عاشرنا كثيرا من العلماء والأدباء والفضلاء من أبناء الشرق والغرب فلم نجد رجلا اجتمعت فيه الآداب العالية ومكارم الأخلاق والمواهب الطبيعية كما اجتمعت في احمد باشا تيمور الذي عرفناه في شخصنا مكاتبة ومواجهة. وكل ما نقوله لا
[ ٨ / ٤٨٣ ]
يمثله بين أيدينا كما تمثله هذه الرواية.
عرفنا احمد باشا بالمكاتبة منذ سنين طوال لكنا لم نتلاق معه إلا في سنة ١٩٢١ وذلك أننا ذهبنا في شهر حزيران (يونيو) من تلك السنة إلى ديار الغرب لمباحث علمية وتاريخية. ولما وصلنا إلى الإسكندرية خطر ببالنا أن نذهب إلى القاهرة ونور فيها بعض الأحباب. ولما دخلنا عاصمة ديار النيل نزلنا في دار الصديق يوسف آليان سركيس الذي كنا نعرفه منذ سنة ١٨٩٧ فأعزنا واكرم مثوانا وفي يوم حلولنا منزله العامر طلبنا إليه أن (يتلفن) إلى الباشا في أي ساعة يأذن لصديق له حديث القدوم إلى الحاضرة أن يزوره، فأجاب في الساعة الرابعة بعد الظهر.
وفي الساعة الثالثة بعد الظهر إذا باب سركيس يقرع، فلما فتح فإذا بالباشا قادم في سيارته الباب وهو يقول: لا شك أن نزيلكم هو الأب انستاس ماري الكرملي. ولم نكن قد أعلمنا بقدومنا أحد، إذ كانت فكرة دخولنا القاهرة فكرة جاءتنا على غفلة، فتعجبنا من هذا الإلهام الذي لم نفهمه. . .
وفي الساعة الرابعة أخذنا الباشا إلى داره العامرة في شارع شجرة الدر إذ قال: قد وعدتكم أن أواجهكم في داري في الساعة الرابعة، فقد حانت فهلموا الي، فركبنا سيارته ودخلنا داره فإذا هي من أنزه الدور وأجملها وقد وضع في بحبوحتها خزانته البديعة، فقضينا ثلاث ساعات في المراجعة ومطالعة بعض ما في ذلك الفلك المشحون كنوزًا وذخائر ونفائس.
وبعد أن مضى على هذه الملاقاة يومان دعانا إلى مواجهته في ذهبيته فجاء هو بنفسه إلى محلنا وأخذنا إلى ذهبيته فلما وصلنا إليها ألح علينا أن نبقى معه فيها شهرًا للمذاكرة في العلوم والآداب والمراجعة، ولما كان الأمر مستبعدًا إذ لم نتهيأ لذلك رضينا في الآخر أن نبقى معه أسبوعًا، فلما تم الاتفاق بيننا على قضاء تلك الأيام استدعى خدمه وكانوا ثلاثة
وقال لهم: أن صاحب هذه الذهبية هو هذا الأب انستاس ماري الكرملي وأنا هنا ضيف عنده فاعملوا بما يقوله لكم ولا تسمعوا مني شيئًا ما لم تتحققوا الأمر منه وبرخصته. . . إلى آخر ما قال.
[ ٨ / ٤٨٤ ]
وكان الخجل استحوذ علينا وسد فمنا فلم نتمكن من أن ننطق بكلمة. ثم عين لنا غرفة في تلك الذهبية وأطلعننا على ما فيها من المواطن والمرافق وأخذنا بالمراجعة ومجاذبة أطراف الكلام كما اطلعنا على تأليفه وبينها الأمثال العامية المصرية ورد ما فيها من الألفاظ إلى أصولها من فصيحة ودخيلة فدهشنا لما رأينا فيه من التحقيق والتدقيق وما أودع ذلك الكتاب من الآراء النفيسة السديدة وكل ذلك بخطه كأنه الدر المنظوم.
ثم تراجعنا في أمور أخرى تاريخية وأدبية ولغوية ونحوية وبلدانية رأينا في عرضها وبسطها من الآراء البديعة ما دفعنا إلى أن نقدره حق قدره.
وبعد أن قضينا أسبوعًا على النيل أخذنا بسيارته إلى منزلنا فكان يزورنا كل يوم إلى ساعة مزاولتنا أم النيل فكان آخر مودع لنا بعد أن سايرت سيارته قطارنا مسافة بعيدة.
وفي جميع مكالماته ومفاوضاته كان ينطق بهدوء وسكينة وعلى وجهه أمارات الوقار والاحترام، وكان إذا رأى منا فكرًا أصوب من فكره عدل للحال عما له ليتبع ما قلنا به. ولم نر فيه ما يشم منه المعاندة أو المكطابرة أو المباهاة أو الادعاء أو الترفع أو التكبر أو التجبر بل بالعكس رأينا فيه تواضعًا عظيمًا، وحلمًا يتلاشى بين يديه حلم الأحنف وعلمًا وافرًا ممزوجًا باستعداد للتسليم بآراء الغير إذا ما اتضح له انه في وهم. ولم نسمع منه كلمة تجرح الأدب أو حسن المعاشرة أو الصداقة أو عفاف النفس.
ووجدنا فيه من الحافظة قدرًا عظيمًا ولا سيما حفظه للكتب المطبوعة والمخطوطة فانه لا يكاد يصدق. وإذا كان التأليف مطبوعًا في عدة مدن من ديار الشرق والغرب أعلمك بها وربما ذكر لك السنين. وأمر المخطوطات أمر عجب إذ يعلم محل كل مخطوط نادر من أي علم كان ويذكر لك بعض الأحيان من أوصافه المختلفة ما يدهشك اعظم الدهش.
أما كرمه فحدث عنه ولا حرج: كنا في حاجة إلى نقل كتاب خط من كتبه وكنا قد طلبنا ذلك من صديقنا يوسف اليان سركيس، فلما درى انه لنا احضر له ناسخا وبعد أن أتمه بعث به إلينا من غير أن يقبل فلسا منا. والكتاب
[ ٨ / ٤٨٥ ]
كان ضخما. فلما عرفنا ذلك وكنا في
حاجة إلى نقل تصانيف أخرى مصورة طلبنا من صديقنا المذكور أن يصور لنا بعض تلك المؤلفات من غير أن يذكر له اسمنا، فلم يأذن بذلك حتى عرف أنها لنا، فلما تم تصويرها بعث بها إلينا مجانًا ومثل هذا السخاء اضطرنا إلى أن لا ننسخ كتابًا أيًا كان من خزانته واهدينا إليه مقابلا لتلك المصورات كتبا خطية تاريخية وأدبية ولغوية لم تكن عنده.
ومن عجيب سخائه أننا كنا في حاجة إلى مصنف نادر لا وجود له في العالم سوى نسخة واحدة هي في خزانته، فطلبنا إلى أحد الأصدقاء غير يوسف آليان سركيس أن يصوره لنا لكي لا يعلم انه لنا فلما علم انه لنا ابرد به إلينا مسجلا فلما وصل إلينا رددناه في ذلك البريد عينه خوفًا من ضياعه.
فهذه الأمور وأمثال أمثالها بالمئات جرت لغيرنا من الأدباء وكرمه أشهر من أن يذكر وأخلاقه حببته إلى جميع النفوس والى كل من دنا منه من أي أمة كان ومن أي دين، وكان ﵀ متمسكًا بالدين الحنيف كل التمسك ولا يرضى بالمارقين منه ولا بمن يطعن فيه.
هذا هو أحمد باشا تيمور على ما عرفناه وهناك مكارم أخلاق وفضائل يطول شرحها فاجتزأنا بما ذكرنا من هذا البرض القليل.
أما سبب وفاته فكان ما أصابه بمرض ابنه محمد بك تيمور وما تكر عليه من أرزاء تتالت عليه وهي وفاة قرينته كريمة المرحوم أحمد باشا رشيد وزير المالية سابقًا لديار مصر، وأخته النابغة الداهية عائشة خانم تيمور.
قالت مجلة (كل شيء): وقد كان جزعه في هذه الكوارث عظيمًا، غير أن كارثته في محمد بك كانت بمثابة حادث جسيم هد كيانه، واضعف أركانه وأسلمه إلى المرض الذي توفي به وذلك انه لما كان المرحوم محمد بك مريضا استدعى والده الدكتور هيس لمعالجته، فلما كشف عليه ورأى حالته، التفت إلى احمد باشا واخبره باللغة الفرنسية: أن الرجاء في نجله ضعيف. فما أتم الدكتور كلمته حتى أغمي على الباشا في ساعته وحملوه إلى مضجعه فاقد الشعور ومكث ثلاثة أيام على هذه الصورة، وتوفي محمد بك، وهو لم يدر بما حدث، ولم يجرؤ أحد على إخباره.
[ ٨ / ٤٨٦ ]
ومن هذا الحين لزمه مرض النوبة القلبية التي كانت تعتريه من حين إلى حين ولا سيما في أوقات الانفعال، ولذلك تجنب في أواخر أيامه الاجتماع بالناس كثيرًا حتى وافاه القدر
المحتوم بتلك النوبة القلبية في ليلة كان محتفظًا فيها بنشاطه وقطع جانبا منها مع بعض أصدقائه وعارفيه، فراح مبكيًا عليه من عارفي فضله وأدبه، وخسرت اللغة العربية والتاريخ خسارة كبيرة، وفقد الشرق رجلا عاملا كان نعم الذخر والمرجع في المعضلات. . . اهـ كلام كل شيء).
وكان انتقاله من هذه الدار الفانية في ٢ مايو (أيار). ﵀ رحمة واسعة وعفا عن زلاته والهم الصبر ذويه.