(تل الاحيمر) راجع إلى لواء أو سنجق الديوانية، الذي هو من ملحقات قيم مقامية الحلة. وهو واقع على بعد ٢٠ كليو مترًا من الشمال الشرقي من الحلة. وقد زارته البعثة الفرنسوية في سنة ١٨٥٣ التي كان زعيمها جول اوير وذلك عند عودتها من بابل قافلةً إلى بغداد بعد أن حفرت في هذه المدينة العظمى حفرًا هو الحفر الاول الذي أجراه الأوربيون في حاضرة ديار بابل.
وكان أولئك العلماء رأوا في ذلك الصقع ثلاث طوائف من التلال الطائفة الأولى: تلال الغرب ويسميها أهل تلك الديار. (تل الخزنة) وقد وجدوا فيها بعض الرقم أو الآجر المكتوب. والطائفة الثانية: تلال الوسط ويسميها الأعراب (الاحيمر) (تصغير الأحمر) وهيئته هيئة هرم، ويظن انه البرج ذو الطبقات، وقد وجدوا فيه آجرة من نبو كر أصر.
[ ١ / ٣١٦ ]
والطائفة الثالثة (تلال الشرق) وهي تشمل على عدة أطلال تدل على إنها كانت دورًا ومنازل في سابق العهد، ما عدا التلال الكثيرة المنبثة في حواليها، وبناء غريبًا بصورة نعل فرس مستطيل الشكل. ويطلق البدو عليها اسم (البندر).
وممن زار هذه الاخربة قبل البعثة العلمية الرحالة الإنكليزي كير بورتر الشهير وتتفق أوصافه لهذه الاخربة مع أوصاف اوبر وتوما.
والاحيمر هذا هو كيش بكسر الكاف بعدها ياء ساكنة وفي الآخر شين مثلثة أما أن أطلال الاحيمر هي كيش في سابق العهد، فقد كان قد ذهب إلى هذا الرأي العلامة ويسباخ من باب الرجم إلا أن الباحث النقاب ثورو دانجين بين بأدلة قاطعة ناصعة في سنة ١٩٠٨ أن الاحيمر هو كيش، وقد أوضحت بعده أنا أيضًا هذه الحقيقة بحجج لا تقبل الشك والريب مأخوذة من نصوص جديدة عثرت عليها في السنة المنصرمة في الرقم والكتابات القديمة المسمارية الخط.
كانت كيش من اقدم مدن ديار بابل، وكانت من جملة بلاد مملكة أكد (وزان شمر) (وكانت مملكة سامية) مقابلة لمملكة سومر (وكانت سومرية). ومما وجد بخصوص تاريخ كيش ما وقعوا عليه في تلو (بفتح التاء واللام المشددة المفتوحة والواو الساكنة) من الآثار وهي جملة أسلحة كانت لملك من ملوك كيش اسمه مي سليم - وقد اشتهر بعد ذلك في ما اكتشف في الأسانيد التي وصلت إلينا، بكونه سعى في إصلاح ذات البين
[ ١ / ٣١٧ ]
بين اثنين من
أصحاب اقطاعاته وهما: حاكم لجش وهي المسماة اليوم تلو وحاكم (أُمَّا) (بضم الهمزة في الاول بعدها ميم مشددة مفتوحة وفي الآخر ألف مقصورة) وهي التي تسمى اليوم جوخى ويلفظها بعض أعراب المنتفق بوخى.
ومن أخبار ملوك كيش انهم ناوأوا حكام تلو. وقد أبقى أحد هؤلاء الحكام وهو المسمى: أي أن ناتوم - نصبا يعرف بنصب النسور وهو محفوظ اليوم في قصر اللوثر في باريس محفور عليه صورة لملك كيش وقد فاز به الحاكم المذكور وانتصر عليه.
وبقيت كيش مدة قرن كرسي المملكة في عهد الملوك اورومش ومانشتوسو ووشروجين ومن أسماء ملوكها ما وجد في رقيم نشره في السنة الماضية الأثري العلامة الأب شيل الدومنيكي وقدمه إلى ندوة علماء الآثار الفرنسوية، وفيه مختصر تاريخ خمس دول. وهذا الرقيم وجده الأعراب في الاحيمر عند تنقيبهم فيه عن الآثار العادية.
ومن بعد أن خمل ذكر كيش مدة عاد فنبه في عهد حمورابي معاصر إبراهيم الخليل، (وحمورابي هذا هو المعروف في التوراة باسم امرافيل على ما أثبته النقاب الأب شيل الدومنبكي وهو موحد المملكة البابلية) فلما اتضح لهذا الملك الغيور ثبوت شهرة كيش وخاف من أن تضره بنوع من الأنواع آلي على تخريبها فاكتسحها وضعضعها. ومن ذاك الحين خبت نارها، واندرست آثارها.
ومما وجد في كيش (الاحيمر) كتابات تثبت وجود مدرسة للكتبة
[ ١ / ٣١٨ ]
في سابق الزمن كما كان مثلها في سيارة (وهي اليوم أبو حبة) وهناك كان الكتاب يمارسون الخط والمشتق والإنشاء والترسل وكتابة الوثائق والحجج وما كان من هذا الباب قبل أن يتخذوا لهم تلك الصناعة مهنة لهم.
فهل بعد ذكر هذه الأمور المقررة من يشك بالفوائد التي تنجم للباحث إذا ما نقب في الاحيمر عن الآثار العادية التي يعثر عليها. فلهذه الغاية عينها اتفقت دولة فرنسة مع الدولة العلية فعينتني في هذه البعثة العلمية التي أتوسم فيها النجاح للتاريخ ومحببة والسلام.
دجنوياك