٧٨.
[ ١٣ / ١٥٠ ]
تقدم رواية الأقرب مكانًا من الرسول (على رواية الأبعد؛ لأن قربه من الصورة الواقعية الماثلة أمامه، واتصاله بها اتصالًا مباشرًا وثيقًا أكيدًا محكما؛ يجعله أقدر استيعابًا لكلامه (، واستيفاء له، وأسمع) (١) (، وتقدم كذلك رواية من كان أقرب نسبًا له (على غيرها؛ لأن الظاهر أن كثرة المخالطة تقتضي زيادة الاطلاع) (٢) (؛ لهذا قدم مالك رواية ابن عمر ﵄ في الإفراد بالحج، على رواية أنس (بالقران، لِمَا ذكر ابن عمر ﵄ في حديثه أنه كان تحت ناقة رسول الله (ولعابها بين كتفيه، وأنه سمع إحرامه بالإفراد) (٣) (.
وأيضا: فإن ابن عمر ﵄ كان أقرب نسبًا إلى النبي (من أنس (.
الوجه التاسع: الترجيح بالمشافهة:
_________________
(١) انظر: الشيرازي: اللمع ٨٣، والحازمي: الاعتبار ٢٠، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٦٤، وآل تيمية: المسودة ٣٠٦، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٥٥، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٤١، ٦٤٢، وأمير بادشاه: تيسير التحرير ٣/ ١٦٤، وبحر العلوم: فواتح الرحموت ٢/ ٢٠٨، والشنقيطي: نشر البنود ٢/ ٢٨٠، ٢٨١.
(٢) انظر: الزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٥٤، ١٥٥.
(٣) انظر: الحازمي: الاعتبار ٢٠، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٦٥، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٥٥، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٤٢.
[ ١٣ / ١٥١ ]
إذا جمع أحد الراويين حالة أخذ الخبر بين المشافهة والمشاهدة، والثاني أخذه من وراء حجاب، فيؤخذ بالأول؛ لكونه أقرب إلى فهم المعاني، وإتقان الألفاظ، وأبعد عن السهو والخطأ؛ ولأنه شارك الرواية المأخوذة من وراء حجاب في السماع، وزاد عليها أيضًا بتيقن عين المسموع منه) (١) (؛ لهذا لَمَّا اختلف في زوج بريرة ﵂ هل كان حرًَّا أو عبدا، لِمَا روى القاسم عن عائشة ﵂ أنها اشترت بريرة من أناس من الأنصار واشترطوا الولاء، فقال رسول الله (فيه: ﴿الولاء لمن ولي النعمة﴾، وخيرها رسول الله (، وكان زوجها عبدا) (٢) (، ورواه أيضًا عروة عنها؛ إذ قالت: (كان زوجها عبدًا فخيرها رسول الله (فاختارت نفسها، ولو كان حرًا لم يخيرها» (٣) (، ورواه كذلك الأسود بن يزيد عنها حيث قالت: (كان زوجها حرا» (٤) (.
فكان مصير مالك إلى حديثي القاسم وعروة؛ إذ القاسم هو ابن أخيها، وعروة ابن أختها، فكانا يدخلان عليها ويسمعان من غير حجاب، أما الأسود فكان يسمع من وراء حجاب) (٥) (.
الوجه العاشر: ترجيح رواية أكابر الصحابة ﵃:
_________________
(١) انظر: الحازمي: الاعتبار ٢٢، ٢٣، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٦٨، ٤٦٩، والتلمساني: مفتاح الوصول ١٤٩، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٦١، ١٦٢، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٣٩، وأمير بادشاه: تيسير التحرير ٣/ ١٤٤، ١٤٥، والشنقيطي: نشر البنود ٢/ ٢٨٦.
(٢) أخرجه: مسلم (١١/ ١٥٠٤) .
(٣) المصدر نفسه: (٩/ ١٥٠٤) .
(٤) أخرجه: البخاري (٦٧٥١، ٦٧٥٤)، وفيه قال الأسود: وكان زوجها حرا، قول الأسود منقطع.
(٥) انظر: الخطابي: معالم السنن ٣/ ١٤٦، والحازمي: الاعتبار ٢٣، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٦٩، والزركشي: البحر المحيط ٥/ ١٦٢، والشوكاني: نيل الأوطار ٦/ ١٥٤.
[ ١٣ / ١٥٢ ]
إذا تعارض خبران وكان راوي أحدهما من أكابر الصحابة ﵃، فإنه تقدم روايته على أصاغرهم ﵃؛ لقربه من النبي (غالبا، فيكون أعلم بحاله من البعيد، والوثوق بقول الأعلم أتم وأحكم؛ ولأنه أشد تصونًا وصونًا لمنصبه من غيره) (١) (، ويمكن التمثيل لهذا الوجه بما روي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله (: (كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود» (٢) (
وقد روي مثل هذا أيضًا عن جمع غفير وعدد كثير من أكابر الصحابة وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة ﵃) (٣) (.
ولكن يخالف ذلك ما روي عن البراء بن عازب (أن رسول الله (: (كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود» (٤) (.
_________________
(١) انظر: الآمدي: الإحكام ٤/ ٤٦٥، وابن الحاجب: المختصر ٢/ ٣١٠، ٣١١، وآل تيمية: المسودة ٣٠٧، والقرافي: شرح تنقيح الفصول ٤٢٣، وابن السبكي: الإبهاج ٣/ ٢٢٠، والزركشي: البحر المحيط ٥/ ١٥٤، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٤٣، وأمير بادشاه: تيسير التحرير ٣/ ١٦٣، ١٦٤، وبحر العلوم: فواتح الرحموت ٢/ ٢٠٧.
(٢) أخرجه: مالك في الموطأ (١٦٠)، والبخاري (٧٣٥) واللفظ له، ومسلم (٢١- ٢٦/ ٣٩٠) .
(٣) انظر: الدارقطني: سنن الدارقطني (١١٢٠)، والبيهقي: السنن الكبرى ٢/ ٧٤، ٧٥، وابن السبكي: الإبهاج ٣/ ٢٢٠، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٥٤.
(٤) أخرجه: أبو داود (٧٤٩) .
[ ١٣ / ١٥٣ ]
وما روي عن عبد الله بن مسعود (أنه قال: (صليت مع النبي (، ومع أبي بكر، ومع عمر ﵄، فلم يرفعوا أيديهم إلاّ عند التكبيرة الأولى في افتتاح الصلاة» (١) (.
وقد ذهب مالك إلى أن حديثي البراء وابن مسعود ﵄ لا يوازيان حديث ابن عمر ﵄؛ لأنه روي أيضًا عن غيره من أكابر الصحابة ﵃؛ لهذا فهو يميل في أنص الروايتين عنه إلى أن رفع اليدين عند الانحطاط في الركوع وعند الارتفاع منه سنة) (٢) (.
القسم الثاني: وجوه الترجيح باعتبار مجموع السند
الوجه الأول: الترجيح بكثرة الرواة:
_________________
(١) أخرجه: الدارقطني في سننه (١١٢٠) واللفظ له، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٧٩، ٨٠كلاهما عن محمد بن جابر، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، وقال الدارقطني: "تفرد به محمد بن جابر وكان ضعيفا، عن حماد عن إبراهيم، وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلًا عن عبد الله من فعله غير مرفوع إلى النبي (، وهو الصواب".
(٢) انظر: ابن رشد: بداية المجتهد ١/ ١٦١، وابن قدامة: المغني ١/ ٤٩٧، وابن السبكي: الإبهاج ٣/ ٢١٩، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٥٠.
[ ١٣ / ١٥٤ ]
أن تكون رواة أحدهما أكثر من رواة الآخر، فيقدم الخبر الذي يزيد عدد رواته على معارضه؛ إذ احتمال الخطأ والسهو أبعد عن الأكثر وأقرب إلى الأقل، بل إن الظن يتأكد بترادف الروايات وتظاهرها، حتى ينتهي إلى القطع وهو التواتر) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: تقديم مالك أخبار نقض الوضوء نظرًا لكثرة رواتها وتعددهم) (٢) (.
وتقديمه خبر رفع اليدين؛ لكثرة رواته أيضا.
الوجه الثاني: ترجيح السماع على الكتابة:
_________________
(١) انظر: البصري: المعتمد ١٧٨ -١٨٠، وإمام الحرمين: البرهان ٢/ ١١٦٢، والغزالي: المستصفى ٢/ ٣٩٧، والكلوذاني: التمهيد ٣/ ٢٠٢- ٢٠٦، والسمرقندي: الميزان ٧٣٣، ٧٣٤، والرازي: المحصول ٥/ ٤٠١، ٤١٤، وابن قدامة: روضة الناظر ٣/ ١٠٣٠، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٦٣، وابن الحاجب: المختصر ٢/ ٣١٠، والقرافي: نفائس الأصول ٨/ ٣٨٤٣، والتلمساني: مفتاح الوصول ١٤٨، والإسنوي: نهاية السول ٤/ ٤٧٤، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٥٠- ١٥٢، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٢٨، ٦٣٣، والعبادي: الآيات البينات ٤/ ٢٨٩، ٢٩٦، والشنقيطي: نشر البنود ٢/ ٢٨٤، والمطيعي: سلم الوصول ٤/ ٤٧٤.
(٢) انظر: مالك: المدونة ١/٦٣، ٢/ ٥٧٢، ٥٧٣، والشنقيطي: نشر البنود ٢/ ٢٧٩.
[ ١٣ / ١٥٥ ]
أن يكون أحدهما قد روى أحد الخبرين سماعًا أو عرضًا أو نحو ذلك، والآخر عول على المكتوب، فالأول أولى؛ لأنه أبعد عن شبهة الانقطاع لعدم المشافهة، ولما لعله يعتور الخط من تحريف وتصحيف، أو يلتبس بخط يشابهه) (١) (، لهذا قدم مالك في أشهر الروايتين عنه) (٢) (ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: مرَّ رسول الله (بشاة ميتة كان قد أعطاها مولاة لميمونة زوج النبي (فقال: ﴿أفلا انتفعتم بجلدها؟﴾ فقالوا: يا رسول الله إنها ميتة، فقال رسول الله (﴿إنما حرم أكلها﴾) (٣) (.
وما روي عنه أيضا: أن رسول الله (قال: ﴿إذا دبغ الإهاب فقد طهر﴾) (٤) (.
_________________
(١) انظر: الباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٥٣، ٦٥٤، والإشارة ٣٣٢، والغزالي: المستصفى ٢/ ٣٩٥، ٣٩٦، والحازمي: الاعتبار ١٨، ١٩، والرازي: المحصول ٥/ ٤٢٠، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٦٤، ٤٦٥، ٤٦٩، وابن الحاجب: المختصر ٢/ ٣١٠، وآل تيمية: المسودة ٣٠٩، وابن السبكي: الإبهاج ٣/ ٢٢٢، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٥٦، والكراماستي: الوجيز ٢٠٦، والأنصاري: غاية الوصول ١٤٢، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٥٣، والعبادي: الآيات البينات ٤/ ٢٩٨، وبحر العلوم: فواتح الرحموت ٢/ ٢٠٧، والبناني: حاشية البناني ٢/ ٣٦٤.
(٢) انظر: الخطابي: معالم السنن ٦/ ٦٤، والبيهقي: السنن الكبرى ١/ ١٥، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ٩٢، ٩٣، وابن حجر: الفتح ٩/ ٥٧٥، ٥٧٦، والشوكاني: نيل الأوطار ١/ ٦١، ٦٢.
(٣) أخرجه: مالك في الموطأ (١٠٧٣) واللفظ له، والبخاري (١٤٩٢)، ومسلم (١٠٠، ١٠١/ ٣٦٣)، والنسائي (٤٢٤٦) .
(٤) أخرجه: مالك في الموطأ (١٠٧٣)، ومسلم (١٠٥/ ٣٦٦)، وكلاهما بلفظه.
[ ١٣ / ١٥٦ ]
على ما روي عن عبد الله بن عُكَيْم؛ إذ قال: قرئ علينا كتاب رسول الله (بأرض جهينة وأنا غلام شاب: ﴿أن لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب﴾) (١) (؛ لأن هذا كتاب وذاك سماع) (٢) (.
الوجه الثالث: ترجيح المتفق على رفعه، على المختلف في رفعه، والمتفق على وقفه:
يقدم الحديث المتفق على رفعه إلى رسول الله (على المختلف في رفعه، والمتفق على وقفه أيضا؛ لأنه يبتعد عن خلل الاختلاف المؤدي إلى ضعف سنده) (٣) (، ومن أمثلته: ما روي عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله (قال: ﴿إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظافره﴾) (٤) (.
فيخالفه: ما روي عن أبي هريرة (أن رسول الله (قال: ﴿من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا﴾) (٥) (.
غير أن مالكًا قال في الموطأ: "الضحية سنة وليست بواجبة، ولا أحب لأحد ممن قوى على ثمنها أن يتركها") (٦) (، وقال كذلك في المدونة: "لا أحب لمن كان يقدر أن يضحي أن يترك ذلك") (٧) (، عملًا بحديث أم سلمة ﵂ الراجح؛ لأنه متفق على رفعه، بينما حديث أبي هريرة (مرجوح، لأنه اختلف في رفعه ووقفه، وكونه موقوفًا أشبه بالصواب) (٨) (.
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (٤١٢٧) واللفظ له، والترمذي: (١٧٢٩)، والنسائي (٤٢٦٠)، وابن ماجه (٣٦١٣) .
(٢) انظر: الباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٥٤، والحازمي: الاعتبار ١٩.
(٣) انظر: الباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٥٤، والإشارة ٣٣٣، والغزالي: المستصفى ٢/ ٣٩٦، والرازي: المحصول ٥/ ٤٢١، وابن الحاجب: المختصر ٢/ ٣١١، وآل تيمية: المسودة ٣١٠، والقرافي: شرح تنقيح الفصول ٤٢٢، وابن السبكي: الإبهاج ٣/ ٢٢٣، ٢٢٤، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٥٩، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٥٢، وبحر العلوم: فواتح الرحموت ٢/ ٢٠٨.
(٤) أخرجه: مسلم (٤١/ ١٩٧٧) .
(٥) أخرجه: ابن ماجه (٣١٢٣) .
(٦) ١٠٤٧) .
(٧) ٢/ ٧٦٣.
(٨) انظر: البيهقي: السنن الكبرى ٩/ ٢٦٠، وابن حجر: الفتح ١٠/ ٦٠٥.
[ ١٣ / ١٥٧ ]
ومنها: العبد حينما يكون بين الرجلين ويعتق أحدهما حظه منه) (١) (.
الوجه الرابع: الترجيح بعلو الإسناد:
أن يكون أحد المسندين أعلى إسنادا، والمراد به: قلة عدد الطبقات إلى منتهاه، فإنه يقدم على ما ليس كذلك؛ لأن احتمال الصحة فيما قلت وسائطه أظهر؛ لهذا ما فتئ الحُفاظ الجهابذة يطلبون علو الإسناد، ويفتخرون به، ويتركون الديار، ويقطعون القفار، من أجل تحصيله) (٢) (، ومن الأمثلة على ذلك: كيفية الإقامة، فقد روى خالد الحَذَّاء) (٣) (عن أبي قلابة، عن أنس (أن رسول الله «أمر بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة» (٤) (.
فيقابله: ما روي عن عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن مُحَيْرِيز أن رسول الله (: (علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة.. وذكر فيه الإقامة مثنى مثنى» (٥) (.
_________________
(١) انظر: مالك: الموطأ (١٤٥٨)، والبخاري (٢٤٩٢، ٢٥٢٢)، ومسلم (١٥٠١، ١٥٠٣)، والباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٥٤، ٦٥٥، وابن رشد: بداية المجتهد ٢/ ٤٠٠، ٤٠١، والتلمساني: مفتاح الوصول ١٤٧، ١٤٨.
(٢) انظر: الرازي: المحصول ٥/ ٤١٤، ٤١٥، وابن الحاجب: المختصر ٢/ ٣١١، وابن السبكي: الإبهاج ٣/ ٢١٩، ٢٣١، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٥٢، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٤٩، ٦٥٠، والعبادي: الآيات البينات ٤/ ٢٩٦، وبحر العلوم: فواتح الرحموت ٢/ ٢٠٧، والشنقيطي: نشر البنود ٢/ ٢٧٧، والعطار: حاشية العطار ٢/ ٤٠٦.
(٣) هو: خالد بن مِهْرَان الحذاء، أبو المنازل البصري، مولى قريش، ثقة يرسل، توفي سنة ١٤١هـ، وقيل غير ذلك. له ترجمة في: المزي: تهذيب الكمال (١٦٣٧)، وابن حجر: تهذيب التهذيب ٣/ ١٠٤، ١٠٥.
(٤) متفق عليه: البخاري (٦٠٦)، ومسلم (٢/٣٧٨)، وكلاهما بلفظه.
(٥) أخرجه: أبو داود (٥٠٢)، والنسائي (٦٣٢)، وانظر أيضا: الكاساني: البدائع ١/٢٢٠، ٢٢١، وابن رشد: بداية المجتهد ١/١٣٢، وابن السبكي: الإبهاج ٣/٢١٩، والزركشي: البحر المحيط ٦/١٥٢.
[ ١٣ / ١٥٨ ]
غير أن مالكًا يرى أن خبر أنس (أولى بالمصير إليه مما يعارضه) (١) (؛ لأن خالدًا وعامرًا متعاصران روى عنهما شعبة، فحديث خالد بينه وبين النبي (اثنان، بينما حديث عامر بينه وبين النبي (ثلاثة) (٢) (.
ومنها أيضًا: مسألة رفع اليدين في الركوع) (٣) (.
الوجه الخامس: ترجيح السند الحجازي:
يرجح ما كان سنده حجازيا، ولا سيما إذا كان مدني المخرج، على ما كان سنده عراقيًا أو شاميا، وحظيت المدينة بذلك؛ لأنها مهبط الوحي، ومعدن الرسالة، وبين أظهر أهلها استقرت الشريعة، فإذا لم يوجد شيء بينهم دلّ ذلك على نسخه؛ ولأن المدنيات متأخرة عن الهجرة) (٤) (، وعليه قدم مالك روايتهم بإفراد الإقامة، على رواية أهل الكوفة في تثنيتها) (٥) (، وقدم كذلك روايتهم بأن زوج بريرة كان عبدا، على رواية أهل الكوفة أيضًا الذين ذهبوا إلى أنه كان حرا) (٦) (.
الوجه السادس: الترجيح بسلامة السند من الاضطراب:
_________________
(١) انظر: مالك: الموطأ (١٥٠)، والمدونة ١/١٠٠.
(٢) انظر: ابن السبكي: الإبهاج ٣/٢١٩، والزركشي: البحر المحيط ٦/١٥٢.
(٣) انظر: مالك: المدوَّنة ١/١٠٧، ١٠٨، وابن رشد: بداية المجتهد ١/١٦١ وابن الهمام: فتح القدير ١/٢٨١، ٢٨٢، وبحر العلوم: فواتح الرحموت ٢/٢٠٧.
(٤) انظر: الحازمي: الاعتبار ٢٢، والآمدي: الإحكام ٤/٤٨٣، والقرافي: شرح تنقيح الفصول ٤٢٣، ونفائس الأصول ٩/٣٩٢٦، والإسنوي: نهاية السول ٤/٤٩٤، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٩٣، والشنقيطي: نشر البنود ٢/٢٨٦، ٢٨٧.
(٥) انظر: الموطأ (١٥٠)، والمدونة ١/١٠٠، والحازمي: الاعتبار ١٠٦، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٦٣.
(٦) انظر: الخطابي: معالم السنن ٣/ ١٤٦، والبيهقي: السنن الكبرى ٧/٢٢٤.
[ ١٣ / ١٥٩ ]
إذا كان أحد الإسنادين متسقًا خاليًا من الاضطراب، والآخر مضطربا، فيكون السالم من الاضطراب أولى؛ لأن ذلك يدل على اتفاق رواته وحفظ جملته) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: أن مالكًا ترك خبر ابن عُكَيم الذي يدل على أن الدباغ لا يُطهِر في الجملة جلد الميتة للاضطراب الواقع في سنده، ويصور ذلك الحازمي) (٢) (قائلًا: "في إسناده اختلاف رواه الحكم) (٣) (مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن عُكَيم، ورواه عنه القاسم بن مُخَيْمَرة) (٤) (عن خالد [الحَذَّاء]، عن الحكم، وقال: إنه لم يسمعه من ابن عُكَيم، ولكن من أناس دخلوا عليه ثم خرجوا فأخبروه به") (٥) (- وأخذ بحديث ابن عباس ﵄ الذي يفيد خلاف ذلك؛
_________________
(١) انظر: الباجي: إحكام الفصول ٢/٦٥٨، والإشارة ٣٣٦، والغزالي: المستصفى ٢/٣٩٥، وابن الصلاح: علوم الحديث ٩٣،٩٤، وآل تيمية: المسودة ٣٠٦، والكراماستي: الوجيز ٢٠٥، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/٦٥٣، وأمير بادشاه: تيسير التحرير ٣/١٦٦.
(٢) هو: محمد بن موسى بن عثمان بن حازم، أبو بكر، زين الدين، الهمداني، الشافعي، المعروف بالحازمي، الحافظ المحدث الفقيه المؤرخ، المتوفى سنة ٥٨٤هـ. له ترجمة في: الذهبي: تذكرة الحفاظ (١١٠٦)، والإسنوي: طبقات الشافعية (٣٦٩)، وابن كثير: البداية والنهاية ١٢/ ٣٣٢، والبغدادي: هدية العارفين ٦/١٠١.
(٣) هو: الحكم بن عتيبة الكِندي، ويقال: مولى امرأة من كِنده، وليس بالحكم بن عتيبة بن النَّهَاس العِجْلِيِّ الذي كان قاضيًا بالكوفة فإن ذاك لم يرو عنه شيء من الحديث، توفي سنة ١١٤هـ. له ترجمة في: المزي: تهذيب الكمال (١٤٢٠)، وابن حجر: تهذيب التهذيب ٢/٣٧٢، ٣٧٣.
(٤) هو: القاسم بن مُخَيْمَرة، أبو عروة الهمداني، الكوفي، ثقة فاضل، مات سنة ١٠٠هـ. له ترجمة في: المزي: تهذيب الكمال (٥٤١١)، وابن حجر: تهذيب التهذيب ٨/٣٠٢، ٣٠٣
(٥) الاعتبار ٩٣، وانظر أيضا: الترمذي (١٧٢٩)، والبيهقي: السنن الكبرى ١/١٥.
[ ١٣ / ١٦٠ ]
لأنه غير مختلف في سنده) (١) (.
ومنها: مسألة أكل لحوم الحمر الإنسية) (٢) (.
المطلب الثاني: الترجيح من جهة المتون وما يتعلق بها
وله وجوه:
الوجه الأول: ترجيح ما كان متنه سالمًا من الاضطراب:
إذا تعارض خبران وكان لفظ أحدهما سالمًا من الاختلاف والاضطراب، بخلاف الآخر، فسلامته مرجحة؛ لأن غلبة الظن بصحته تقوى، ويضعف ما اختلف لفظه؛ إذ اختلاف لفظه قد يؤدي إلى اختلاف معناه، وذلك يدل على قلة ضبط الراوي، وعدم إتقانه، وسوء حفظه، وكثرة تساهله في روايته) (٣) (، ومن أمثلته: ما روي عن أبي هريرة (أن رسول الله «نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس» (٤) (.
فيعارضه ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (ما ترك رسول الله (ركعتين بعد العصر عندي قط» (٥) (.
_________________
(١) انظر: الحازمي: الاعتبار ٩٣، والشوكاني: نيل الأوطار ٢/١٧٩، ١٨٠.
(٢) انظر: مالك: الموطأ (١١٤٠)، والمدونة ١/٤٩٦، والبخاري (٥٥٢٣)، ومسلم (٢٢/ ١٤٠٧)، وأبو داود (٣٨٠٩)، والخطابي: معالي السنن ٥/ ٣١٧- ٣١٩، والبيهقي: السنن الكبرى ٩/٣٣٢، وابن عبد البر: الكافي ١/٤٣٦، وابن رشد: بداية المجتهد ١/٦٦٦، وابن القيم: التهذيب ٥/ ٣١٧- ٣٢٢، والشوكاني: نيل الأوطار ٨/ ١١٥.
(٣) انظر: البصري: المعتمد ١٨١، والباجي: إحكام الفصول ٢/٦٦٠، والإشارة ٣٣٧، ٣٣٨والغزالي: المستصفى ٢/٣٩٥، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٧٦، وابن الصلاح: علوم الحديث ٩٣، ٩٤، وآل تيمية: المسودة ٣٠٨، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٥٢، ٦٥٣.
(٤) أخرجه: مالك في الموطأ (٥١٦) واللفظ له، والبخاري (٥٨٨)، ومسلم (٢٨٥/ ٨٢٥) .
(٥) متفق عليه: البخاري (٥٩١)، ومسلم (٢٩٩/ ٨٣٥) واللفظ له.
[ ١٣ / ١٦١ ]
غير أن مالكًا كَرِه النافلة بعد العصر) (١) (تمسكًا بحديث أبي هريرة (ونحوه) (٢) (، وترك حديث عائشة ﵂؛ لأنه رُوِيَ عنها أيضًا بجانب هذا الحديث الذي ذكرناه، عن أم سلمة ﵂ عن النبي «أنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس» (٣) (، وبذلك يكون قد روي عنها إثبات الحكم ونفيه، أما أبو هريرة (فلم يرو عنه إلاّ النفي فقط) (٤) (.
ومنها: أنه ترك في أظهر الروايتين عنه الأحاديث التي تقرر عدم رفع اليدين في الركوع) (٥) (، وعدم طهارة إهاب الميتة بالدباغ) (٦) (، للاضطراب في متنها، وأخذ بما يخالفها.
الوجه الثاني: ترجيح ما كان قولًا صريحًا على ما كان استدلالا:
_________________
(١) انظر: الترمذي (١٨٤)، وابن عبد البر: الكافي ١/١٩٥، وابن رشد: بداية المجتهد ١/١٢١.
(٢) انظر: الترمذي (١٨٣) .
(٣) أخرجه: الترمذي (١٨٤) .
(٤) انظر: الباجي: إحكام الفصول ٢/٦٥٨، ٦٥٩.
(٥) انظر: مالك: المدونة ١/١٠٧،١٠٨، والشافعي: الأم ١/١٢٥، ٥/٦٣٥، والدارقطني: سنن الدارقطني (١١١٨)، والبيهقي: السنن الكبرى ٢/٧٦، والحازمي: الاعتبار ٢٤،٢٥، وابن رشد: بداية المجتهد ١/١٦١.
(٦) انظر: أبو داود (٤١٢٨)، والترمذي (١٧٢٩)، والخطابي: معالم السنن ٦/٦٤، ٦٨، والبيهقي: السنن الكبرى ١/١٥، وابن رشد: بداية المجتهد ١/٩٢، ٩٣، وابن حجر: الفتح ٩/ ٥٧٥، ٥٧٦، والشوكاني: نيل الأوطار ١/٦١- ٦٥.
[ ١٣ / ١٦٢ ]
إذا تعارض خبران وكان أحدهما منسوبًا إلى النبي (نصًا وقولا، والآخر نسب إليه (استدلالًا واجتهادا؛ بأن يروى أنه كان في زمانه أو في مجلسه ولم ينكره، فما نسب إليه نصًا وقولًا أقوى؛ لكونه غير محتمل؛ إذ هو قول النبي (ولا خلاف في كونه حجة، وما في زمانه ربما لم يبلغه، وما في مجلسه ربما غفل عنه) (١) (، ومن أمثلة ذلك: ما روي عن ابن عمر ﵄ أن النبي (نهى عن بيع أمهات الأولاد، وقال: ﴿لا يُبَعْنَ، ولا يُوهَبْنَ، ولا يُرثن، يستمتع بها سيدها ما دام حيا، فإذا مات فهي حرة﴾) (٢) (.
فيعارضه: ما روي عن أبي سعيد الخدري (حيث قال: (كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله (» (٣) (.
غير أن مالكًا ذهب إلى أن العمل بمقتضى حديث ابن عمر ﵄ أولى؛ لأنه نص صريح قاطع من الرسول (في عدم جواز البيع، أما حديث أبي سعيد (فلم ينسب إلى الرسول (نصا، وإنما استدلالًا واجتهادا، فليس في سياقه أمر منه (ولا نهي، إلاّ أن هذا الفعل كان على عهده (، وليس فيه أيضًا ما يدل على أنه (علم بذلك فأقرهم عليه) (٤) (.
الوجه الثالث: ترجيح ما كان جامعًا بين الحكم وعلته:
_________________
(١) انظر: الغزالي: المستصفى ٢/ ٣٩٦، والحازمي: الاعتبار ٢٨- ٣٠، والرازي: المحصول ٥/٤٢١، وابن الحاجب: المختصر ٢/ ٣١١، ٣١٢، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٥٥، وأمير بادشاه: تيسير التحرير ٣/١٦٠، والشنقيطي: مذكرة أصول الفقه ٣١٩.
(٢) أخرجه: الدارقطني: سنن الدارقطني (٤٢٠٣)، وانظر أيضا: مالك: الموطأ (١٤٦٢)، والبيهقي: السنن الكبرى ١٠/ ٣٤٢.
(٣) أخرجه: الحاكم في المستدرك ٢/١٩ وصححه، والدارقطني في سننه (٤٢٠٨)، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠/ ٣٤٨، واللفظ للحاكم والبيهقي.
(٤) انظر: مالك: المدونة ٤/ ١٧٣١- ١٧٣٦، والبيهقي: السنن الكبرى ١٠/ ٣٤٨، والحازمي: الاعتبار ٢٨- ٣٠، والشوكاني: نيل الأوطار ٦/ ٩٨، ٩٩.
[ ١٣ / ١٦٣ ]
إذا تعارض خبران وكان أحدهما دالًا على الحكم والعلة، والآخر على الحكم دون العلة؛ فإنه يرجح الأول؛ إذ الانقياد إليه أشد من الانقياد إلى غير المعلل؛ لكونه أقرب إلى الإيضاح والبيان؛ ولأن ظهور التعليل من أسباب قوة التعميم) (١) (، ومثاله: ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله (: ﴿من بدل دينه فاقتلوه﴾) (٢) (، فظاهر هذا الخبر يدل على وجوب قتل كل من رجع عن الإسلام إلى الكفر طوعًا سواء كان رجلًا أم امرأة، غير أنه يعارضه خبر آخر يدل بظاهره على أنه لا يجوز قتل النساء مطلقًا سواء كن حربيات أم مرتدات، وهو ما روي عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله (: (رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فأنكر ذلك ونهى عن قتل النساء والصبيان» (٣) (.
إذًا التضاد في وجه الدلالة بينهما يتعلق في المرأة المرتدة.
_________________
(١) انظر: الباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٦٥، والغزالي: المنخول ٤٣٥، ٤٣٦، والحازمي: الاعتبار ٣٤، والرازي: المحصول ٥/ ٤٣١، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٧٧، ٤٨٣، وابن الحاجب: المختصر ٢/ ٣١٢، وابن السبكي: الإبهاج ٣/ ٢٣٢، والإسنوي: نهاية السول ٤/ ٥٠٠، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٦٧، والعبادي: الآيات البينات ٤/ ٣٠٢، والبناني: حاشية البناني ٢/ ٣٦٧، والشنقيطي: نشر البنود ٢/ ٢٨٧، والعطار: حاشية العطار ٢/ ٤١٠، ٤١١، والشنقيطي: مذكرة أصول الفقه ٣٢٢.
(٢) أخرجه: البخاري (٣٠١٧) .
(٣) أخرجه: مالك في الموطأ (٩٧٢) واللفظ له، والبخاري (٣٠١٥)، ومسلم (٢٤، ٢٥/ ١٧٤٤) .
[ ١٣ / ١٦٤ ]
فمالك قال: بقتل المرتدة) (١) (عملًا بخبر ابن عباس ﵄؛ لأن فيه الحكم وهو القتل، كما أنه يدل أيضًا بمسلك الإيماء والتنبيه على أن علة القتل هنا هي تبديل الدين، فيشمل الذكر والأنثى، أما خبر ابن عمر ﵄ فذكر فيه الحكم دون أن يعلل بشيء) (٢) (، وعليه لا يصلح لدى مالك أن يكون دليلًا يرتكز عليه في ذلك، فهو كما ورد عنه في المدونة كان: "يكره قتل النساء والصبيان والشيخ الكبير في أرض الحرب") (٣) (.
الوجه الرابع: ترجيح ما يقصد به بيان الحكم:
إذا تعارض خبران وقصد بأحدهما بيان الحكم المختلف فيه، دون الآخر، فيكون الأخذ بما قصد به بيان الحكم أرجح؛ لأنه أمس بالغرض، وأبعد عن الاحتمال) (٤) (، ومن أمثلة ذلك: ما روي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله (قال: ﴿إذا دبغ الإهاب فقد طهر﴾) (٥) (.
_________________
(١) انظر: ابن رشد: بداية المجتهد ٢/ ٤٩٣، وابن قدامة: المغني ٨/ ١٢٣.
(٢) انظر: الحازمي: الاعتبار ٣٤، وابن قدامة: المغني ٨/ ١٢٣، ١٢٤، وابن السبكي: الإبهاج ٣/ ٢٣٢، والإسنوي: نهاية السول ٤/ ٥٠٠، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٦٧، والعبادي: الآيات البينات ٤/ ٣٠٢، ٣٠٣، والبناني: حاشية البناني ٢/ ٣٦٧، والشنقيطي: نشر البنود ٢/ ٢٨٧، والعطار: حاشية العطار ٢/ ٤١٠، ٤١١، والمطيعي: سلم الوصول ٤/ ٥٠٠، والشنقيطي: مذكرة أصول الفقه ٣٢٢.
(٣) ١/ ٤٥٠، وانظر أيضا: ابن العربي: أحكام القرآن ١/ ١٤٨، ١٤٩.
(٤) انظر: الباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٦٣، ٦٦٤، والإشارة ٣٣٩، والغزالي: المستصفى ٢/ ٣٩٧، والرازي: المحصول ٥/ ٤٢٢، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٨٥، والعضد: شرح المختصر ٢/ ٣١٦، والتلمساني: مفتاح الوصول ١٥٢، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٦٨، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٧٠٦، والشوكاني: إرشاد الفحول ٢٧٩.
(٥) تقدم تخريجه، انظر رقم ١٦٣.
[ ١٣ / ١٦٥ ]
ورووا أيضًا بإزائه خبر أبي المَلِيح) (١) (عن أبيه: أن النبي «نهى عن جلود السباع أن تُفترش» (٢) (.
وقد ذهب مالك في أشهر الروايتين عنه إلى طهارة جلود السباع إذا دبغت) (٣) (، عملًا بمقتضى خبر ابن عباس ﵄؛ لأنه قصد به الكشف عن حكم الطهارة، من غير أن يفرق فيه بين الانتفاع بجلد ما يؤكل لحمه إذا دبغ وما لا يؤكل، فدلالة عمومه على طهارة جلد ما لا يؤكل أقوى من دلالته على نجاستها؛ لنهيه عن افتراش جلود السباع؛ لكونه ما سيق أصلًا لبيان الطهارة والنجاسة، بل ربما نهى عن افتراشها للخيلاء والسرف والتشبيه بالأعاجم وما شاكل ذلك، أو للتعبد المحض الذي لا نعقل معناه) (٤) (.
ومنها: تحديد أول وقت العصر) (٥) (.
الوجه الخامس: ترجيح ما نقل معناه بألفاظ متغايرة وعبارات متباينة:
_________________
(١) هو: أبو المَلِيح بن أسامة بن عُمير بن عامر الهذلي، اسمه: عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد، ثقة، مات سنة ٩٨هـ، وقيل ١٠٨، وقيل: بعد ذلك. له ترجمة في: المزي: تهذيب الكمال (٨٢٤٢)، وابن حجر: تهذيب التهذيب ١٢/ ٢٦٨، ٢٦٩.
(٢) أخرجه: أبو داود (٤١٣٢)، والترمذي (١٧٧١)، والنسائي (٤٢٦٤)، وكلهم بلفظه، غير أن الترمذي زاد في حديثه (أن تفترش)، وجميعًا عن سعيد بن أبي عروبة.. به، وقال الترمذي: ولا نعلم أحدًا قال عن أبي المليح، عن أبيه غير سعيد بن أبي عروبة.
(٣) انظر: الخطابي: معالم السنن ٦/ ٦٤، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ٩٢، ٩٣.
(٤) انظر: الباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٦٤، والغزالي: المستصفى ٢/ ٣٩٧، والتلمساني: مفتاح الوصول ١٥٣، ١٥٤.
(٥) انظر: مالك: المدونة ٢/ ٦٠٠، ٦٠١، والبخاري (٥٥٧)، وأبو داود (٣٩٣)، والترمذي (١٤٩، ٢٨٧١)، والنسائي (٥٠١)، والخطابي: معالم السنن ١/ ٢٣٤، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ١١١، وابن قدامة: المغني ١/ ٣٧١- ٣٧٥، والتلمساني: مفتاح الوصول ١٥٢، ١٥٣، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٧٧، والشوكاني: إرشاد الفحول ٢٧٩.
[ ١٣ / ١٦٦ ]
إذا ورد أحد المعنيين بألفاظ متغايرة وعبارات مختلفة، والآخر روي بلفظ واحد من طريق واحد، فالأول أولى؛ لأنه يبتعد عن الخطأ والتأويل والسهو والتبديل، ومن ثَمَّ يقوى في النفس، وتصير إلى روايته أسكن) (١) (، ومن أمثلة ذلك ما روي عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله (: (جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما» (٢) (.
فيخالفه ما روي عن مُجَمِّعٍ بن جارية (حيث قال: (قسمت خيبر على أهل الحديبية) (٣) (فقسمها رسول الله (على ثمانية عشر سهما، وكان الجيش ألفًا وخمس مائة، فيهم ثلاث مائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهما» (٤) (
غير أن مالكًا رجح ههنا حديث ابن عمر ﵄؛ لكثرة الروايات الموافقة له في المعنى، مع تغاير كلماتها وتباين عباراتها) (٥) (.
الوجه السادس: ترجيح ما يتناول الحكم بمنطوقه:
_________________
(١) انظر: الباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٦٦، والإشارة ٣٤١، والقرافي: شرح تنقيح الفصول ٤٢٤.
(٢) متفق عليه: البخاري (٢٨٦٣) واللفظ له، ومسلم (٥٧/ ١٧٦٢) .
(٣) الحديبية: قرية متوسطة ليست بالكبيرة، بينها وبين مكة مرحلة، وبينها وبين المدينة تسع مراحل. انظر: ياقوت الحموي: معجم البلدان (٣٥٥٨) .
(٤) أخرجه: أبو داود (٣٠١٥)، وقال ابن حجر: في الفتح ٦/ ٨٠ "في إسناده ضعف".
(٥) انظر: مالك: الموطأ (٩٨٤)، والمدونة ١/٤٧٠، والشافعي: الأم ٤/ ٣٥٦، ٣٦٢، والنووي: صحيح مسلم بشرحه ١٢/ ٨٣، وابن حجر: الفتح ٦/ ٧٩، ٨٠، والكحلاني: سبل السلام ٤/ ٥٨، والشوكاني: نيل الأوطار ٧/ ٢٨١، ٢٨٢.
[ ١٣ / ١٦٧ ]
إذا تعارض خبران وكان ما تضمنه أحدهما من الحكم منطوقًا به، والآخر محتملا، فيقدم على الراجح ما نطق فيه بالحكم؛ لأن الغرض فيه أبين، والمقصود أجلى) (١) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن أنس (أن النبي (قال: ﴿في الرِّقَّةِ) (٢) (ربع العشر﴾) (٣) (، فهذا الحديث يدل على وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون) (٤) (، ولكن هنالك حديث آخر ينفيهما عنهما وهو ما روي عن عائشة ﵂، عن النبي (أنه قال: ﴿رفع القلم عن ثلاث، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق﴾) (٥) (.
غير أن مالكًا أخذ بخبر أنس (؛ لأن فيه إيجاب الزكاة في المال، بخلاف خبر عائشة ﵂، فإنه ليس فيه نفي الزكاة عن المال، وإنما فيه نفي وجوبها عن الصبي والمجنون، وإذا تقرر هذا فإنه يجب على الولي أن يخرجها عنهما من مالهما) (٦) (.
الوجه السابع: ترجيح ما دل على المراد من وجهين:
_________________
(١) انظر: الباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٦١، والإشارة ٣٣٨، والشيرازي: اللمع ٨٥، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٧٤، وابن الحاجب: المختصر ٢/ ٣١٢، والقرافي: شرح تنقيح الفصول ٤٢٤، والعبادي: الآيات البينات ٤/ ٣٠٥، والشنقيطي: نشر البنود ٢/ ٢٩٢، والعطار: حاشية العطار ٢/ ٤١٢.
(٢) الرِّقَّة: هي الفضة الخالصة، والدراهم المضروبة منها. انظر: ابن الأثير: النهاية ٢/ ٢٥٤، وابن منظور: لسان العرب ١٠/ ٣٧٥.
(٣) أخرجه: البخاري (١٤٥٤) .
(٤) انظر: مالك: المدونة ١/ ٢٤٤، وابن قدامة: المغني ٢/ ٦٢٢.
(٥) أخرجه: أبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي (٣٤٣٢) واللفظ له، وابن ماجه (٢٠٤١) .
(٦) انظر: المصدرين السابقين، نفس المواضع.
[ ١٣ / ١٦٨ ]
إذا تعارض خبران وكان أحدهما دالًا على المراد من وجهين، فإنه يقدم على الدال عليه من وجه واحد) (١) (، ومن أمثلته: ما روي عن عبد الرحمن بن عوف (أن رسول الله (: (قضى بالشفعة فيما لم يقسم بين الشركاء)، فقضيته أن ما قسم لا شفعة فيه، ثم قال: (فإذا وقعت الحدود بينهم فلا شفعة» (٢) (، فيقدم عند مالك) (٣) (على ما روي عن جابر (؛ إذ قال: قال رسول الله (: ﴿الجار أحق بشفعته﴾) (٤) (؛ لأن هذا الخبر يدل بوجه، وما يعارضه يدل بوجهين) (٥) (.
الوجه الثامن: ترجيح ما تأكد بالتأكيد:
إذا تعارض خبران واقترن أحدهما بالتأكيد، فإنه يقدم على الخالي؛ لأن المؤكد لا يحتمل التأويل والمجاز أو يبعد فيهما، أما ما ليس مؤكدًا فإنه يحتملهما) (٦) (، ومَثَّلَه مالك بما روي عن عائشة ﵂ أن رسول الله (قال: ﴿أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل﴾ ثلاث مرات) (٧) (.
_________________
(١) انظر: الزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٦٧.
(٢) أخرجه: مالك في الموطأ (١٣٩٤) واللفظ له، وهو متفق عليه: من حديث جابر بن عبد الله ﵄: البخاري (٢٢١٣)، ومسلم (١٣٤/ ١٦٠٨) .
(٣) انظر: الموطأ (١٣٩٤)، والمدونة ٥/ ٢٤٥٣، ٢٥٠٦.
(٤) أخرجه: أبو داود (٣٥١٨)، والترمذي (١٣٦٩) واللفظ له، وقال: هذا حديث غريب، وابن ماجه: (٢٤٩٤) .
(٥) انظر: الكاساني: البدائع ٥/ ٦، ٧، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٦٧.
(٦) انظر: البصري: المعتمد ١٨٣، والباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٦٢، والرازي: المحصول ٥/ ٤٣٢، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٧٣، والقرافي: شرح تنقيح الفصول ٤٢٤، والعضد: شرح المختصر ٢/ ٣١٣، ٣١٤، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٦٨، وبحر العلوم: فواتح الرحموت ٢/ ٢٠٥، والشنقيطي/ نشر البنود ٢/ ٢٨٨، والشوكاني: إرشاد الفحول ٢٧٩، والشنقيطي: مذكرة أصول الفقه ٣٢٢.
(٧) أخرجه: أبو داود (٢٠٨٣) واللفظ له، والترمذي (١١٠٢) وقال: هذا حديث حسن، وابن ماجه (١٨٧٩) .
[ ١٣ / ١٦٩ ]
فيعارضه: ما روي عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله (قال: ﴿الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها﴾) (١) (.
غير أن مالكًا ذهب إلى أنه ليس للمرأة أن تلي عقد نكاحها بنفسها بغير وليها) (٢) (، واحتج بحديث عائشة ﵂؛ لأنه أغلب على الظن، وأقوى دلالة؛ إذ تكرار البطلان فيه توكيد لحكمه، أما خبر ابن عباس ﵄ المخالف له فمرجوح؛ لكونه لم يؤكد حكمه) (٣) (.
الوجه التاسع: ترجيح ما تأكد بالاحتياط:
_________________
(١) أخرجه: مالك في الموطأ (١١٠٣) ومسلم (٦٦/ ١٤٢١)، وكلاهما بلفظه.
(٢) انظر: الموطأ (١١٠٥)، والمدونة ٢/ ٩١٧، ٣/ ١٢٤٤.
(٣) انظر: الخطابي: معالم السنن ٣/ ٢٧، وابن العربي: أحكام القرآن ١/ ٢٦٨، ٣/ ٥٠٥، ٥٠٦، والرازي: المحصول ٥/ ٤٣٢، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٧٣، والعضد: شرح المختصر ٢/ ٣١٤، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٦٨، والشنقيطي: نشر البنود ٢/ ٢٨٨، والشنقيطي: مذكرة أصول الفقه ٣٢٣.
[ ١٣ / ١٧٠ ]
إذا تعارض خبران وكان أحدهما أقرب إلى الاحتياط، بخلاف الآخر، فإن الأحوط يقدم على ما لا احتياط فيه، لأن استحباب الاحتياط لا ينكر؛ إذ هو أليق بحكمة الشريعة ومحاسنها، وأبين لأسرارها ومراميها، وأقرب لمعانيها ومبانيها) (١) (، ومثاله: أن مالكًا قال: من باب الاحتياط في المدونة ما نصه: "لا يجب صيام شهر رمضان إلاّ برؤية الهلال أو كمال شعبان ثلاثين يوما، قال النبي (في حديث ابن عمر ﴿لا تصوموا حتى تَرَوْا الهلال ولا تفطروا حتى تَرَوْه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له﴾) (٢) (، وقال في حديث ابن عباس ﴿فإن غُمَّ عليكم فعدوا ثلاثين يومًا ثم أفطروا﴾) (٣) (، وأدخله مالك ﵀ في موطئه بعد حديث ابن عمر على طريق التفسير له؛ لأن أهل العلم اختلفوا في معنى قول النبي (: ﴿فاقدروا له﴾ ") (٤) (.
الوجه العاشر: ترجيح ما اشتمل على زيادة:
_________________
(١) انظر: البصري: المعتمد ١٨٣، والشيرازي: اللمع ٨٦، وإمام الحرمين: البرهان ٢/١١٩٩ ١٢٠٠، والغزالي: المنخول ٤٣٤، والحازمي: الاعتبار ٣٧، ٣٨، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٨٥، والتلمساني: مفتاح الوصول ١٥٥، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٧٠، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٧٠٦، ٧٠٧، والشوكاني: إرشاد الفحول ٢٧٩.
(٢) أخرجه: مالك في الموطأ (٦٣٤)، والبخاري (١٩٠٦)، ومسلم (٣- ٩/ ١٠٨٠) .
(٣) أخرجه: مالك في الموطأ (٦٣٦)، والبخاري (١٩٠٩)، ومسلم (١٧- ٢٠/ ١٠٨١) .
(٤) ٢/ ٦٦٠.
[ ١٣ / ١٧١ ]
إذا تعارض خبران وكان أحدهما مشتملًا على زيادة لم يتعرض لها الثاني، فيقدم الأول؛ لما فيه من زيادة علم خفي على الآخر) (١) (، ومن أمثلة ذلك: ما روي عن عائشة ﵂، أن رسول الله (: (كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمسا» (٢) (.
وما روي عن ابن عمر ﵄، أنه قال: (شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة، فكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الأخيرة خمس تكبيرات قبل القراءة» (٣) (.
فيقابلهما: ما روي عن مكحول، قال: أخبرني أبو عائشة -جليس لأبي هريرة- أن سعيد بن العاص، سأل أبا موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان، كيف كان رسول الله (يكبر في الأضحى والفطر؟ فقال أبو موسى: (كان يكبر أربعًا تكبيره على الجنائز)، فقال حذيفة: (صدق)، فقال أبو موسى: (كذلك كنت أكبر في البصرة حيث كنت عليهم)، وقال أبو عائشة: وأنا حاضر سعيد بن العاص) (٤) (.
غير أن مالكًا رجح حديثي عائشة وأبي هريرة ﵄، على ما يعارضهما؛ لاشتمالهما على زيادة علم غير منافية، فتعين المصير إليهما) (٥) (.
_________________
(١) انظر: الحازمي: الاعتبار ٣٧، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٧٦، ٤٨١، والشوكاني: إرشاد الفحول ٢٧٩، والعطار: حاشية العطار ٢/ ٤٠٧، ٤١٠.
(٢) أخرجه: أبو داود (١١٤٩) واللفظ له، وابن ماجه (١٢٨٠) .
(٣) أخرجه: مالك في الموطأ (٤٣٤) .
(٤) أخرجه: أبو داود (١١٥٣) .
(٥) انظر: المدونة ١/ ١٨٤، ١٨٥.
[ ١٣ / ١٧٢ ]
وقد تعرض مالك لعدد من الأخبار التي تتعارض بسبب هذه الظاهرة، فرجح ما يتضمن زيادة؛ لأنها عن الثقة مقبولة، من ذلك: أنه قدم رواية من أثبت أنه لا يجزئ في التيمم إلاّ ضربتين، ضربة للوجه، وضربة لليدين، على رواية من نقل أنه يكفي ضربة واحدة لهما) (١) (، وقدم أيضًا الترجيع في الأذان على خبر من رواه من غير ترجيع) (٢) (، وقدم كذلك في مسألة الأذان والإقامة في الجمع بين الصلاتين بمزدلفة، الخبر الذي أثبت أذانًا واحدًا وإقامتين، على الخبر الذي أثبت أذانًا وإقامة، وعلى الذي أثبت إقامتين فقط، أو إقامة واحدة من غير أذان ألبتة) (٣) (.
المطلب الثالث: الترجيح باعتبار أمر خارجي
وله وجوه:
_________________
(١) انظر: الموطأ (١٢٠)، والمدونة ١/ ٨٧، والبخاري (٣٤٧)، ومسلم (١١٠- ١١٢/ ٣٦٨)، والحاكم: المستدرك ١/ ١٧٩، والدارقطني: سنن الدارقطني (٦٧٩)، والبيهقي: السنن الكبرى ١/ ٢٠٧، ومحمد منصور: منزلة السنة ٣٥٦- ٣٥٩.
(٢) انظر: المدونة ١/ ١٠٠، والحازمي: الاعتبار ٣٧.
(٣) انظر: الموطأ (٩٠٩)، والبخاري (١٦٧٣، ١٦٧٥)، ومسلم (١٤٧/ ١٢١٨)، وابن عبد البر: الكافي ١/ ٣٧٢، وابن قدامة: المغني ٣/٤١٨، ٤١٩، وابن حجر: الفتح ٣/ ٦١٢، ٦١٣.
[ ١٣ / ١٧٣ ]
الوجه الأول: ما رجح لموافقته الكتاب) (١) (: ومن أمثلته ما يأتي: روي عن عائشة زوج النبي (أنها قالت: (إن كان رسول الله ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات) (٢) (بمروطهن) (٣) (ما يُعْرَفْنَ من الغلس) (٤) (» (٥) (.
فهذا الحديث يبين أن الرسول (كان يصلي الصبح بغلس؛ أي: في أول وقتها) (٦) (. فيقابله: ما روي عن رافع بن خديج (؛ إذ قال: سمعت رسول الله (يقول: ﴿أسفروا) (٧) (بالفجر، فإنه أعظم للأجر﴾) (٨) (.
_________________
(١) انظر: البصري: المعتمد ١٨١، والشيرازي: اللمع ٨٥، والحازمي: الاعتبار ٣٠، ٣١، وآل تيمية: المسودة ٣١١، ٣١٢، والزركشي: البحر المحيط ٦/١٧٦، والعبادي: الآيات البينات ٤/ ٣٠٨.
(٢) اللِّفَاع: ما يجلل به سائر الجسد، كساء كان أو غيره. انظر: ابن قتيبة: غريب الحديث ٢/٢٤١، وابن منظور: لسان العرب ٨/٣٢٠، والفيومي: المصباح المنير ٢/٥٥٥، ومجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط ٢/ ٨٣٢.
(٣) المروط: واحدها مِرْط، والمرط كساء من صوف أو خز غير مخيط، يؤتز به، وتتلفع المرأة به. انظر: ابن الأثير: النهاية ٤/ ٣١٩، والرازي: مختار الصحاح ٢٥٩، وابن منظور: لسان العرب ٧/٤٠١، والفيومي: المصباح المنير ٢/ ٥٦٩.
(٤) الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلط بضوء الصباح. انظر: ابن الأثير: النهاية ٣/ ٣٧٧، والرازي: مختار الصحاح ٢٠٠، وابن منظور: لسان العرب ٦/ ١٥٦، والفيومي: المصباح المنير ٢/ ٤٥٠.
(٥) أخرجه: مالك في الموطأ (٣)، والبخاري (٥٧٨)، ومسلم (٢٣٢/ ٦٤٥)، واللفظ لمالك ومسلم.
(٦) انظر: ابن الأثير: النهاية ٢/ ٣٧٢.
(٧) أسفر الصبح: إذا انكشف وأضاء. انظر: الترمذي (١٥٤)، وابن الأثير: النهاية ٢/ ٣٧٢، والرازي: مختار الصحاح ١٢٧، وابن منظور: لسان العرب ٤/ ٣٦٩، ٣٧٠، والفيومي: المصباح المنير ١/ ٢٧٩.
(٨) أخرجه: أبو داود (٤٢٤)، والترمذي (١٥٤) واللفظ له، والنسائي (٥٤٨)، وابن ماجه (٦٧٢) .
[ ١٣ / ١٧٤ ]
غير أن مالكًا رجح حديث عائشة ﵂ لموافقته ظاهر قوله تعالى: (فاستبقوا الخيرات () (١) (، وقوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم () (٢) (.) (٣) (
ومنها: أن مالكًا أخذ بالأخبار التي تدل على أنه لا يجوز الاستعانة بالكافرين في القتال؛ لأنها ليس فيها جعل سبيل لهم على المؤمنين، وقد قال الله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا () (٤) (، وترك ما يخالفها من أخبار) (٥) (.
الوجه الثاني: ما رُجِّحَ لموافقته حديث آخر) (٦) (: ومن أمثلة ذلك: ما روي عن أبي موسى (أن النبي (قال: ﴿لا نكاح إلاّ بولي﴾) (٧) (.
فيعارضه: ما روي عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله (قال: ﴿الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها﴾) (٨) (.
وقد رجح مالك حديث أبي موسى (؛ لأنه يؤكد غلبة الظن بقصد مدلوله حديث عائشة ﵂ أيضا، أن رسول الله (قال: ﴿أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل﴾ [ثلاث مرات]) (٩) (.) (١٠) (
_________________
(١) من الآية ١٤٨ من سورة البقرة.
(٢) من الآية ١٣٣ من سورة آل عمران.
(٣) انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ٤/٢٠٣، والزركشي: البحر المحيط ٦/١٧٦.
(٤) من الآية ١٤١ من سورة النساء.
(٥) انظر: مالك: المدونة ١/٤٧٦، ٤٧٧، ٢/٧١٨، ومسلم (١٥٠/ ١٨١٧)، والبيهقي: السنن الكبرى ٩/٣٧، ٥٣، والحازمي: الاعتبار ٣٢٣- ٣٢٥، وابن قدامة: المغني ٨/٤١٤، ٤١٥، والنووي: صحيح مسلم بشرحه ١٢/ ١٩٨، ١٩٩، والكحلاني: سبل السلام ٤/ ٤٩، والشوكاني: نيل الأوطار ٧/ ٢٢٣، ٢٢٤.
(٦) انظر: الشيرازي: اللمع ٨٥، والحازمي: الاعتبار ٣١، ٣٢، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٨٣، والعبادي: الآيات البينات ٤/ ٣٠٨.
(٧) أخرجه: أبو داود (٢٠٨٥)، والترمذي (١١٠١)، وابن ماجه (١٨٨١)، وكلهم بلفظه.
(٨) تقدم تخريجه، انظر رقم ٢٣٤.
(٩) تقدم تخريجه، انظر رقم ٢٣٣.
(١٠) انظر: الموطأ (١١٠٥)، والمدونة ٢/ ٩١٧، ٣/ ١٢٤٤.
[ ١٣ / ١٧٥ ]
الوجه الثالث: ما رجح لموافقته إجماع الأمة) (١) (: ومن أمثلته: ما روي عن زينب بنت أبي سلمة ﵂ أنها قالت: دخلت على أم حبيبة زوج النبي (حين تُوُفِّيَ أبوها أبو سفيان بن حرب، فدعتْ أم حبيبة بِطِيب فيه صُفرة خلوق، أو غيره، فدهنتْ به جارية ثم مسحت بعارضيها، ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله (يقول: ﴿لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث ليال إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشرا﴾) (٢) (.
وفي الباب عن عائشة وحفصة زوجي النبي (وغيرهما) (٣) (.
ويقابل ذلك خبر أسماء بنت عميس ﵂ حيث قالت: دخل عليَّ رسول الله (إلىوم الثالث من قتل جعفر، فقال: ﴿لا تحدي بعد يومك هذا﴾) (٤) (.
فمالك ترك خبر أسماء ﵂؛ لأنه يخالف الإجماع، وعمل بمقتضى خبر زينب ﵂؛ لكونه سندًا لإجماع الأمة في الجملة وإن اختلفوا في التفاصيل، على أن عدة المرأة الحرة المسلمة المتوفى عنها زوجها، إن لم تكن حاملًا ووضعت حملها، أمدها أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها سواء كانت مدخولًا بها أو غير مدخول، كبيرة بالغة، أو صغيرة لم تبلغ) (٥) (.
_________________
(١) انظر: البصري: المعتمد ١٨١، والحازمي: الاعتبار ٣٣، وابن حجر: الفتح ٩/ ٣٩٧، والعبادي: الآيات البينات ٤/ ٣٠٨.
(٢) أخرجه: مالك في الموطأ (١٢٦٥) واللفظ له، والبخاري (٥٣٣٤)، ومسلم (٥٨/ ١٤٨٦) .
(٣) انظر: مالك الموطأ (١٢٦٦) .
(٤) أخرجه: أحمد في المسند ٦/ ٣٦٩، وقال ابن حجر: في الفتح ٩/ ٣٩٧ إنه "حديث قوي الإسناد".
(٥) انظر: مالك: المدونة ٣/ ١٢٦٧، وابن حزم: مراتب الإجماع ٧٧، وابن رشد: بداية المجتهد ٢/ ١٤٠، وابن قدامة: المغني ٧/ ٤٧٠، والنووي: صحيح مسلم بشرحه ١٠/ ١١٢.
[ ١٣ / ١٧٦ ]
الوجه الرابع: ما رجح لموافقته إجماع أهل المدينة لوحدهم) (١) (: ومن الأمثلة على ذلك صفة الأذان، حيث ورد ثلاث صفات مشهورة له، وهي:
الصفة الأولى: أذان المدنيين، وهو سبع عشرة كلمة: الله أكبر مرتين، أشهد أن لا إله إلاّ الله مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، ثم يرجع بأرفع من صوته بها أول مرة فيقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، حيَّ على الصلاة مرتين، حيَّ على الفلاح مرتين، الله أكبر مرتين، لا إله إلاّ الله مرة واحدة) (٢) (.
الصفة الثانية: أذان المكيين، تسع عشرة كلمة: وهو يماثل أذان المدنيين تمامًا في جميع ألفاظه، ما عدا التكبير الأول، فالمدنيون قالوا بتثنيته، والمكيون قالوا بتربيعه) (٣) (.
_________________
(١) انظر: الباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٥٧، والغزالي: المستصفى ٢/ ٣٩٦، وابن الحاجب: المختصر ٢/ ٣١٦، وآل تيمية: المسودة ٣١٣، وابن تيمية: مجموع الفتاوى ١٩/ ٢٦٩، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٩٩، وبحر العلوم: فواتح الرحموت ٢/ ٢٠٦، والشوكاني: إرشاد الفحول ٢٨٠.
(٢) انظر: مالك: المدونة ١/١٠٠، ومسلم (٦/ ٣٧٩)، وابن عبد البر: الكافي ١/ ١٩٧، والباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٥٧، والكاساني: البدائع ١/٢٢٠، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ١٢٦، وابن قدامة: المغني ١/ ٤٠٤، ٤٠٥.
(٣) انظر: الشافعي: الأم ١/١٠٤، والكاساني: البدائع ١/ ٢٢٠، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ١٢٦، وابن قدامة: المغني ١/ ٤٠٤، ٤٠٥، والشنقيطي: نشر البنود ٢/ ٢٨٠.
[ ١٣ / ١٧٧ ]
الصفة الثالثة: أذان الكوفيين، وهو خمس عشرة كلمة: الله أكبر أربع مرات، أشهد أن لا إله إلاّ الله مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، حيَّ على الصلاة مرتين، حيَّ على الفلاح مرتين، الله أكبر مرتين، لا إله إلاّ الله مرة واحدة) (١) (.
غير أن مالكًا يرى أن الصفة الأولى إلى الصحة أقرب، والأخذ بها أصوب؛ لأنه يشهد لها العمل المتصل في المدينة) (٢) (.
وقد رجح مالك عددًا من الأخبار لموافقتها للعمل، على ما يعارضها من أخبار أخرى، من ذلك أنه ذهب إلى أن: الإقامة كلها فرادى إلاّ قوله الله أكبر في أولها وفي آخرها، فإنه مرتين مرتين) (٣) (، وأن التكبير في الأولى من ركعتي العيد سبع، وفي الثانية خمس) (٤) (، وإلى جواز القضاء في الأموال خاصة باليمين مع الشاهد الواحد) (٥) (، وإنه لا يثبت حق الشفعة للشفيع إذا قسم المشفوع فيه ووقعت الحدود وبينت الطرق) (٦) (.
_________________
(١) انظر: مسلم (٣٧٩)، وأبو داود (٤٩٩)، والترمذي (١٨٩)، وابن ماجه (٧٠٦)، والكاساني: البدائع ١/ ٢٢٠، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ١٢٦، وابن قدامة: المغني ١/ ٤٠٤، ٤٠٥.
(٢) انظر: مالك: الموطأ (٤١)، والمدونة ١/١٠٠، وابن رشد: بداية المجتهد ١/١٢٦.
(٣) انظر: الموطأ (١٥٠)، والمدونة ١/١٠٠، وابن عبد البر: الكافي ١/١٩٧، والكاساني: البدائع ١/٢٢٠، ٢٢١، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ١٣٢، وابن قدامة: المغني ١/٤٠٦، ٤٠٧.
(٤) انظر: المدونة ١/ ١٨٤، ١٨٥، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ١٣٢، وابن قدامة: المغني ١/ ٤٠٦، ٤٠٧.
(٥) انظر: الموطأ (١٤٠٥)، والمدونة ٥/ ٢٢٤٢، والشافعي: الأم ١/٢٧٠، والحازمي: الاعتبار ٣٣، وابن الهمام: فتح القدير ٨/ ١٧٠- ١٧٢، والشوكاني: نيل الأوطار ٣/٢٩٨
(٦) انظر: الموطأ (١٣٩٤)، والمدونة ٥/ ٢٤٥٣.
[ ١٣ / ١٧٨ ]
الوجه الخامس: ما رجح لموافقته عمل الخلفاء الراشدين: إذا تعارض خبران وعمل بأحدهما الخلفاء الراشدون، دون الثاني، فيكون آكد؛ لأن عملهم به يدل على أنه آخر الأمرين وأولاهما وأشهرهما؛ إذ هم أجل من أن يخفى عليهم الحكم الثابت الواجب العمل به) (١) (، ومما رجحه مالك لأنه يوافق عملهم: تَرْك الوضوء مما غيرت النار) (٢) (، وأن تكبيرات العيدين سبعًا وخمسا) (٣) (، والقضاء بالشاهد واليمين فيما يتعلق بالأموال فقط) (٤) (.
_________________
(١) انظر: الشيرازي: اللمع ٨٥، وإمام الحرمين: البرهان ٢/ ١١٧٦، والحازمي: الاعتبار ٣٣، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٨٣، وابن الحاجب: المختصر ٢/ ٣١٦، وآل تيمية: المسودة ٣١٤، والقرافي: شرح تنقيح الفصول ٤٢٥، وبحر العلوم: فواتح الرحموت ٢/ ٢٠٦، والشوكاني: إرشاد الفحول ٢٨٠.
(٢) انظر: الحازمي: الاعتبار ٧٧- ٨٦، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ٤٦.
(٣) انظر: ابن عبد البر: الكافي ١/ ١٥١، وابن رشد: بداية المجتهد ١/ ٤٦، ٤٧، وابن قدامة: المغني ٩/ ١٥١، والشوكاني: نيل الأوطار ٨/ ٢٨٥.
(٤) انظر: الموطأ (١٤٠٥)، والمدونة ٥/ ٢٢٤٢.
[ ١٣ / ١٧٩ ]
الوجه السادس: ما رجح لموافقته القياس) (١) (: ومن أمثلة ذلك: ما ذهب إليه مالك أنه لا زكاة تجب في الخيل السائمة إذا كانت ذكورًا وإناثًا متخذة للنسل) (٢) (، لما رواه بسنده عن أبي هريرة (أن رسول الله (قال: ﴿ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقه﴾) (٣) (، فهذا نفي، والنفي على الإطلاق يقتضي الاستغراق، ومما يؤكد ذلك كذلك حديث علي (إذ قال: قال رسول الله (: ﴿عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق﴾) (٤) (، إلاّ إذا كانت للتجارة ففيها الزكاة بلا خلاف) (٥) (.
خلافًا لأبي حنيفة فقد ذهب إلى أنها إذا كانت تسام للدر والنسل، ومختلطة ذكورًا وإناثا، فإن الزكاة تجب فيها قولًا واحدا، أما إذا كانت ذكورًا منفردة أو إناثًا منفردة ففيها عنه قولان) (٦) (، واستدل بما روي عن أبي هريرة (أن رسول الله (قال: ﴿الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر [وساق الحديث وفيه] ورجل ربطها تغنيًا وتعففًا ولم ينسَ حق الله في رقابها، ولا في ظهورها فهي لذلك ستر﴾) (٧) (.
_________________
(١) انظر: الحازمي: الاعتبار ٣٢، والعبادي: الآيات البينات ٤/ ٣٠٩.
(٢) المدونة ٢/ ٧٠٢ بتصرف يسير.
(٣) أخرجه: مالك في الموطأ (٦١٣)، والبخاري (١٤٦٣)، ومسلم (٨/ ٩٨٢)، واللفظ لمالك ومسلم.
(٤) أخرجه: أحمد في المسند ١/ ١٢١، ١٤٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ١١٨، وكلاهما بلفظه، وانظر أيضا: مالك: المدونة ٢/ ٧٠٢.
(٥) انظر: الكاساني: البدائع ١/ ٥١.
(٦) انظر: المرجع نفسه، نفس الموضع، وابن قدامة: المغني ٢/ ٦٢٠.
(٧) أخرجه: مالك في الموطأ (٩٦٦) واللفظ له، والبخاري (٢٣٧١)، ومسلم (٢٤/ ٩٨٧) .
[ ١٣ / ١٨٠ ]
غير أن مالكًا دعم ما استدل به من أخبار من جهة المعنى والقياس إذ جاء في المدونة: "أنه لما اجتمع أهل العلم في البغال والحمير على أنه لا زكاة فيها، وإن كانت سائمة، واجتمعوا في الإبل والبقر والغنم على الزكاة فيها إذا كانت سائمة، واختلفوا في الخيل السائمة وجب ردها إلى البغال والحمير لا إلى الإبل والبقر والغنم؛ لأنها بها أشبه؛ لأنها ذات حافر كما أنها ذوات حوافر، وذو الحافر بذي الحافر أشبه منه بذي الخف أو الظلف؛ ولأن الله ﵎ قد جمع بينها فجعل الخيل والبغال والحمير صنفًا واحدا؛ لقوله: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة () (١) (، وجمع بين الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم فجعلها صنفًا واحدا؛ لقوله: (والأنعام خلقها لكم فيها دفءٌ ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون () (٢) (؛ ولقوله (: (الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون () (٣) (".) (٤) (
الوجه السابع: ما رجح لموافقته واقع الحال:
إذا تعارض خبران وكان أحدهما ينفي النقص عن أصحاب رسول الله (، والثاني يضيفه إليهم، فيكون الذي ينفيه أولى؛ لكونه أقرب إلى الظاهر الموافق لحالهم، وما وصفهم الله تعالى به وأثنى عليهم) (٥) (، ومن الأمثلة على ذلك: ما روي عن جابر (أنه قال: (إذا ضحك الرجل في الصلاة أعاد الصلاة ولم يعد الوضوء» (٦) (.
_________________
(١) من الآية ٨ من سورة النحل.
(٢) الآيتان ٥،٦ من سورة النحل.
(٣) الآية ٧٩ من سورة غافر.
(٤) ٢/ ٧٠٢، وانظر أيضا: ابن العربي: أحكام القرآن ٣/ ١٢٤- ١٢٦، والحازمي: الاعتبار ٣٢، وابن قدامة: المغني ٢/ ٦٢٠.
(٥) انظر: الباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٦٨، والإشارة ٣٤١، والغزالي: المستصفى ٢/ ٣٩٧، والحازمي: الاعتبار ٣٥- ٣٧، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٨٥، والقرافي: شرح تنقيح الفصول ٤٢٤، والزركشي: البحر المحيط ٦/ ١٧٩، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٧٠٧.
(٦) أخرجه: البيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٤٤.
[ ١٣ / ١٨١ ]
فيقابله: ما روي عن أبي العالية) (١) (: (أن رجلًا أعمى جاء والنبي (في الصلاة، فتردى في بئر، فضحك طوائف من أصحاب النبي (، فأمر النبي (من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة» (٢) (.
فقدم مالك خبر جابر (؛ لأن معارضه يقتضي غضًا من منصب الصحابة ﵃، ويستلزم إضافة النقص إليهم؛ إذ ينسب إليهم ضد ما كانوا عليه من الإقبال والخشوع والتذلل والخضوع، وهم في صلاتهم بين يدي ربهم) (٣) (، ويشهد لما رجحه مالك أيضًا خبر صفوان بن عَسَّال (، حيث قال: (كان رسول الله (يأمرنا إذا كنا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلاّ من جنابة، ولكن من غائط ونوم وبول» (٤)
_________________
(١) هو: رُفَيع، بالتصغير، ابن مهران، أبو العالية الرِياحي، مولاهم البصري، تابعي ثقة كثير الإرسال، مات على الراجح في ولاية الحجاج. له ترجمة في: المزي: تهذيب الكمال (١٩٠٥)، وابن حجر: تهذيب التهذيب ٣/ ٢٤٦، ٢٤٧.
(٢) أخرجه: الدارقطني في سننه (٥٩٦)، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٤٦ واللفظ له.
(٣) انظر: ابن عبد البر: الكافي ١/١٥١، والباجي: إحكام الفصول ٢/ ٦٦٩، والغزالي: المستصفى ٢/٣٩٧، والحازمي: الاعتبار ٣٦،٣٧، والكاساني: البدائع ١/ ٤٨، ٤٩، وابن رشد: بداية المجتهد ١/٤٧، والآمدي: الإحكام ٤/ ٤٨٥، وابن الهمام: فتح القدير ١/ ٥١، وابن النجار: شرح الكوكب المنير ٤/ ٧٠٧.
(٤) أخرجه: الترمذي (٩٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح، واللفظ له، والنسائي (١٢٧) وابن ماجه (٤٧٨) . المصادر والمراجع القرآن الكريم. الآمدي، علي بن أبي علي بن محمد (٦٣١هـ): الإحكام في أصول الأحكام، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت- ١٤٠٥هـ. ابن الأثير، المبارك بن محمد الشيباني (٦٠٦هـ): النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: محمود الطناحي، وطاهر الزاوي، دار الفكر، بيروت- ١٣٩٩هـ. أحمد بن حنبل (٢٤١هـ): مسند أحمد، دار صادر، بيروت. الأرموي، محمد بن الحسين بن عبد الله (٦٥٢هـ): الحاصل من المحصول في أصول الفقه، تحقيق: د. عبد السلام أبو ناجي، منشورات جامعة قاريونس، بنغازي- ١٩٩٤م. الأرموي، محمود بن أبي بكر بن أحمد (٦٨٢هـ): التحصيل من المحصول، تحقيق: د. عبد الحميد أبو زنيد، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة، بيروت - ١٤٠٨هـ. الإسنوي، عبد الرحيم بن الحسين القرشي (٧٧٢هـ): طبقات الشافعية، الطبعة الأولى، دار الفكر، بيروت- ١٤١٦هـ. الإسنوي، عبد الرحيم بن الحسين القرشي (٧٧٢هـ): نهاية السول في شرح منهاج الأصول، عالم الكتب. إمام الحرمين، عبد الملك بن عبد الله الجويني (٤٧٨هـ): البرهان في أصول الفقه، تحقيق: د. عبد العظيم الديب، دار الأنصار، القاهرة- ١٤٠٠هـ. الأنصاري، زكريا بن محمد (٩٢٦هـ): غاية الوصول شرح لب الأصول، الطبعة الأخيرة، مصطفى الحلبي، القاهرة- ١٣٦٠هـ. أمير بادشاه البخاري، محمد أمين (حوالي ٩٨٧هـ): تيسير التحرير، شرح كتاب التحرير، لابن الهمام، مصطفى الحلبي، القاهرة- ١٣٥٠هـ. الباجي، سليمان بن خلف بن وارث (٤٧٤هـ): الإشارة في معرفة الأصول، والوجازة في معنى الدليل، تحقيق: محمد فركوس، الطبعة الأولى، المكتبة المكية، مكة المكرمة، ودار البشائر الإسلامية، بيروت- ١٤١٦هـ. الباجي، سليمان بن خلف بن وارث (٤٧٤هـ): إحكام الفصول في أحكام الأصول، تحقيق: د. عبد الله الجَبُّوري، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة، بيروت- ١٤٠٩هـ. بحر العلوم، عبد العلي محمد الأنصاري (توفي بعد سنة ١١٨٠هـ): فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت في أصول الفقه، دار الفكر، بيروت. البخاري، محمد بن إسماعيل (٢٥٦هـ): صحيح البخاري. البصري، محمد بن علي (٤٣٦هـ): المعتمد في أصول الفقه، قدم له وضبطه: خليل المَيس، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت-١٤٠٣هـ. البغدادي، إسماعيل باشا (١٣٣٩هـ): هدية العارفين- أسماء المؤلفين وآثار المصنفين: دار الكتب العلمية، بيروت- ١٤١٣هـ. البنا، أحمد بن محمد الدمياطي (١١١٧هـ): حاشية البنا على شرح الورقات للمحلي، مكتبة محمد صُبيح، بميدان الأزهر. البناني، عبد الرحمن بن جاد الله (١١٩٨هـ): حاشية البناني على شرح المحلي على متن جمع الجوامع، دار الفكر، بيروت - ١٤١٥هـ. البيهقي، أحمد بن الحسين (٤٥٨هـ): السنن الكبرى، دار الفكر. الترمذي، محمد بن عيسى (٢٧٩هـ): سنن الترمذي. التلمساني، محمد بن أحمد (٧٧١هـ): مفتاح الوصول في علم الأصول، مكتبة الكليات الأزهرية. ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم (٧٢٨هـ): مجموع الفتاوى، جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم، توزيع الرئاسة العامة لشئون الحرمين الشريفين. آل تيمية، عبد السلام بن عبد الله (٦٥٢هـ) و(آخرون): المسودة في أصول الفقه، جمع: أحمد عبد الغني، تحقيق: محمد عبد الحميد، دار الكتاب العربي، بيروت. الجعبري، إبراهيم بن عمر (٧٣٢هـ): رسوخ الأخبار في منسوخ الأخبار، تحقيق: د. حسن الأهدل، الطبعة الأولى، مؤسسة الكتب الثقافية - ١٤٠٩هـ. ابن الحاجب، عثمان بن عمر بن يونس (٦٤٦هـ): مختصر المنتهى الأصولي، مراجعة: شعبان إسماعيل، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة - ١٣٩٤هـ. الحازمي، محمد بن موسى (٥٨٤هـ): الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، تحقيق: د. عبد المعطي قلعجي، الطبعة الأولى، دار الوعي، حلب- ١٤٠٣هـ. الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله (٤٠٥هـ): المستدرك على الصحيحين، مكتبة ومطابع النصر الحديثة، الرياض. ابن حجر، أحمد بن علي (٨٥٢هـ): فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تحقيق: محب الدين الخطيب، ترقيم: محمد عبد الباقي، مراجعة: قصي محب الدين، الطبعة الأولى، دار الريان للتراث، القاهرة- ١٤٠٧هـ. ابن حزم، علي بن أحمد (٤٥٦هـ): مراتب الإجماع، دار الكتب العلمية، بيروت. الخطابي، حمد بن محمد (٣٣٨هـ): معالم السنن، تحقيق: محمد الفقي، مكتبة السنة المحمدية- القاهرة. الدارقطني، علي بن عمر بن مهدي (٣٨٥هـ): سنن الدارقطني، دار الفكر، بيروت- ١٤١٤هـ. الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن (٢٥٥هـ): سنن الدارمي، تحقيق: سليم إبراهيم، وعلي محمد، وفهرسة د. مصطفى الذهبي، الطبعة الأولى، دار الحديث، القاهرة- ١٤٢٠هـ. أبو داود، سليمان بن الأشعث الأزدي (٢٧٥هـ): سنن أبي داود. الذهبي، محمد بن أحمد (٧٤٨هـ): تذكرة الحفاظ، دار الكتب العلمية، بيروت. الذهبي، محمد بن أحمد (٧٤٨هـ): ميزان الاعتدال، توثيق: صدقي العطار، الطبعة الأولى، دار الفكر، بيروت- ١٤٢٠هـ. الرازي، محمد بن أبي بكر (٦٦٦هـ تقريبا): مختار الصحاح، مكتبة لبنان، بيروت- ١٩٨٥م. الرازي، محمد بن عمر (٦٠٦هـ): المحصول في علم الأصول، تحقيق: د. طه العَلواني، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة، بيروت- ١٤١٢هـ. ابن رشد (الحفيد)، محمد بن أحمد (٥٩٥هـ): بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تحقيق: محمد محيسن، وشعبان إسماعيل، مكتبة الكليات الأزهرية- ١٣٩٤هـ. ابن رشد (الحفيد)، محمد بن أحمد (٥٩٥هـ): الضروري في أصول الفقه، أو مختصر المستصفى، تحقيق: جمال الدين العلوي، تصدير: محمد سيناصر، الطبعة الأولى، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، مركز الدراسات الرشيدية، فاس، ودار الغرب الإسلامي، بيروت- ١٩٩٤م. الزركشي، محمد بن بهادر (٧٩٤هـ): البحر المحيط في أصول الفقه، مراجعة: د. عمر الأشقر، الطبعة الأولى، وزارة الأوقاف بالكويت- ١٤٠٩هـ. السبكي وابنه، علي بن عبد الكافي (٧٥٦هـ)، وعبد الوهاب بن علي (٧٧١هـ): الإبهاج في شرح المنهاج، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت - ١٤٠٤هـ. السرخسي، محمد بن أحمد (٤٨٣هـ): أصول السرخسي، تحقيق: أبي الوفا الأفغاني، دار المعرفة، بيروت. السمرقندي، محمد بن أحمد (٥٣٩هـ): ميزان الأصول في نتائج العقول، تحقيق: د. محمد عبد البر، الطبعة الأولى، مطابع الدوحة الحديثة- ١٤٠٤هـ. السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر (٩١١هـ): تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، الطبعة الثانية، المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، ومكتبة دار التراث، القاهرة- ١٣٩٢هـ. الشاطبي، إبراهيم بن موسى (٧٩٠هـ): الموافقات في أصول الفقه، شرح: عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت. الشافعي، محمد بن إدريس (٢٠٤هـ): الأم، دار الفكر، بيروت- ١٤١٠هـ. الشافعي، محمد بن إدريس (٢٠٤هـ): الرسالة، تحقيق: أحمد شاكر، دار الفكر- ١٣٠٩هـ. الشنقيطي، عبد الله بن إبراهيم (١٢٣٠هـ): نشر البنود على مراقي السعود، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت- ١٤٠٩هـ. الشنقيطي، محمد الأمين بن المختار: مذكرة أصول الفقه، المكتبة السلفية، المدينة المنورة- ١٣٩١هـ. الشوكاني، محمد بن علي (١٢٥٠هـ): إرشاد الفحول، إلى تحقيق الحق في علم الأصول، دار الفكر. الشوكاني، محمد بن علي (١٢٥٠هـ): نيل الأوطار، شرح منتقى الأخبار، دار الجيل، بيروت- ١٩٧٣م. الشيرازي، إبراهيم بن علي (٤٧٦هـ): اللمع في أصول الفقه، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت- ١٤٠٥هـ. ابن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري (٦٤٣هـ): علوم الحديث، تحقيق: نور الدين عتر، الطبعة الثالثة، دار الفكر، دمشق- تصوير ١٤٠٦هـ. العبادي، أحمد بن قاسم (٩٩٤هـ): الآيات البينات، ضبط: زكريا عميرات، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت - ١٤١٧هـ. ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله (٤٦٣هـ): الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق: علي معوض، وعادل عبد الموجود، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت- ١٤١٥هـ. ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله (٤٦٣هـ): الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، تحقيق: د. محمد الموديتاني، الطبعة الثانية، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، البطحاء- ١٤٠٠هـ. ابن العربي، محمد بن عبد الله (٥٤٣هـ): أحكام القرآن، تحقيق محمد عطا، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت- ١٤٠٨هـ. العضد، عبد الرحمن بن محمد (٧٥٦هـ): شرح العضد لمختصر المنتهى الأصولي. انظر: رقم (٢٦) . العطار، حسن بن محمد (١٢٥٠هـ): حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع لابن السبكي، دار الكتب العلمية، بيروت. الغزالي، محمد بن محمد (٥٠٥هـ): المستصفى من علم الأصول. انظر رقم (١٤) . الغزالي، محمد بن محمند (٥٠٥هـ): المنخول من تعليقات الأصول، تحقيق: د. محمد هيتو، الطبعة الثانية، دار الفكر، دمشق - ١٤٠٠هـ. الفيومي، أحمد بن محمد (٧٧٠هـ): المصباح المنير، دار الفكر. ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم (٢٧٦هـ): غريب الحديث، تحقيق: د. عبد الله الجبوري، الطبعة الأولى، وزارة الأوقاف العراقية- ١٣٩٧هـ. ابن قدامة، عبد الله بن أحمد (٦٢٠هـ): روضة الناظر وجنة المناظر، تحقيق: د. عبد الكريم النملة، الطبعة الثانية، مكتبة الرشد، الرياض - ١٤١٤هـ. ابن قدامة، عبد الله بن أحمد (٦٢٠هـ): المغني، مكتبة الرياض الحديثة- الرياض. القرافي، أحمد بن إدريس (٦٨٤هـ): شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول، تحقيق: طه سعد، الطبعة الأولى، مكتبة الكليات الأزهرية، ودار الفكر، القاهرة- ١٣٩٣هـ. القرافي، أحمد بن إدريس (٦٨٤هـ): نفائس الأصول في شرح المحصول، تحقيق: عادل الموجود، وعلي معوض، الطبعة الثالثة، المكتبة العصرية، بيروت- ١٤٢٠هـ. القرطبي، محمد بن أحمد (٦٧١هـ): الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: إبراهيم اطفيش، الطبعة الثالثة، الهيئة المصرية العامة للكتاب- ١٩٨٧م. ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر الزرعي (٧٥١هـ): اعلام الموقعين عن رب العالمين، تعليق: طه سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة. ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر الزرعي (٧٥١هـ): التهذيب. انظر رقم (٣١) . الكاساني، علاء الدين أبو بكر بن مسعود (٥٨٧هـ): بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، الطبعة الأولى، دار الفكر، بيروت - ١٤١٧هـ. الكحلاني، محمد بن إسماعيل الأمير (١١٨٢هـ): سبل السلام، شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام لابن حجر، تعليق: محمد الخولي، الطبعة الرابعة، مصطفى الحلبي، القاهرة- ١٣٧٩هـ. ابن كثير، إسماعيل بن عمر (٧٧٤هـ): البداية والنهاية، دار الفكر، بيروت- ١٣٩٨هـ. الكراماستي، يوسف بن حسين (٨٩٩هـ): الوجيز في أصول الفقه، تحقيق: السيد كساب، دار الهدى للطباعة، القاهرة - ١٤٠٤هـ. الكلوذاني، محفوظ بن أحمد (٥١٠هـ): التمهيد في أصول الفقه، الجزءان الأول والثاني، تحقيق: د. مفيد أبو عمشة، والجزءان الثالث والرابع، تحقيق: د. محمد إبراهيم، الطبعة الأولى، دار المدني، جدة- ١٤٠٦هـ. ابن ماجه، محمد بن يزيد (٢٧٥هـ): سنن ابن ماجه. المارديني، محمد بن عثمان (٨٧١هـ): الأنجم الزاهرات، على حل ألفاظ الورقات، في أصول الفقه، تحقيق: أ. د. عبد الكريم النملة، الطبعة الثالثة، مكتبة الرشد، الرياض- ١٤٢٠هـ. مالك بن أنس الأصبحي (١٧٩هـ): المدونة الكبرى، الطبعة الأولى، دار الفكر، بيروت- ١٤١٩هـ. مالك بن أنس الأصبحي (١٧٩هـ): الموطأ، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت- ١٤٠٥هـ. مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط، دار الفكر. المحلي، محمد بن أحمد (٨٦٤هـ): شرح الورقات في علم أصول الفقه. انظر رقم (١٨) . محمد السعيد بسيوني زغلول: موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف، دار الفكر، بيروت- ١٤١٤هـ. محمد سعيد منصور (الدكتور): منزلة السنة من الكتاب، وأثرها في الفروع الفقهية، الطبعة الأولى، الدار السودانية للكتب، الخرطوم، ومكتبة وهبة، القاهرة- ١٤١٣هـ. محمد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، الطبعة الثانية، دار الفكر- ١٤٠١هـ. المزي، يوسف بن عبد الرحمن (٧٤٢هـ): تهذيب الكمال في أسماء الرجال، حققه: أحمد عَبيد، وحسن آغا، وراجعه: د. سهيل زكار، دار القلم، بيروت- ١٤١٤هـ. مسلم بن الحجاج القشيري (٢٦١هـ): صحيح مسلم. المطيعي، محمد بخيت بن حسين (١٣٥٤هـ): سلم الوصول، لشرح نهاية السول. انظر رقم (٨) . ابن منظور، محمد بن مكرم الأنصاري (٧١١هـ): لسان العرب، دار صادر، بيروت. ابن النجار، محمد بن أحمد الفتوحي (٩٧٢هـ): شرح الكوكب المنير، تحقيق د. محمد الزحيلي، د. نزيه حماد، مكتبة العبيكان، الرياض- ١٤١٣هـ. ابن نجيم، إبراهيم بن محمد (٩٧٠هـ): فتح الغفار بشرح المنار، راجعه: محمود أبو دقيقة، الطبعة الأولى، مطبعة الحلبي، القاهرة- ١٣٥٥هـ. ابن النديم، محمد بن أبي يعقوب اسحاق (٣٨٠هـ): الفهرست، علق عليه: د. يوسف الطويل، ووضع فهارسه: أحمد شمس الدين، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت- ١٤١٦هـ. النسائي، أحمد بن شعيب (٣٠٣هـ): سنن النسائي، تحقيق: د. السيد محمد، وعلي محمد، وسيد عمران، وضبط: د. مصطفى الذهبي، الطبعة الأولى، دار الحديث، القاهرة - ١٤٢٠هـ. النووي، يحيى بن شرف الحوراني (٦٧٦هـ): صحيح مسلم بشرح النووي، دار الفكر. ابن الهمام، محمد بن عبد الواحد (٨٦١هـ): شرح فتح القدير على الهداية، دار الفكر، بيروت. ياقوت الحموي، ياقوت بن عبد الله الرومي (٦٢٦هـ): معجم البلدان، تحقيق: فريد الجندي، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت- ١٤١٠هـ.
[ ١٣ / ١٨٢ ]
(.
خاتمة البحث:
بعد أن أتيت على نهاية البحث، أسجل بإيجاز أهم ما أرشد إليه في ثناياه، وما تمخضت عنه دراسته من نتائج، وهي كالتالي:
١- بَيَّنَ البحث أن التعارض الحقيقي بين الأخبار باستثناء الناسخ والمنسوخ منها، لا يدخلها ألبتة، وإنما هي متآلفة متوافقة لا تنافي بينها ولا اختلاف، وأنه إذا وجد خبران يوهم ظاهرهما التنافي والاختلاف، فإنه يكون تعارضًا صوريًا لا في الواقع ونفس الأمر، ومرده نقص في علم الناظر وخلل في إدراكه، بحسب جلائهما وخفائهما بالنسبة إليه، حيث إنه غير معصوم من الخطأ والسهو وما شاكلهما، وإن هذا التعارض يزول بعد إنعام النظر فيها وتسريح الفكر، بأي وجه من وجوه الجمع الصحيحة، أو بيان النسخ، أو الترجيح، وقد اتضح ذلك جليًا من خلال الأمثلة التطبيقية التي سيقت لبيان ذلك.
٢- أكد البحث أن الثمرة المرجوة من وراء الجمع عند الإمام مالك هي التوفيق بين الأخبار المتعارضة، وأنه يقدمه على النسخ إذا كان محتملًا والترجيح، بل ويستعمله أيضًا أكثر منهما، أما النسخ فقد حدد معناه عما قد يلتبس به وضبطه؛ إذ ذهب إلى أنه: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخٍ عنه، أما الترجيح عنده فهو: تفجير القوة الزائدة والطاقة الكامنة في أحد الخبرين المتعارضين ليعمل به، وقد يتبع تعارض الترجيح أيضًا تعارض أوجهه، وحينئذٍ يقدم الإمام مالك الترجيح باعتبار السند، ثم يليه بالنسبة إليه الترجيح باعتبار المتن، ثم يليهما الترجيح باعتبار أمر خارجي، إذ لا حاجة تدعو المجتهد أن يستعين بأدلة خارجة عن إطار الأخبار ما دام الأمر قد حسم في داخلها وانقضى.
[ ١٣ / ١٨٣ ]
٣- كشف البحث أن منهاج الإمام مالك في التعامل مع الأخبار المتعارضة لم يكن اعتباطيًا أو عشوائيا، وإنما جعل لدفعه مسالك عدة، قائمة على الاتساق في التأصيل، والدقة في التقعيد، ويحصرها حصرًا مركزًا ويربطها ربطًا وثيقا، عدد من المعايير الحساسة؛ لترتيبها بحسب مواقعها عند تطبيقها على الوقائع، وعليه فقد تَكَوَّنَ من جملتها منهاج متكامل أرشد إلى كيفية تعامله معها، وبالرغم مما قررنا فإن التزامه بهذا المنهاج التزام نسبي؛ إذ قد يغير فيه، تبعًا لتسامي ملكاته، المستندة على أدلة تقتضي ذلك.
٤- أثبت البحث المستفيض أن التعامل مع الأخبار المتعارضة موضوع مهم خطير صعب عسير؛ إذ يحتاج خوضه إلى احتياط وورع ودقة وأمانة، وفهمه إلى غوص عميق في المعاني الدقيقة لدراسات متعددة الجوانب، ولا غرو فإنه يمثل أعلى المراتب في استيثاق الأخبار وحفظها وصيانتها من جهة أسانيدها أو متونها لتمييز الصحيح من السقيم والموضوع، وأن المحدثين تناولوه ضمن مبحث مختلف الحديث، أما الأصوليون فبسطوا الكلام فيه بشكل أوسع منهم تحت مبحث التعارض والترجيح.
٥- توصل الباحث إلى أن طرائق الإمام مالك في دفع التعارض بين الأخبار لها أثر بالغ في استنباطاته الفقهية، وأنها تمثل الأصول التي تتفرع عنها، وعليه فإنها من أهم ما يجب أن يعرفه المجتهد؛ إذ لا يمكنه ادعاء استخراج الأحكام بدونها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ١٣ / ١٨٤ ]