من الخصائص الممتازة التي اختص الله بها سيدنا عيسى ﵇، معجزة إحياء الميت، وقد جاء ذكر ذلك في عدة آيات من القرآن المجيد. وإنا لنجد في الأناجيل الأربعة التي يعتمدها النصارى، ذكرًا لرجل، إحياء سيدنا عيسى بعد موته ودفنه بأربعة ايام، اسمه العازر ويسميه بعضهم اليعازر.
ويقولون أن قبر هذا الرجل الذي شرفه الله بمعجزة نبيه ومتعه بنعمة الحياة، وهو في قرية العازرية (بيت عنيا) في ضاحية بيت المقدس، وهو على قارعة الطريق المؤدية إلى أريحا.
لذلك، فإننا سنتولى بهذه العجالة، وصف ذلك القبر وسرد تاريخه على طريقة الإيجاز.
١ - العازرية في الإنجيل
اسمها في الإنجيل بيت عنيا، وهي وطن العازر، ومرثا، مريم، إحياء السيد المسيح، ووطن سمعان الأبرص الذي أضافه.
وكان السيد المسيح يختلف إليها كثيرًا، وفيها أحيا العازر من الموت، وتفصيل ذلك في أناجيل: متي، ومرقس، ولوقا، ويوحنا.
وتسمى اليوم العازرية، على بعد ميلين، شرقي بيت المقدس، في سفح جبل الزيتون الذي يسميه المسلمون طور زيتا.
وهناك برج قديم، يقال انه بيت العازر، ومغارة يقال أنها قبره.
٢ - العازرية وجغرافيو العرب
قال الشريف الإدريسي المتوفي سنة ٥٤٨ هـ ١١٥٣م:
(وفي هذا الجبل (جبل الزيتون) في شرقية منحرفًا قليلًا إلى الجنوب،
[ ٨ / ٧٥٨ ]
قبر العازر، الذي أحياه المسيح وعلى ميلين من جبل الزيتون، القرية التي حمل منها الأتان، لركوب السيد المسيح، عند دخوله إلى أورشليم، وهي الآن خراب لا ساكن بها وعلى قبر العازار، يأخذ طريق وادي الأردن).
وقال ياقوت الحموي، المتوفي سنة ٦٢٦ هـ ١٢٢٨م: (العازرية قرية بالبيت المقدس بها قبر العازر).
وقال عمر بن الوردي المتوفي نحو سنة ٨٥٠هـ ١٤٤٦م:
(وهناك (أي في بيت المقدس) جبل، يقال له جبل الزيتون، وبهذا الجبل، قبر العازر، الذي أحياه الله للمسيح ﵇، وعلى الميامن من جبل الزيتون، قرية منها جلب حمار المسيح، وقريب من قبر مدينة أريحا.
وقال مجبر الدين الحنبلي المتوفي سنة ٩٢٧هـ ١٥٢١م:
(ومن الأنبياء المشهورين حول بيت المقدس، السيد عازر، ولعله العيزار ابن هارون ﵉. قبره بقرية العازرية بظاهر القدس، ومن جهة الشرق، بالقرب من طور زيتا، على طريق المار إلى سيدنا موسى الكليم ﵇. وهو ظاهر في مشهد بالقرية، يقصد للزيارة، ويقال أن العيزار بن هارون إنما هو بقرية عورتا، من أعمال نابلس وقيل انه عازر الذي أحياه المسيح عيسى ابن مريم ﵇. والله اعلم.
وقال عبد الغني النابلسي، سنة ١١٤٣هـ ١٧٣٠م:
(فمررنا في الطريق على قرية العيزرية، ودخلنا إلى ذلك المقام والأرجاء البهية، ونزلنا إلى الجامع بنحو من الخمس الدرجات، فوجدنا قبرًا عليه جلالة ومهابة، في ناحية من تلك الجهات، يقال لها قبر عيزرا النبي ﵇، فوقفنا وقرأنا الفاتحة بكمال التعظيم والاحتشام، ثم صلينا الظهر في ذلك الجامع المنير إمامًا بجماعتنا من صغير وكبير، ودعونا الله تعالى بما تيسر من الدعاء فانه كريم لا يخيب من سعى).
[ ٨ / ٧٥٩ ]
٣ - صورة قبر العازر
وهذه صورة للباب التي ينزل منه إلى قبر العازر، وتجد على جوانبه بعض القرويين من سكان العازرية
٤ - صفة القبر
مدخل القبر منقور في حجر في مغارة مربعة على ثلاثة أمتار كأنها العتبة ومنها تنحدر في ثلاث درجات إلى مغارة أخرى، مكعبة على مترين هي القبر.
وعلى باب هذا القبر كان الحجر الذي أمر سيدنا عيسى ﵇ برفعه والدموع ملء جفونه.
وقد جعلت المغارتان معبدين منذ أوائل النصرانية. ولذلك أزيل من المغارة الصغرى مصطبة القبر، واستدعت لين الصخر، تقويتها ودعمها بالجدران
[ ٨ / ٧٦٠ ]
والأقبية التي عقدت عليها في القرن السادس للهجرة والثاني عشر للميلاد لبناء كنيسة فوقهما. وكان مدخلهما من الكنيسة، التي كانت بيد رهبان الأرض المقدسة، إلى القرن العاشر للهجرة، والسادس عشر للميلاد، فحول فيه المسلمون الكنيسة إلى مسجد واضطر الرهبان إلى خرق الباب الحالي على قارعة الطريق، بعد أن حصلوا على إذن من الباب العالي سنة ١٠٢٤هـ (١٦١٥م) وأضحى السلم على أربع وعشرين درجة كما يشاهد الآن.
٥ - العازر في الشعر العربي
عرض المتنبي ببيتين من الشعر مدح بهما ابن زريق، بقصة إحياء العازر من قبل سيدنا عيسى ﵇، بإذن الله. إذ قال:
بشر تصور غاية في آية تنفي الظنون وتفسد التقديسا
لو كان صادف رأس عازر سيفه في يوم معركة لاعيا عيسى
وذكر العازر، والعازرية. التي هي بيت عنيا، المطران سليمان الغزي، في آبيات ذكر فيها كنائس الأرض المقدسة، فقال عنهما:
ومنه إلى كنيسة عنيا دخلت مجردًا مثل الحسام
لأسمع صوت من رهبان فيها (كذا) والثم قبر عازر في الرخام
٦ - العازرية اليوم
عندما يقصد المسافر من بيت المقدس إلى اريحا، ينحدر قليلًا إلى وادي قدرون، ثم يأخذ بالصعود، فيصل إلى قرية العازرية، التي اصبحت في ضاحية بيت المقدس، ويعوج بها في طريقة، ثم يهبط ويستمر في هبوط إلى أريحا حيث نهر الأردن والبحر الميت. وعند سكان العازرية ليوم ٥١٥ نسمة.
حيفا (فلسطين): عبد الله مخلص
(ل. ع) من يطلع على ما توشيه أنامل الصديق المخلص يتحقق أمرًا هو انه واقف أتم الوقوف على جميع الآثار القديمة الفلسطينية وإذا قابلنا ما كتبه بما يكتبه الإفرنج عن ديار فلسطين نرى بونًا عظيمًا بين الطرفين. فنشكر له يده البيضاء على هذه المجلة.
[ ٨ / ٧٦١ ]