الضامة والضونة
س - تبريز (إيران) - السيد. م ح. ك - هل كان العرب يتخذون ألقاب التعظيم للنساء والبنات وما كانت تلك الألقاب؟.
ج - كانت آداب العرب في منتهى السماحة وإذا كلموا رجلًا أو امرأة أرفع منهم مقامًا سموه باسمة مثلًا كانوا إذا كلموا ملكا من ملوكهم قالوا: يا نعمان (إذا كان اسمه نعمان) ويا حارث إذا كان أسمه الحرث إلى غير ذلك. وكذلك كانوا يفعلون إذا كلموا النساء والبنات. على أننا وجدنا في معاجم اللغة ألفاظًا تدل على ألقاب للتعظيم للرجال والنساء. أما للرجال فهي أكثر من أن تحصى. وأما للنساء فهي أقل منها. وقد رأينا بين هذه الألقاب ما يوافق مصطلح الإفرنج. فقد جاء في تاج العروس في مادة ض ي م: (ومما يستدرك عليه: الضامة: مخففة، الحاجة زنة ومعنى. ومنه المثل: (تأتي بك الضامة عريس الأسد، فسروها، بالحاجة وبالمرأة. وقالوا: هي من الضيم كما في أمثال الميداني، نقله شيخنا اهـ). والضامة بمعنى المرأة تظر إلى الفرنسية المعدلة عن اللاتينية والفرنسيون لم يستعملوها إلا بعد المائة الثالثة عشرة. أما قبل ذلك فكانوا يقولون والمثل العربي الذي ذكره التاج نقله عن الميداني. والميداني من أبناء المائة الثانية عشرة (إذ توفي ٢٧ ت ١ سنة ١١٢٤م) أفأخذ الفرنسيون هذه اللفظة عن اللاتين (أي الرومان) أم أخذوها عن العرب لأن البروفنسيين (وهم أهالي جنوبي فرنسة) يقولون كالعرب والبزوفنسيون خالطوا العرب في تلك الأرجاء ردحًا من الزمن واقتبسوا منهم ألفاظًا كثيرة وعوائد شرقية فلا يبعد أن تكون هذه الكلمة من جملة تلك الأوضاع المستعارة من السلف.
[ ٨ / ٤٥٥ ]
أما لقب الابنة فكان للعرب كلمة أخرى هي الضونة فقد جاء في العباب للصاغاني (ومثله في تاج العروس والقاموس وسائر كتب للغة): الضونة بفتح فسكون: الصبية الصغيرة، وهو يقابل الأسبانية أو ومعناها الآنسة أي والصاغاني ولد سنة ٥٧٧هـ وتوفي في سنة ٦٦٠ هـ فيرى من هذا أن استعمال السلف لهذين الحرفين بالمعنيين الشائعين اليوم في أوربة كان قبل استعمال الإفرنج لهما فإذا عاد الناطقون بالضاد إلى اتخاذهما فلا لوم عليهم ولا
تثريب إذ سبقوا سواهم في هذا الوضع ومراجعة الأمهات التي ذكرناها أثبت دليل على ما نقول.
إذن معنى الضامة ومعنى الضونة على أن الكلمتين العربيتين لا صلة لهما بالمواد العربية ولهذا نرجع أنهما من وضع الغربيين في الأصل ثم خففهما العرب عند تعريبهما ومن يخالف رأينا فليثبته لنا بالدليل البات الجازم ونشكره سلفًا على عمله.
ابن ماري أبو العباس
س - البصرة. م. ع - هل تعرفون شيئًا عن يحيى أبن المشهور بابن ماري أبي العباس؟.
ج - أحسن من ذكره أبن القفطي في كتاب تاريخ الحكماء إذ قال في (ص ٣٦٠ وما يليها من طبعة الإفرنج): أبن ماري أبو العباس الطبيب النصراني المعروف بالمسيحي صاحب المقامات الستين، عالم بالطب والأدب، يطب بمدينة البصرة في زماننا أدركنا من روى عنه. فممن روى عنه في من أدركناه أبو حامد محمد أبن محمد بن حامد بن آلة الأصفهاني العماد ﵀. ورأينا من الرواة عنه البصري المعلم الحضي وكان يروي عنه مقاماته وكان للمسيحي هذا معرفة بالأدب صادقة وربما امتدح بالشعر أجلا الواردين على البصرة وكان أصله من (الطيب) من موضع يقال له (الدوير) وكان فاضلًا في علم الأوائل وعلم العربية والشعر يرتزق بالطب، وأنشأ وصنف المقامات الستين وأحسن فيها. وكان أبوه قد انتقل عن الدوير إلى البصرة وولد ولده هذا بها وتوفي أبو العباس يحيى بن سعيد بالبصرة لعشرة بقين من شهر رمضان سنة تسع وثمانين وخمسمائة
[ ٨ / ٤٥٦ ]
(١٩ أيلول ١١٩٣م). ومن شعره في الشيب:
نفرت هند من طلائع شيبي واعترتها سآمة من وجومي
هكذا عادة الشياطين ينفر ن إذا ما بدت نجوم الرجوم أهـ
وذكرت لبن العبري في كتابه مختصر الدول (في ص ٤١٥ من طبعة بيروت) قال: وفي هذه السنة (أي سنة ٥٨٩) توفي يحيى بن سعيد بن ماري الطبيب النصراني صاحب المقامات الستين، صنفها وأحسن فيها وكان فاضلًا في علوم الأوائل وعلم العربية والشعر يرتزق بالطب. ومن شعره في الشيب (البيتان).
وذكره ياقوت في كتابه إرشاد الأريب ٧: ٢٦٥ من طبعة مرغليوث فقال: يحيى بن يحيى
بن سعيد المعروف بابن ماري المسيحي من أهل البصرة كان كاتبًا أديبًا شاعرًا عارفًا بالطب، عالمًا بالنحو واللغة، متفننًا، وكان يتكسب بالكتابة والطب ويمتدح الأكابر والأعيان روى عنه جماعة من الأفاضل: منهم: أبو حامد المعروف بالعماد الكاتب الأصبهاني وغيره وصنف المقامات الستين أحسن فيها وأجاد وكانت وفاته بالبصرة في شهر رمضان سنة ٥٨٩ ومن شعره:
نعم المعين على المروءة للفتى مال يصون عن التبذل نفسه. . .
وإذا رمته يد الزمان بسهمه غدت الدراهم دون ذلك ترسه
وله أيضًا:
لاموا على صب الدموع كأنهم لا يعرفون صبابتي وولوعي
كفوا فقد وعد الحبيب بزورة ولذا غسلت طريقة بدموعي
ثم ذكر البيتين اللذين ذكرهما أبن القفطي فكانا خاتمة كلامه عليه.
وقال أستاذنا محمود شكري الآلوسي حين أراد نشر هذه المقامات في مقدمة (أما بعد فقد أقدمت على نشر هذه المقامات وشرح الألفاظ الغريبة التي فيها لا قدمها لأخواني تذكارًا وأحياء لهذا الأثر النفيس الذي هو من احسن الكتب الدبية والطف الأسفار الفكرية العربية المسماة بالمقامات المسيحية لناسخ وشيها المفوف الزاهر، على منوال البلاغة وحائك بردها المطرف الباهر، بنير الفصاحة يحيى بن يحيى بن سعيد البصري الطبيب المسيحي أحد رجالات القرن السادس للهجرة ولا جرم فأن أحياء أثر الغابرين من احسن ما يتصدى له لما فيه
[ ٨ / ٤٥٧ ]
من الفوائد التي ربما لا يجدها المستفيد في غيرها. فضلًا عن أهمية نشر الآداب وحسن تأثيرها على الأخلاق. لأنها قد تغرس حب الفضيلة بالنفوس وتطبع الرجولية في القلوب ولا سيما مثل هذا الأثر الذي طالما بحث عنه العلماء وبذلوا جهدهم وراء الحصول عليه فلم يسمح لهم الزمن برؤيته. وكنا نتمنى لو ظفرنا بنسخة من هذا الكتاب حتى عثرتا على الضالة المنشودة في إحدى خزائن الوقف في بغداد فأحببنا أن نتحف بها إخواننا لأنها من الطرائف النفسية والكنوز الثمينة. . .) اهـ.
وذكر أيضًا صاحب كشف الظنون قال: المقامات المسيحية لأبي العباس يحيى بن سعيد بن ماري النصراني البصري الطبيب. مات في رمضان سنة ٥٨٩ نسج فيها من منوال
الحريري قال ياقوت: أجاد فيها. وقال الصفدي: ما أجاد ولا قارب الإجادة. أهـ
وكل من جاء بعد أبن القفطي نقل عنه عبارته باختصار والظاهر أن أبن القفطي نفسه يقف على المقامات بنفسه وكذلك قل عن أبن العبري وعن غيره ولو رأوها لذكروا منها شيئًا من شعره ونثره ولم يكتفوا بما روي عنه ودونك مقالًا من نثره (المقامة الخامسة والخمسون وتعرف بالسرنديبية أو ريحانة الناشق وسلوة العاشق حكى يحيى بن سلام قال: رحلت عن البصرة عام نحيت، براحلة ونحيت وفرس وجنيت، أقصد سرنديب، لأشيم أديب. فلم تزل تضمني الفلاة في ضميرها، وترضعني بظئرها، حتى علقت بنواصيها. وجريت في ميدان نواصيها، فمذ امتزجت بربربها توخيت دار الحاكم بها. فحين مثلت بحضرته، رشفت ضرب جدله ومناظرته، فبينما القاضي يرأب شعب الخصماء ويسد خلة الغرماء، ورد شيخ يعثر بخطاه قد أحد ودب مطاه وتلوه فتى قوي الشظاظ مشتعل الشواظ فما لبث الشيخ أن قال مقالة من أعال وعال) ودونك مثالًا من نظمه:
أفدي التي أسهر في حبها وجدا كما أسهرها حبي
تنهبها الأعين أني بدت فحجبها من خفيفة النهب
وسنانة الإلحاظ، معسولة ال ألفاظ تبدو نزهة القلب
[ ٨ / ٤٥٨ ]
ما لاط بي كرب وضاق المدى إلا وكانت فرجة الكرب
صفحت فأضحى حبها خالصًا محض الصفا في البعد والقرب
فيرى من هذين المثالين أن ابن ماري كان يجيد الصناعتين وأن الذين قالوا: (ما أجاد ولا قارب الإجادة) لم يطلعوا على شيء مما وشته يراعته بل تكلموا عن سماع.
أما سبب (ماري) في نسبة فهو لأنه كان نسطوريًا والنساطرة كثيرًا ما اتخذوا اسم ماري لأولادهم تفاؤلًا باسم الرسول الذي بشر بالنصرانية في ديار العراق وكان تلميذًا للقديس أدي وأدي كان أحد تلاميذ المسيح الاثنين والسبعين.
وتلفظ ماري بفتح الميم يليها ألف فراء وياء مشدودة في الآخر. وصاحب كشف الظنون ذكره باسم هاري بهاء في الأول. وهو خطأ ظاهر.
هذا مجمل ما يقال في هذا الرجل. وربما عدنا في فرصة أخرى إلى وصف المقامات المسيحية مرة ثانية. التي عندنا منها نصف نسخة لا غير.
ترجمة التوراة إلى العربية نقل اليسوعيين
س - طنطا - ي م هل التوراة التي عني بتعريبها الأباء اليسوعيون في بيروت خالية من الغلط؟.
ج - ترجمة التوراة للأباء أليس وعيين حسنة الطبع والضبط والورق لكنها لا تخلو من أغلاط متنوعة وأحسن منها التوراة التي طبعها الأباء الدمنكيون في الموصل. ثم تليها في الجودة التوراة المطبوعة في رومة. وأما أسقم ما نشر منها فتوراة الأميركيين في بيروت فأنك لا تجد فيها عبارة صحيحة ولا تكاد تفهم منها شيئًا أن نظرت إلى ما فيها إذ هي خالية من مناحي العرب نعم يقال أن الشيخ يوسف الأسير والشيخ إبراهيم الأحدب والمعلم بطرس البستاني والشيخ ناصيف اليازجي عنوا بتصحيح عبارتها لكن ذلك كله لم يغير شيئًا من سقم البعارة وإغلاقها وفساد تركيبها وتعقيدها، ولا بد من أن نبسط ذلك في مقالة طويلة أن أتسع لنا المجال.
[ ٨ / ٤٥٩ ]