(سعدون باشا والمنتفق) لا حديث اليوم في العراق إلا ما يدور قطبه على سعدون باشا والمنتفق على سعدون وإرساله إلى بغداد وسجنه
[ ١ / ١١١ ]
في قلعة المدفعية ثم أنفاده إلى حلب الشهباء. أما سبب هذا الانقلاب فطويل الشؤون، كثير الشجون، نورد مضامينه ملخصيه عن عدة أعداد صحف بغداد ولا سيما عن جريدة الزهور الغراء، فنقول:
إن أعراب العراق من اشد الناس دهاء وذكاء وهي تميل من ذاتها إلى الفتك والغزو والحرب وان لم تحتج إلى ما يقوم بها عيشها. وإنما تفعل هذه الأفعال ظنًا منها أنها من علامات البسالة والشجاعة والأقدام على الأمور الجسام. على أنها تسكن وتستكين إذا رأت من الحكومة ما تكبح به جماحها. والعكس بالعكس.
ولما أسفر وجه الدستور عن حسنه البديع ظن بعض الرعاع أن الحرية هي الاندفاع إلى المعاصي والمنكرات وإتيان كل محظور، ومن جملة من شق عصا الطاعة العشائر المنبثة على ضفتي الفرات وفي سقيه حتى انقطعت حبال المواصلات بين (القرنة) إلى (الناصرية) ومنها إلى (السماوة) وكل ذلك في شهر ربيع الثاني من هذه السنة (نيسان ١٩١١) فلما رأى آل سعدون عبث العشائر في تلك الديار تركت أملاكها وعبرت إلى جهة الشامية للتخلص من بغي تلك الأقوام الطاغية.
ولما شاع مجيء ناظم باشا إلى بغداد وانه قد قدم لإصلاحه وترقية شؤونه طار فرحا السعدونيون واظهروا من السرور ما لم يخف على أحد. فسبب هذا الفرح ما آثار في صدور أولئك الناس اشد الحقد عليهم، وجزموا بان السعدون يكونون عونًا ويدًا للحكومة. ومنذ
[ ١ / ١١٢ ]
ذاك اليوم اخذوا ينظرون إليهم نظرهم إلى أعدائهم أو إلى كابحي جماحهم.
وكانت عشيرة الضفير موالية لآل سعدون ومحبة له غاية المحبة حتى أنها كانت تود أن تفديه بحياتها. ثم انقلبت الأمور ظهرًا لبطن وإذا بالضفير قد أصبحت من اشد أصبحت من اشد الناس عدواة له. والسبب على أثبته الرواة هو انه لما كان سعدون باشا في شهر محرم (كانون الثاني ١٩١١) نزيل (الروضة) ومعه جميع عشائر الموالية له دبت عقارب الفتنة إليه وإلى الضفير فوقع الخلاف بين الفريقين وللحال انفصلت الضفير إليه وغادرته إلى مكان قصي فحاول سعدون باشا إلى إعادة المياه إلى مجاريها فلم يفلح وأظهرت العشيرة أعذارًا هي أو هي من بيت العنكبوت. فبعث إليها رسولًا ابنه (ثامر بك) مرة ثانية وقال
له: أن لم تجبك اخفرها جريًا على سنن الأعراب وأمرائهم) (والخفر عندهم أن يأخذ الأمير الكبير من العشيرة العاصية بعضًا من ابلها بموجب الجرم الذي ركبت متنه تأديبًا لها). فذهب الولد ووافى (ابن حويط) رئيس عشيرة الضفير وبلغه رسالة أبيه. فلم يعبأ ابن حويط بقوله، فأراد ثامر الخفر فمنعه الحاضرون عن مد يده بما سمع من إطلاق الرصاص، وعلى هذا الوجه رجع ثامر بك بما رجع به حنين بعد أن قتل رجل من رجاله وامرأة ضفيرية.
وفي تلك الأثناء اخذ بعض محبي السلم الوسائل لإصلاح ذات البين بين سعدون وشيخ الكويت فرحب بها سعدون بدون شرط وعاد
[ ١ / ١١٣ ]
أدراجه إلى دياره ومعه الضفير وفي القلوب من الذخل والغيظ والموجدة مالا يخفى على أحدٍ حتى بلغ صداه إلى ابن الرشيد لنصرته على الضفير لاسيما لأنها اعتدت عليه بتعرضها لقوافله سابقًا أخذها منه عددًا من الإبل وكان قد امتنع من التنكيل بها محبة لسعدون صديقه.
فلما أحس ابن حويط بقدوم ابن الرشيد وانه يكون ظهر السعدون شعر بحرج الموقف ولهذا أسرع في الذهاب أمامه واستقباله ولما تلاقيا طلب ابن حويط من ابن الرشيد العفو والصفح فعفا عنه، ثم طلب إليه أن يتوسط بينه وبين سعدون لعقد عرى الصلح بينهما، فلبى طلبه، فسار للحال ابن سبهان ومعه شيوخ الضفير إلى سعدون باشا وأقنعوه بقبول الصلح فلم يقبل إلا بعد اللتيا والتي وبشرط أن تدفع الضفير خفر ٣٠٠ بعير و٧٠ جوادًا. فقبلت ودفعت إلى سعدون ما طلبه أعطى هذا من هذا الخفر ٧٠ بعيرًا و١٥ فرسًا هدية لابن الرشيد. وهنا روايتان: الرواية الأولى هي أن ابن الرشيد فرقها على عشائره التي كانت الضفير قد أخذت جمالها سابقًا. والثانية: انه وهبها للضفير.
وبعد هذا الوفاق رجع كل منهم إلى قومه. وأما ابن الرشيد فانه من بعد أن أقام بين ظهرانيهم يومين بعد الوفاق ظعن عن ديارهم. على أن الدسائس لازالت تجري أفاعيها تحت ظواهر الصلح حتى ابتعد ابن الرشيد فقامت الضفير على سعدون حتى خذلته وليس من العجب أن يخذل سعدون لأنه لم يكن مستعدًا لمثل هذه الخيانة وانجلت الموقعة عن قتل في الفريقين وممن عرف عن القتلى ثلاثة من السعدون وثلاثة
[ ١ / ١١٤ ]
من شيوخ الضفير. وكانت هذه الوقعة في ٢٢ ربيع الأول من هذه السنة (٢٤ آذار سنة ١٩١١) في موضع اسمه
(الحسينية قرب (شقراء) التي فيها قصر سعدون باشا.
فلما بلغت الأمور هذا المبلغ كتب محمد العصيمي من أعيان الزبير كتابًا إلى سعدون بتاريخ آخر ربيع الثاني (أواخر نيسان) يقول له فيه أن يرسل يوسف بك ابن أخيه إلى أنحاء الزبير لينضم إلى عشيرة بني مالك ويقطع الطريق عن قوافل الضفير التي آذنت لها الحكومة أن تأتي إلى الزبير. فأجاب طلبه السعدون وذهب يوسف بك حتى وصل إلى مسافة ميل من بلدة الزبير فاخذ من العشيرة المعادية ثمانية بعران ولما رأى أن لا قبل له بإتمام ما بدأ به لمقاومة الضفير له لجأ إلى قصر خالد العون في (الشعبية) إحدى ضواحي الزبير الذي اتخذه العصيمي مقامًا له.
ثم كتب محمد العصيمي ليوسف بك أن يرغم العشيرة ويسلبها وينهها انتقامًا من الزبيريين (الذين استقبحوا عمل العصيمي) فحاصرها يوسف بك في ٢ جمادي الأولى (١ أيار) حتى انقطعت السبل بين البصرة والزبير وغلت الأطعمة غلاء فاحشا وخاف الناس على أنفسهم إلى أن من الله بالفرج على عباده.
ولم تنتبه الأمور إلى هذا الحد بل آلت إلى صورة أشنع وافظع: زار تسعة من شيوخ البدور في عيد الأضحى من هذه السنة عجيمي بك ابن سعدون باشا ولعلهم فعلوا ذلك حبًا بالسلام والرجوع إلى الاتفاق
[ ١ / ١١٥ ]
والوئام، لاسيما وان عجيمي المذكور أمنهم على أنفسهم وعاهدهم العهود الوثيقة أن لا يؤذيهم، ثم بعد ذلك غدر بهم كما غدروا هم بابيه فقتل سبعة منهم وفدى اثنان نفسيهما بمال طائل فافلتا. ولما سمعت العشائر بهذه الخيانة التي لم تكن ألا بآمر من سعدون باشا هاجت وماجت والت على نفسها أن تنتقم من سعدون مهما كلفها من المال والرجال وخلعت طاعته ولم يبق من العشائر الموالية له سوى الضفير وهذه أيضًا لم تبق على حبها له لأنه غزا عنزة مع الضفير ومع بعض عشائر السماوة وكانوا له بمقام الخدم والعبيد منقادين لجميع أوامره وزواجره وما كان يكرم أحدًا منهم غير رؤسائهم فانه كان يكسوهم ثيابًا في السنة مرة لا غير وبعد انتصاره نوى أن يحرم عشائر السماوة من الغنيمة. فأنكر الضفير عليه هذا العمل، ومن ثم تحكمت النفرة بين سعدون باشا وبين العشيرة المذكورة وأصبح سعدون وحيدًا شريدًا طريدًا، لا يرق عليه قلب، ولا يعطف عليه عاطف.
ولما كان بقاء سعدون باشا في مقامه مما يزعج الخواطر ويقلقها ويديم الاضطراب في أرجاء المنتفق، كتب رؤساء العشائر رسالة ونفذوها إلى ولايتي البصرة وبغداد وقد ذيلها أربعة عشر رئيسًا باسمائهم، وهذا بعض ما فيها نقلًا عن جريدة مصباح الشرق في عددها ٤٧ بدون إصلاح عبارتها المغلوطة:
من المعلوم أن الدور البائد باستبداد حمولة آل سعدون على لواء المنتفقك
[ ١ / ١١٦ ]
كانت حياة عموم الرعية مستغرقة، ولما تحقق لدى الحكومة جهزت جندًا كافيًا فأخرجتهم إلى جهة الشامية وبقوا مدة سنين فاستراحت الأهالي وكسبت الأمنية وكانت الأميرية تعطى من قبل الأهالي.
أما من مدة ثمان سنين، فبواسطة أهل الغرض عبر سعدون من الشامية إلى جزيرة الغراف وذلك في زمان ولاية مصطفى نوري باشا، واخذ العهود عليهم لإحياء مشيخة آبائه وأجداده، والذي يمتنع ينهب ماله ويسفك دمه فصارت السلطة عليهم ولما تمكن هجم على قضاء الشطرة وقتل رهطًا من الجند وضايقها، حتى اضطر الأهالي إلى دفع الأموال لخلاصهم من القتل، ثم ارتحل وهجم على قضاء السوق ونهب واحرق، ولما تحققت معاملته لدى الحكومة ساقت الجند مع الفريق محمد باشا بعد أن استغاث اللواء وعشائره، ففر إلى الكويت ثم عاد بواسطة العفو وشيد قلعة المائعة ووضع فيها ما تمكن من الذخيرة، ثم تسلط على العشائر واخذ يجلب رؤساءهم والذي لم يوافقه يقتله، وهكذا استمرت أفعاله والحكومة كانت تراها ولم تعاقبه لإطماعها فيه، إلى زمن الوالي السابق مخلص باشا فساق عليه الجند وأمر بقلع المائعة، ولما انفصل من وظيفته رجع واستمر على جوره، حتى بزغ الدستور وتلطف الباري علينا بالعدل فما لبث أن عاد لحانته الأولى أيضًا وجرى ما جرى منه من سفك الدماء وقتل الأنفس. ونظرًا لما شاهدته العشائر من انتصار حكومة المركز أخيرًا، وإعطاء القوة إلى سعدون وولده صاروا مأيوسين ومحاذرين من تسلط سعدون وولده، لعلمهم بمعاملاته السابقة من قتل النفوس والفعل الشنيع الذي
[ ١ / ١١٧ ]
صدر من عجيمي فوقعت مناوشة خفيفة بين عشائر والبدور والجند، وعند دخوله إلى اللواء صارت مصادمة بنفس اللواء حتى تلفت جملة نفوس واحترقت جملة بيوت وانتهبت، وترك الناس يقتلون بعضهم بعضًا فلم يصلحوا ذات بينهم ولا اخرجوا سعدون من قلعة المائعة وقد كان ذلك غاية ما تطلبه البدور من الحكومة، وقد سحبوا تلغرافات إلى المقامات العالية شارحين
الحال طالبين إخراجه من المائعة ووضع مفرزة فيها من العساكر المظفرة لإصلاح الطرق قيها والأمنية منتظرين الجواب.
فإذا لم يصدر الأمر بإجراء الإيجاب على النظام تتحد عشائر البدور مع الضفير والشيخ مبارك الصباح وتتصل قبائل لواء المنتفك في معيته والي الآن ما حصلت النتيجة ولا صدر أمر بإجرائها.
أما الضفير فقد ثم اتفاقهم مع الشيخ مبارك الصباح وأما عشائره البدور وقبائل لواء المنتفك ففي المخابرة والمذاكرة وإذا بقى هذا الحال ولم يصدر أمر بإجلاء سعدون وقلع المائعة لقطع دابر الفساد وإصلاح الحال ووضع مفرزة من الحكومة إلى إصلاح أحوال العراق وحقن دماء المسلمين وتخليصهم من يد سعدون وأولاده وتعيين مأمورين إلى اللواء خالين من الغرض محافظين حقوق الدولة والملة فيسعون إلى إصلاح هذه المفاسد قبل أن تكون ولاية البصرة مسرحًا للأجانب. اهـ
ولما تريثت الحكومة في إصدار أمرها تحالفت العشائر على مناهضة
[ ١ / ١١٨ ]
سعدون وضبطت قلعة صغيرة قتل في أثناء أخذها اثنان من رؤساء المنتفق فطلب حينئذٍ سعدون من الحكومة إرسال الطعام إلى أهل بيته بواسطة البواخر ففعلت وأرسلت معها العساكر، فلما علمت العشائر بذلك أمطرت الرصاص على المركب وعلى من فيها فقابلها الجند بالمثل ذهابًا وإيابًا ودام إطلاق البنادق من الجانبين اكثر من ١٢ ساعة.
وبعد أن تحققت العشائر وجود سعدون في اللواء حاصرته اشد الحصار لا كراهه على الخروج من تلك الديار فخرج بعد حصار دام يومين وليلتين وبخروجه انتهى الحصار. أما العشائر التي ناوأته في تلك الواقعة فكانت البدور والغزي والحسينات والبوعظم والعساكرة.
بعد أن أهين سعدون هذه الإهانة وتثبت أن كل هذه البلايا التي نزلت به كانت بسبب الضفير إلى على نفسه أن يطاردها ولو بذل دمه في سبيل تحقيق أمنيته فما زال وراءها حتى أتى الزبير فسمع هناك بقدوم صديقه الحميم السيد طالب باشا مبعوث البصرة إلى المدينة عائدًا من الآستانة فاحب مواجهته وكتب إليه رسالة ليعرف منه إذا كان هناك مانع يحول دون زيارته فأجابه المبعوث أن لا مانع من دخوله البصرة.
فذهب ولما وصل إلى البصرة نزل به ضيفًا. وحالما علة والي ولاية البصرة بدخول
سعدون باشا المدينة أنبأ بلسان البرق لجنة التحقيق والأجراء بموافاة الشيخ المذكور فورد الجواب بالقبض عليه وإرساله إلى بغداد مخفورًا. فأرسل إليه آمر المبدرقة (أي قومندان الجاندرمة) وقت القيلولة وطلب إليه أن يواجه والي الولاية، فلبى الطلب مسرعًا
[ ١ / ١١٩ ]
فلما وصل دار الحكومة قيل له أن الوالي في العشار (محلة من محلات البصرة واقعة على شط العرب) فركب العجلة، ولما وصل الحي المذكور قيل له انه في المركب وما كادت أقدامه تطأ باخرة (مسعودي) إلا وشعر بأنه محاط بالخفر وانه ينقل إلى بغداد فوصلها في ٢٧ تموز وانزل في دار خاصة به عينتها له الحكومة وجعلت له خدمًا على نفقته ثم في ٣ آب نقل إلى قلعة المدفعية الواقعة على دجلة. وفي ليل ٢٠ آب سافر إلى حلب الشهباء عن طريق الموصل لمحاكمته هناك والله اعلم بمصير الأمور.
أما أعراب المنتفق فقد أخلدت إلى السكون والراحة ريثما تجد لها ما يثير غضبها وفق الله الجميع إلا ما به خير العباد ونفع البلاد.
في المدينة بضع إصابات بالهيضة أما الوفيات فتكاد لا تكون شيئًا مذكورًا. إلا أن هذا العرض يفتك في المحمرة والوفيات فيها من ٢٥ إلى ٣٠ في اليوم مع أن المدينة قليلة السكان.
قدم إلى بغداد واليها الجديد احمد جمال بك نهار السبت ٢٦ آب وقرء الفرمان نهار الأربعاء ٣٠ آب.
[ ١ / ١٢٠ ]