قال أبو الفرج علي بن الحسين الاصبهاني: (دير القائم الأقصى) على شاطئ الفرات بطريق الرقة. القائم الأقصى مرقب (قلت أنا: والى اليوم ترى آثار هذا المرقب مائلة) كان بين أرض الروم وارض فارس. وعنده دير جليل. ومر به الرشيد في خلافته فاستحسن الموضع واستطابه، وكان الوقت ربيعًا، وكانت المروج التي حوله مملوءة بالشقائق والأنوار، وأصناف الرياحين والازهار، فنزل به وأقام ثلاثة أيام.
قال هاشم ابن محمد الخزاعي: فدخلت الدير لأراه وأطوف فيه، فرأيت جاريةً ديرانية حين نهد ثدياها، لم أر احسن منها وجهًا وقدًا وملاحة واعتدالًا، وكان والله تلك المسوح حليًا لها، تضئ بها وتنير. فدعوت بمن جاءني مسرعًا بشراب، فأقبلت اشرب على وجهها واستمتع من محاسنها، فقلت فيها هذه الأبيات:
بدير القائم الأقصى غزال شادن أحوى
برى حبي له جسمي ولا يدري بما ألقى
وأخفى جليل جهدي ولا والله لا يخفى (كذا)
إلى آخر الحكاية. وقد روى مثلها صاحب الأغاني في ٥: ١٢٣ وفي صدر البيت الأخير: واكتم حبه جهدي
[ ١ / ١٣٢ ]
وأنت ترى من هذا المثال ما في هذا السفر الجليل من الفوائد التاريخية والجغرافية والعلمية والأخلاقية إلى غيرها.
وفي هذا المجلد كتاب ثانٍ يبتدي من الصفحة ١٩٦ اسمه مفتاح الراح، في امتداح الراح. (ويروى مفتاح الأرواح) ونظنه لمؤلف الكتاب المذكور وهو عبارة عن ديوان شعر جمع كل مقاله الشعراء في الخمر وقد رتبه على حروف المعجم إلا أن غالب القصائد لأبي نؤاس وهذه فاتحة الكتاب بعد البسملة:
(الحمد لله على ما وهب من إصلاح الشان. وإيضاح البرهان. وإفصاح اللسان. وسماح الجنان بالبيان. وصلاته وسلامه على نبيه محمد اشرف أنواع الإنسان. المنزل عليه القرآن. . . . وبعد فأنني رأيت طائفة الشعراء. من المحدثين والقدماء. وقد وصفوا الراح ومدحوها، وذكروا محاسنها وشرحوها. . . .
وآخر قصائده تستهل بهذه الأبيات:
في الله أيامًا مضت ولياليا تروح روائح تربها وغواديا
ليالي أطلقت العنان مع الهوى ورحت بها في ربقة الذنب عانيا
فيا طيبها لو لم تكن قلائلا ويا حسنها لو لم تكن فوانيا
وآخر بيت هذه القصيدة هو:
وادعوا لمحو الذنب في كل موطن الهي عساه أن يستجيب دعائيا
على أن أهم ما في هذا المجلد القسم الأول الذي ذكرناه. أما الثاني
[ ١ / ١٣٣ ]
فدونه منزلة وان كان لا يخلو من فائدة.
بغداد: الشماس فرنسيس اوغسطين جبران