كانت الألفاظ العامية جلها، ألم اقل كلها، فصيحة صحيحة في عصر من العصور، ثم طرأ عليها ما طرأ على موجودات الكون من زيادة ونقصان، وإبدالٍ وتغيير، وتقديم وتأخير، وتصحيف وتحريف، وقلب وحذف، ونقل ونحت، وما شاكل ذلك شيء كثير مالا يقع تحت الحصر والعد، حتى اصبح الخوض في هذا البحث من اصعب المباحث اللغوية، لما يقتضي له من الدقة النظر وأعمال الروية.
ولما كان الجزء الأوفر والأعظم من لغتنا العامية مركبًا من كلمات منحوتة ومقلوبة ومحرفة ومصحفة الخ فلا أرى بدًا من التلميح والإشارة إلى بعضها لخطورتها وعلاقتها الكلية في موضع كتابي (المعجم) الذي امامي، فاقول:
النحت
إن النحت في العربية هو: عبارة عن جعل كلمتين كلمةً واحدةً وذلك يضم بعض حروف إحداهما إلى بعض حروف الأخرى في الألفاظ التي يكثر استعمالهم لها. وقد ورد على السنة عوامنا شيء كثير، من ذلك قولهم: (اشبيك) في أي شيء بك، (ومنو) في من هو، (وشنو) في أي شيء هو، (ومحد) في ما أحد، (واشعبالك) في أي شيء عرا بالك، أو أي شيء على بالك، (واشجالك) في أي شيء جاء لك، (ولحد) في لا أحد، (واشكان) في أي شيء كان، (ويابا) في يااباه، (ويما) في يا أماه، (وبشبيا) في بي شيء بها،
[ ١ / ٢٥٥ ]
(واشبيها) في أي شيء بها، (وليش) في لاي شيء، (وبيش) في بأي شيء، وقس عليها. وقد جاء أيضًا مثل ذلك في كلام أسلافنا في لا حول ولا قوة إلا بالله.
أما النحت في اللغات الأوربية فعلى نوعين: أحدهما كما في العربية لا يفرق عنها بشيء، ومصداقًا لقولي خذ الإنكليزية مثلًا، تر شيئًا كثيرًا مما ذكرت، فان أهلها يقولون في وفي في في في وهكذا قل عن الافرنسية والألمانية والإيطالية والنمسوية والأسبانية الخ
أما النوع الثاني، فيختلف عن الأول اختلافًا لا مثيل له في العربية الفصحى، ولاسيما في أول عهدها، ولا أظن انه يوجد منها كلمة واحدة في لغتنا، اللهم إلا بعد زمان العباسيين، حينما أخذت اللغة العربية تنحط انحطاطًا بينًا، وابتدأت عقارب الفساد والركاكة تدب في
جسمها، وسرت إلى شرايينها وأعماق قلبها، وهذا النوع يسمى بالإنكليزية وبالفرنسوية أيضًا وسميناه في العربية باللفظ الهجين.
[ ١ / ٢٥٦ ]
إن لفظة مركبة من كلمتين وهما: اللاتينية أي سبب وجيه الإنكليزية، أي، بلا، فيكون معنى اللفظتين: (بلا سبب أو داعٍ). ولفظة من الإنكليزية أي أكل، اللاتينية أي صالح، فيكون معناهما (صالحًا للأكل) من اليونانية، أو الفرساوية، أي رد ودفع، اللاتينية أي شمس، فيكون المعنى من تركيبهما رادة الشمس أي مظلة أو شمسية، وقس على ذلك كثيرًا من الكلمات وقد ورد شيء على هذا النحو في العربية ولكنه قليل جدًا بالنسبة إلى اللغات الأوربية، من ذلك قولنا: (شمعدان) فان لفظة شمعة عربية ودان أداة تلحق الأسماء الفارسية فتفيد الظرفية. وهكذا قل سكردان، وبخوردان، وما كان من هذا الباب مثل كلمة شاه بلوط من شاه الفارسية أي ملك أو كبير وبلوط العربية بمعناها المشهور، وعلمدار، وتحصيلدار، وسلاحدار؛ وقلمدان، وبيرقدار، وسردار، وبازيدار، وخبردار، وباش كاتب، ودفتردار، وهذه اللفظة الأخيرة يونانية وفارسية، وقد جاء مثل ذلك على لسان العوام كقولهم: خدمتكار وبعضهم يقول خزمتكار (أي خادم)،
[ ١ / ٢٥٧ ]
وعقلسز (جاهل)، وبيذمام والبض يقول بيذمان (أي بدون ذمام أو بدون وفاء)، وبداصل أو اصلسز (أي بدون شرف أو اصل كريم)، وبيذات (سيئ الذات)، وبيكار (أي بلا عمل) الخ.
أما القلب فهو عبارة تقديم بعض حروف الكلمة على بعضها أو تأخيرها على أخواتها، نحو: خشاف في خفاش، وأجا في جاء ولبق في لقب، وخفس في خسف. وطاف في طفا، وبغبغ في غبغب، وجضع في ضجع، ومعلقة في ملعقة، وكصب في قبض، وهنا قد وقع الإبدال والقلب معًا. فتأمل. وقد ورد من ذلك في اللغة الفصحى شيء كثير، ويعرف بالاشتقاق. وقد قالوا في تعريفه: هو أن تجد بين كلمتين تناسبًا في اللفظ والمعنى دون الترتيب، كجذب وجبذ، وذبح وبذح، ويقال له الاشتقاق الكبير؛ وإما إذا كان بينهما تناسب في المخرج والمعنى، كنعق ونهق؛ فيقال له الاشتقاق الأكبر.
الإبدال
أما الإبدال: فهو أن تقيم بعض الحروف مقام حروف أخرى. كقول العوام: مرد في مرث، وجاسم في قاسم، وعنجاص في انجاص واللية في الالية، والعطر في الإطار، وعنبار في
أنبار. ومثل ذلك في العربية الفصحى شيء كثار.
الدخيل
إنني قد تكلمت في ما تقدم عن الكلام العامي وبينت بوجيز العبارة اصله وفرعه معًا، وأريد الآن أن ابحث عن الدخيل أيضًا بحيث يكون
[ ١ / ٢٥٨ ]
هذا البحث جامعًا، خاليًا من الإسهاب المخل والتقصير الممل. فأقول إن الداعي إلى استعمالنا الألفاظ الأعجمية هو اختلاطنا بالأعاجم ومشاركتنا إياهم في عالم التجارة والصناعة والعلم والأدب، ودرسنا لغاتهم على أنواعها، وتداول كثير من مفرداتها في مخاطباتنا اليومية. وقد عد أحدهم ذلك من أكبر الوسائل وأقوى الذرائع على انتشار الألفاظ الأعجمية بيننا.
أما سبب تهافت أقوامنا على إدخال تلك الألفاظ الغريبة لغتنا العربية فهو افتقار هذه اللغة إليها، ولاسيما في الأمور المستحدثة أو المستنبطة في هذه العصور الأخيرة. وبعض الألفاظ ادمج في كلامنا العامي لعدم وفوقنا التام على ألفاظ لغتنا الشريفة. وكثير منها فشا قسرًا بين أظهرنا، على انه يوجد في العربية ألفاظ تكفينا مؤونة الاستعارة من غيرها من اللغات الأجنبية، وإنما استعملها كبار حملة الأقلام رغمًا عنهم لشيوعها الفاحش بين العوام، ألفاظ التقوطها من أفواه غرباء اللسان وحافظوا عليها محافظتهم على إنسان عينهم، كأنها كنز ثمين لابد من ذخره، حتى انك لو خاطبتهم بغيرها من الألفاظ العربية الفصحى لنظروا إليك شزرًا، وأجابوك بكل تهكم واستهزاء وسلقوك بالسنة حداد ظنًا منهم انك تضحك عليهم بإلقائك على مسامعهم الكلمات الصحيحة الاصل، والقويمة المنشأ، والحق معهم لأنهم لا يفهمون ما تكلمهم به، لان تلك العبارات عباراتهم المستهجنة هي التي أصبحت السيدة المالكة فؤادنا، والحاكمة على لساننا، والمتداولة في أنديتنا
[ ١ / ٢٥٩ ]
وملاهينا، ومدارسنا، وقهواتنا هذا فضلًا عن إن جلب البضائع والمصنوعات والآلات والأدوات الإفرنجية التي نتخذها في منازلنا ومعاملنا وتكاد لا تخلو بقعة في مديتنا منها، ساعدت أيضًا على شيوع الألفاظ الغريبة بيننا شيوعًا يذكر. بل وقد دفعنا حبنا لها المفرط أن اتخذناها هي وأسماءها الإفرنجية غير ملتفتين إلى ألفاظ تقوم مقامها وغير مكترثين لها، من ذلك مثلًا كلمة (شمندوفير) الفرنسية للسكة الحديدية مع إننا نقدر نستغني عنها بكلمتين هما بمعناهما أي سكة الحديد وكقول بعضهم (الترين) وهو القطار أو الرتل والجمع ارتال وهكذا قل عن
(فاكالس) فما ضرنا يا ترى لو قلنا عوضها (عطلة) أو (فراغ) وكقول كثيرين من البغاددة (كلاص) الإنكليزية وهم يريدون بها القدح وكقولهم كونيا ويونانية وقد استعمل السلف بمعناها كلمة كوس الفارسية وتجمع على كوسات ويراد بها مقياس الزاوية وهي التي سماها فصحاء العرب بالإمام. إلى غير هذه الألفاظ مما يجئ ذكره في موطنه إن شاء الله تعالى.
رزوق عيسى
سفرة إلى كربلاء ونواحيها والحلة ونواحيهما
وكويرش هذه من المدن القديمة. وقد وجد
[ ١ / ٢٦٠ ]
فيها الألمانيون من الآثار العادية شيئًا
كثيرًا. وكان فيها أحد العلماء الألمانيين العارفي الآشورية وهو الدكتور مايستر، فكان يقرأ العاديات ويحل طلاسمها ويفكك قيودها ويقيد مندرجاتها في صحفه قبل أن يبعث بها إلى دار التحف الشاهانية في الأستانة العلية.
وقد جاء ذكر كوبرش أو كيرس أو كيرس في كتاب المجامع النسطورية الذي تولى طبعه ج. ب. شابو، في الصفحة ٣٢١ وهذا تعريبه: (انتعش يومئذٍ ضعف البطريق مار آبا محب المسيح، وحالما وقع الصلح في المدائن (سلوقية وطيسفون) زايل المدينة كيرس دار الملك (ومقر الاكاسرة في أيام الصيف) الواقعة في كورة فيروز سابور من ديار العرب. وكان نزولنا في دار الأستاذ الدكتور الألماني (روبر كولدواي) رئيس مهندسي في بابل. وفي كويرش عدة أمكنة قديمة، وبيوت خربة، وقصور عادية، تنشئ كلها بقدم تلك الحاضرة ويختلف
[ ١ / ٢٦١ ]
طرز بنائها باختلاف الأمم والأجيال التي احتلتها: أبنية كلدانية، وآشورية، وساسانية، وعربية. ومن جملة ما شاهدناه فيها: أسد كبير منحوت من الصخر، إلا إن وجهه قد تشوه لكثرة ما مر عليه من طوارئ الجو وأحداث الزمان. ومما يدهش الناظر هناك دور المدينة، وبيوتها المنقلبة، وجدرانها الشامخة الذاهبة صعدًا في السماء، وسراديبها الغائرة، هناك يرى جب يزعم انه الجب الذي القي فيه دانيال النبي، وفيه درك تنزل بك إلى قعره، هناك يرى على الحيطان رسوم كثيرة، وصور حيوانات مختلفة، إلا إن الزمان قد طمس محاسنها، وشوه بدائعها وروائعها لتقادم عهدها. ويحسن بي هنا أن اترك الأب لويس الرملي يتكلم عوضًا عني، لأنه زار هذه الأنقاض قبلي واحسن وصفها
فقال:
عمانوئيل فتح الله عمانوئيل
مضبوط
[ ١ / ٢٦٢ ]