نحن أغلب معشر الشرقيين إن لم نقل كلنا لم نتعود سماع عيوبنا من لسان غيرنا، ولو كانت تلك العيوب ظاهرة للعيون لا كذب فيها البتة. وكلنا أو جلنا يحب التقريظ ولو كان كذبًا محضًا. وهذا الذي أخر شرقنا وأضر به هذا الضرر العظيم. بيد أن جماعة من متقدمي أدبائنا الراسخي القدم في الفضل لا يهابون اليوم شيئًا من هذا القبيل، ويحبون المنتقد الصادق النظر ويفضلونه بكثير على المقرظ الكاذب اللهجة. ولما كنا نجهل المجلين في هذه الحلبة من أهل الفضل والأدب فنطلب إلى الذين يهدوننا هداياهم العلمية من جرائد ومجلات ومؤلفات ومطبوعات وسائر نتاج العلم والحلم والقلم أن يراعوا في مراجعاتهم إيانا معنى هذه الألفاظ وهي: التقريظ، والمشارفة، والانتقاد.
فإن كتبوا على الهدية العلمية (للتقريظ
[ ١ / ٤ ]
فنحن لا نتكلم عن هديتهم إلا بما يطيب خاطرهم وثلج صدرهم ويقر ناظرهم.
وإن صدورها بلفظة (للمشارفة فنحن نذكر حسنات ما في الهدية بقدر ما نذكر من سيئاتها بدون أن نرجح إحدى كفتي الميزان على الأخرى. لأن المشارفة مصدر شارف الشيء إذا اطلع عليه من فوق. والمطلع على الأمر من موطن يعلوه أتم العلاء يشاهد ما يتثبت رؤيته لا غير. وعند الحاجة إليه ينطق بما وقف عليه وقوف مخلص خال من كل غرض.
وأما إذا كتب على الهدية (للانتقاد فحينئذ نبدي فيه رأينا على ما يلوح لنظرنا فنرجح إحدى الكفتين على الأخرى من حسنات أو سيئات. لأن الانتقاد في الأصل مأخوذ من انتقاد الدراهم. يقال: انتقدها: إذا ميزها ونظرها ليعرف جيدها من زيفها.
وإذا خلت الهدية من الإشارة ساغ لنا أن نبدي فيها رأينا على أحد الوجوه الثلاثة بالخيار. بدون أن يحق للمهدي أن يلومنا بأي صورة كانت. لأننا قمنا بالواجب علينا منذ العدد الأول هذا. وقد أبلغنا كلامنا إلى الجميع. وما على الرسول إلا البلاغ.