٦ - هوائها وماؤها وأرضها وزراعتها
هوائها طيب ومناخها حسن وأرضها عذبة. وليس في العراق بلدة مشهورة بنقاوة هوائها وصفاء مائها وحسن تربتها مثل هيت. ولهذا اشتهر أهلها بالزراعة والحراثة منذ سابق العهد إلى يومنا هذا. لكن زراعة اليوم ليست كزراعة أمس في عهد العباسيين فهي لا تكاد تذكر بجنب ما كانت عليه في عصر غضارتها.
[ ١ / ٣٤٨ ]
٧ - البلور
يرى في نهر الفرات بين هيت وعانة بلور يستخرجه بالغطس بعض أهالي الأنحاء فيتزين به بناتهم ونساؤهم.
٨ - المغرة
وفي غربي هيت على بعد نصف ساعة نوع من التراب اسمه المغرة ويسميها بعضهم (القرمز) وهو في بطن من الأرض تقدر مساحته بنحو نصف كيلومتر.
٩ - الكبريت
في هيت وضاحيتها وجوارها عيون كبريت كثيرة وقد قدر بعض العارفين ريع ما يستخرج منه لو بذلت له الهمة بنحو خمسين ألف ليرة سنويا. لكن أصحاب الهمم؟
١٠ - النورة
في هيت نفسها وأطرافها نورة كثيرة منها ما هو على وجه الأرض ومنها ما هو مدفون في بطنها. واغلب ما تكون في الأرضيين المرتفعة حتى أن بضع عيالٍ قد اتخذت استخراجها وبيعها مهنة لها فتبيعها على نفقتها بدون معارضٍ.
١١ - الفحم الحجري
على بعد كيلومترين من هيت في الجهة الشرقية منها مناجم فحم حجري وتقدر مساحة تلك الأرض بنحو عشرين كيلومترًا. حتى أن بعض العارفين يقول: لو اهتمت شركة بتعدين هذه المناجم
[ ١ / ٣٤٩ ]
لأمكنها أن تستخرج منها اكثر مما يستخرجه الأمير كيون في اركلي من بر
الأناضول.
١٢ - الملح
في الجهة الجنوبية من هيت وعلى بعد ثلاثة كيلومترات منها ملح كثير مبذول. واغلب ما يكون في الأراضي المرتفعة وفي هيت عين ملح كبيرة تجرى في الشتاء بقوة ١٢ حصانًا وفي الصيف تنجمد فتستخرج الحكومة ملحها.
١٣ - الزيت الحجري
على بعد كيلومتر من هيت وفي الجهة الجنوبية منها الزيت الحجري (البترول) بكثرة، وتقدر مسافة الأرض التي فيها هذا السائل النفيس بكيلومتر مربع. وهو شيء ليس بزهيد. وفي جانبها الشرقي عين أخرى على حافة الفرات اسمها (النفاطة) وهناك جماعة من العسكر تحافظ عليها وتستخرج منها النفط الأسود ليباع في الأسواق.
١٤ - البورق
الورق كثير الوجود في هذه المدينة حتى أن الفقراء يبنون بيوتهم بحجارته فضلًا عن الأغنياء والموسرين. وهو يقطع من جبل محيط بهيت.
١٥ - عيون مياه معدنية
على ربع ساعة من شرقي هيت عين تنبط ماء معدنيًا حارًا
[ ١ / ٣٥٠ ]
اسمها (العين الجرباء) يقصدها أهالي هيت والديار المجاورة لها ليستحموا بها إذا أصيبوا بالجرب أو بمرض من أمراض الجلد. وماؤها ملح ورائحته كريهة كسائر المياه المعدنية الكبريتية الجوهر.
١٦ - عيون القار
في هت اكثر من عشر أعين يجري منها القير على أنواعه وأشهرها ثلاث وهي كبار والسبع الأخر صغار. فإحدى الكبار في جنوبي هيت والثانية في شرقيها والثالثة متوسطة بينهما. واليك تفصيل هذه العيون:
١ - عن (لطيف) (والكلمة مصغرة) تنبع قيرًا نفيسًا
٢ - عين (الذهبي) تفيض قيرًا أيضًا، وعلى وجه الماء رغوة خفيف ذهبية اللون.
٣ - عين (دروبي) بضم الدال والراء وإسكان الواو وكسر الباء الموحدة ثم ياء مثناة) وتجرى قيرًا حسنًا، لكن رائحة هذه العيون لا تطاق. وهي على بعد عشرين دقيقة من البلدة، وينبط منها الماء مرتفعًا صعدًا إلى علو متر ونصف متر عند اشتداده العظيم. ومع الماء يخرج الحمر (أي القير) كتلًا كتلًا بحجم البندقة أو أصغر، وكلما هدأت قوة الاندفاع لانسداد مسام العين حفرها صاحبها وتتبع آثارها في أعماق الأرض. والماء المنبجس منها عكر وله دوي عظيم يسمع على بعد خمس دقائق وحرارته واحدة صيف شتاء ولا تنقص كميته على مدار السنة، ويخرج من هذه العين
[ ١ / ٣٥١ ]
يوميًا من أربعين إلى مائة حمل حمار من القير الفاخر. والقيم عليها يضمنها من الحكومة بعشرين قرشًا صاغًا عن أربع وعشرين ساعة.
٤ - عين (لائق) يغتسل فيها المرضى والزمني أصحاب العاهات الجلدية.
٥ - عين (معمورة) تسيل (قسطًا) وهو القير الذي يعلك
٦ - عين الملح وهي تفيض ماء ملحًا ومعه فصفور وقير. والماء سخن صيف شتاء. وعند خروجه من منبعه تسمع له بقبقة شبيهة ببقبقة الكوز. يسمعها من يدنو منها. وقد اهتم من يعنى باستخراج الملح منها بتحويل الماء عند خروجه إلى دبرات يقيم فيها مدة ستة أشهر اقل أو اكثر وبعد تبخر السائل منه يرسب الملح طبقات بعضها فوق بعض يكون ثخنها من سنتمترين إلى خمسة عشر سنتيمترًا، وهو ابيض اللون حسن الطعم تحمل منه سنويًا أحمال كثيرة تشحن بها السفن فتنزل بها إلى بغداد أو البلاد الراكبة الفراتين ولشدة ملوحته يضرب طعمه إلى المرارة ولهذا لا يستعمله البغداديون للطعام بل للصنائع فقط.
وهذه العين نفسها تجري قيرًا ومادة فصفورية فالقير يعوم على
[ ١ / ٣٥٢ ]
وجه الماء كتلًا صغيرة يجمعها القيم عليها كلما كثرت وتجمعت. والعين مكشوفة على مساواة وجه الأرض مستديرة الشكل يبلغ قطرها مترًا واحدًا ولا يحيط بها إلا دائرة من التراب صدا للمياه النابعة كي لا تطفح عليها وتصب فيها من كل الجهات وللماء منفذ واحد غلظه غلظ الزند، ومنه يجري في ساقية مكشوفة ومنها إلى الدبرات والمشاور، - أما المواد الفصفورية فتراها سابحة على وجه الماء تنبعث منها تلك الرائحة المشهورة التي تغنيك عن وصفها وكنهها. وإذا كان الإنسان جاهلًا خواص الفصفور ومفاعيله في الجسم ولمس تلك المواد
فانه يحترق لا محالة. كما جرى لبعض الهيتيين الذين يعترفون للسائح بان عين الملح تقذف نارًا طبيعية، ولهذا لا يجسر أحد على جمع تلك المواد الثمينة لأنهم يجهلون كيفية التقاطه ومنافعه العديدة في أمور الكيمياء.
٧ - عين (المرج) (وزان سبب) وهي تنبع قسطًا.
٨ - (العطاعط (وزان سباسب) وهي تفجر قيرًا فقط ولا يبض منها قطرة ماء.
٩و١٠ عينا (الجرب) (وزان سبب) وهما عينان تفيدان أصحاب العاهات الجلدية.
هذه العيون التي تحققت وجودها ومنافعها المعدنية، فهل من حاجة بعد هذه الحقائق المذكورة إلى القول أن هيت من أغنى مدن الدولة العثمانية ومع ذلك فلا ترى من يستغل أو يستثمر ما فيها من أسباب
[ ١ / ٣٥٣ ]
الغنى والثروة ورقى البلاد، مع انك لوزرت إحدى مدن ديار الإفرنج ولها عين واحدة معدنية الماء أو فيها مادة مفيدة من نفط أو زيت حجري أو قير أو ملح أو كبريت أو فصفور أو نحوها لرأيت أصحابها الثروة يكترون (يضمنون) ما فيها من المرافق ومندفق الريع والإناء. وتحققت أن من عنى باستثمار ما في الطبيعة فالطبيعة تفيض عليه بالفواضل والنعم، عسى أن ييسر الله من يحقق هذه الأماني من أبناء الوطن. وإلا سبقنا الأجانب إلى تلقف ما في أيدينا لأننا لا نعرف قدره. والسلام على من سمع وعمل.
إبراهيم حلمي من طلبة المكتب الإعدادي الملكي