وصف أحد مكاتبي جريدة الزهور البغدادية هذه القرية وزار مبانيها فكتب فصلًا تخلص منه ما يأتي قال:
(البريم بفتح الراء: اسم قرية من قرى العراق العجمي واقعة على ضفة دجلة والفرات وهي في منتصف الطريق تقريبًا الودية من ولاية البصرة إلى فم خليج فارس. وقد سعت شركة إنكليزية وهي شركة النفط الإنكليزية الفارسية برضى حكومة إيران لتعمير هذه القرية بناء على أن تكون هذه القطعة مستودعًا للزيت الحجري وقد نالت الامتياز باستخراجه من أرض رامز لمدة خمسين سنة (والأصح لمدة ٧٥ سنة) وقد أصبحت اليوم مقامًا خطيرًا في العراق لكثر ما يرد إليها من المعدات الحربية الكافية. اهـ كلامه.
وقد مدت الشركة الإنكليزية المذكورة قساطل من حديد أي أنابيب منحدر من محل مخرج النفط إلى البريم حتى إذا تفجرت العيون تصب سائلها في الأحواض التي قد ركبت في بطونها تلك الأنابيب فينحدر الزيت الحجري إلى البريم ومن هناك يحمل إلى البلاد ليباع فيها. ولا تقل أن المسافة بين رامهرمز وبين البريم عظيمة وان بين عيون النفط
[ ١ / ١٧٦ ]
وهذه القرية نهر بهمشير. فان الأنابيب قد مدت على طول المسافة وليس هناك ما يحول دونها.
ومساحة الأرض التي بدئ بعمارتها تقدر بعشرة آلاف متر ويحيط بها مشبك من نسيج الحديد. وتنقسم مبانيها على رواية مكاتب الزهور إلى قسمين: قسم لمستودع الذخائر الحربية (كذا. والأصح انه ديوان العمال والمتوظفين في أشغال الزيت والصيدلية) وقسم للزيت الحجري.
فأما معاهد القسم الأول وهو القسم الشمالي فاهم ما فيه قصر ذو طبقتين مطل على الشط لم تر العيون مثل حسن بنائه وضخامته في ولاية البصرة. وعن يسارك مساحة من الأرض تكون في مستقبل الزمان حديقة غناء. وقد خطت على هيئة مضلع تمتد إحدى أضلاعه امتدادًا حتى تحاذي منتصف بورة القصر الشمالية. ومن ثم يكون للقصر فجونان غربية وشرقية. يقال: إنهما دبرتا على هذه الصورة لتكونا محلين للجلوس متى تفرعت أغصان الأشجار واشتبكت فيها الأفنان ممتدة من الحديقة إلى القصر. قال المكاتب: وعندي إنها ستكونان غطاءين لمخزنين تحت أطباق الثرى تودع فيهما القنابل الجهنمية حفظًا لها من حرارة ووهج الشمس فتبقى تلك الذخائر في مامن من عوامل اشتداد الحر وأيدي العداة
فضلًا عن إنها تبقى هناك في هواء معتدل طول السنة لترطيب عروق الأشجار له.
قلنا هذه أفكار خطرت للمكاتب وليس إلى اليوم ما يؤيد هذا
[ ١ / ١٧٧ ]
الظن. وترى اليوم في شرقي القصر وقريبًا منه أربعين حوضًا صغيرًا لتصفية الزيت الحجري وقد تم عملها. وبجانبها يبنى سبعة أحواض كبار تم بناء حوضين منها. يسع كل واحد منها ٣٠. ٠٠٠٠ تنكة (أي صندوق من الصفيح المستعمل لنقل النفط إلى البلاد وسعة كل تنكة ١٩ لترًا) وفوق كل حوض من هذه الأحواض كبيرة كانت أو صغيرة مشبك من الحديد. وقد مد اليوم سلك للبرق (تلغراف) وسلك للمسرة (أي التلفون)
[ ١ / ١٧٨ ]
وذلك في نية ضم شتات المدن والقرى إلى بعضها البعض، فضلا عن جمع أمر المتوظفين ليكونوا يدًا واحدة مع المدير الأكبر. وفي أواخر شهر تموز وأوائل آب من هذه السنة وصل الشركة جميع الأدوات اللازمة لتنوير المدينة ومحلاتها الكهربائية. وقد شرعوا في وضعها منذ شهر أيلول. وهي قريب تتم على الوجه الأكمل.
وقد جلبت تلك الشركة الإنكليزية أيضًا آلة عظيمة لصنع الآجر بطريقة سريعة وحسنة وعلى قدر واحد. كما إنها مدت سكة حديد لنقل الأدوات والأحمال والأثقال الداخلة في أشغالهم. وهناك أنبار كبير طوله مائة متر في عرض ٧٥ مترًا مبني بأجر البصرة ومشدود بعضه إلى بعض بالملاط (شيمنتو) والحديد للحمل البضائع فيه.
قال عبد العزيز أفندي الطباطبائي: إني طفت مدن قارة آسية فجبت الهند وجبال سرنديب وجزيرة فلفلان وجاوة وسومطرة وجزائر الفيلبين حتى وصلت إلى حدود أميركة الشمالية وشاهدت من مستودعات الزيت الحجري شيئًا كثيرًا وسمعت تفاصيل جمة عن كثير منها فلم أجد شبيهًا لهذه المستودعات التي بنيت حديثًا في البريم بل ولا ما يقرب منها. وإنما وجدتها على غرار القلاع بل هي هي بدون أدنى فرق.
وفي القصر نوافذ كثيرة ووراء تلك البرك أو الأحواض معمل عظيم يدأب في قطع الحدائد للأشغال الآلية فيحملها قطار يخترق
[ ١ / ١٧٩ ]
البقعة بآسرها طولًا وعرضًا فيوزعها على آلات صغار هناك. ومن نظر إلى المعمل وكيفية وضعه وإلى المباني الموجودة حوله وإلى ينوى فيها ثم سمع بما يراد من تلك المشيدات في أرض رامز حول عيون النفط يحكم عقله بضرورة النتيجة وبان هذه الأبنية لا تحتاج إلى جلب معمل (فبريقة) كهذا. وإنما جلبت
آلاته لأعمال غير هذه الأعمال ولغير ما تدركه الحواس الآن. والله اعلم بالسرائر وبما تخفيه الضمائر.
أما معاهد القسم الثاني فهي الأبنية القائمة بجوار شط النهر. وهي عبارة عن ثلاثة مخازن طويلة متصل الواحد بالآخر وهي مسنمة ولولا تسنيمها لما عرفت إنها ثلاثة. وقد أقيمت ليوضع فيها ما يتعلق بالبواخر التجارية من شخص ونفض. ويمر بها فرع من الخط الحديدي حتى يوفي المسنا من عن يمين المخازن ويسارها. وقد خطت بجانبها رسوم أخرى تبرز إلى عالم الوجود شيئا بعد شيء.
أن الرائي إذا قصر نظره على مجرد هذه البقعة لا يتصور إنها للتجارة وبيع النفط، لا سيما إذا علم بعدها الشاسع عن رامهرمز بل تحقق أن في الأمر إجحافا بشؤون التجارة كيف لا والتجارة مبنية على أسس الاقتصاد وليس هنا ما يؤيد أن في هذه المباني الفخمة وهذه المشيدات الضخمة ما يرى للعاقل أن الغاية منها توفير النفقات وتقليلها. أما إذا فزع إلى الدلائل العقلية فتراه للحال يعدل عن هذه الفكرة ويقول لك: بل أن الغاية من هذه المباني وتخير هذه البقع من بقع ديار العجم كلها هو الاستعداد لإيقاع
[ ١ / ١٨٠ ]
مصيبتين في هذه البلاد وما جاورها:
الأولى أن موقع البريم السياسي ذو بال، إذ هو كموقع بلدة البحرين السياسي. فالسلطة المطقة التي فازت بها إنكلترا في الخليج لم يبد آثرها إلا بعد ما اتخذت لها مركزًا في البحرين. فمركزها هناك هو الذي خولها الحول والطول في الخليج وهو العامل الأكبر في انتشار سياستها في بر عمان من جهة، ولنجه وأبي شهر من الجهة الأخرى. إذ أن جزيرة البحرين واقعة في منتصف الطريق الواصلة الجهتين الواحدة بالأخرى. وأنت تعلم أن مركزها في البحرين هو الأنموذج الذي جعل لها مركزا آخر في الكويت. وان كان للكويت أسباب أخرى فتلك لا تنافي هذه التي ذكرناها. فكان إنكلترا والحالة هذه قد أخذت على نفسها أن لا تذر شعبا من الشعوب الإسلامية خاليا من هيجان وفتنة فكما إنها كانت السبب الوحيد لتهييج العشائر الرحل من عشائر الجزيرة والحويزة تريد أن تكون سببا لإثارة قبائل العراق الحاضرة ليتم لها بذلك حق المساواة والمؤاخاة في نظر عدلها وإنصافها. فيا له من حق ويالها من مساواة ومؤاخاة.
والمصيبة الثانية هي: جعل البريم مقاما أبا يتولد منه عدة مراكز في العراق العجمي. إذ لو كان المركز على حافة نهر بهمشير الشرقية (وهو على بعد ميل ونصف من البريم) لما تمكنوا من التسلط التام على سكان العراق العربي والاختلاط بهم.
ورب قائل يقول: أن المركز لو كان على ما ذكرت لصعب النقل
[ ١ / ١٨١ ]
منه واليه. قلنا: أن صعوبة النقل موجودة إذا كانت البريم هي المحطة نظرًا لعدم بعد عيون زيت الحجر، هذا مع غض الطرف عما يتطلب من النفقات التي لا توافق نجاح التجارة. وأما لو كان هناك ما يسهل النقل كالبواخر الصغيرة مثلا التي تقطر السفن المحملة (وهذا محسوس ومصلحته ظاهرة) فالعدول عنه إلى ما هو اصعب لا بد له من مصلحة بينة. والحال ليس من مصلحة أكبر عدد من تعدد المراكز التي تكون على حافات نهر بهمشير. وهنا يظهر أن جلب ذلك المعمل لم يكن من العبث.
والخلاصة أن موطن البريم سيكون بمنزلة الآلة الكهربائية التي تحرك جميع سائر المواطن وتذخر فيها اعظم القوى على حد ما يرى في مولد الكهربائية. والله اعلم بمصير الأمور.
وأما ما بقي من وصف البريم فهو: أن طرقها واسعة يبلغ عرضها ١٥ مترًا. وهواؤها حسن وشرب أهلها من ماء (شط العرب) وطعام أهلها وخضرهم تجلب من أرض العراق. وما بقي يجلب من بهمشير أو أرض فارس.
وقد بنى فيها من القصور إلى آخر شهر آب من هذه السنة سبعة وكلها ذات طبقتين. وثماني دور ذات طبقة واحدة وفي كل دارٍ عشر غرف. وفيها من الإنكليز خمسة عشر رجلا وكلهم من المتوظفين في أشغال الشركة. ومن الهنود رعية الإنكليز أربعمائة عامل. ومن الوطنيين العثمانيين اثنا عشر عاملا. ومن العجم أو رعية إيران من عامل وحمال
[ ١ / ١٨٢ ]
ومستخدم مائة وخمسون. ومن أعراب البادية أربعون رجلًا. فتكون جملة المشتغلين في الشركة ووظائفها وأعمالها ٦٣٧ نفسًا. ويبلغ سكان البريم ألف نسمة لا اكثر. وليس لأهل البليدة دار مبنية باللبن إلا دار السيد محمد وهو رجل نزل ذلك الموطن منذ اكثر من ٥٠ سنة، ويرأس الأهالي باسم الشيخ خزعل أمير المحمرة، وكل دعوى تقع هناك ترفع إليه فيقضها على الوجه الأصوب. وهو شيخ كبير السن له ابن اسمه السيد علي وهو ولي عهده.
ومن رجال البريم الملا سلمان وقد احتل ذاك الصقع منذ نيف وثلاثين سنة وله هناك مسجد يجتمع فيه المسلمون نهار كل جمعة. وللملأ ابن شاب. وكلاهما في خدمة الإنكليز مع أن أملاك الملا كثيرة واسعة لا حاجة إلى أن يستخدم في محل.
وفي شرقي هذه المخازن أربعة مواف كبار لطبخ الآجر
[ ١ / ١٨٣ ]
وبجانب كل منها آلات ضغار لتقطيع اللبن وإفراغه في القوالب وقصه وسحق ما يتكسر منه.
وفي شمالي الآتاتين ردهة كبيرة مبنية بالآجر الصلب وبازائها شرفًا المستودع الحقيقي للزيت الحجري وهو حوض عظيم وله حيطان من حديد سمكها ثمانية أمتار.