إذا كان للعرب كتاب يرفع رؤوسهم إلى عنان السماء فهو كتاب الإكليل لا سواه ذلك الكتاب الذي واسطته الجزء الثامن الذي شرعنا في طبعه قبل أيام معدودة. ففي هذا السفر البديع ذكر قصور حمير وأصحابها ومواطنها مع ذكر بناتها والمدن التي أسست فيها ودواوينها وما حفظ من نظم الأقدمين فيها ولا سيما شعر علقمة والمراثي والمساند. وعبارة المؤلف محكمة رصينة مأسورة أسرًا وهو يطلعنا على ألفاظ موضوعة للريازة والبناء لا أثر لها في دواوين اللغة. هذا فضلا عن أعلام اقيال ورجال ومدن لم تذكر في مصنف من المصنفات.
ومما يزيد ثمن هذا الكتاب أنه ذكر لنا أسماء محافد (قصور) عديدة لم نكن نعرفها لولا تعداده إياه. واصفًا إياها وصفًا عجيبًا، مرة مجملا وأخرى مفصلًا، وتلك التحلية تقفنا على أن السلف كانوا قد بلغوا من العلوم والفنون أبعد شأو ممكن، لأن تشييد مثل تلكم المحافد الجليلة يدل على أن أصحابها كانوا قد قبضوا على أعنة الرياضيات والهندسة وعلم الحيل ونحت التماثيل الدقيقة الحفر وصنع الآلات التي تماثل الحيوان والطير والإنسان التي تتحرك بحركات مختلفة عند هبوب الأرواح فيها. وكل هذه الأمور لم يصل إليها أهل الحضارة العصرية إلاَّ بعد عصور عديدة وانتفاعهم بعلوم وفنون من تقدموهم.
وسوف نعقد بابًا جليلا لهذا الكتاب نوفيه حقه من الوصف.
إلاَّ إننا نكتفي اليوم بتقديم مثال من صفحاته ليحكم القراء على ما فيه من الكنوز والدفائن.
وقد اعتمدنا في ذكر المتن على اقدم نسخة وقعت بايدينا، وذكرنا في الحواشي روايات أربع نسخ أخر، واحدة للأستاذ كرنكو مخطوطة على نسخة لندن ورمزنا إليها ب (ك) وثانية من الأستانة (س) وثالثة من خوي (خ) ورابعة من شكري الفضلي (ل).
[ ٩ / ١٧ ]
على كرف من تحتها ومصانع لها بسقوف السطح ليس وفائطا
تخال حنين الريح في نزعاتها إذا اخترقت بين الزئير برابطا
كأن رفعت عنها البناة اكفها بأول يوم قيل أَمسك فارطا
ترى كل تمثال عليه وصورة سباعًا ووحشًا في الصفاح خلائطا
بجانب ما تنفك تنظر قابضا لإحدى يديه في الحبال وباسطا
ومستفعات من عقاب واجدل على أرنب وهم وأفراخ وقامطا
وسرب ظباء قد نهلن بمخنق وغضفِ ضراءٍ قد تطلقن باسطا
وذا عقدة بين الجياد مواكبا وسامي هادٍ للركاب مواخطا
وكان به رقشان تحمي جنابه له أرض مصر والفرات فسالطا
فلم ينجه من حادث الدهر حصنه ولا مقرباتٌ كن فيه ربائطا
[ ٩ / ١٨ ]
وكان على نائي الذؤابة شاهق تحامي عتاق الطير منه اللطائطا
وكان إليه الوفد تترى نقيرة من الأرض جمعًا ذا ارتعاب وخالطا
تخال حباك الفلك في طرقاته إذا طببت نحو الشراع البواسطا
محافد كانت للملوك محلةً ولم تخو هينًا بالعطيف وقاسطا
ولم توق ساويًا ورب هجيمة ولاذا وطاب يسلوا لشمس آقطا
اصبح مسلوب العصارة خاويا وأي وساج لا يصادف كاشطا
فلا من أجال الطرف ينظر غاديا ولا من أصاخ السمع يسمع لاعطا
ما زال صرف الدهر في كل ما أرى واسمعه للخير والشر سامطا
أيّ امرئٍ يرضى عن الدهر يومه فاصبح إلاَّ مظهر العيب ساخطا
لو أن أسباب الردى هاب معشرًا لهاب بني الصوّار حضرًا وشاحطا
[ ٩ / ١٩ ]
أولئك كانوا للبرية كلها نظامًا وما بين النظيمة واسطا
وكانت بنو المنتاب عنها بنجوة تفاخر ذا لمسٍ علومًا ولامطا
وقال يذكره هو وغيره من قصور اليمن شعرًا:
أين الذين بنوا غمدان واحتفدوا ضهرًا وناعطًا السامي الذرى شاس
من دون كاهلهِ بيض الأنوق فلم يلمَّ ذو حيدٍ منه بقرناس
ومن بني إرمًا ذات العماد ومن راقش ومعين رب قنعاس
وتلفمًا لو سألناه يخبرنا كم قد عفاه من أبواس وأبواس
وأين ساكن بينون وعامرها أمسوا ودائع صفاح وأرماس
لم تغن حمير عنهم وهي عاصية خلف الرماح بأرماح وأقواس
وأي ذي بطشة في الملك قاهرة فات الحمام بخدام وحراس
[ ٩ / ٢٠ ]
أو ما حلٍ ظلت الأيام مسرحة ورحن منه بأخفاف وابلاس
وقال يذكر ما بين ناعط وتلفم