حول مقال العربية مفتاح اللغات وما يليها الألفاظ اليافثية في
العربية
قرأت في الجزء الماضي من لغة العرب التحقيقات المهمة والتدقيقات اللاذة مما دعاني إلى إعجابي بمباحثكم ولكنني وددت أن أبدي لحضرتكم ملحوظة طبق ما جاء في مقترحكم من أنكم تقبلون بكل حقيقة ناصعة حول هذا المقال. . . مما أعده مبررًا لإبداء ما في خاطري وزيادة على ما أعلمه فيكم من حب البحث العلمي الخالص. فأقول:
كنتم أوردتم جملة صالحة من الكلمات العربية التي تشترك مع اللاتينية في أصول حروفها. وجعلتم العربية مفتاح اللغات. ولكم الحق في البحث ولا نزاع في هذا الموضوع. فأني مع تسليمي به وموافقتي لرأيكم في ما رأيتم أبدي أن التمثيل الذي مثلتم به من لفظ (فليوس) اللاتينية وأن العرب حوروها وما زالوا ينحتون فيها ويقلبون حروفها حتى جعلوها (ابنا) بعد أن صارت (بلا) ثم صارت (بنا) (فأبنا) (فابنما). . . لا يأتلف مع ما أعلمه للأسباب الآتية:
١ - أن لفظتي فلان وفلانة معروفتان عند العرب والأصل فيهما (فلو) وهو الولد الصغير منهما. والعرب تقول: الزيادة في الحروف تدل على زيادة في المعنى. فصارتا بعد الزيادة تطلقان على الرجل والمرأة.
٢ - قول القامو وصاحب اللسان والجوهري أن الفلو الجحش والمهر إذا فطم أو أنه المهر إذا بلغ السنة ففيه نظر كما يستفاد من الأمثلة التي أوردوها فقد أطلق على ابن الآدمي أيضًا فضلًا عما يستفاد من فلان وفلانة قال مجاشع بن دارم:
جرول يا فلو بني الهمام فأين عنك القهر بالحسام
فقد ورد الفلو في الأمرين ولد الإنسان والحيوان وكثرة الاستعمال تخصيص
[ ٨ / ٥٣١ ]
متأخر وتقييد للمطلق فكما أن الأول وارد في اللغة كذلك الثاني منقول عنها بكثرة والمجاز حاصل ومتحقق في أحد الاثنين وتخصيصه الحقيقية في الآخر لا دليل يدعمه فهو الابن ومعناه
معناه. والأصل القديم غير متعين.
٣ - أن هذا اللفظ نقل إلى اللاتينية فقالوا عنه (فليوس) دون أن نتكبد التأويلات البعيدة والتوجيهات الواحد بعد الآخر وأيًا كان معناها سواء الابن لحيوان معين أو الابن المطلق أو الابن المطلق مجازًا بعد أن كان مقيدًا لا يخرج ذلك عن كونها عربية الأصل ونقلت إلى اللاتينية. . . ولا يزال أعراب البادية يطلقون اللفظة أي (فلو) على الاثنين من ولد الفرس وولد الإنسان فيقولون عندما ينخون ولدهم لأمر (فلوي! وين فلوي!).
٤ - عندنا قضية مهمة وهي عدم معرفة تاريخ اللغات وتقلبات الأولى علميًا وليس في وسعنا أن نقطع بأن اللاتينية من العربية أو العربية من اللاتينية أو أيهما أصل أو أقدم من غيرها في حين أننا نعلم أن العربية لحقتها تقلبات وتطورات كبيرة حتى نالت شكل الفصحى واعتقد أن أول تدوين لحقها هو تدوين السريانية وهي عربية دونت قبل أن ينالها التطور الأخير فاكتسبت شكلًا ثابتًا بهذا التسجيل والتقييد. ثم طرأ عليها تغير آخر دعا لتدوينها بشكل العبرية وهي مقلوب عربية لا من عبريم كما يزعم اليهود، ثم نالها التغير الأخير زمن القرآن الكريم وقبيله فحصلت على طراز جديد تدعى (بالفصحى) وكذا اللاتينية اعتقد أنها اعترتها استحالات كثيرة حتى اكتسبت شكلها الثابت.
فما لم يثبت قدم اللفظ في لغة وأسبقيته له في اللغة الأخرى لا نجزم بالأخذ وإنما نقول بالاشتراك.
وعلى كل حال اللفظ - كما أعتقد - عربي. وإذا كان الآخر شاركه به فلا مانع. وزيادة السين في آخره بمقتضى لغة القوم لا يخرجه عن كونه عربيًا ويوافق مقياسكم الذي ارتأيتموه - ولم الفضل في ذلك - من أن اللغة العربية أم اللغات ومفتاحها. هذا ودمتم باحترام.
المحامي: عباس العزاوي
(لغة العرب) لا نقول كلمة ردًا على هذا الرأي. إذ القارئ المطلع على
[ ٨ / ٥٣٢ ]
سير اللغات في هذا العصر وعلى علم مقابلة الألسنة بعضها ببعض يرى ما فيه من الضعف والوهن. أن صديقنا المحامي عباس أفندي العزاوي من خيرة محامينا العراقيين لكن ذلك لا يجعله من صفوة اللغويين أو البارعين في الوقوف على أسرار اللغات فعلم الحقوق شيء وعلم فلسفة
اللغات شيء آخر. وقد يبرع المرء في علم ولا يبرع في علم آخر وما أدرجناه هنا أحسن شاهد على ما نقول.
السيد نعمة الله الجزائري وشهاب الدين السهروردي
قال السيد نعمة الله الجزائري في ص٣٥٦ من كتابه (زهر الربيع) ما نصه (أبو الفتوح شهاب الدين المقتول بحلب السهروردي. اسمه يحيى كان ماهرًا في ملكه وحكمه الاشراقيين والمشائيين وله كتاب حكمة الأشراف (كذا) أفتى بقتله فقهاء حلب. واختلف الناس في حقه فبعضهم نسبه إلى الإلحاد والزندقة، وبعضهم نسبه إلى الكرامات. قيل: حبس وخنق. وقيل: منع من الأكل باختياره وذلك من أنواع القتل ومات جوعًا. أقول هذا الرجل ضم إلى اعتقاد الحكماء الزندقة والكفر ومع ذلك فقبره الآن يزوره الناس ويتبركون به) كلام السيد نعمة الله عفا الله عنه. قلنا قد وهم السيد نعمة الله الجزائري في دعواه أن قبره ببغداد لأن شهاب الدين المدفون ببغداد المعروف بالشيخ عمر، هو غير شهاب الدين قتيل حلب، وأين هذا من ذاك بعد قوله (اسمه يحيى) فالذي دفن ببغداد قال عنه ابن خلكان في (٤١٤: ١) ما عبارته (أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عمويه. . . الملقب شهاب الدين السهروردي) وقال عنه في ص٤١٥: (وتوفي في مستهل المحرم سنة اثنين وثلاثين وستمائة ببغداد. رحمه الله تعالى. ودفن من الغد بالوردية). والوردية مقبرة الشيخ عمر اليوم.
وقال عنه مؤلف الحوادث الجامعة في ص٢٢ من نسختنا في حوادث سنة ٦٣١هـ: (وفيها توفي الشيخ شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الله السهروردي الصوفي الواعظ. ولد (بسهرورد) ونشأ بها وقدم بغداد واستوطنها وهو ابن أخي الشيخ أبي النجيب السهروردي، صحبه كثيرًا وعنه أخذ علم الصوفية والوعظ ومعرفة الحقيقة والطريقة وصنف في شرح أحوال الصوفية
[ ٨ / ٥٣٣ ]
كتابًا حسنًا وتكلم في الوعظ (بباب بدر) ومدرسة عمه (أبي النجيب)، وتولى عدة ربط للصوفية، منها (رباط الزوزني) و(رباط المأمونية) وبنى له الخليفة الناصر لدين الله رباطًا (بالمرزبانية) على نهر عيسى وبنى له جنبه دارًا واسعة وحمامًا وبستانًا يسكنها بأهله ونفذه الخليفة رسولا إلى عدة جهات. وكان الملوك الذين يرد عليهم يبالغون في إكرامه، وتعظيمه، واحترامه، اعتقادًا فيه وتبركا به ودفن في (الوردية)
في تربة عملت له هناك جادة سور الظفرية ومات عن اثنتين وتسعين سنة. ولم يخلف شيئًا من عروض الدنيا. بعد أن حصل له منها الشيء الكثير فأخرجه جميعه لأنه كان كريم النفس، وكان مهيب الشكل طيب الأخلاق كثير العبادة.
وكان مؤلف الحوادث الجامعة قال في ص١٥ بحوادث سنة ٦٣٠هـ: (وفيها توفي أبو محمد عبد الله بن الشيخ أبي النجيب السهروردي. من بيت التصوف. وأولاد المشايخ. ذكر أنه خرج عن جميع ما له ووقفه. فلما قدم الشيخ (شهاب الدين عمر السهروردي) قدم على غاية الفقر مجردًا من الدنيا، فضاق صدر الشيخ أبي النجيب. كيف لم يرضخ له. فسأل ولده أن يعطيه شيئًا من نصيبه، فلم يوافق فقال الشيخ أبو النجيب وقد احتد: والله لتحتاجن إليه. ومضى على ذلك برهة فتقدم الشيخ شهاب الدين وأثرت حاله، وفتحت عليه الدنيا، فاحتاج عبد الله هذا إليه، واسترفده فأرفده. وما زال يواصله حتى مات).
أما يحيى الذي وهم في تعيين قبره السيد نعمة الله الجزائري فقد قال عنه ابن خلكان في (٤١٢: ٢) من وفياته: (وكان شافعي المذهب، ويلقب بالمؤيد بالملكوت، وكان يتهم بانحلال العقيدة والتعطيل ويعتقد مذهب الحكماء المتقدمين واشتهر ذلك عنه فلما وصل إلى حلب أفتى علماؤنا بإباحة قتله بسبب اعتقاده.
[ ٨ / ٥٣٤ ]
وما ظهر لهم من سوء مذهبه. . . ويقال: أنه لما تحقق القتل كان كثيرًا ما ينشد:
أرى قدمي أراق دمي وهان دمي فها ندمي
. . . وكان ذلك في دولة الملك الظاهر. صاحب حلب، ابن السلطان صلاح الدين ﵀ فحبسه ثم خنقه بإشارة والده السلطان صلاح الدين ﵀. وكان ذلك في خامس رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة بقلعة حلب وعمره ثمان وثلاثون سنة. . . قلت: وأقمت بحلب سنين للاشتغال بالعلم الشريف ورأيت أهلها مختلفين في أمره. وكل واحد يتكلم على قدر هواه، فمنهم من ينسبه إلى الزندقة والإلحاد، ومنهم من يعتقد فيه الصلاح، وأنه من أهل الكرامات ويقولون: ظهر له بعد قتله يا يشهد له بذلك) فالجملة الأخيرة تدل على أنه دفن بحلب لظهور كراماته المزعومة على بعض الحلبيين، فضلًا عن أنه لم يجمع الناس على فضل له بسبب نقله إلى بلد مقدس.
ونحن نأسف من جزم بعض العلماء المتأخرين والمعاصرين بأقوال تاريخية ولا سيما في
القبور المجهولة أسماء أصحابها من دون تحقق ولا توثق ولا حجة ولا دليل. وما يتقادع في هذه الأوهام إلا الجاهلون للتاريخ، النابصون في مجلسه بالجهالات. وفقنا الله للحق والصدق وأبعدنا عن إفساد التاريخ والأقوال الباردة البائدة.
مصطفى جواد
أربية لا أرنمة ولا أرنبة
إني ممن يعجب بأشغال المستشرقين وعنايتهم بلغاتنا الشرقية علة اختلافها: لكني أراهم بعض الأحيان يهوون هويًا غريبًا في حين أنهم لو أنعموا النظر قليلًا في ما يكتبون لانتعشوا من سقوطهم. ذكر دوزي في ١٩: ١ من معجمه العربي الأرنمة وقال أنها الأرنبة. بمعنى ولو فكر قليلًا لعرف أنها الأربية لا غير.
بغداد: ب. م. م
[ ٨ / ٥٣٥ ]