١ - قبر الخلاني أي الخلال
إذا سار سائر اليوم ببغداد بجادة باب الشيخ عبد القادر الجيلي (رض) مبتدئًا من أولها الغربي المتصل بالشارع العام ثم قطع قراب نصفها فيرى عن يمينه دربا به قبر الرجل الزاهد الذي كتب في نص زيارته انه (محمد بن عثمان الخلاني) والتاريخ المرقوم فوق باب القبة التي على قبره هو (١٣٠١هـ) فهو تاريخ آخر عمارة له، ويزوره الشيعة والسنيون.
وقد ورد في ص١٩٠ من كتاب عمران بغداد في البحث عن مقابر بغداد (١١ - سائر المقابر المهمة كمقابر النواب الأربعة المعروفين بوكلاء الناحية أيضًا وهم عثمان بن سعيد العمري الزيات من أصحاب الإمامين الحسن العسكري وأبيه علي الهادي (ع) وابنه محمد بن عثمان وأبو القاسم الحسين بن روح وأبو الحسن علي بن محمد السيمري وكلها تقع في الجانب الشرقي) فهو يريد بمحمد بن عثمان صاحب القبر المذكور آنفا واجتزأ عن تعيين القبر بأنه في الجانب الشرقي فقط.
قلنا: ظهر لنا بعد تحقق وتتبع أن صاحب القبر ليس بمحمد بن عثمان فقد قال ياقوت في مادة (باب الخاصة) من معجمه للبلدان ما نصه: (باب الخاصة كان أحد أبواب دار لخلافة المعظمة ببغداد أحدثه الطائع لله تجاه دار الفيل وباب كلواذي واتخذ عليه منظرة تشرف على دار الفيل وبراح واسع واتفق أن كان الطائع يوما في هذه المنظرة، فجوزت عليه جنازة أبي بكر عبد العزيز بن جعفر الزاهد المعروف بغلام الخلال، فرأى الطائع منها ما أعجبه فتقدم بدفنه في ذلك البراح الذي تجاه النظرة وجعل دار الفيل وقفا عليه ووسع به (كذا) في تلك المقبرة وهي الآن على ذلك إلا أن الباب لا اثر له اليوم ويتلو هذا الباب من دار الخلافة باب المراتب).
[ ٨ / ٤٨٩ ]
قلنا: وقبر الخلاني اليوم قرب (الدبخانة) وهي بقية باب كلواذى ولا تزال مرامي السهام ظاهرة في برجها المنخفض اليوم كثيرًا والبرج قبالة طريق السيارات المتجهة نحو الكرادة والهنيدي، وقد صار هو واصل السور كنية للبرتستان الآن. وفي مادة (قنطرة البردان) من
معجم ياقوت (روى عنه غلام الخلال عبد العزيز ابن جعفر الحنبلي) وتوفي سنة ٣٦٣ على ما ذكره ابن الأثير (٤٧٦: ٨) وجادة باب الشيخ اليوم من محلة باب الازج قديمًا على ما ذكرنا في تعيين هذه المحلة سابقًا (٤٤١: ٢ إلى ٤٤٤) ويؤيد هذا ما ذكره ياقوت في مادة قصر الكوفة ونصه:
(قصر الكوفة: ينسب إليه عبد الخالق بن محمد بن المبارك الهاشمي أبو جعفر ابن أبي هاشم بن أبي القاسم القصري الكوفي، ذكره أبو قاسم تميم بن احمد البندنيجي في تعلقه فقال: القصري من قصر الكوفة مولده سنة ٥١٣. . . قال تميم: ومات ببغداد سنة ٥٨٩ في ثاني رجب ودفن بباب الازج عند ابن الخلال) اهـ قلنا: أي عند عبد العزيز بن جعفر الذي تعرفه العامة اليوم بالخلاني.
وورد في ص ١٠١ من الحوادث الجامعة عن نتائج احتلال هولاكو لبغداد ما عبارته: (ثم عين على بعض الأمراء فدخل بغداد ومعه جماعة ونائب أستاذ الدار ابن الجوزي وجاءوا إلى أعمام الخليفة وأنسابه الذين كانوا في دار الصخر ودار الشجرة فكانوا يطلبون واحدًا بعد آخر فيخرج بأولاده وجواريه فيحمل إلى مقبرة الخلال التي تجاه المنظرة فيقتل فقتلوا جميعهم عن أخرهم، وخلاصة الكلام أن الخلاني اليوم ببغداد وهو أبو بكر عبد العزيز بن جعفر الزاهد فهل من مدع غير هذا؟
٢ - المنطقة اليوم ليست بمسجد براثا القديم
ورد في ص ١٢١ من تاريخ مساجد بغداد ما صورته (مسجد براثا أو المنطقة هو من مساجد بغداد القديمة العهد يتبرك به الشيعة إلى اليوم لما ثبت عندهم أن الإمام عليا كرم الله وجهه بعد فراغه من واقعة النهروان ورجوعه عبر دجلة وصلى بأصحابه عند دير راهب كان قريبا منها فاتخذ شيعته مصلاه مسجدًا).
[ ٨ / ٤٩٠ ]
وفي ص ١٢٢ منه (وهذا المسجد اليوم يسمى المنطقة وهو على نحو ميل أو اكثر غربي الجانب الغربي من بغداد بين بغداد وبين الكاظمية عن يسار الذاهب من بغداد إلى الكاظمية وحوله مقبرة لموتى الشيعة).
وورد في ص١٤ من (مناقب بغداد) وفي سوق العتيقة مسجد تغشاه الشيعة وتزعم أن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ﵇ صلى هناك) وقد علق به محمد بهجة مهذبه ما
عبارته (يسمى مسجد براثا ويعرف الآن بالمنطقة) والذي غر محمدًا المذكور ما ورد في ص٢١ من المناقب نفسه ونصه (وكانفي براثا مسجد يجتمع فيه قوم من الشيعة وربما ذكروا الصحابة بأمر فأمر بكبسه عليهم فأخذوا وعوقبوا وحبسوا وهدم المسجد وعفي أثره إلى سن ثمان وعشرين وثلاثمائة فأمر الأمير بحكم بإعادة بنائه فبني بالآجر والجص وسقف بالساج المنقوش ووسع فيه وكتب في صدره اسم الراضي بالله ثم أمر المتقي بالله بنصب منبر فيه وأقيمت الجمعة في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة) وليس في هذا دليل على أن مسجد براثا هو مسجد العتيقة وأين براثا من العتيقة؟
وتابع إلى هذا مؤلف عمران بغداد ففي ص (١٩٠ - ١٩١) من كتابه ذلك قال (وكان في براثا مسجد جامع يجتمع فيه الشيعة يسمى بمسجد براثا، وكان الشيخ المفيد (ر هـ) يعقد فيه حلقة درسه ويقيم فيه صلاة الجمعة وهو يقع اليوم في منتصف طريق بغداد - الكاظمية وحوله المقابر الكثيرة) اهـ. قلنا: وليس قوله بشيء على ما ستراه وقد كرر المرحوم السيد محمود شكري الآلوسي الوهم فقال في ص١٣٧ (سقاية نجيب باشا أنشأها في المنطقة أو مسجد براثا).
بيان موضع براثا وان براثا غير العتيقة
قال ياقوت في مادة (براثا) ما صورته براثا بالثاء المثلثة والقصر: محلة كانت في طرف بغداد في قبلة الكرخ وجنوبي باب محول وكان لها
[ ٨ / ٤٩١ ]
جامع مفرد تصلي فيه الشيعة وقد خرب عن آخره وكذلك المحلة لم يبق لها أثر فأما الجامع فأدركت أنا بقايا من حيطانه وقد خربت في عصرنا واستعملت في الأبنية. . . وكانت براثا قبل بناء بغداد قرية يزعمون أن عليا مر بها لما خرج لقتال الحرورية بالنهروان وصلى في موضع من الجامع المذكور وذكر انه دخل حماما كان في هذه القرية) اهـ وليس في هذا الكلام ما يدل على أن براثا هي العتيقة واستمر ياقوت على كلامه مميزًا (براثا) عن (العتيقة) قائلًا: (وقيل بل الحمام التي دخلها كانت بالعتيقة، محلة بغداد وخربت أيضًا) فهذا تصريح ظاهر كل الظهور بان العتيقة غير براثا وان المنطقة هي مسجد العتيقة لبعدها العظيم عن براثا ولان الشيعة لا يزالون يقبرون موتاهم فيها ولان مسجد براثا لم يبق له اثر عامر منذ الربع الأول منذ القرن السابع الهجري.
وذكر العلامة لسترنج في خريطة ص١٥ من تاريخه لبغداد محلة العتيقة في شرق مدينة المنصور والمنطقة اليوم في شرق مدينة المنصور إلا انه اخطأ في موضعها إذ وضعها في ما يقابل اليوم القلعة والخطأ ظاهر ووضع براثا في غرب مدينة المنصور وذكر باب محول في جنوب باب الكوفة فكأنها بين جسر الخر اليوم ومقبرة الست زبيدة أما بلدة المحول (لا محلة الباب المسمى بها) فقد وضعها في غرب محلة براثا وكلاهما على نهر عيسى (الخر اليوم) وقال ياقوت عنها في مادة المحول أيضًا) ما صورته (المحول: اشتقاقه واضح من حولت الشيء. . . بلدة حسنة طيبة نزهة كثيرة البساتين والفواكه والأسواق والمياه بينها وبين بغداد فرسخ اهـ. وفي أخبار المستعصم بالله في الحوادث الجامعة انه ركب إلى محلة باب محول وتعهدها لبعدها عن بغداد إذ ذاك.
وقال ياقوت في كرخ زمانه أي الكاظمية وتوابعها: (وعن يسار قبلتها محلة تعرف بباب المحول وأهلها سنية وفي قبلتها نهر الصراة وفي شرقيها نصب بغداد ومحال كثيرة وأهل الكرخ كلهم إمامية لا يوجد فيهم سني البتة) قلنا واسم الكرخ في آخر الدولة العباسية يعني الكاظمية بدون شك.
[ ٨ / ٤٩٢ ]
٣ - شارع المنصور ودرب أبي خلف وقطيعة الربيع
ورد في ص٥٩ من تاريخ مساجد بغداد عن جامع القبلانية المقابل للمدرسة المستنصرية من الشرق ما نصه: (وفي هذا المسجد مرقد أبي الحسين بن احمد القدوري الفقيه الحنفي الشهير وكان من رؤساء المذهب توفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة ودفن في بيته ثم نقل منه ودفن في جوار الفقيه أبي بكر الخوارزمي الحنفي في شارع المنصور في جانب الرصافة وهو اليوم في هذا المسجد ومعه جمع من قبور بعض الصالحين) اهـ.
قلنا: أن عوام الشيعة يدعون أن المدفون في جامع القبلانية هو علي بن محمد الصيمري الذي مر ذكره في البحث عن قبر الخلاني آنفًا وتجد ذكره في ترجمة محمد بن يعقوب الكليني الرازي من كتاب (روضات الجنات) أما القدوري المذكور فقد قال عنه ابن خلكان في (٢٢: ١) من تاريخه: (ودفن من يومه بداره في درب أبي خلف ثم نقل إلى تربة في شارع المنصور ودفن هناك إلى جانب أبي بكر الخوارزمي الفقيه الحنفي) وهو مثل ما ذكره السيد محمود شكري الآلوسي إلا أن الآلوسي زاد (في جانب الرصافة) ولا دليل له
على أن شارع المنصور بالرصافة وإنما الذهن يبادر إلى أن شارع المنصور بمدينة المنصور أي في ما بين كرخ بغداد اليوم وجنوبي الكاظمية فضلا عن أن الرصافة زمن المنصور فوق البلاط الملكي اليوم إلى قبر أبي حنيفة (رض) على ما يأتي وجامعة آل البيت اليوم في موضع الرصافة القديمة ويلي الرصافة من الشرق الجنوبي محلة المخرم ثم بغداد الحالية فأين القبلانية من الرصافة زمن المنصور حتى يسمى شارعه شارع المنصور؟.
أما درب أبي خلف ففي كرخ بغداد، نقل ابن خلكان في (١٩٩: ١) عن دعلج السجستاني ما اصله: (وكان يقول: ليس في الدنيا مثل داري وذاك انه ليس في الدنيا مثل بغداد ولا ببغداد مثل القطيعة ولا في القطيعة مثل درب أبي خلف وليس في الدرب مثل داري. . . قال: توفي دعلج المذكور يوم الجمعة لإحدى عشرة بقيت من جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة وقيل لعشر بقين من جمادى) وقال ابن خلكان في (٣١٩: ١) مترجما للداركي عبد العزيز بن عبد الله الفقيه الشافعي ما نصه: (وكان يدرس ببغداد في مسجد دعلح بن احمد
[ ٨ / ٤٩٣ ]
بدرب أبي خلف من قطيعة الربيع. . . توفي ببغداد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمس وسبعين وثلاثمائة) اهـ. قلنا: ولا شك في أن قطيعة الربيع بالكرخ فقد قال ياقوت في مادة (قطيعة) ما عبارته:
(قطيعة الربيع وهي منسوبة إلى الربيع بن يونس حاجب المنصور ومولاه وهو والد الفضل وزير المنصور، وكانت قطيعة الربيع بالكرخ مزارع الناس من قرية يقال لها بياوري من أعمال بادوريا وهما قطيعتان خارجة وداخلة فالداخلة اقطعه إياها المنصور والخارجة اقطعه إياها المهدي وكل التجار يسكنونها حتى صارت ملكا لهم دون ولد الربيع).
وفي (١٩٣: ١ و١٩٤) من وفيات ابن خلكان (قال احمد بن الحسين سمعت أبا عبد الله بن المحاملي يقول: صليت العيد يوم فطر في جامع المدينة فلما انصرفت قلت في نفسي: أدخل على داود بن علي أهنئه وكان ينزل في قطيعة الربيع، قال: فجئته وقرعت عليه الباب فأذن لي فدخلت عليه). ونقل في ترجمة أبي حامد احمد الاسفرائيني (وقال الخطيب في تاريخ بغداد. . . ورايته غير مرة وحضرت تدريسه في مسجد عبد الله بن المبارك
وهو المسجد الذي في صدر قطيعة الربيع) وقال في ترجمة الربيع ما اصله: (وقطيعة الربيع منسوبة إليه وهي محلة كبيرة مشهورة ببغداد وإنما قيل لها قطيعة الربيع لان المنصور اقطعه إياها). وورد في ص٢٢ من مناقب بغداد: (وما زالت الجمع تقام في جامع المدينة وجامع الرصافة وجامع القصر ومسجد براثا ومسجد القطيعة ومسجد الحربية إلى أن تبطلت من مسجد براثا بعد الخمسين والأربعمائة). قلنا: وأراد بمسجد القطيعة: مسجد قطيعة الربيع. والظاهر لنا أن قطيعة الربيع بين الجعيفر اليوم والمنطقة لان الحريم الظاهري كان بين الكاظمية اليوم وغرب مدينة المنصور أي جنوب الكاظمية الغربي على ما في خارطة ص١٠٧ من لسترنج والظاهر انه كان متصلا إلى دجلة ففي ص٢٧ من مناقب بغداد: (ولم يكن للدار العزية مثل دار بلدرك والحريم الطاهري ودوره الشاظئية وسوره الدائر وبابه الحديد. . . ووراء الحريم شارع دار رقيق محلة كبيرة كثيرة المنازل العجيبة ثم درب سليمان والمارستان وسوقه العجيب ثم دار النقابة الشاطئية) وقال ياقوت
[ ٨ / ٤٩٤ ]
عن مقابر قريش: (وهي مقبرة مشهورة ومحلة فيها خلق كثير وعليها سور بين الحربية ومقبرة احمد بن حنبل (رض) والحريم الطاهري) وقال ابن خلكان في (٢٨٨: ١) عن عبد الله بن نناقيا الأديب: (هو من أهل الحريم الطاهري وهي محلة ببغداد). وقرب الحريم الطاهري (قطيعة زهير) قال ياقوت في مادة (قطيعة) ما صورته: (قطيعة زهير: قرب حريم بني طاهر خربت بالجانب الغربي) فهي تقرب من الحريم من جهة الغرب لا من الشرق لان وراء الحريم كما ذكرنا شارع دار الرقيق ودرب سليمان والمارستان وسوقه، وتتصل بقطيعة زهير (قطيعة أبي النجم) قال ياقوت: قطيعة أبي النجم: ببغداد أيضًا بالجانب الغربي. . . وهذه القطيعة متصلة بقطيعة زهير قرب الحريم الطاهري وهي الآن خراب) ويقرب من هاتين قطيعة ريسانة قال ياقوت: (قطيعة ريسانة: بفتح الراء ثم بياء مثناة من تحت وسين مهملة وبعد الألف نون أظنها من قهارمة المنصور: محلة كانت بقرب مسجد ابن رغبان قرب باب الشعير من غربي بغداد) وقال عن باب الشعير (باب الشعير: محلة ببغداد فوق مدينة المنصور. . . قالوا: كانت ترفأ إليها سفن الموصل والبصرة، والمحلة التي ببغداد اليوم وتعرف بباب الشعير هي بعيدة من دجلة بينها وبين دجلة خراب كثير والحريم وسوق المارستان) اهـ.
ومن الجنوب قطيعة العكي قال ياقوت: (قطيعة العكي: وهو مقاتل بن حكيم. . . أحد قواد أبي جعفر المنصور. . . كانت قطيعة ببغداد بين باب البصرة وباب الكوفة من مدينة أبي جعفر المنصور وقد مر ذكره في طاقات العكي) وأما غربي الكرخ فقد ذكر فيه لسترنج على حسب خارطة ص١٣٦ (الضاحية الخطابية) تحت الحريم الطاهري ثم الجزيرة العباسية جنوبها ثم الضاحية الياسرية وهي بشرق براثا التي ذكرناها وبشرقها ضاحية حميد وبشرق هذه ضاحية هيلانة قبالة باب الكوفة والغريب انه ذكر الضاحية الزهيرية بين باب الكوفة وباب البصرة أي بموضع قطيعة العكي.
ولم يبق لنا من حريم مدينة المنصور سوى مت هو من الجعيفر إلى المنطقة فهو قطيعة الربيع المذكورة، وخلاصة البحث أن القول بان القدوري مدفون في
[ ٨ / ٤٩٥ ]
جامع القبلانية بعيد عن الصواب.
٤ - جامع الصفوية بالكاظمية وشيء عن المشهد
ورد في ص١١٧ من مساجد بغداد ما نصه: (ولما استولى الشاه إسماعيل الصفوي على العراق سنة ٩١٤هـ نقض المشهد والقبة وأعاد بناءها على وضع بديع وغشيت الجدران بالذهب الخالص داخلا وخارجا (كذا) وعلقت النفائس والتحف) قلنا: لم يغش إلا ما حول باب المراد أي الشرقي وعلى غشائه الذهبي كتب: السلطان ابن السلطان ناصر الدين شاه قاجار) فهو المذهب للباب لا إسماعيل الصفوي، وإلا ما حول باب القبلة وبعض ما على غشائه الذهبي (السلطان ابن السلطان وخاقان. . . محمد شاه قاجار خلد الله ملكه وأثار برهانه وأفاض على العالمين بره وإحسانه) فهو المذهب له لا غيره. وإلا أحواض المناور فما فوقها والقبتين من الخارج إلى رؤوسهن أما داخل الجدران فليس فيه إلا قطعات ذهب قلائل.
وورد في هذه الصفحة نفسها: (ولما استرد العراق السلطان العادل الغازي سليم خان العثماني وجاء بنفسه إلى بغداد وذلك في سنة ٩٤١هـ أمر حينئذ بإكمال تلك العمارة وانشأ حولها جامعًا عظيمًا تقام فيه الجمع والجماعات وهو إلى اليوم على رصانته ووضعه). فزاد محمد بهجة مهذبه عليه: (وبنى منارة في الركن الذي بين الشرق والشمال وهي أول منارة هناك).
قلنا: أن الذي اشتهر بين الناس انه جامع الصفوية) لا (جامع السلطان سليم) وان المنارة أتمها السلطان سليم لا أنشأها والتصريح بالإتمام دون الإنشاء ظاهر من البيت الذي في أبياتها عند باب الدرج الأسفل وصخرتها مرتفعة عن الأرض قراب مترين وتسعة سنتيمترات وطولها قراب ٩٠ سنتيمترًا وعرضها قراب ٥٠ سنتيمترًا والبيت:
قلدي إمداد أمر عالي أيله ويردى حق بو مناره (إتمام)
[ ٨ / ٤٩٦ ]
والناس الخبراء يقولون أن سلطان الأتراك أمر بدرزه (والدرز عندهم: ملء فراغ ما بين السوف) ويقولون انه أمر ببناء المنبر الحجري فقط داخل الجامع وهو الصحيح فقد رأينا المنبر ملصقًا لا مفرعًا تفريعًا وطابوقه أصفر وطابوق الجامع مائل إلى البياض وفي أعلى باب الخطيب منه ما نصه: (تم في تاريخ محرم الحرام لسنة ست وخمسين وتسعمائة) وهي محصورة في خلافة سليمان الأول القانوني من (٩٢٦ إلى ٩٧٤هـ) وقال المهذب محمد بهجة في ص١٤٦ ما نصه:
(فان الذي استرد العراق من الصفويين إنما هو سليمان القانوني فبقي في العبارة ليس لا يزول إلا بجعل سليم سليمان كما كان أولا ولعل هذا هو الصحيح وان لم يترجح لدى أحد الأمرين حتى الآن (كذا) وإذا صح قول المؤلف باني الجامع (كذا) هو سليمان القانوني بقي عندنا أمر المنارة ولا ريب أن ورود اسم السلطان سليم في الأبيات يدل على انه هو الذي أمر ببنائها وان لم يدخل بغداد على أنني قد عددت قول الشاعر التركي في تاريخها (أولدي بوجا نفرا مناره إتمام) فوجدت بين بنائها وبين زمن سليم الثاني بونا شاسعا وقد وردت لو يتسع لي نطاق الوقت فاحل هذه العقدة فأنني ما زلت متحيرا في ذلك على ما بذلت من الجهد في مراجعة عشرات المؤلفات التاريخية في التركية والعربية ولعل بعض الوقفين يرشدنا إلى الحقيقة أن شاء الله) اهـ.
قلنا: قد طلب أثرًا بعد عين لان تحت الأبيات المذكورة تاريخ (٩٧٨) محفورًا في الرخامة وخلافة سليم الثاني من (٩٧٤ إلى ٩٨٢) هـ فهي متمة في زمانه بدون شك ولا حاجة إلى هذه الجولة العنترية والصولة القوية فكأنها قعقعة شنان.
مصطفى جواد
[ ٨ / ٤٩٧ ]