أسلفنا القول في العدد الأول من هذه المجلة ما كان لأهل العراق من اليد العاملة في جمع شتات لغة العرب قبيل الإسلام وبعيده.
[ ١ / ٩٤ ]
على أن فضلهم يبدو كل البدو بل كالشمس في رائعة النهار، إذا ما نظرنا إلى ما أتاه العباسيون من جلائل المآثر لتدون اللغة وجميع علومها العربية، ترجمة الأسفار الأعجمية، واتخاذ كل ما يسير بها وبأهلها سيرًا حثيثًا إلى بلوغ ابعد شأوٍ في العمران والحضارة والتبسط فيهما.
وما زال الأمر على تقدم ونجاح حتى عصر المأمون، فان العربية وعلومها بلغت في عهده مناط العيوق، ثم وقفت حينًا من الزمن كأنها تكبدت سماءها، ومن بعده أخذت بالانحدار المتئد متبعة سنة الشروق والغروب. - ولما سقطت بغداد على يد هولاكو، غربت شمس العربية وعلومها، وخبت انوارها، وادلهمت دياجير الجهل، وتلبدت سماء العراق بالسحب المكفهرة، أو أن شئت فقل: أصيب العلم وذووه ورافعو ألويته بداهية لم تضارعها داهية في سابق تاريخها أهوت بهم إلى قعر الذل والهوان، بل إلى أقصى دركات الخمول والجمود.
وهل تخال أن النوائب وقفت عند ذاك الحد؟ - كلا، فأنها سارت في وجهها صارعة أم العراق وبناتها وبنياتها، كإنها تحاول التشفي من ترقيها السابق، والانتقام من تقدمها الحثيث حتى إنها لم تبق لكان هذه الديار المنكوبة الأهم التخلص من دوائرها، والإفلات من سطواتها وفتكاتها.
نعم اشتهر بعد ذلك جماعة من أهل العلم والأدب والفضل والكتابة
[ ١ / ٩٥ ]
لكنهم لقلتهم عدوا من نوادر الزمان وفلتات بوائق الأيام. بيد أن بعضهم شدا اللغة ألا فارسية فنظم بها وانشأ وحرر وحبر وكتب التواريخ، ومع ذلك لم يرفع له منار كما رفع لمن تقدمه من أبناء هذه اللغة الضادية.
وبقيت الأمور تجري على غير هدى: بين سير إلى الإمام، ورجوع إلى الوراء، وخبط أو جمع بينهما، حتى كان عصر حكومة سليمان باشا الكتخدا أو القتيل في فجر القرن الثاني عشر من التاريخ الهجري فاخذ العلماء والأدباء يتنفسون الصعداء، من تلك البرجاء، مستنشقين نسيم الراحة والطمأنينة، متمنيين بأيامه، متفائلين بيده عودة عهد غضارة لذاك كالمأمون للرشيد مع حفظ قاعدته النسبة لكل واحد بموجب عهده ومقدرته ومنشأه.
ولابد من أن نذكر طرفًا من ترجمة كل من هذين الياشوبن الوزيرين حتى يجوز إنا بعد
ذلك أن نتكلم عمن نبغوا في عصرهما أو اشتهروا بعدهما.
ترجمة سليمان باشا القتيل
كان سليمان باشا القتيل والكتخدا، الثالث ممن تسمى بهذا الاسم من ولاة بغداد، وهو ابن أخت علي باشا القتيل، وزر على بغداد سنة ١٢٢١هـ (١٨٠٦ م) ولما تولى الوزارة سار في الرعية سيرة حسنة حميدة، ورغب في العلوم، ونكب عن الأبحاث الفلسفية التي
[ ١ / ٩٦ ]
كان قد الهج بها في غلوائه، ومنع العمال من اخذ الرشا والهدايا، وكان يعاقب من يخالفه اشد المعاقبة وكان يتجسس الأخبار ليقف على من يتطلب السحت أو يأتي هذه الدناءة، واكرم العلماء واحتفى بهم والتفرغ للصلاح وأعمال البر. وكان ممن نال الحظوة عنده الشيخ علي بن محمد السويدي وكان هذا الرجل من مشاهير ذلك الأوان بعلمه وفضله وفضليته.
وكانت ديار العراق في ذلك العهد عرضة لمساوئ أهل البادية وسكان جبل سنجار، ففكر الوزير بان يمثل بهؤلاء المفسدين العائثين بالبلاد ليستريح الناس منهم ويطمئنوا بالا.
فلما كانت سنة ١٢٢٤هـ (١٨٠٩ م) غزا فيها ديار بكر بجيش لهام لتأديب أعراب الضفير وقبيلة من عنزة كان كبيرها الدريعي. وكان خروجه من الزوراء في الخامس والعشرين من محرم (١٢ آذار) فلما جاوز الموصل شن الغارة على اليزيدية فصبح القرية المعروفة باسم (البلد) وغنم وقتل وسبى. ثم تحصن أهلها بثنية من ثنايا سنجار ثنية لا تراهم فعدل عنهم.
ثم توجه الوالي إلى الضفير والعنزيين فلما هبط البلدة المعروفة باسم (العين) الواقعة بين حران ونصيبين جاءه رسول من قبل رئيس الجند الذين في ماردين يطلب منه المدد، ولما لم يكن له بد أن يمده هو بنفسه أنقذ إليه أخاه في الرضاعة (احمد بيك) بباقي العسكر ليزحفوا
[ ١ / ٩٧ ]
على الضفير وتوجه هو إلى ديار، بكر فلما وصل إلى قرية يقال لها (ديرك) حاصرها. فخضع أهلها وأدوا ما عليهم من الخراج. ثم توجه منها إلى ماردين ولما أوشك الوصول إليها جاءه اخوة في الرضاعة احمد بيك وقد كسره الضفير وقتلوا من عسكره خلقًا كثيرًا فأراد الوزير الكرة على الضفير لكن لم تساعده الأحوال، لان عسكر الأكراد تخلف عنه، ولذا عدل عن مناجزتهم وحاول الرجوع إلى بغداد.
فلما وصل الموصل أقام فيها ثلاثة أيام ثم رأى في خلالها أن الأصلح له أن يسرع في
الرجوع إلى دار السلام ويبرز منها أوامره وزواجره سياسية للولاية ففعل ونجح لأنه قهر بني عبد الجليل في الموصل عند خروجهم عن الطاعة وان كان خسر في الموقعة واليها احمد باشا.
وبعد أن انتشر الأمن في ديار العراق اخذ الوزير بمد أروقة العلم وضرب خيامه، فانشأ في بغداد عدة مدارس، وأعاد بناء ما كان منها دوارس، وشيد المساجد والجوامع، وأجرى على العلماء دافق سيول الوظائف والرواتب، وكافأ أهل الفضل والأدب بما لا يفي وصفه اليراع فكان هذا الوزر أول من أيقظ العلم والمنتمين إليه بعد ذاك السبات العميق ثم جاء بعده بقليل داود باشا فأنهضه النهضة التي خلدت له الأثر المحمود والذكر الطيب.
وكان سليمان باشا شابًا متوقد الفؤاد، حسن الشمائل، جليل المناقب، كثير الحسنات والميزات محبًا للعدل والقسط، كريمًا، عارفًا بأمور الدنيا والدين، وديعًا، مطلعًا أتم الاطلاع على أمور
[ ١ / ٩٨ ]
السياسة لين العريكة، رقيق العواطف دقيق الشعور، محبوبًا لدى الكبار والصغار، ألغى بعض الضرائب القديمة وجميع الرسوم التي أقامها الولاة الذين سبقوه ولا وجه حسن لها وكانت قد أضرت بالبلاد وأهلها كالاحتساب وتحصيل الرسم ومباشرة الخدمة وضبط المخلفات وغيرها وابطل القتل إلا ما كان منه بمنزلة القصاص. والخلاصة: اتخذ له أئمة جماعة الحنفيين.
ومما أتاه من الحسنات انه أمر أن ينفق على قضاة بغداد من مال خزانته الخاصة وأجرى مثل ذلك على سائر قضاة ديار العراق ونوابها الراجعين إليه. وكانت أرزاقهم في السابق غير معينة تأتيهم من حسنات المسلمين.
ومن غرائب ما وقع لهذا الوزير الخطير انه من بعد أن نسخ تلك الرسوم الباهظة والضرائب الرازحة زادت واردات الخزانة أضعاف إضعاف ما كان يدخلها سابقًا وساد الأمن والسلام في جميع البلاد مع انه أزال كل تعذيب من أي نوع كان أن صلبًا وان قتلًا.
ومع ما كان الرجل العظيم من الأوصاف العجيبة طوحه غروره في مالا تحمده عقباه لأنه اعتزل الناس واخذ يعمل بما يوحيه إليه عنفوان شبابه وإشارة المعجبين به ممن يخاف أن ينبهه على زلله لئلا يفقد حسن التفاته إليه. ولهذا تتابعت عليه المصائب والنوائب حتى لم تبق له مجالًا، وفي النهاية أفضت به إلى عزله. ثم لما تظاهر بالعصيان قتل قبل أن يبلغ
السنة الثلاثين من عمره على يد أحد أعراب الدفافعة سنة ١٢٢٥هـ
[ ١ / ٩٩ ]
(١٨١٠ م) فأسف عليه كل من عرفه.