١ - نسبه
هو السيد محمد ثابت الدين أفندي أكبر أنجال العلامة، والنحرير
[ ١ / ٢٢٦ ]
الفهامة، ذي التصانيف المفيدة، والتأليف السديدة، نعمان خير الدين ابن المفسر الشهير أبي الثناء شهاب الدين السيد محمود أفندي الالوسي وينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈.
مولده ومنشأه واشتغاله - ولد على ما ذكره في (أريج الود والعود) فجر يوم الأحد لست عشرة ليلةً خلت من ذي الحجة الحرام سنة ١٢٧٥هـ (- ١٨ تموز ١٨٥٨م) فتربى في حجر الوالد، ونشأ في ربع المحامد، وترعرع بلبان الكمال، فلم يبلغ الحلم إلا وهو من كمل الرجال، وقد قرا طرفا من العلوم على والده، وبعض أفاضل بلده، ثم أجاز له والده بما تجوز له روايته، وتصح لديه درايته، ثم اشتغل بمطالعة كتب الأدب والتاريخ والسير، وحفظ طرفًا من جيد الشعر، وكان قوى الحافظة سديد الذاكرة، حسن المحاضرة، سريع الفهم، ذكي القلب، واسع الذهن، جيد التلقي، وكان اغلب ما يحفظ من الشعر ما كان فيه حماسة، أو حكمة، وموعظة، لما جبل عليه من شرف النفس، وعلو الهمة، وكان يحب الخيل حبًا جمًا، ويقتني جيادها، ويعلم ممدوحها، ومذمومها، وأدوائها، كثير المطالعة لما ألف في شؤونها من الكتب، وربما أنتقد بعض كلام المصنفين فيها، ألوفًا للعرب وعوائدهم، يتمنى السكنى معهم في البوادي ويطربه قول القائل:
وما العيش إلا الضب يجرشه الفتى وورد بمستن اليرابيع أكدر
هذا ما كان عليه من الأخلاق العظيمة، والسجايا العالية، من التواضع، ولين الجانب لكل واحد، وعدم التطاول على عباد الله والأرزاء بهم،
[ ١ / ٢٢٧ ]
وإكرام الضيوف، ومزيد الكرم والإحسان، بما عز وهان، وكأنه المعنى بقول القائل:
تعود بسط الكف حتى لو إنه دعاه لقبض لم تطعه أنامله
لا يحب إيذاء أحد بقولٍ ولا بفعل، ولا يستخف بمخلوق من مخلوقات الله، ولا يغتاب أحدًا، ولا يحب إن يذكر في مجلسه أحد بسوء فإذا تكلم أحد جلسائه في هذا الباب بادره بقول القائل:
إذا أنت عبت الناس عابوا واكثروا عليك وابدوا منك ما كان يستر
وكان ذا سكون ووقار، قليل الكلام، كثير الحياء والأدب، حليما، سليم القلب، فسيح الصدر، كثير الصبر على الأذى، متوكلا في كل شؤونه على الله، لا يشكو حاله لاحد، ولا يحزن مما أصابه، ولا يفرح بما يسر، وكان إذا اشتد به الضيق أنشد:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعًا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكان يظن إن لا تفرج
والحاصل إن أوصافه كلها غرر، ومزاياه عقود درر،
٣ - أيامه - ولم يبلغ من العمر خمس وعشرين سنة إلا وابتلى بغائلة عائلةٍ عظيمة، فاضطر إلى إن يتقلد مناصب الحكومة والسلوك في مسالك طلب المعيشة، فساح كثيرًا من البلاد، وإلى القسطنطينية أربع مرات، وإلى الحرمين الشريفين وأدى فريضته، وتقلد قضاء النجف، وكربلاء، والسليمانية، والاحساء، وغير ذلك، فاحبه أهل كل بلد دخله، ولما كان عليه من العفاف، والانتصار للحق، والأخذ يضبع المظلوم، وكل ضارع لخصومة. وبعد عوده
[ ١ / ٢٢٨ ]
من الإحسان إلى على نفسه أن لا يتقلد منصبًا، وإن يترك خدمة الحكومة بالمرة، وعزم على الإقامة في بلده بغداد، وإن يشتغل بالحرث، ويتعيش بما يرزقه الله من الزرع والضرع، فسلك هذا المسلك عدة سنيين فلم ينجح ولم يظفر بمقصده لفقد الأمن والأمانة من بوادي العراق حتى أثقلت كاهله الديون وضيقت عليه المحن والشجون فأنتخب لرئاسة بلدية بغداد فتقلدها نحو سنتين ثم لما لم يجر على ما يهواه أمراء ذلك العصر أنتخب غيره لهذه الرئاسة وبعد مدة يسيرة سعى فيه بعض الحسدة من منافقي بغداد إلى واليها فزور عليه بما أوجب تغريبه إلى الديار البعيدة ظلما وعدوانًا. فلما وصل هو ومن معه إلى الموصل تبين للسلطان السابق تزوير ما اسنده إليه أهل النفاق فأمر بإعادته إلى وطنه وهو على خلاف ما إعتاده من إصراره على الظلم فعاد قرير العين مسرور الخاطر. وكانت مدة الذهاب والإياب نحو مدة شهرين بعد إن رأى من حفاوة أهل كل بلد مر عليه واحتفالهم به ما لم يره غيره، لا سيما ما رآه من اماجد الموصل.
٤ - أفول شمسه - ثم إنه بقي مدة في وطنه يكتسب بالزرع فلم تنجح أيضًا، فاضطر إلى السفر إلى دار السلطنة بعيد الإنقلاب، فكلف بنيابة لواء السليمانية مرة ثانية فتقلد قضائها
وعاد إليها ففرح به أهلها وابتهجوا به لما رأوا من حسن سيرته في المرة الأولى. وبقي فيها ما يزيد على سنتين
[ ١ / ٢٢٩ ]
والكل لفعله شاكرون، حتى آتاه اليقين، وأنتقل إلى رحمة رب العالمين، وذلك أيضًا يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي العقدة الحرام سنة ١٣٢٩هـ - ٦ت٢ سنة ١٩١١ وبعد يوم ورد خبر نعيه إلى بغداد، وهناك سالت عليه من العيون، عيون، وتصاعدت أنفاس الشجون، وأصاب كل من عرفه مصيبة تفطرت لها القلوب:
وزوال ذلك الطود بعد ثباته ينبيك إن الراسيات تبيد
ولعمري إن الحزن عليه لطويل، والجزع من خطبه على ممر الأيام مقيل، فلذلك قلت في رثائه هذه الأبيات، وإن كانت لا تؤدي حق ما اتصف به من جليل الصفات، معزيًا فيها حضرة أستاذي علامة العراق، ومن طبق ذكره الافاق، السيد محمود شكري أفندي الالوسي متع الله الأمة بحياته، وهي: