على من ليس من الزوراء أن يعلم: أن أهل دار السلام ينقسمون إلى ثلاثة أقسام كبيرة تابعة لأديانهم وهي: المسلمون واليهود والنصارى ولكل منهم لغة أو لهجة خاصة بهم دون غيرهم. حتى انك إذا سمعت كلام واحد منهم حكمت للحال على الدين الذي ينتحله المتكلم أو ينتسب إليه. وذلك لان لهجة المسلم غير لهجة النصراني، وكلام هذا يمتاز عن نطق اليهودي كل الامتياز، عربية اليهودي لا تشبه لسان المسلم والنصراني بشيء أبدًا من جهة النبرة والنغمة: وهذا الأمر لا تشاهده على مثل هذه الصورة العجيبة إلا في بغداد وبعض مدن العراق.
نعم كان يمكنك قبل عشرين سنة أن تميز المسلم من النصراني في اليهودي بمجرد النظر إلى ثيابه وبزته. وأما اليوم فقد اختلط عليك الحابل بالنابل، إذ أن اغلب شبان بغداد يلبسون زيًا واحدًا لا يكاد يميز صاحبه عن وطنيه المنتسب إلى الدين الآخر إلا بأمرٍ واحد وهو أمر اللغة التي يتكلم بها.
[ ١ / ٦٩ ]
أما احسن اللهجات البغدادية فهي لهجة المسلم لأنها فصيحة الكلمات مربوطة المعاني محكمة لفظ الأحرف كل الأحكام. ودونها لغة النصراني ومن بعدها لغة اليهودي. المسلم لا يتنازل أبدًا إلى أن يتشبه بالنصراني أو اليهودي من قبيل اللفظ إلا ليهزا منهما. وإذا حاول التشبه بهما لغير السخرية خانه لسانه وظهر خداعه بعد ألفاظٍ قلائل. وقد يقلد النصراني المسلم بسهولة عظيمة غير انه يصعب عليه كل الصعوبة مجاراة اليهودي في نطقه لما في لهجته من النبرة اليهودية التي يرتضخها والتي لا يستطيع أن يأتيها إلا من ولد بين اليهود أو نشا فيهم منذ نعومة أظفاره وأما اليهودي فيصعب عليه كل الصعوبة محاكاة المسلم أو النصراني من جهة التلفظ.
هذا وأنت تعلم أن أصحاب الأديان الثلاثة كانوا في بغداد قبل زهاء عشر سنوات في محلات خاصة بهم لا يخرجون عنها. بل وكان اليهود في عزلة تامة عن غيرهم لا تعلق لهم بمن ليس منهم. اللهم إلا في الأسواق ومعاطاة الأمور التجارية. وما عدا ذلك فكانوا ملازمين بيوتهم لا يترددون إلى دور غيرهم بل ولا يطأون عتباتها لأي غاية كانت. أما اليوم فان اختلاط قوم يقوم أصبح من الأمور التي لا غنى عنها مراعاة لمقتضيات الأحوال وتغير المنشأ أو اقل: لتغيير الأديم الأدبي والاجتماعي.
[ ١ / ٧٠ ]
فإذا علمت ذلك زد على ما تقدم: أن لأصحاب كل دين مخالطة لا تجدها أو لا تكاد تجدها إلا قليلًا في أصحاب الدين الآخر. فان المسلم يعاشر مثلًا: التركي والكردي والهندي والفارسي اكثر من معاشرة النصراني واليهودي لهم. والنصراني يؤالف الإفرنجي والآرامي الأصل اكثر من سواه لهما. واليهودي يمازج أهل المال مهما كان وأينما وجده وعلى أي دين كان والي أي قوم ينتسب. ولهذا ترى هذه المخالطة تأثيرا عظيما في ألفاظ اللغة ومفرداتها ومركباتها.
ومن ثم إذا آنت أنعمت النظر في لغتنا البغدادية وجدت فيها بقايا أو آثار من جميع اللغات أي انك تسمع بين ألفاظها مفرداتٍ تركية وفارسية وكردية وهندية وإنكليزية وفرنسية ورومية وإيطالية وألمانية وأرامية وعبرية. ولعلك تجد أيضًا فيها من غير هذه اللغات إلا انك إذا استقريت هذه الألفاظ ألفيتها تكثر بالنسبة إلى المتكلم بها ممن يخالط قومًا دون قومٍ. فان الحروف التركية مثلا تتوفر في لغة العسكري والمتوظف في الحكومة ولو كان عربي المنشأ والنجار. وذلك لكثرة ما يسمع هناك من اللغة الرسمية وهي التركية والهندية والفارسية تتدفق على السنة التجار ومن اخذ أخذهم. والإنكليزية تكثر على السنة المتوظفين في البواخر لان أول من ادخل السفن التجارية في العراق كان الإنكليز. والفرنسية تسمعها من طلبه المدارس وأصحاب المحلات التجارية ولو لم يكونوا فرنسويين أي انك تسمع هذه اللغة من الألمان والنمسيين والإيطاليين وغيرهم لان لغتهم التي
[ ١ / ٧١ ]
يتعاطون بها في تجارتهم هي الفرنساوية. والآرامية تكون في لغة النصارى لاسيما في لغة أولئك الذين يأتوننا من شمالي الموصل أي من تلكيف والقوش وما جاورهما. وقس على هذا القياس ألفاظ سائر اللغات.
وكل من طرق باب هذا البحث من الأدباء المتأخرين أشار إلى هذا التداخل تداخل اللغات الغريبة في لغتنا العربية البغدادية. إلا أن بعضهم قصروا كلامهم على لغة وغضوا الطرف عن اللغة الأخرى التي لها أيضًا تأثير على لغتنا. أي انهم قالوا مثلًا: أن لغة عوام بغداد اقرب إلى التركية منها إلى العربية. وسكتوا عن دخول سائر اللغات فيها. ومنهم من قالوا مثل هذا القول إلا انهم جعلوا الفارسية أو الإفرنجية أو الكردية إلى غيرها بدلا من التركية. على أن الحق هو أن ألفاظ بعض هذه اللغات تكثر على السنة قوم دون قوم على
ما ألمعنا إليه بعيد هذا بموجب طبقات الناس وتفاوتهم في مخالطتهم للأعاجم.
فإلى فشو الألفاظ الفارسية في لغتنا أشار واحدهم بقوله: (شعر) أن العناكير ساهت بعدما سبزت. بعدما كانت طراشيش ومعناه حرفًا بحرف هو: (أن) أداة التوكيد. - (العناكير) بكاف فارسية جمع عنكور تصحيف لتكور وهو العنب بالفارسية. وقد جمعت جمعا عربيًا حملًا لوزنها على الأوزان العربية. - (ساهت): اسودت وهي مشتقة من سياه الفارسية. والتاء للتأنيث. - (بعدما) عربية بمعناها المألوف. - (سبزت): أخضرت من سبز بالفارسية. -
[ ١ / ٧٢ ]
(واستشرنت) حلت (من الحلاوة) وهي مشتقة من شرين الفارسية وهو الحلو. (بعدما كانت) عربية مفهومة المعنى. (طراشيش) جمع طرش أي ترش معناها الحامض بالفارسية وقد جمعت جمعًا عربيًا على هذه الصورة لمزواجة الوزن أو لأقامته. ومحصل معنى البيت: (إن العنب اسود بعد اخضراره واحلولي بعد أن كان حامضًا) وتكاد تجد جميع هذه الألفاظ في كلام أهل بغداد من العوام. فمن ذلك بيت (انكورلي) لصاحب بيت شهير وكان في السابق من باعة العنب أي عنابًا ويقولون: (سياه بخت) أي اسود الحظ لمن كان سيئ الطالع. ويسمون الخضروات: سبزوات أو زوزوات. والشيرة عندهم: السكر العقود أو المطبوخ وهو الرب بضم الراء بالعربية. والطرشي عندهم الأثمار المخللة.
رزوق عيسى