١ - توطئه
ليس بين العراقيين من لا يتذكر المآسي والحروب الدامية التي وقعت في هذا اللواء في السنوات الماضية: بين الجيش العراقي والعصاة الذين كانوا يحاربونه، ويعادونه اشد العداء، ويهاجمونه من حين إلى آخر، بتأثير الدسائس الأجنبية. وليس بيننا اليوم من ينسى حالة السكان يومئذ، وحالة المدن والقرى فان الشيخ محمودًا كان قد سلبهم هناءهم، ومظالمة أقضت مضاجعهم، وخربت ديارهم، ولكن الجيش العراقي الباسل، تمكن في الأخير من تمزيق شمل العصاة الطغاة الذين كدروا الأمن في هاتيك الديار مدة من الزمن، وقضت الحومة على جميع الحركات والتمردات، وباشرت تنظيم الإدارة في هذا اللواء، وإقامة قسطاس العدل بن الاهلين، وهي اليوم جادة في تعمير القرى والمدن، التي خربت أو اضمحلت. بنتيجة تلك الاضطرابات. وعساها أن توفق لإعادة العمران إلى ما كان عليه سابقًا.
وأراضي هذا اللواء صخرية إلا أنها خصبة جدًا، وثم عدة جبال بين صغيرة وكبيرة، وتتخلل مدنه وقراه الكثيرة، انهار ونهيرات عديدة، تتفجر مياهها من العيون المبثوثة في جميع أنحاء اللواء، وإذا جاء الربيع كسا السهول والجبال والوديان حلة خضراء فلا جميلة فلا تقع العين إلا على منظر سندسي ومروج نضرة غن.
وهواء اللواء في الشتاء بارد قارس، وفي الصيف معتدل لطيف، وتتساقط الثلوج فوق الجبال أيام الشتاء فيذخر الاهلون بعضها للصيف، وعندئذ يكونون في غنى عن الثلج المصنوع المستعمل للتبريد.
٢ - تنظيمات اللواء الإدارية
يتقوم لواء السليمانة من قضاءين مهمين هما ١ - قضاء حلبجة و٢ - قضاء شهربازار ومن سبع نواح مرتبطة بمركز اللواء رأسًا.
أما مركزه فبلدة السليمانية ذات المناظر الطبيعية الخلابة والأشجار الخضر
[ ٨ / ٧٣١ ]
والمروج الغن
وذات المركز التجاري الخطير. وليس في ديار الكرد في العراق بلدة تماثلها، بكثرة الحاصلات، وسعة التجارة، وخطورة المركز وبداعة المنظر. والمشهور أن سليمان باشا البابان هو الذي أمر بإنشائها في عام ١١٩٧هـ ١٧٨٢م إذ جعلها إمارته، إلا أن معلمة الإسلام تذكر بان إبراهيم باشا هو الذي أمر ببناء هذه المدينة، عام ١١٩٩هـ ١٧٨٤م. إكرامًا لوالي بغداد. عام ١٧٨٠ إلى ١٧٨٤، وهو بيوك سليمان باشا، فنسب إلى الوالي، وكانت السليمانية في بادئ الأمر قرية صغيرة حقيرة فلما شرع الباشا يقيم فيها المباني الشاهقة والصروح الفخمة. تبعة الاهلون في ذلك فلم تزل في تقدم حتى بلغت درجة عنيت بها الحكومة وجعلتها متصرفية. وهي اليوم بلدة جسيمة فيها صروح عالية. وثكنات عسكرية كبيرة، وجادات مبلطة، ودور حسنة وأسواق تناسب أهميتها، ومتنزهات بديعة جدًا، ومجالس انس تأخذ بمجاميع القلوب، وجوامع كبيرة وتكايا كثيرة تقام فيها الصلاة والطرائق الدينية المعروفة في هاتيك الديار.
٣ - موقعها وهواؤها ولغة أهاليها
وتقع بلدة السليمانية في وسط سلسلة من الجبال، متصل بعضها ببعض وهي تبعد عن شرقي كركوك ٧٦ ميلًا. وهواؤها جيد جدًا إلا انه يشتد في موسم الشتاء حين تكسو الثلوج قمم الجبال المحيطة بجميع أطرافها. ويقاوم الاهلون البرودة بمواقد مقفلة، يشغلون فيها الخشب الذي يكثر في هذا اللواء. أما في الصيف فالهواء لطيف معتدل. والمياه اجري فيها منحدرة من الجبال والعيون منتشرة هنا وهناك.
ولغة البلدة الكردية بالطبع، إلا أن فيها جماعة كبيرة تحسن التكلم بالعربية لاختلاطها بالمدن العربية، وتعاطيها البيع والشراء مع الأعراب. وقد نبغ فيها جماعة من العلماء الاعلام، والشعراء الكبراء والفقهاء الإجلاء، واللغويين المقتدرين، والقواد العظام، حتى تدرج بعضهم إلى مناصب الحكومة الرفيعة. واكتفى بعض المتدينين بما حصل عليه من ورع وتقى.
٤ - حاصلات المدينة
وحاصلات المدينة وضواحيها اكثر من أن تعد لان معظم سكانها مولع
[ ٨ / ٧٣٢ ]
بالزراعة والفلاحة،
ورعاية الماشية وجميع بساتينها مملوءة بالأشجار الكثيرة: ذات الفواكه والأثمار اليانعة. ومما يؤسف منه أن الزراعة في اللواء لا تزال على الطريقة القديمة، ومع ذلك ترى غلاته مما يفتخر بجودتها، وزراعة التبغ مقدمة فيها وصادراتها كثيرة جدًا. أما حاصلاتها الجبلية فهي: العنب، الرمان الفستق، التين، الجوز، اللوز، البلوط، الكمثري الفاخر، وغير ذلك من المحاصيل الجبلية المعروفة. وأما العسل الذي يجنى في هذه البلدة وفي القرى المجاورة لها، فلا نظير له في الدنيا. وسكانها يعملون للنحل خلايا صناعية (كوائر) يركن إليها النحل ويصنع فيها الشهد فإذا صار الشتاء باشر الناس جمعه على الطرق الفنية المتبعة عندهم وهي غريبة لم تألفها الأمم المتمدنة.
وسكان السليمانية المسلمون شديدو التمسك بطريقتين معروفتين في العراق هما: الطريقة النقشبندية (نسبة إلى الشيخ خالد النقشبندي) والطريقة القادرية (نسبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلي) وقد أخذوهما عن الشيخ كاكا احمد المعروف ولهاتين الطرقتين قوانين وآداب لا يتعدونها.
وفي البلدة شرذمة من اليهود تتعاطى التجارة والصياغة، وفيها طائفة مسيحية قليلة العدد. والصناعة هناك خاملة إلا أن سكانها ينحتون من الخشب ملاعق وصحونًا وأواني لطيفة جدًا. ويتعاطى بعضهم صناعة الأدوات الحربية لاحتياجهم الشديد اليها، بحكم بلدهم الجغرافي، وليس في البلد ماء يجري على وجه الأرض، لأن كثرة العيون والكهاريز فيها تغني أهلها عن الأنهر الجارية. وقد سبق تعريف الكهاريز في بحثنا عن لواء اربل. فليرجع إليه من احب ذلك.
٥ - نواحي مركز اللواء
قلنا فويق هذا أن النواحي الملحقة بمركز لواء السليمانية سبع، والى القارئ تأتي أسماؤها مع أبناء مختصرة عنها:
١ - ناحية بازيان ومركز قرية تاينال التي تبعد عن غربي السليماينة ٢٢ ميلًا وهي قرية متوسطة فيها مركز للشرطة ودار إمارة.
٢ - ناحية قرة طاغ ومركزها القرية المسماة باسمها والتي تبعد عن جنوبي مركز اللواء ٢٦ ميلًا وهي عامرة وفيها بنايات مهمة، وصرح جليل للحكومة،
[ ٨ / ٧٣٣ ]
وادؤر لا باس بعمرانها.
٣ - ناحية سورداش شمالي ومركزها قرية سورداش التي تبعد عن الشمال الغربي لبلدة السليمانية ٣٧ ميلًا وهي متوسطة.
٤ - ناحية سورداش جنوبي ومركزها قرية قرة جتان الواقعة في اسفل جبل بيرة مكرون والتي تبعد عن الشمال الغربي لمركز اللواء ٢٣ ميلًا، وهي قرية كبيرة، فيها مبان عامرة، ودار إمارة جسيمة، وحوانيت مهمة كثيرة ومخفر للشرطة محكم.
٥ - ناحية تنجرو، ومركزها قرية (عربد) التي تبعد عن مركز اللواء ٢٠ ميلًا في شرقية الجنوبي وهي قرية كبيرة أيضًا لا تقل عن قرية قرة جتان من حيث الأهمية والعمران.
٦ - ناحية سرجنار، ومركزها قرية (بابا كيلدي) - وهذا لفظ تركي معناه جاء أبي - التي تبعد عن الغرب الشمالي للسليمانية ستة أميال، وهي قرية صغيرة. فيها مخفر للشرطة، وبالقرب منها شلالات مائية عظيمة، وجنائن بديعة. فيها المروج الخضر، والأثمار اليانعة، وهي من متنزهات السليماينة، ومن الطف مصايفها، وقراها وكثيرًا ما يصطاف فيها الناس.
٧ - ناحية سروجك، ومركزها قيرة (كيل دره) التي تبعد عن شرقي مركز اللواء ٣٢ ميلًا، وهي قرية متوسطة، فيها مبان قليلة.
وتقرب منها قرية جسيمة يقال لها (برزنجة)، وقد كانت دار علم مشهورة في ديار الكرد. وينسب إليها بعض الأفاضل. وفي كل ناحية من هذه النواحي السبع، دار إمارة مناسبة لأهميتها، إلا مركز ناحية (سروجك) فان صرح الحكومة فيها فخم جدًا لأهميتها الجغرافية. وتتبع كل من هذه النواحي قرى عديدة، بين كبيرة وصغيرة. وسكان هذه القرى يمتهنون الزراعة والفلاحة وتربية الماشية. والطرق بينها جيدة نوعًا ما ولبعضها مناظر طبيعية تأخذ بمجامع القلوب.
٦ - قضاء حلبجة
(حلبجة) قصبة واسعة، واقعة في سهل مترامي الأطراف، ويقيم فيها
[ ٨ / ٧٣٤ ]
رئيس قبائل الجاف الكردية، وهي تبعد عن الشرق الجنوبي لبلدة السليمانية ٥٦ ميلًا. وفيها بيوت عديدة لا يختلف طرز بناءها عن بقية القصبات المبثوثة في كردستان، إلا أن بعضها حديث الانشاء، وموافق للصحة، ومعظمها مبني باللبن وما بقي منها مشيد بالحجارة. والطريق
إليها وعرة. وتقرب منها قرية جميلة يقال لها: (قرية غيابيلي) وهي كلمة مخففة من (أبي عبيدة) وأبو عبيدة هذا هو أبو عبيدة الجراح المشهور. وقد كان هذا القضاء منعوتًا بقضاء كل عنبر (بالكاف الفارسية) وهو اليوم موطن لعشائر الجاف الكبيرة المشهورة.
للقضاء أربع نواح وهي: ١ - حلبجة - ٢ - خورمال - ٣ - بنجوين - ٤ - دار ماوة. فالناحية الأولى مركزية أي يقيم مديرها في مركز القضاء، وتراجعه فيه العشائر التابعة لهذه الناحية.
والناحية الثانية تبعد عن مركز القضاء ستة أميال إلى شرقية الشمالي ومركزها القرية المسماة باسمها.
والناحية الثالثة بنجوين (بالباء المثلثة التحتيتة) وقد كانت حصن الشيخ محمود المنيع لأنها جبلية ومحكمة وقد دارت فيها معارك هائلة بين الجيش العراقي الباسل واتباع الشيخ المذكور وقد احتلها الجيش العراقي في ٢٣ نيسان ١٩٢٧ بعد أن سلم الشيخ محمود نفسه إلى الحكومة. وهذه القرية مركز لناحية بنجوين وتبعد عن شرقي مركز القضاء ٢٨ ميلًا. وفيها قصر فخم جدًا للحكومة. وأما الناحية الرابعة فهي دار ماوة ومركزها قرية (جبتة) التي تبعد عن غربي حلبجة ١٩ ميلًا.
وجميع هذه النواحي والقرى التابعة لها، لا تختلف عن بعضها من حيث هندسة البناء وعدد النفوس. ومهنة السكان، ويديرها مديرون تعينهم وزارة الداخلية، أما رأسًا وأما باقتراح من المتصرف المختص بتلك الديار.
٧ - قضاء شهر بازار
تقع قرية (جوارتا) (بجيم فارسية) التي هي مركز هذا القضاء، إلى
[ ٨ / ٧٣٥ ]
الشمال الشرقي لمركز اللواء ٢٨ ميلًا، وهي جالسة على سفح جبل (جوارتا) الذي يعلو سطح البحر ٤. ٢٠٠ قدم. وفيها صرح فخم للحكومة، وعدة بيوت ومقاة وتقرب منها قرية تاريخية يقال لها (قلعة جولان) وقد كانت مركزًا للحكم الباباني، قبل أن تعرف السليمانية: وقبل أن يتركها سليمان باشا بابان. وقضاء شهر بازار قضاء خامل الذكر. والذي يعرف عن سكانه انهم يعنون بزراعة الكرم، والأرز، والتبغ، والأشجار المثمرة. وله ناحية واحدة يقال لها ناحية (ماوت) (بفتح الواو فتحًا بآماله) وهي تبعد عن غربي جوارتا ١٨ ميلًا وعمرانها أوسع من عمران
مركز القضاء.
٨ - معلومات عامة عن اللواء
١ - (الجبال) تحيط بلواء السليمانية سلسلة جبال اشهرها: جبل (بيرة مكرون) (والكاف فارسية) المنعزل، والذي يعلو عن سطح البحر بنحو ٩. ٠٠٠ قدم. ويليه في الأهمية جبال (سورداش) و(بشدر) و(كويز) (بالتصغير والتأنيث والكاف الفارسية) ثم جبل (هاورمان) وجبال (بنجوين) وجبل (قرة داغ) (أي الجبل الأسود) وجبل (سكرمة) (بالكاف الفارسية) الذي يفصل لواء كركوك عن لواء السليمانية وتخزن الثلوج طول الشتاء - في جبل (بيرة مكرون) (الباء والكاف فارسيتان) وهي ارفع جبال تلك الأرجاء - لتستعمل في الصيف.
٢ - (الأنهار) تجري في هذا اللواء انهار كثيرة بين صغيرة وكبيرة، وتتكون مياهها من الينابيع العديدة المتفجرة في الجبال والوديان. واشهرها وادي تاينال الذي ينشأ منه طاووق جاي، ثم نهر (تانجرو) الذي هو أحد فروع ديالى ونهر (قشان) أحد فروع الزاب الصغير ونهر (الظلم) الذي ينبع من قرية تعرف باسمه. ويجري باستقامة في صحراء واقعة في جنوبي شهرزور ثم نهر (ديوانه) الذي يتفجر في جبل (سكرمة) المار ذكره وهو من فروع ديالى أيضًا.
٣ - (العشائر) أهم العشائر في لواء السليمانية: الجاف، والهماوند،
[ ٨ / ٧٣٦ ]
والهاورمان، والقسم الأخير قسم من الهماوند ولفظة الهماوند ومنحوتة من (هماوي لوند) الفارسيتين ومعناها: الجند الملكي وهذا يدل على انهم كانوا في الأصل جنودًا ثم خرجوا على دولتهم فطردتهم.
٤ - (الحاصلات) أهم نتاج هذا اللواء الجبلي: التبغ فانه ينمو بكثرة وهو مدار العيش في تلك الربوع بعد الحبوب، ويليه في الدرجة والأهمية الحبوب بأنواعها، فالعفص، فالكثيراء، فمن السماء، فالصمغ، فالجوز، فاللوز، فالبندق، فالرمال، فالعنب، فالعسل، وغير ذلك من المحاصيل الجبلية المعروفة.
السيد عبد الرزاق الحسني