(وهو البركندان أو المرفع) والتنحس (وهو القطاعة)
سألنا بعضهم: هل كان المرفع معروفًا عند العرب النصارى سابقا وما كان اسمه عندهم؟ - ثم ما كان اسم الانقطاع عن أكل اللحم عندهم المعروف اليوم باسم القطاعة؟
قلنا: كان المرفع معروفًا سابقا باسم التنهس. والكلمة لم يذكرها أصحاب المعاجم اللغوية، إلا أن موفق الدين أبا محمد عبد اللطيف البغدادي ذكرها في ذيل الفصيح لثعلب ص١٠٥ قال: العوام نقول: تنهس النصارى والمسلمون، إذا أكلوا اللحم واكثروا منه قبيل صومهم. ووجهه ظاهر. لان العرب تقول: تنحس النصارى: إذا تركوا اللحم. والعامة تقول: تنهسوا: إذا أكلوه. وأيام التنهيس هي أيام في أواخر شعبان يغتنم فيها أكل اللحم في النهار. وهذا سائغ لأنه من النهس وهو أكل اللحم بشره وخطف. لأنهم يأكلونه أكل مودع. اه
فنرى مما تقدم أن التنهس أو أيام التنهيس يقابل ما يسميه أهل الشام
[ ١ / ٣٠٥ ]
وديار مصر: المرفع، وأهل العراق، بركندان. والتنحس هو القطاعة.
أما المرفع فلفظة ليست بقديمة إذ لا وجود لها في دواوين اللغة ولا في كتب نصارى العرب نهى إذًا محدثة. ويرتقي دخولها في اللغة إلى المائة السادسة عشرة على ما يبين لنا، وقد دخلت عند قدوم المرسلين الإيطاليين إلى ديار الشام ومصر. فعربوا كلمة بكلمة مرفع تعريبًا معنويًا أي من باب النقل، ومرفع اسم زمان من رفع ويراد به قرب زمان رفع اللحم. وعليه فعندنا أن الفرنسوية ماخوذة من الإيطاليين. وهؤلاء نحتوها من حرفين لاتينيين وهما أي رفع اللحم. ويشهد على صحة ذلك: أن أهل ميلان يسمون المرفع وان مولدي اللاتين يقولون
وهذا ينفي قول من يزعم أن مأخوذة من وأي وداع اللحم أو أي بلع اللحم، لكثرة ابتلاع الناس للحم في تلك المدة. فهذه الآراء الأخيرة هي عندنا في منتهى السخف.
أما أهل العراق والجزيرة أي أهل السواد من نصارى العرب فلا يعرفون لفظة المرفع. والمستعمل عندهم كلمة بركندان بالكاف الفارسية (أي وقد اختلف في اصلها. فقال قوم: إنها من اللغة الأرمنية منحوتة من أي حسن وجيد. وكنتان أي قصف، فيكون محصل معناها. القصف الحسن. وذهب قوم إلى إنها فارسية الأصل مركبة من (باده) أي خمر
(وخوردن) أي شرب ومؤداها شرب الخمر، لان القصف لا يخلوا من شربها ثم صحف ونحت. بيد أني
[ ١ / ٣٠٦ ]
أرى أن اصلها من (بركردن) الفارسية المستعملة في اللغة التركية ايضا، ومعناها: الاستئصال والرفع، فيكون محصلها نفس مؤدي لفظة مرفع.
بقي علينا أن نوضح سبب تسمية التنحس بهذا الاسم. والذي نراه في اصله هو انه مشتق من تنحس الرجل: إذا جاع، لان من يأكل الأطعمة الخالية من اللحم يجوع بسرعة لسهولة هضمها وخفتها على المعدة، على أني اجنح اكثر الجنوح إلى أن تنحس هنا بمعنى تجنب النحس المتولد من أكل اللحم. لأنك تعلم أن أكل النصارى للحم في الأيام المحرم إلا كل فيها من مخالفات الشريعة، ومخالفة السنن من الأمور المشؤومة التي تجر الويلات على صاحبها.
ولعلك تقول: لم يأت قط تفعل بمعنى نفي الشيء عن صاحبه أو إلقائه عنه حتى يكون هذا من ذلك - قلنا: قد وردت بضعة أفعال من هذا القبيل ولا يبعد أن تكون هذه العصا من تلك العصبة، فقد جاء عندهم تنجس بمعنى القي عنه النجاسة بان أتى فعلا يخرج به من النجاسة إلى الطهارة. وتأثم، إذا فعل فعلا يخرج به من الإثم. ومثلهما: تحرج وتحنث وتحنف وتحوب. وعليه، فتكون تنحس بمعنى خرج من النحس بامتناعه عن أكل اللحم. احفظ ذلك كله تصب أن شاء الله تعالى.