السمرمر
س - برلين - ب. م: ألتمس منكم أن تطلعوا على ما عثرت عليه في كتاب أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء ج٣ ص٥٤ وتفيدوني عن اسم الوادي المذكور بعيد هذا وتبينوا لي موقعه وهذا نص ما جاء هناك:
وصول السمرمر إلى حلب
(قال أبو ذر: وفي سابع عشر جمادي الأولى (سنة ٨٦٠) وصل ماء السمرمر إلى حلب وخرج الناس إلى لقيه بالذكر والدعاء فأخرجوه إلى القلعة وعلقوه بمئذنة جامعها ووقفت على كتاب قديم كتب إلى الممالك الشرقية بسبب إحضاره (وساق هنا الكتاب ولم أجد كبير فائدة في ذكره فأضربت عنه ثم قال) وهذا الماء هو كائن في بلاد العجم أخبرني من أحضره بأنه في واد على مكانه خدمة والسمرمر طائر يعادي الجراد ويقتله ويكون بينهما مقتلة عظيمة يحمل كل منهما على الآخر ويقر الجراد بين يديه).
(أقول من خواص هذا الماء على ما زعموا أنه يكون سببًا لجلب طير السمرمر من الأماكن القاصية إلى هذه الديار فيدفع عنهم جيوش الجراد الجرارة.)
ج - العراقيون يسمون هذا الطائر سمرمد أيضًا بإبدال في الآخر وكذلك جاء في معجم باين سميث ص٢٠١٢. والظاهر أنه مقيم ي ديار مادي في واد من أودية الأهواز المعروف بوادي المسرقان (بفتح الميم وإسكان السين وضم الراء وفتح القاف يليها ألف وفي الآخر نون) وسبب هذا القول هو أن اسم السمرمر بالأرمية (صفر ماذي) الذي معناه (طائر ماذي) والأرميون إذا قالوا ماذي أرادوا بها في أغلب الأحيان (جبال الأهواز وما والاها) (راجع معجم باين سميث الارمي اللاتيني ص٢٠١٢) وقد اشتهر في الأهواز) واديان
[ ٨ / ٥٣٦ ]
أحدهما هو الذي ذكرناه هنا أي (وادي المسرقان) والثاني الوادي الأعظم وهناك يكثر هذا الطير إلى عهدنا هذا ومن ذاك القطر يأتي إلى العراق إذا ظهر فيه الجراد وقد اختلف في أسم الطائر بلسان العلم فمنهم من ذكره باسم وفريق باسم وطائفة باسم وهو
السلكوت بالعربية والأصح أو وبالفرنسية أو وبالإنكليزية وسماها الدكتور محمد بم شرف (آكل التوت) ولم نجد هذا الاسم في كتاب لغة إنما وجدنا السمرمر والسمرمد (ومن أسمائه بالفارسية: (سار صوران (بضم الصاد). كاو نسك (بكاف فارسية وبكسر النون). زرزن (بضم الزايين) واسمه باليونانية ونطلب إلى العلماء قراء هذه المجلة. ولا سيما علماء إيران أن يفيدونا عن اسم هذا الوادي ألم يكن اسمه (وادي المسرقان) أو (الوادي الأعظم) الذي هو ماء تستر ويمر على جانب الأهواز.
عقال الرأس عند العرب وتاريخه
س - تبريز (إيران) - السيد م. ن. ك. المشهور عن العرب أنهم كانوا يعتمون (أي يلبسون العمائم) حتى اشتهر عنه هذا الكلام: (العمائم تيجان العرب) أي ملابسها التي تزدان بها. واليوم نرى أغلب أهل البادية يتخذون العقل (جمع عقال) حتى أنهم يقولون: تعقل فلان أو اعتقل بمعنى شد العقال برأسه. وقد بحثت في معاجم اللغة عن استعمال العقال للرأس فلم أجده. فهل قرأتم شيئًا في كتب الأدب شيئًا عن العقال. وهل عرفه العرب في زمن الجاهلية. وهل اتخذوه في القدم. وهل له ذكر في بعض مؤلفات الأقدمين؟ ولقد سألت كثيرين عن ذلك وجميعهم ألحوا علي أن القي السؤال عليكم فهل لكم أن تفيدوني بشيء عن العقال؟
ج - أصل استعمال العقال للبعير وهو حبل يشد به في وسط ذراعه يمنعه السير ولا سيما إذا كان صاحبه في البيداء وطال ركوبه إياه وحاول النزول عنه طلبًا للراحة، فأنه لابد من أن يربطه بهذا الحبل. إذن من الضروري أن يكون معه هذا الرباط أينما رحل وحل لأنه لم يكن عنده، فقد يشرد البعير
[ ٨ / ٥٣٧ ]
منه، وحينئذ يموت صاحبه في الفلاة. فإذا كان لابد من العقال فهو به حاجة إلى أن يكون معه دائمًا، ولا يمكنه أن يضعه في جيبه لثقله وسقوطه في أثناء الركوب: ولا يتنطق به لأنه لا يحتاج إلى حبل بطول العقال. فلم يبق له إلا أن يشده برأسه مرتين أو ثلاثًا فيقضي به حاجتين في الوقت عينه: اتخاذه لتمكين ما يضعه على رأسه من كسفه، وعقل بعيره به حين النزول عنه.
هذا الذي يتبادر الذهن إليه في سبب اتخاذ هذا العقال للرأس وللبعير معًا.
على أن أحد أهل البادية ذكر لنا شيئًا غريبًا ما كان يخطر ببالنا أبدًا: كنا نقطع بادية الشام
في أواخر حزيران من سنة ١٩٠٥ وعند وصولنا إلى نحو من وسطها، عطشنا أشد العطش فلاقينا في طريقنا بدويًا راكبا ذلولا ومعه شكوة لبن رائب. فطلبنا منه أن يبيعنا قليلًا منه فأبى أن يأخذ منا دراهم. فأعطانا ما كفانا حاجتنا، فشكرناه أعظم الشكر، وحاولنا أن نكلمه على موضوع يستطيع أن يندرئ فيه فقلنا له: لماذا يتخذ أهل البادية جميعهم العقل عمرة لرؤوسهم؟ فقال: الذي سمعته من أبي أنه قال أن جده ذكر له أن سبب اتخاذ البدو العقال هو الخضوع لله، تقربًا منه لكي لا يسلط علينا أجنبيًا يذلنا ويسومنا الخسف والظلم. فقلنا له: وأي صلة بين العقال وبين التقرب من الله. قال: لأن العقال يتخذ لربط الدواب لا لربط رؤوس البشر. فتعجبنا من هذا الجواب الغريب في باب، إذ لم نكن نتوقعه من هذا البدوي الكهل.
وكلامه هذا ذكرنا بأن العقال قديم الاستعمال في ديار الشرق، إذ هو معروف قبل المسيح بنحو ألف سنة. أو أكثر أي منذ عهد (اليسع) النبي (أو اليشاع). فقد جاء في سفر الملوك الثالث في الإصحاح العشرين في الآية ال ٢٧ ما هذا نصه: (فنزل هؤلاء (أي بنو إسرائيل) بازاء هؤلاء (أي الارمين) سبعة أيام، ولما كان اليوم السابع التحمت الحرب فقتل بنو إسرائيل من الارمين مائة ألف راجل في يوم واحد. وفر الباقون إلى (أفيق) إلى المدينة فسقط السور على السبعة والعشرين ألف رجل، الذين بقوا، وفر بنهدر، ودخل المدينة إلى مخدع في بطن مخدع. فقال له عبيدة: أننا سمعنا، أن ملوك بني إسرائيل ملوك رحمة: فلنشد الآن مسوحًا على متوننا، (ولنشد عقلًا (جمع عقال) على
[ ٨ / ٥٣٨ ]
رؤوسنا، ونخرج إلى ملك إسرائيل لعله يستبقي نفسك. فشدوا مسوحًا على حقائهم، وعقلا رؤوسهم وجاءوا ملك إسرائيل. وقالوا: أن عبدك بنهدد يقول: أناشدك أن تبقي نفسي حية. فقال: أوحي بعد؟ إنما هو أخي فاستبشر القوم وبادروا فتلقفوا الكلمة من فيه، وقالوا: أخوك بنهدد فقال: هلموا فخذوه. فخرج إليه بنهدد فأصعده على المركبة. . .)
فهذا نص صريح يؤيد استعمال الأقدمين للعقال وأنهم كانوا يتخذونه تذللا وتقشفًا في يوم البلية ليفرجها الله عليهم فصدق إذن البدوي القائل: أن أجداده اتخذوا العقال تقربًا منه تعالى. لكي لا يسلط على الناطقين بالضاد أجنبيًا يذلهم في عقر دارهم (جزيرة العرب) ويسومهم الذل والخسف. إذ مضت ألوف من الأعوام والعرب أحرار في ديارهم. والذين
تسلطوا عليهم لم يكن ذلك لمدة طويلة إذ خرجوا منها أذلاء مهانين يلعنون اليوم الذي دخلوها فيه فكان فرحهم بخروجهم من ربوع العرب أكثر من فرحهم في دخولهم إياها.
وأنت تعلم أن الارمين كانوا في أيام بنهدد قومًا رحل كأهل بادية العرب فكانت عاداتهم وأخلاقهم وآدابهم كعادات الأعراب وأخلاقهم وآدابهم كعادات الأعراب وأخلاقهم وآدابهم. وكذا قل عن أكلهم وشربهم ولبسهم ومقامهم وحلهم وترحالهم فهذا كله كان متشابهًا بين القبيلين، لأن الطبيعة كانت تدفعهم إلى اتخاذ تلك الأمور جميعها بصورة واحدة.
إذن اتخذ العرب العقال كما اتخذه الارميون وكلاهما سامي الرس.
أما عدم تعرض كتب الأدب واللغة والأخبار للعقال فلأن الاسم لا يختلف بين العقالين واتخاذه للرأس أمر مبتذل بين الجميع في كل عصر. وقد ذكره أبو فراس الحمداني (المتوفي سنة ٣٥٧هـ - ٩٦٨م) بقوله (في ص١٠٥ من ديوانه):
لما أجلت المهر فوق رؤوسهم نسجت له حمر الشعور عقالا
فهذا صريح لا يبقي ريبًا في أن العرب كانوا يستعملون العقال ولفظه لما يشد بالرأس.
وقال دوزي في كتاب الألسنة (ص٣٠٤): (العقال (وضبطها كسحاب وهو غلط واضح فاضح) هذه الكلمة غير واردة في معاجم اللغة. وفي كتاب
[ ٨ / ٥٣٩ ]
لبرخرد (تعليقات عن البدو والوهابيين ص٢٧) ما هذا نصه: (العنزة يتخذون عمرة لهم الكوفية ويشدون عليها عقالًا وهو حبل يتخذ من الوبر. وقال م. ب. فرازر (رحلة في كردستان والعراق إلى غيرهما: ج٢٨٨: ١) كما قال برخرد في كلامه على أعراب بغداد وكوفيتهم: ويلفون على رؤوسهم لفتين أو ثلاثة لفات حبلًا يتخذ من الوبر الأربد اللون وقد أبرم بعضه.) انتهى تعريبه.
ومن الغريب أن أصحاب معلمة الإسلام ذكرت العقال في باب (أي العين المفتوحة) وقالت العقال: أو (لفظ عربي) حبل من شعر المعزى يكون لونه في الغالب أسود يلف على الرأس مرتين ليثبت الكفية (الكوفية أطلب هذه الكلمة في المعلمة) ويتخذه بوجه عام أهل البادية وعند وزي (في ملحق المعاجم العربية ١٥٤: ٢) تكتب الكلمة باللغة الفصحى عقال (بكسر العين) أما اللفظ الحديث فهو كما كتبناه في أول المادة.) اهـ.
قلنا: هذا منتهى علم أصحاب هذه المعلمة فقد أخطئوا في ضبط اللفظة لأن اللفظ الحديث هو بإسكان العين أما القاف فتلفظ كافًا فارسية أو جيمًا مصرية فكان يجب عليهم أن يكتبوا
أو أما إذا أرادوا أن يراعوا اللغة الفصيحة - وهو ما يجب أن يكون في هذه المعلمة وأمثالها وفي المعاجم. فهو عقال بكسر الأول وتلفظ القاف لفظًا صريحًا: وأمثال هذه العثرات في هذا الديوان (أي معلمة الإسلام) أكثر من أن تحصى. ولهذا لا يمكن أن يعتمد عليها في كل ما جاء فيها. وبهذا القدر كفاية في هذا الموضوع.
الألفاظ النصرانية
س: كلكتة (الهند) السيد محمد س. ك هل تعرفون كتابًا عربيًا يحوي مصطلحات النصرانية وأين مطبوع؟
ج. لا نعرف كتابًا في هذا الموضوع. والذي نعهده أن الأب لويس شيخو اليسوعي وضع مصنفًا في جزء سماه: (النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية) وذكر أوضاعًا نصرانية جمة من عهد الجاهلية ولم يتعرض لذكر ما أحدث بعد تعريبًا ووضعًا. هذا فضلًا عن أنه فاته شيء جليل من أوضاعهم في الجاهلية. وقد ذكرنا بعضًا منها في هذه المجلة (٤٨٧: ٨) إلا أن أحد
[ ٨ / ٥٤٠ ]
مستشرقي الألمان نشر في (مجلة الساميات والديار المجاورة لها) المصطلحات النصرانية التي وضعت بعد الإسلام من معربة وعربية. ولم يتصد لذكر ما وضع منها قبل ذلك فهذا أيضًا نقص ونقص عظيم وكان عليه أن يصرح بما كان منها في الجاهلية وما وضع بعدها وجامع هذه الأوضاع الدكتور جورج غراف وقد اعتمد في كل ما وضعه على الكتب العشرة الآتية وهي:
الخولاجي المطبوع في مصر في سنة ١٩٠٢ - والجوهرة النفيسة في علوم الكنيسة لابن السباع - ومنارة الأقداس لاسطفان الدويهي وبطاركة المشرق والمجدل لماري وعمرو بن متي وصليبا - والمصباح الهادي إلى الخلاص لابن حريز - وتأليف أ. رينورد وكاونية - وكوترية - وبومشترك وكتاب القوانين الذي جمعه الشيخ الصفي العالم المعروف بابن العسال.
وقد ذكرنا في ص٤٨٧ من هذا الجزء بعض ما فاته ونحن لم نذكر كل ما جاء في أبواب تلك الحروف من الكلم إنما ذكرنا بعضها على سبيل المثال والتذكير لنبين للقوم أن الأب شيخو المرحوم لم يذكر جميع ما كان معروفًا من تلك المصطلحات النصرانية في الجاهلية بل عرف بعضًا منها وجهل شيئًا كثيرًا ولنبين أيضًا أن الدكتور جورج غراف لم يوفق في
مجموعه أحسن مما وفق الأب شيخو إذ ذهل عن أوضاع كثيرة تبلغ ضعف ما ذكره في معجمه هذا. إذن من المستحب أن يأتي ثالث ويجمع ما ذكره الفاضلان المذكوران ويزيد عليه ما فاتهما.
هذا وفي دواوين المسلمين أوضاع كثيرة نصرانية ذكروها في مصنفاتهم منذ صدر الإسلام غفل عنها النصارى المحدثون وهذه سيئة ظاهرة في أدب مسيحي العرب ولابد من أن يزيلوها عنهم بمطالعة الكتب المذكورة وانتزاع تلك الألفاظ منها وشرحها حفظًا لها من الضياع واحتفاظًا بما كان متعارفًا عندهم ووقوفًا على ما كان يدور في مجالسهم الدينية في صدر الإسلام من عهد الراشدين إلى آخر عهد الأمويين في الأندلس. ولابد من تدوينها في كتب اللغة لأن هناك أناسًا كثيرين لا يعرفون معانيها لجهلهم أصولها وانتقالها إلى لغتنا الضادية وهي من لغات مختلفة كالحبشة واليونانية والأرمية والفارسية واللاتينية والقبطية إلى غيرها.
[ ٨ / ٥٤١ ]