بركة ومعتوق وعلي بن الاربلي
أطلعني الأب صاحب المجلة على كتاب اللمعات البرقية في النكت التاريخية لشمس الدين محمد بن طولون المطبوع حديثًا بدمشق فوقع نظري على خبرين (ص ٢٥) عن بركة الساعي نقلا عن تاريخ الأسدي الذي روى أحد الخبرين عن الذهبي وثانيهما عن ابن البزوري، وفي اللمعات أيضًا خبر آخر مسند إلى الذهبي بشأن الساعي معتوق الموصلي المعروف بالكوز (كذا) فخطر لي فورًا أني كنت قرأت عن الساعيين شيئًا في المخطوط الذي عرفته بالحوادث الجامعة فرجعت إليه وفيه ما يأتي:
(وفيها (أي في سنة ٦٢٨هـ - ١٢٣٠م) توفي بركة بن محمود الساعي المشهور بالسعي والعدو. كان من أهل الحربية سعى من واسط إلى بغداد في يوم وليلة ومن تكريت إلى بغداد في يوم واحد وحصل له بسبب ذلك مال كثير وجاه عريض واتصل بخدمة الخليفة الناصر لدين الله وجعله أخيرًا مقدمًا لرجال باب الغربة، فكن على ذلك إلى أن توفي). أهـ
(وفيها أي في سنة (٦٤٧هـ - ١٢٤٩م) سعى علي بن الأربلي من دقوق إلى بغداد فوصل بعد العصر وفضل على معتوق الموصلي المعروف بالكوثر نصف ساعة. ودار حول الكشك شوطًا وخرج إلى التفرج عليه الخليفة المستعصم
[ ٩ / ١١٨ ]
بالله وأولاده وجلسوا في الكشك إلى حين وصوله، وكان هذا الذكور مختصًا بخدمة الأمير مبارك ولد الخليفة فأمر له بفرس من مراكبه وخلعة وذهب. ودار من الغد في البلد بالطبول والبوقات فحصل له شيء كثير.) أهـ
وفيها (أي في سنة ٦٥٣هـ - ١٢٥٥م) تملا (؟) معتوق الموصلي المعروف بكوثر الكلام من دقوق (دقوقاء) ساعيًا على قدميه فوصل كشك الملكية ودخله. وكان الخليفة هناك ومعه الشرابي وهو أستاذه، ثم خرج من الكشك وعاد إلى الوقف (؟) ثم رجع إلى الكشك وقد تخلف من النهار ساعة ونصف فقبل الأرض بين يدي الخليفة فتقدم له بخمسمائة دينار. وأعطاه الشرابي ثلثمائة دينار وحصل له من أرباب الدولة شيء كثير.) أهـ.
دقوقاء واليوم طاووق
وإذ كان مضمون اللمعات نكتًا تاريخية رأيت إتمامًا لذلك أن أسوق كلامًا إلى نكتة عن دقوقاء لمناسبتين أولهما: إن الحكاية نكتة وثانيهما أنها عن هذه المدينة. وكان يقال في أسمها (دقوق) تخفيفًا كما جاء هنا. وذكرها ياقوت بصورة دقوقاء. كما أن سالنامة الموصل لسنة ١٣٢٥هـ (١٩٠٧م) ذكرتها بصورة (دقوق) خلافًا للعامة التي تقول (طاووق) والحكومة العراقية أيضًا قبلت اسمها المحرف هذا في رسمياتها، وذكرتها بصورة طاووق في سجل الحكومة العراقية سنة ١٩٢٧هـ ص ١١٦، والنكتة التي أريد روايتها هنا وردت
[ ٩ / ١١٩ ]
في كتاب الحوادث المار الذكر وهي:
(وفيها (أي في سنة ٦٤٤هـ - ١٢٤٦م) توفي الأمير محمد بن سنقر الطويل صاحب دقوقاء وكان أبوه سنقر من خواص الخليفة الناصر لدين الله صب يومًا على يده ماء فسقطت الصابونة منه فناوله غيرها وقال: دقوق وهي بلغة الترك دجاجة - فاقطعه دقوقًا ظنًا منه انه طلبها. فلم تزل في يده إلى أن توفي فتسلمها ابنه محمد. فلما توفي الآن عادت إلى نواب الخليفة.) أهـ.
قلت: لا أرى مناسبة أن تكون الكلمة (طاووق) التي تعني دجاجة. ولعله قال بلهجة مفخمة من لهجات ذلك الزمن (طوتقون) ومعناها مقبوض أو (طوتك) (بقراءة الكاف نونًا) بمعنى اقبضوا أو (طوتدق) بمعنى قبضنا أو غير كلمة تقرب لفظًا من كلمة دقوق وتؤدي ما يوافق الحال. ويبين لي أن صاحب الحوادث كان يجهل التركية، ولولا جهلة إياها لما أورد الحكاية بدون تعليق خالطًا الحابل بالنابل.
وكنت أود أن لا يعتد ذلك الفاض بالقول أنها سميت (طاووق) لكثرة الدجاج فيها. قال ذلك في ما سبق في الص ٤١٧ وقد رده حضرة الأب صاحب المجلة.
بغداد في ١٠ حزيران ١٩٣٠ (وتأخر نشرها لما عندنا من المقالات المتراكمة منذ مدة أربع سنوات. ل. ع)
يعقوب نعوم سركيس