إذا أردت أن تقف على منافع تدوين اللغة زيادةً على ما تقدم ذكره اعتبر هذا الأمر وهو أنك إذا أنعمت النظر في الماء عند منبعه ثم تفقدته في مجراه تحقق أنه كلما ابتعدت عن العين زادت كدورته أو زادت الجواهر الغريبة التي تخالطه لكثرة ما يصادفه من الأجسام عند هبوطه من مصدره. وإذا انتهيت إلى مندفعه لا تكاد تجسر على أن تقطع بأن هذا الماء من ذاك المعين. وعلى مثل هذا تقيس مجرى اللغات ومسراها وامتزاجها وكثرة ما يحل بها من الغير.
هذه لغات اليونان والروم والعرب فطالما كانت غير مقيدة الألفاظ والقواعد حل بها من الطوارئ ما يسر تعدادها. فنشأ منها اللغات
[ ١ / ١٤ ]
الفرعية الكثيرة. ومنذ أن قيدت اوابدها انحصر شر فسادها وضاق أيضًا نطاق عبث بناتها من اللغات منذ أن عوملت هذه المعاملة. ولولا ذلك لتسلط عليها عامل الاحتكاك والتآكل كما هو متسلط على جميع موجودات الكون مهما تنوعت واختلفت.
فهذا الحديد على شدة صلابته بل هذا الألماس على قوة مناعته إذا احتك بغيره من جنسه أو من غير جنسه تأكل شيئًا فشيئًا حتى يفنى مع الزمان. وهذه ألفاظ اللغة عند احتكاكها بغيرها يعتورها مثل هذا النقص والفناء حتى يدخل بعضها في بعضٍ وتضمر ضمور الحي حتى لا يبقى منها إلا الأثر أو يكاد.
فجمع سقاط اللغة من لغية ولثغة وخلل وفساد والإشارة إلى تصحيح أود ما فيها هو من النعم اللغوية التي لا يقدرها إلا عشاق اللغة والغيورون على سلامتها.
افعل هذا تر في الأجيال المقبلة ما رأيت نتيجته منذ خمسين سنة أي من دخلت الصحافة في بلادنا فادعمت ما تداعى من بنيانها وأسندت وشادت ما انهار منه فحصلنا على نتيجة لم نحلم بها في السابق وسوف تكون أعظم إذا سعى أصحاب كل بلدٍ على نشر المطبوعات ولاسيما على نشر اللغيات والإشارة إلى ما يحسن عيبها وينفي عنها ما يشوه محاسن محياها.
ومن ثم فقد أخذتني النخوة العربية والنشوة الأدبية في أن أشمر عن ساعد الجد وألبي إلى تأليف معجم يستوعب أغلب الألفاظ
[ ١ / ١٥ ]
العامية والدخيلة البغدادية إن لم أقل كلها. ليكون سراجًا منيرًا يهتدي بنوره العوام. وقائدًا مرشدًا إلى شحذ الإفهام. ودليلًا يركن إليه الغرباء عن
اللهجة واللسان. إن من المستشرقين وإن المستعربين في جميع البلدان.
هذا ومع إقراري بقصر باعي أعلم حق العلم أن أمامي عقبة كئودًا من دونها خرط القتاد. وورائي من الصعوبات ما لا يشعر بها إلا من سلك هذا الوعث وعرف ما يحصل منه من الوعثاء. بيد أني استسهلت تلك العراقيل والعواقيل لما ينجم من وراء ركوبها من الفوائد الجمة والمنافع العامة. وقد وسمت كتابي هذا ببغية الأنام، في لغة دار السلام، عملًا بإشارة أعز الإخوان، وأخص الأخدان،
وأطلب ممن يقف على ما يقع فيه من الأغلاط أن ينبهني عليها وأنا لا أنساه من الإقرار بفضله والتنويه بأدبه عن الله مثيب الصالحين والمصلحين:
رزوق عيسى