لاحق بسابق
وقد سرنا منظر (كربلا) اعظم سرور، لاسيما (كربلا الجديدة) أو شهر نوفان طرقها منارة كلها تنيرها القناديل والمصابيح ذات الزيت الحجري. والقادم من بغداد إذا كان لم يتعود مشاهدة الطرق الواسعة والجادات العريضة أو إذا كان لم يخرج من مدينته الزوراء يدهش اعظم الدهش عند رويته لأول مرة هذه الشوارع الفسيحة التي تجري فيها الرياح والأهوية جريًا مطلقًا لا حائل دونها كالتعاريج التي ترى في أزقة بغداد واغلب مدن بلادنا العثمانية.
وعند دخولنا المدينة نزلنا ضيفًا على أحد تجار المدينة وهو السيد صالح السيد مهدي الذي كان قد اعد لنا منزلًا نقيم فيه، فاقمنا
[ ١ / ١٥٦ ]
فيه نهارًا وليلتين. وفي الليلة الأولى خرجنا لمشارفة ما في المدينة مع السيد احمد. وأخذنا نطوف ونجول في الطرق فمررنا على عدة قهوات حسنة الترتيب والتنسيق ورأينا فيها جوامع فيحاء، ومساجد حسناء وتكايا بديعة البناء وفنادق تأوي عددًا عديدًا من الغرباء، وقصورًا شاهقة، ودورًا قوراء، وانهارًا جارية، ورياضًا غناء، وأشجارًا غبياء. والخلاصة وجدنا كربلاء من أمهات مدن العراق، إذ أن ثروتها واسعة، وتجارتها نافقة، وزراعتها متقدمة، وصناعتها رائجة شهيرة، حتى أن بعض الصناع يفوقون مهرة صناع بغداد بكثير، لاسيما في الوشي والتطريز والنقش والحفر على المعادن والتصوير وحسن الخط والصياغة والترصيع وتلبيس الخشب خشبا اثمن وانفس على أشكال ورسوم بديعة عربية وهندية وفارسية وهندسية.
ولما كان الغد وكان يوم السبت رأينا ما لم نره في الليل فسبقنا وصفه. وكنا نقف عند التجار زملائنا وحرفائنا ومعاملينا الذين نتعاطى معهم بالبيع والشراء.
وفي خارج المدينة نهر اسمه (الحسينية) (بالتصغير) وماؤه عذب فرات ومنه يشرب السكان، إلا أن ماءه ينضب في القيظ فتحرج الصدور، وتضيق النفوس ويغلو ثمن الماء، فيضطر اغلبهم إلى حفر الآبار وشرب مياهها وهي دون ماء الحسينية عذوبة فتتولد الأمراض وتفشو بينهم فشوًا ذريعًا كالحميات والأدواء الوافدة. والأمل أن الحكومة تسعى في حفر النهر وحفظ مياهه طول السنة.
[ ١ / ١٥٧ ]
وفي كربلاء مستشفى عسكري ودار حكومة (سراي) وثكنة للجند وصيدلية وحمامات كثيرة، ودار برق وبريد وبلدية وقيسريات عديدة. وفيها قنصلية إنكليزية والوكيل مسلم
واغلب رعية الإنكليز من الهنود وفيها قنصل روسي وهو مسلم أيضًا من كوة قاف (قوقاس) وهيئة كربلا الجديدة ترتقي إلى مدحت باشا الشهير. ويبلغ سكانها نحو ١٠٥. ٠٠٠ نسمة، منها ٢٥٠ ألفًا من العثمانيين، و٦٠ ألفًا من الإيرانيين وبعض الأجانب المختلفى العناصر و٢٠ ألفًا من الزوار والغرباء الوافدين إليها من الديار البعيدة. وليس فيها نصارى لكن فيها عدد من اليهود.
أما هواء كربلاء فمعتدل في الشتاء وردى في الصيف لرطوبته وأما في سائر أيام السنة فيشبه هواء سائر مدن العراق بدون فرق يعتد به.
والذي يجلب المسلمين إلى كربلاء هو زيارة قبر الحسين ابن بنت رسول المسلمين وقبور جماعة من شهداء آل البيت والحسين مدفون في جامع فاخر حسن البناء فيه ثلاث مآذن وقبتان كلها مبنية بالآجر القاشاني ومغشاة بصفيحة من الذهب الإبريز. وهناك أيضًا ساعتان كبيرتان دقاقتان وكل ساعة مبنية على برج شاهق.
وفي كربلاء جامع آخر لا يقل عن السابق حسنا في البناء وهو جامع العباس وفيه أيضًا مئذنتان. وقبتان وساعتان كبيرتان على الصورة المتقدم ذكرها ووصفها.
وفي هذه المدينة قسم قديم البناء والطرز ضيق الأزقة والشوارع
[ ١ / ١٥٨ ]
والأسواق إلا أن ما يباع في تلك الأسواق بديع الصنع واغلب بضائعها تشاكل بضائع بلاد فارس لا سيما يشاهد الناظر كثيرًا من الطوس من كبيرة وصغيرة من النحاس الأصفر (الصفر)، وهناك سلعة لا تراها تباع في غير كربلاء وهي الترب (جمع تربة وزان غرفة) وهي عبارة عن قطعة من الفخار اخذ ترابها من أرض كربلاء وجبلت على صورة مستديرة أو مربعة أو مستطيلة أو نحو ذلك يتخذها الشيعة وقت الصلاة فيجعلونها في جهة القبلة ويصلون متجهين نحوها.
ومما يكثر في أسواقها أنواع الأحذية المختلفة الشكل الفارسية الطرز، وترى في الحوانيت الزعفران الفاخر الخالص من كل شائبة وغش مما لا تجد مثله في بغداد.
ولغة اغلب أهل كربلاء الفارسية لكثرة أعجم فيها إلا أن كثيرين منهم تعلموا العربية ويحسنون التكلم بها.
ويقسم لواء كربلاء إلى ثلاثة اقضيه وهي مركز قضاء كربلاء والهندية والنجف والى سبع
نواح وهي: ثلاث منها في مركز القضاء وأسماؤها: المسيب والرحالية وشفاته وواحدة في الهندية وهي الكفل وثلاث في النجف وهي: الكوفة والرحبة والناجية.
ولما كان نهار الأحد ٤ نيسان نهضنا صباحًا وفطرنا ثم ركبنا العجلات وبرحنا كربلاء في نحو العاشرة فرجعنا إلى الإمام عون
[ ١ / ١٥٩ ]
بن عبد الله نحو الساعة الثانية عشرة إلا ربعًا، ثم إلى المسيب ووقفنا فيها إلى الساعة الثالثة إلا ثلثًا، ثم سرنا من المسيب في الساعة الرابعة إلا ثلثًا طالبين الحلة، ولما كنا في الساعة الخامسة إلا نصفًا رجعنا إلى الإسكندرية فاسترحنا فيها. ثم ارتحلنا إلى (خان الحصوة) فوصلنا إليه في الساعة السابعة وعشر دقائق، وأقمنا فيه للاستراحة. وهو خان واسع تقف فيه القوافل وفيه حجر واكناج للشتاء ودكة كبيرة للصيف يضطجع عليها المسافرون، وبجانب الخان قهوة، وهذا كل ما يرى هناك. ومن بعد أن تغدينا ظعنا من ذلك الموطن نحو الساعة الثامنة ونصف فجرت بنا العجلات جريًا حثيثًا حتى بلغنا في الساعة العاشرة إلى (خان الناصرية) ولم نقف فيه لأننا وجدناه (افرغ من فؤاد أم موسى).
وما زلنا ننهب الأرض على ظهر عجلتنا حتى أتينا (خان المحاويل) عند غروب الشمس، فوقفنا فيه. وهذه المرحلة تشتمل على خان واسع وبعض دورٍ لا علو فيها ولا ارتفاع محوطة بسياج، فبتنا ليلتنا هناك. ولما أسفر الصبح عن جبينه الصبيح استيقظنا وسرنا منه نحو الساعة الثانية عشرة ونصف متجهين نحو (كويرشن) (بالتصغير)
التتمة للآتي
عمانوئيل فتح الله عمانوئيل
مضبوط
[ ١ / ١٦٠ ]