يقال: أن انوشروان الملك العادل مضى يوما إلى الصيد، فرأى ضيعة في القرب منه، وكان قد عطش. فقصد الضيعة وآتي باب دار قوم، وطلب ماء ليشرب، فخرجت صبية فأبصرته. ثم عادت إلى البيت، فدقت قصبة واحدة من قصب السكر، ومزجت ما عصرته بشيءٍ من الماء، ووضعته بالقدح وسلمته إلى انوشروان. فنظر في القدح فرأى فيه ترابًا وقذى. فشرب منه قليلًا حتى انتهى إلى آخره. وقال للصبية:
نعم الماء لولا قذىً كدره.
[ ١ / ٦١ ]
فقالت: أنا عمدا ألقيت به القذي.
فقال: ولم فعلت ذلك؟
قالت: رايتك شديد العطش، فلو لم يكن في الماء قذي كنت شربته عجلًا في نوبةٍ واحدة، وكان يضرك شربه
فعجب انوشروان من كلامها. وعلم إنها قالته عن ذكاءٍ وفطنةٍ.
ثم قال لها:
من كم قصبةٍ دققت ذلك الماء؟
فقالت: من قصبة واحدة.
فتعجب انوشروان واضمر في نفسه انه إذا عاد أمر يزاد عليهم في الخراج. ثم عاد إلى تلك الناحية بعد وقتٍ، واجتاز على ذلك الباب منفردًا، وطلب ماء. فخرجت تلك الصبية بعينها فرأته، فعرفته، ثم عادت لتخرج الماء، فأبطأت عليه، فاستعجلها انو شروان. وقال:
لأي سبب أبطأت:
قالت لأنه لم يخرج من قصبة واحدة حاجتك، وقد دققت ثلاث قصباتٍ. ولم يخرج منها بقدر ما كان يخرج من واحدة.
فقال انوشروان: ما سبب هذا العجز؟
فقالت الصبية: سببه تغير نية السلطان. فقد سمعنا: انه إذا تغيرت نية السلطان على قوم زالت بركاتهم. وقلت خيراتهم.
فضحك انوشروان وعجب من قولها وأزال من نفسه ما كان قد اضمر لهم. وتزوج الصبية لتعجبه من ذكائها وحسن كلامها.
[ ١ / ٦٢ ]
الرجل الفاسق والمرأة العفيفة
فقال: انه كان رجل فاسق يكايد امرأةً عفيفةً بالحرام. فلما حصل عندها. قال لها: امضي واغلقي جميع أبواب الدار واحكمي إغلاقها.
فمضت المرأة. ثم عادت وقالت: قد أغلقت سائر الأبواب التي بيننا وبين الخلق وقد أحكمتها. وقد بقى الباب الذي بيننا وبين الخالق تعالى، ما قدرت عليه ولا استطعت أن احكم إغلاقه وهو بحاله مفتوح.
فوقع في نفس الرجل الهيبة. فاخلص لله التوبة واقلع عن ذنبه وعاد إلى طاعته تعالى. اهـ
وبهذا القدر كفاية لمن يريدان يعرف ما في هذا الكتاب من الكنوز الأدبية والحكمية وكفى بالكتاب أن يكون منسوبًا إلى مثل الغزالي لتعرف مكانته من البلاغة والفصاحة وحسن سبك العبارة مع اختيار احسن الحكايات واصح الأخبار.
السيد صدر الدين
الكاظمية: أبو محمد الحسن العاملي