في مجلة المجمع العلمي العربي
آراء في إصلاح نشوار المحاضرة وفي غيره
١ - ورد في ص ٦٠٥ من الجزء العاشر لسنة ١٩٣٠ (ولا يا أبا بكر - أعزك الله - هذا قول من (؟) من المسلمين تقدمكم) قال الأب أنستاس ماري الكرملي (لا حاجة للكاتب أن يضع هذه العلامة هنا، والمعنى ظاهر وهو: قول من من المسلمين، وهو صحيح فصيح) وقد أراد الأب أن (من) الأول: اسم موصول وان (من) الثانية: حرف جر، وذلك هو الوجه الذي جهله المجمعيون وغيرهم، إلاَّ أنه يكثر مجيئه مع الاستفهام. كقوله تعالى في سورة يونس: (قل: هل من شركائكم من يهدي إلى الحق؟) بتقدم الجار على الفعل ومع التقليل والتبعيض، كقوله تعالى: (ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين) فالأولى في تعبير النشوار: (قول من تقدمكم من المسلمين).
٢ - وجاء في ص ٦٠٥ أيضًا: (وإنه لمن إحدى المناقب إذ كنت أقول فيه) والصواب (أن كنت أقول فيه) لأن (أن) المصدرية والفعل بعدها مؤولان بمصدر مرفوع بالابتداء مبتدأ متأخر، والجار والمجرور خبر متقدم (على أحسن القولين المشهورين).
٣ - وورد في ص ٦٠٧ (لما وقف من كتاب صاحب الخبر (على) أن أم سليمان ماتت ببغداد) فظهر لنا أن العلامة الجليل (مرجليوث) زاد في الجملة (على) وحصرها بين قوسين ولا حاجة بالعبارة إلى هذه الزيادة، لأن حذف الجار قبل (أن) بتشديد النون وفتحها جائز.
[ ٩ / ٤٩ ]
وقد كتبنا تعليل هذا القول في هذه المجلة ٧: ١٦٧ وفي مواطن أخر عديدة من السنة المذكورة والمجلدات السابقة.
٤ - وجاء فيها أيضًا (وسعى لابن عبد الحميد كاتب السيدة بالوزارة). قال الأب انستاس: (لعلها: كانت السدة) قلنا: والأولى (كاتب السلة) وتطلق عند المولدين على مجمع المسودات، قال ابن خلكان في ترجمة طاهر بن احمد بن بابشاذ النحوي من الوفيات:
(وجمع في حال انقطاعه سلة كبيرة في النحو، قيل إنها لو بيضت قاربت خمس عشرة مجلدة) وقد ورد تعبير (كاتب السلة) في تاريخ الحوادث الجامعة غير مرة، فليراجع.
٥ - وردت في هذه الصفحة بعينها: (فاغتنم لذلك وبدأ فكتب إليه). فعلق المجمعيون ب (بدا) ما صورته: (لعل الأصل: بدا له) قلنا: والأوفق الأولى (وندم) لان المقام مقام حزن وأسف وندم.
٦ - وورد في ص ٦٠٨ (فتقضي لبانات وتشفي حسائك) والصواب (فتقضي لبانات وتشفى حسائك) على حسب قاعدتهم أي بإهمال تنقيط ياءي فتفضى وتشفى.
٧ - وفيها أيضًا (عزمت عليك يا أبا العباس ما رجعت) وما ادري كيف قرأ المجمعيون والعلامة مرجليوث هذه العبارة؛ فأبقوها على حالها التي ترى. لانّ ذوق العربي يأبى إلا أنْ يقال (لما رجعت)؛ لان الجملة شبه جواب قسم. قال ابن هشام في شرح قطر الندى: (وأما) (الما) فإنها في العربية على ثلاثة أقسام، نافية. . . وإيجابية بمنزلة إلا، نحو قولهم: عزمت عليك لما فعلت كذا أي إلا فعلت كذا أي ما اطلب منك ألا فعل كذا) فهذا برهان ما قدمنا من الإصلاح.
٨ - وجاء في ص ٦١١ (فقالوا. . . ليس بها من يكون هذا عنده إلا العامل)، والصواب: (ليس بنا)
لأنهم كانوا يتكلمون على أنفسهم، ولا مرجع للهاء في (بها) حتى يتخرج به وجه لذلك التعبير الذي تقدم.
٩ - وفيها: (وسلم أبو علي من صلاته فقال لنا: لا يهوسكم) فالحق به العلامة مرجليوث: (لعله. لا يهولنكم) وليس الأمر على ما أرتآه لأن الأصل صواب ومعناه: (لا يحملكم على الهوس) أي الحيرة والاضطراب، لأنهم رأوا
[ ٩ / ٥٠ ]
الطعام الموصوف في الحديث صعب المنال، فكيف ناله واحد منهم مثلهم وهم لا ينالونه. ولا يجوز الاستبدال بالأصل إذا تخرج على وجه مقبول.
١٠ - وورد في ص ٦١٢: (فانحدرت إليه وسألته عن منزله، فأرشدت فدخلت إليه وإذا هو جالس). فعلق به المجمعيون (كذا في الأصل، والظاهر: (إليها وسألته) فهم - وفقهم الله - أصلحوا الصواب واستصلحوا الخطأ، ذلك لأن الهاء في (إليه) لا يجب رجوعها إلى
البلد فيجوز عودها إلى الإنسان، ولآن الهاء في (سألته) زائدة ظاهرة الزيادة جدًا، فالباحث المذكور عن الجاحظ ليراه كيف يسأله عن منزله ثم يرشد فيجد الجاحظ جالسًا فيكلمه، ولا يستقيم المعنى أبدًا إلاَّ بما ذكرنا. ولولاه لبقي الكلام مضحكا ظاهر التصحيف.
١١ - وفيها: (فقد اشتملت على خصائل أربع). فقال المجمعيون: (كذا في الأصل ولم نجد خصائل بهذا المعنى فالظاهر، خصال كما في ياقوت) قال الأب انستاس: (فعلة على فعائل وارد) قلنا: ومما شابه الخصلة في الجمع هذا (حاجة حوائج)، (وحافة حوائف، ورخصة رخائص) و(شبة شبائب). (وضرة ضرائر) و(كنة كنائن). وغير المفتوح العين كثير منه: المرة والحرة.
١٢ - وجاء في ص ٦١٢: (إن ملوك الهند يغالون في الأفيلة) فقال المجمعيون أيضًا: (جمع الفيل: أفيال وفيول وفيلة، ولا يقال أفيلة). قلنا: إن علمهم علم ساعة كما إن في السموم سم ساعة، وقد اعتمدوا في قولهم هذا على مثل قول المختار: (الفيل معروف والجمع أفيال وفيول وفيلة بوزن عنبة ولا بقل: أفيلة)؛ ولكنه قال في مادة ق ف ا (القفا مقصور: مؤخر العنق يذكر ويؤنث، والجمع قفي بالضم واقفاء وأقفية وهو على غير قياس لأنه جمع الممدود كأكسية) وقال في مادة: ن د ي (والندى: المطر والبلل وجمعه أنداء وقد جمع على أندية وهو شاذ لأنه جمع الممدود كأكسية) فتراه لم يقل): ولا تقل أقفية وأندية). والتحقيق عند أهل العلم أن (فيلا على أفيلة) صوب لأنه مقيس ففي (٢: ٢١٣) من المزهر ما نصه (وقال في الجمهرة: جمع فعل على أفعلة في المعتل أجازه النحويون ولم تتكلم به العرب مثل رحى وأرحية،
[ ٩ / ٥١ ]
وندى وأندية، وقفا واقفية، قال أبو عثمان: سألت الأخفش (لم جمعت ندى على أندية؟ فقال: ندى على وزن فعل وجمل في وزن فعل فجمعت جملا جمالا فصار في وزن نداء فجمعت نداء أندية) قلنا: فالفيل وان لم يكن مفتوح العين فهو محمول على هذا الباب لاعتلاله، فضلا عن إن الأخفش بقوله هذا أجاز قاعدة (جمع الجمع والجمع بالحمل عليها) فاحفظه، وتأويل ذلك إن (فيلا) هناك جمع على (فيال) نحو (زق زقاق) و(وشبل شبال) و(عجل عجال) و(عطف عطاف) و(ظل ظلال) و(فعل فعال) و(فلو فلاء) و(قدح قداح) و(قط قطاط) و(قطع قطاع) و(قطف قطاف) و(قلع قلاع) و(كعم كعام) و(ملح للاح) و(لئم لئام) و(لهب لهاب) و(مطو مطاء) و(نبر نبار) و(نيق نياق)
ثم جمع (الفيال) المقيس على (أفيلة) وهذا لا يعرف بعلم ساعة بل بعلم دائم يستضيء بالعقل أن أعجزه النقل. هذا فصلا عن أن دوزي ذكر أن الأفيلة وردت في كليلة ودمنة للمقفع، وفي الأصول العبرية لأبي الوليد مروان بن جانة، وفي مختصر الدول لابن العبري وغيرهم.
١٣ - وجاء في ص ٦١٢ (يتغرب فيه الفيل) والصواب (يتقرب) فهو المراد.
١٤ - وجاء في ص ٦١٤ (ويرعيان في موضع فيالها والفيالون مختبون) قال العلامة مرجليوث (لعله: وفيالها) قلنا: وأين يبقى (الفيالون)؟ وكيف يظهر فيال واحد والفيالون مختبئون شهرًا؟ وما المراد بهذا الاختباء سوى استئناس الفيل الوحشي بأن لا يرى بشرًا؟ فالصواب (فيألفها) وتوضح هذا بقوله بعد ذلك (باستحكام الألفة) وما عداه فخطأ محض لا يمكن توجيهه.
[ ٩ / ٥٢ ]
١٥ - وفيها: فإذا كان بعد شهر أقل أو أكثر) قال المجمعيون: (لعله أو أقل) قلنا: قد فهمنا المراد بالإصلاح ولكن لم نعرف انه يشمل حذف كلمات بلا سبب فان الأصل عين الصواب، لأن المدة أن كانت مرة تجاوز الشهر وطورًا تقل عنه قيل (شهر أو كثر) فليحفظ.
١٦ - وفيها: (فإذا رأى الناس بعر فيرجع إليه فيرده). قال المجمعيون (كذا بالأصل والجملة محرفه) قلنا: ليس لها وجه سوى أنّ يكون (نفر) (من النفور) بدلا من (بعر).
١٧ - وفيها: (ويقيمونه الفيالون أياماّ كذلك) وقد علق به المجمعيون: (الظاهر: ويقيم) فنقول لهم وما الظاهر في قوله تعالى: (واسروا النجوى الذين ظلموا)، وقوله (ثم عموا وصموا كثير منهم) فان كان في القران جائزاّ جاز في غيره ولا يجب العكس وهذه اللغة لغة طيئ ومن تكلم على لغة لا تجوز تخطئته فتنبه على سعة العربية ولنا أن نقيس شعرنا على شعر القدماء ومنثورنا على منثورهم.
١٨ - وجاء في ص ٦١٥: (ولا أن يطرح ثقله على شيء ليساوي أحرانه في التقييد إليها) فقال المجمعيون: (الظاهر: أجرامه. جمع جرم بمعنى الجسم وجمع كأنه صير كل جزء جرمًا) فنقول لهم: وما معناه بعد إصلاحكم المتكلف فان المصلح يجب أن يحافظ على المعنى أولا وعلى اللفظ ثانيًا، فبالمعنى يستخرج اللفظ أكثر مما يستخرج المعني به،
ولكوني فاهمًا معنى الجملة، عرفت إن الأصل (لتساوي أجزائه) لا (ليساوي أجرامه) وتلخيص الأمر وشرحه إن الفيل الوحشي إذا وقفه الفيالون بين الأوتاد الأربعة وقيدوه إليها لا يمكنه أن يطرح ثقله على وتد منها فيحطمه لأنه متساوي الأجزاء في التقييد إليها، فهو مربوط ربطًا هندسيًا لا يدعه يميل.
١٩ - وفيها: (فأطعموه إياه بأن يرموا إليه من بعد فللجوع (ما) يأكله ولا يزالون) وإضافة (ما) قد أفسدت المعنى والتعبير؛ فما ندري كيف أضافها مرجليوث العلامة ولا نعلم ما الذي حمله على إضافتها. والأصل صواب وما عداه فخطأ ولو كان الأمر مشكلا، لأعذر الواهم، ولكنه واضح جد الوضوح،
[ ٩ / ٥٣ ]
فقوله (للجوع) يدل على أنه يأكله، والذي أوقع مرجليوث في هذا الوهم، هو ما جاء بعد هذا ونصه: (حتى يأكله من أيديهم. مع أن الفرق ظاهر بين أن يأكله من بعد، وان يأكله من أيديهم، وأكله إياه من أيدهم لا ينفي أكله من بعد أول الأمر، فالزيادة أذن زائدة والحق مبين للمنصف.
٢٠ - وورد في ص ٦١٦: (وهم فوقه فيمشي ويصرفونه بحسب ما يصرفونه عليه). فعلق المجمعيون ب (يصرفونه) ما نصه: (كذا في الأصل) وهذا دليل أنهم رأوا خللا في التعبير، والعربي الذوق لا يرى فيه خللا بل يراه كلامًا عربيًا ناصعًا، لأنه من (صرفه تصريفًا) بمعنى حركه وجهه. قال تعالى في الماء بسورة الفرقان: (ولقد صرفاه ينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا) وقال في سورة الأحقاف: (ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى، وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون). وقال في سورة البقرة: (وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض). والأمر واضح.
٢١ - وجاء فيها (الفضل بن باهماد أفي السير بها) ولعل الأصل (السيرافي بها) أي بسيراف.
٢٢ - وورد في ص ٦١٨ (فقلت: استعملني باجرة تعطنيها) بجزم الفعل (تعطي) وهو خطأ لأنه لم يرد به الجزاء ولا يجوز أن يراد به، قال الزمخشري في المفصل: (وإن لم تقصد الجزاء فرفعت كان المرفوع على أحد ثلاثة أوجه أما صفة كقوله تعالى: (فهب لي من لدنك وليًا يرثني) أو حالا كقوله تعالى: (ونذرهم في طغيانهم يعمهون) أو قطعًا واستئنافًا كقولك: (لا تذهب به تغلب عليه) و(قم يدعوك) ومنه بيت الكتاب: (وقال رائدهم
ارسوا نزاولها) والوجه في قول النشوار الوصف لأن الجمل بعد النكرات صفات لها فالفعل مرفوع.
٢٣ - وفي ص ٦١٩ (ابن ذلك المتوفي) والصواب المتوفى بإهمال الياء والله المتوفي والموت يقال فيه (المتوفي) أيضًا كما جاء في القرآن المجيد.
٢٤ - وفي ص ٦٢٠ (مما تتوهمه واستشعره) والصواب (توهمه) فكلاهما متعاطف وكلاهما ماض مسند إلى غائب.
مصطفى جواد
[ ٩ / ٥٤ ]