إني لست أول من تصدى لجمع الألفاظ العامية والدخيلة والتقاطها من أفواه العموم وتدوينها بطون الكتب والقواميس بل قد سبقني إلى هذا الموضوع الحيوي كثيرون من الأدباء.
أما المؤلفات التي وصلت يدي إليها فهي ثلاثة: الأول، هو المعجم الموسوم بالدليل، إلى مرادف العامي والدخيل، تأليف اللغوي الفاضل رشيد أفندي عطية اللبناني وهو أكبرها حجمًا وأدقها بحثًا وأغزرها مادة وفيه ما ينيف على ألف لفظة مع ما يرادفها من الكلمات العربية الفصحى وكان الفراغ من تأليفه في ٣٠ نيسان سنة ١٨٩٨ وقد جاء في الصحيفة ٣٤١ منه ما يأتي: (إن هذا الباب من التأليف في لغتنا لم يطرقه أحد بعد من الأدباء سوى الطيب الذكر الشيخ خليل شقيق علامتنا اللغوي الفاضل الطائر الشهرة الشيخ إبراهيم اليازجي. ولسوء الحظ انقض عليه طائر الموت فاختطفه قبل إنجازه ولم يتيسر لنا وجود شيء مما كتب في هذا الموضوع لنستعين به على الخوض في هذا الميدان) فيكون حسب رواية هذا الأديب أم حضرته أول من ألف في هذا الموضوع الجليل.
والثاني هو: أصول الكلمات العامية تأليف حسن أفندي توفيق وهي الرسالة الأولى التي برزت في سنة ١٨٩٨ تقع في ٤٦ صحيفة وقد وعد
[ ١ / ٣٢٦ ]
صاحبها انه سيشففعها بثانية وثالثة وهلم جرًا ولكن لم يقم بوعده فلربما ثبطه عن سعيه تراكم الأشغال وهاك بعض ما ورد في المقدمة: (وقد اختلست أوقات الراح التي سمحت بها الأشغال للقيام بهذا الموضوع الوعر الطريق وبعد زمن ليس بالقليل وجدتني قد وقفت على كثير من أصول هذه الكلمات. إلى أن بعضها يحتاج إلى زيادة التحقيق والتدقيق كان بودي لو انشرها جميعًا في كتاب ضخم بعد تتبع كل الكلمات إلا أن كثير من الأخوان والطلاب رغبوا إلى أن انشرها تباعا في رسائل متتالية تعجيلًا بالفائدة وتسهيلًا للتداول. ولم يسعني سوى إيثاري رغبتهم وإبلاغهم أمنيتهم، فأنفذت هذه الرسالة الأولى في جامعة لأصول (مائة) كلمة مرتبة على حروف المعجم علها تكون داعية للشبان ولناشئة المدارس إلى تقويم ألسنتهم وباعثة لهمهم الأخوان للبحث معي في هذا الموضوع الذي يكاد تقصر دونه همة الفرد الواحد.)
والثالث هو: الدوائر السريانية، في لبنان وسورية صدر عام ١٩٢٠ بقلم القس الفاضل يوسف حبيقة الماروني وهو الجزء الأول عدد صفحاته نحو ١٣٠ وقد وعد مؤلفه انه سيردفه بغيره ولكنه لم يقم بما قال والأسباب أجهلها. واليك ما ورد في مقدمة المؤلف: (فان
أصاب كتابنا هذا عند حفدة العلم انعطافًا عليه ولاسيما حضرات الأعلام المستشرقين أتينا غير هذه نعدها أما على هذه الطريقة أو على سواها لأن إقبال الأدباء على ثمرات الأقلام يزيدها استدرارًا وانتجاعهم رياض الأدب يحث من وليها ركاب الجد وراء تعهدها بما يزيدها رونقًا ورواءً)
[ ١ / ٣٢٧ ]
فقد ظهر مما تقدم أن بعض أدباء سوريا ومصر ألفوا بعض كتب في العامي والدخيل. أما أدباء العراق فلا أظن أن أحدًا منهم كتب شيئًا من هذا القبيل. لأني بحثت مليًا ونقبت لعلى اظفر بتأليف قديم أم حديث في لغة ديارنا لاستعين به على الإقدام في هذا الميدان فذهبت أتعابي أدراج الرياح ولم احصل على طائل.
بيد أني وجدت داود أفندي فتو الصيدلي قد أخذ بتأليف معجم عربي إنكليزي يشتمل على لغة اغلب أهالي العراق وهو على وشك إنجازه وتمثيله للطبع فعساه وافيًا بالمطلوب يمنه تعالى وكرمه
رزوق عيسى
(لغة العرب) أن جماعةً من المستشرقين كتبوا عن لغة العراق ولا سيما عن لغة بغداد، لكنهم لو يؤلفوا كتابًا قائمًا برأسه في الألفاظ والمفردات. ومم خاض عباب هذا الموضوع أحد أبناء بغداد من النصارى وهو القس جبرائيل أوساني الكلدانى وقد نشر مقالة طويلة في هذا البحث أدرجها في مجلة أميركية اسمها (مجلة اللجنة الأميركية الشرقية) في سنتها الثانية والعشرين التي صدرت في سنة ١٩٠١ في الصفحة ٩٧ وما يليها وعنوان المقالة: (اللغة العامية البغدادية) والمستشرقون الذين طرقوا باب هذا البحث هم: الدكتور ماينر والدكتور يحيى الدانمركي وغيرهما.
[ ١ / ٣٢٨ ]