وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ الَّتِي هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إلَّا اللَّهَ﴾ . وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُخَوِّفُونَ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ﴿عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا ذَاكَ الشِّرْكُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ .
[ ١ / ٣٠٥ ]
فَجَعَلَ الطَّاعَةَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَإِنَّهُ مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ. وَجَعَلَ الْخَشْيَةَ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ فَلَا يَخْشَى إلَّا اللَّهَ وَلَا يَتَّقِي إلَّا اللَّهَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ . فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ الْإِيتَاءَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ وَآخِرِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ مَعَ جَعْلِهِ الْفَضْلَ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَالرَّغْبَةَ إلَى اللَّهِ وَحْدَهُ. وَهُوَ تَعَالَى وَحْدَهُ حَسْبُهُمْ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قَالَ: قَالَهَا إبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ حِينَ ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ حَسْبُك وَحَسْبُ مَنْ اتَّبَعَك مِنْ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا بُسِطَ ذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُمْ الْوَسَائِطُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللَّهِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ فَالْحَلَالُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
[ ١ / ٣٠٦ ]
فَعَلَيْنَا أَنْ نُحِبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَنُطِيعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَنُرْضِيَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّنْ سِوَاهُمَا وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ . فَالْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَالرَّسُولِ وَالتَّعْزِيرُ وَالتَّوْقِيرُ لِلرَّسُولِ وَتَعْزِيرُهُ نَصْرُهُ وَمَنْعُهُ وَالتَّسْبِيحُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا لِلَّهِ وَحْدَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَالْعِبَادَةُ هِيَ لِلَّهِ وَحْدَهُ: فَلَا يُصَلَّى إلَّا لِلَّهِ وَلَا يُصَامُ إلَّا لِلَّهِ وَلَا يُحَجُّ إلَّا إلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَا تُشَدُّ الرَّحَّالُ إلَّا إلَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لِكَوْنِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ بَنَاهَا أَنْبِيَاءُ اللَّهِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَا يُنْذَرُ إلَّا لِلَّهِ وَلَا يُحْلَفُ إلَّا بِاَللَّهِ وَلَا يُدْعَى إلَّا اللَّهُ وَلَا يُسْتَغَاثُ إلَّا بِاَللَّهِ. وَأَمَّا مَا خَلَقَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَطَرِ وَالسَّحَابِ وَسَائِرِ
[ ١ / ٣٠٧ ]
الْمَخْلُوقَاتِ فَلَمْ يَجْعَلْ غَيْرَهُ مِنْ الْعِبَادِ وَاسِطَةً فِي ذَلِكَ الْخَلْقِ كَمَا جَعَلَ الرُّسُلَ وَاسِطَةً فِي التَّبْلِيغِ بَلْ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ بِمَا يَشَاءُ مِنْ الْأَسْبَابِ وَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ شَيْءٌ يَسْتَقِلُّ بِإِبْدَاعِ شَيْءٍ بَلْ لَا بُدَّ لِلسَّبَبِ مِنْ أَسْبَابٍ أُخَرَ تُعَاوِنُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ دَفْعِ الْمُعَارِضِ عَنْهُ وَذَلِكَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ بِخِلَافِ الرِّسَالَةِ فَإِنَّ الرَّسُولَ وَحْدَهُ كَانَ وَاسِطَةً فِي تَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ إلَى عِبَادِهِ.
وَأَمَّا جَعْلُ الْهُدَى فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَهُوَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا إلَى الرَّسُولِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ . وَكَذَلِكَ دُعَاءُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاسْتِغْفَارُهُمْ وَشَفَاعَتُهُمْ هُوَ سَبَبٌ يَنْفَعُ إذَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى: الْمَحَلَّ قَابِلًا لَهُ وَإِلَّا فَلَوْ اسْتَغْفَرَ النَّبِيُّ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ لَمْ يَغْفِرْ لَهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ . وَأَمَّا الرُّسُلُ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ هُمْ الْوَسَائِطُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللَّهِ ﷿ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَخَبَرِهِ فَعَلَيْنَا أَنْ نُصَدِّقَهُمْ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرُوا بِهِ وَنُطِيعَهُمْ فِيمَا أَوْجَبُوا وَأَمَرُوا وَعَلَيْنَا أَنْ نُصَدِّقَ بِجَمِيعِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ ﷿؛ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَمَنْ سَبَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ كَانَ كَافِرًا مُرْتَدًّا مُبَاحَ الدَّمِ. وَإِذَا تَكَلَّمْنَا فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ ﵎ مِنْ التَّوْحِيدِ بَيَّنَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ مَا يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ ﵎ مِنْ خَصَائِصَ: فَلَا يُشْرَكُ بِهِمْ وَلَا يُتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُسْتَغَاثُ بِهِمْ كَمَا يُسْتَغَاثُ بِاَللَّهِ وَلَا يُقْسَمُ
[ ١ / ٣٠٨ ]