سألنا سائل قال: قرأت في كتاب شعراء النصرانية للأب الفاضل لويس شيخو اليسوعي أن أعشى قيس كان نصرانيًا إذ عده بين شعرائهم. ثم بحثت في كتابه عن دليل يؤيد هذا الرأي فلم أر فيه إلا قوله: وقال يذكر مدينة اورشليم (١: ٣٧٨) وقال يمدح بعض أكابر بيوتات النصارى ودياراتهم: (ص٣٧٢).
وكعبة نجران حتم عليك م حتى تناخي بأبوابها
نزور يزيدًا وعبد المسيح وقيسا هم خير أربابها
وقال يمدح يزيد وعبد المسيح أبني الديان (وكانا من النصارى) وقيل: يمدح السيد والعاقب أساقفة نجران: (ص٣٨٤)
ألا سيدي نجران لا يوصينكما نجران فيما نابها واعتراكما. . .
[ ١ / ٣٥٤ ]
وان أحلبت صهيون يومًا عليكما فان رحا الحرب الدكوك رحاكما
فهل هذه الأقوال كافية ليستنتج انه كان نصرانيا؟
قلنا: ١ - لم نعثر في ما قرأناه على من صرح أن أعشى من باب إطلاق اللفظ أو من باب التغلب) كان يدين بالنصرانية.
٢ - لا يجوز لكاتب أن يستنتج أن فلانا نصراني لكونه مدح نصرانيا أو ذكر ألفاظًا نصرانية أو ذكر معتقدات النصارى فان لكل أديب فاضل من كل دين اطلاعا كافية على أصحاب سائر الأديان ومعتقداتهم. فمجرد الاطلاع على شئ لا ينتج قبوله أو القول أو القول به. وإلا فلم لا يقال أن الأعشى كان مسلما وقد مدح نبي المسلمين مدحا صريحا بقوله (وهو يكلم ناقته):
فآليت لا أرثى لها من كلالة ولا من حفا حتى نزور محمدا
تبى يرى ما لا ترون وذكره أغار لعمري في البلاد وانجدا
متى ما تناخى عند باب ابن هاشم تراحى وتلقى من فواضله يدا
(ثم سئل): أين أردت يا أبا نصر؟ قال: أردت صاحبكم هذا لأسلم. . . (عن الأغاني ٨: ٨٥ و٨٦) فهذا كلام واضح على انه كان يريد الإسلام.
٣ - لا يمكن أن قال أنه كان نصرانيًا وقد سمى الصليب وثنا والنصراني لا يجسر على أن ما يسميه بهذا الاسم. أما انه سماه وثنا فظاهر من هذا البيت:
[ ١ / ٣٥٥ ]
تطوف العفاة بأبوابه كطوف النصارى بيت الوثن
قال صاحب اللسان: وكانت النصارى نصبت الصليب وهو كالتمثال تعظمه وتعبده. ولذلك سماه الأعشى وثنا. وقال (البيت) ثم قال: أراد بالوثن الصليب.)
٤ - كان الأعشى على دين دهماء العرب وهي الوثنية مع التوحيد وكان قدريًا وقد اخذ مذهبه عن العباديين نصارى الحيرة وكان يأتيهم يشترى منهم الخمر فلقنوه ذلك (عن الأغاني ٨: ٧٩)
وهذه الأدلة كافية ليهتدي بها ويؤخذ منها أن الأعشى لم يكن نصرانيا أبدًا، وان عاشر النصارى وخالطهم، فالرجل كان منهكًا يشرب الخمر ولم يهمه أمر الدين البتة.
على الأب لويس شيخو لم ينصر هذا الرجل وحده بل نصر جماعة من شعراء الجاهلية لكن وا أسفاه! بعد موتهم وانتقالهم إلى دار البقاء! حقق الله أمنيته وأثابه على نيته أن لم يثبه على عمله المبرور!!!