المشهور بين اللغويين أن لفظة الرزق عربية فصيحة. ولم يخطر ببال أحد إنها من اصل أعجمي. أما نصوص اللغويين على صحة هذه اللفظة
[ ١ / ٣٠٢ ]
وعربيتها المحظة فاكثر من أن تحصى ومن أراد التحقيق فليطلبها في مظانها
على إني اذهب إلى أنها من اصل فارسي. وقبل أن تقف على هذا الأصل عليك أن تعلم أن المراد من الرزق في كلام الفصحاء والعوام هو (قوت اليوم) سواء كان هذا القوت لأبناء آدم أو لأبناء الحيوان على اختلاف طبقات القبليين. ومنه: (وكلوا من رزقه - إلا على الله رزقها - يأتيها رزقها رغدًا - وعلى المولود له رزقهن - أن الله هو الرزاق)
فإذا أعلمت ذلك فلا يبعد من أن يكون هذا اللفظ مشتقًا من لفظة (روزه) الفارسية ومعناها (القوت اليومي) وروزه مأخوذة من روز أي يوم. وأنت خبير بان ما يكون آخره بالهاء في الفارسية يعرب بالقاف أو الجيم أو السكاف بالعربية كجردق وجرموق وخندق وديباج ودورق ودلق ودانق ودهلج والأصل فيها: جرد، وسرموزه، وخنده وديباه ودوره ودله ودانه ودهنة. وعليه قالوا: روزق في روزه ثم خففت فقيل (رزق). ولما ادخلوها في لغتهم شنقوا منها ألفاظًا أخرى وتصرفوا بها تصرفهم بالألفاظ العربية فقالوا: رزق وارتزق واسترزق والرزاق ولرزقه والمرزق والمرزوق إلى أخر ما هناك.
نرسيسيان
الترجمان الأول في القنصلية الإنكليزية في بغداد
[ ١ / ٣٠٣ ]
(لغة العرب) وممن ذهب إلى هذا الرأي أيضًا السيد أدي شير رئيس أساقفة سعرد الكلساني (الألفاظ الفارسية المعربة) ص٧٢. وهو رأي محتمل كما انه يحتمل أن يكون عربيًا صرفًا مشتقًا من الزق يقال: زق الطائر فرخه: أطعمه بمنقاره. ويفعل الطائر هذا الفعل كل يوم إلى أن ينهض أو يقوى فرخه. فإطعام الله عبيده كل يوم هو من هذا الباب لأنه تعالى بمنزلة الأب الشفيق على أبنائه. هكذا تصور العرب أمر الرزق بالنسبة إلى الرازق. وان قلت من أين أتت الراء المثبتة في أول اللفظة. قلنا: قد أثبتنا في إحدى المجلات العلمية التي تنشر في بيروت أن اصل الألفاظ العربية كلها ثنائي كما اتفق عليه جمهور اللغويين في عهدنا هذا. ثم زيدت حروف في أوائل اللفظة أو أواسطها أو أواخرها كلما احتاج
الواضع إلى معنى جديد وأراد أن يحدثه في اللفظ الثنائي. فزادوا هنا الراء في الأول لان الراء تفيد التكرير والإعادة فكان الواضع أراد في قوله: رزق الله عبده: (زقه مكررا عمله يوما بعد يوم).
وزيادة الراء في الأول حقيقة لا تنكر. من ذلك مثلا: رجس الماء قدره بالمرجاس واصله: جسه. ورمث الشيء: مسحه بيده واصله: مثه. والرحامس بضم الأول وكسر الميم: الجري الشجاع. وهو مشتق من الحماسة.
وزيادة الراء في الوسط واردة أيضًا في العربية منها: العربرب في العبرب (وهو السماق) وقدر عربربية في عبربية. والخرنوص في الخنوص. وشرطا النهر، هما شطاه. والجحمرش في الجحمش.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وكذلك معروفة زيادة الراء في الآخر، من ذلك: شمخر في شمخ، وبحثر في بحث، وفجر الشيء في فجه، والبحريت في البحت. إلى آخر ما ورد في لسانهم وهو كثير لا يحصى.
وأما زقه فعربية قحة لأنها مشتقة من حكاية صوت الزق. - والقارئ مخير في اتباع الرأي الذي يستحسنه أو يلذ له وهو فوق كل علم عليم.