الْحُبُّ؛ فَكُلُّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا دُونَ اللَّهِ وَلَّاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا تَوَلَّاهُ؛ وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا؛ فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا لِغَيْرِ اللَّهِ فَالضَّرَرُ حَاصِلٌ لَهُ إنْ وُجِدَ؛ أَوْ فُقِدَ؛ فَإِنْ فُقِدَ عُذِّبَ بِالْفِرَاقِ وَتَأَلَّمَ؛ وَإِنْ وُجِدَ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْأَلَمِ أَكْثَرُ مِمَّا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ اللَّذَّةِ؛ وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالِاعْتِبَارِ وَالِاسْتِقْرَاءِ؛ وَكُلُّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا دُونَ اللَّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَإِنَّ مَضَرَّتَهُ أَكْثَرُ مِنْ مَنْفَعَتِهِ؛ فَصَارَتْ الْمَخْلُوقَاتُ وَبَالًا عَلَيْهِ إلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ وَفِي اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ كَمَالٌ وَجَمَالٌ لِلْعَبْدِ؛ وَهَذَا مَعْنَى مَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا؛ إلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ﴾ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ؛ وَغَيْرُهُ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ اعْتِمَادَهُ عَلَى الْمَخْلُوقِ وَتَوَكُّلَهُ عَلَيْهِ يُوجِبُ الضَّرَرَ مِنْ جِهَتِهِ؛ فَإِنَّهُ يَخْذُلُ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ؛ وَهُوَ أَيْضًا مَعْلُومٌ بِالِاعْتِبَارِ وَالِاسْتِقْرَاءِ؛ مَا عَلَّقَ الْعَبْدُ رَجَاءَهُ وَتَوَكُّلَهُ بِغَيْرِ اللَّهِ إلَّا خَابَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ؛ وَلَا اسْتَنْصَرَ بِغَيْرِ اللَّهِ إلَّا خُذِلَ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ . وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ نَظِيرُ الْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ فِي الْمَخْلُوقِ؛ فَلَمَّا قَالَ: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كَانَ صَلَاحُ الْعَبْدِ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَاسْتِعَانَتِهِ. وَكَانَ فِي عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ؛ وَالِاسْتِعَانَةِ بِمَا سِوَاهُ؛ مَضَرَّتُهُ وَهَلَاكُهُ وَفَسَادُهُ. الْوَجْهُ السَّادِسُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ غَنِيٌّ. حَمِيدٌ. كَرِيم. وَاجِدٌ. رَحِيمٌ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ مُحْسِنٌ إلَى عَبْدِهِ مَعَ غِنَاهُ عَنْهُ؛ يُرِيدُ بِهِ الْخَيْرَ وَيَكْشِفُ عَنْهُ الضُّرَّ؛ لَا لِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ إلَيْهِ مِنْ الْعَبْدِ؛ وَلَا لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ؛ بَلْ رَحْمَةً وَإِحْسَانًا؛ وَالْعِبَادُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَعْمَلُوا إلَّا لِحُظُوظِهِمْ؛ فَأَكْثَرُ مَا عِنْدَهُمْ لِلْعَبْدِ أَنْ يُحِبُّوهُ وَيُعَظِّمُوهُ؛ وَيَجْلِبُوا
[ ١ / ٢٩ ]
لَهُ مَنْفَعَةً وَيَدْفَعُوا عَنْهُ مَضَرَّةً مَا. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ تَيْسِيرِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إلَّا لِحُظُوظِهِمْ مِنْ الْعَبْدِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْعَمَلُ لِلَّهِ. فَإِنَّهُمْ إذَا أَحَبُّوهُ طَلَبُوا أَنْ يَنَالُوا غَرَضَهُمْ مِنْ مَحَبَّتِهِ سَوَاءٌ أَحَبُّوهُ لِجَمَالِهِ الْبَاطِنِ أَوْ الظَّاهِرِ فَإِذَا أَحَبُّوا الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ طَلَبُوا لِقَاءَهُمْ فَهُمْ يُحِبُّونَ التَّمَتُّعَ بِرُؤْيَتِهِمْ؛ وَسَمَاعِ كَلَامِهِمْ؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ إنْسَانًا لِشَجَاعَتِهِ أَوْ رِيَاسَتِهِ؛ أَوْ جَمَالِهِ أَوْ كَرَمِهِ؛ فَهُوَ يَجِبُ أَنْ يَنَالَ حَظَّهُ مِنْ تِلْكَ الْمَحَبَّةِ؛ وَلَوْلَا الْتِذَاذُهُ بِهَا لَمَا أَحَبَّهُ؛ وَإِنْ جَلَبُوا لَهُ مَنْفَعَةً كَخِدْمَةِ أَوْ مَالٍ؛ أَوْ دَفَعُوا عَنْهُ مَضَرَّةً كَمَرَضٍ وَعَدُوٍّ - وَلَوْ بِالدُّعَاءِ أَوْ الثَّنَاءِ - فَهُمْ يَطْلُبُونَ الْعِوَضَ إذَا لَمْ يَكُنْ الْعَمَلُ لِلَّهِ؛ فَأَجْنَادُ الْمُلُوكِ؛ وَعَبِيدُ الْمَالِكِ؛ وَأُجَرَاءُ الصَّانِعِ؛ وَأَعْوَانُ الرَّئِيسِ؛ كُلُّهُمْ إنَّمَا يَسْعَوْنَ فِي نَيْلِ أَغْرَاضِهِمْ بِهِ؛ لَا يُعَرِّجُ أَكْثَرُهُمْ عَلَى قَصْدِ مَنْفَعَةِ الْمَخْدُومِ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عُلِّمَ وَأُدِّبَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى؛ فَيَدْخُلُ ذَلِكَ فِي الْجِهَةِ الدِّينِيَّةِ؛ أَوْ يَكُونُ فِيهَا طَبْعُ عَدْلٍ؛ وَإِحْسَانٌ مِنْ بَابِ الْمُكَافَأَةِ وَالرَّحْمَةِ؛ وَإِلَّا فَالْمَقْصُودُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ هُوَ مَنْفَعَةُ نَفْسِهِ؛ وَهَذَا مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ الَّتِي أَقَامَ بِهَا مَصَالِحَ خَلْقِهِ؛ وَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ؛: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا. إذَا تَبَيَّنَ هَذَا ظَهَرَ أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَقْصِدُ مَنْفَعَتَكَ. بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ؛ بَلْ إنَّمَا يَقْصِد مَنْفَعَتَهُ بِكَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ عَلَيْكَ فِيهِ ضَرَرٌ إذَا لَمْ يُرَاعِ الْعَدْلَ؛ فَإِذَا دَعَوْتَهُ؛ فَقَدْ دَعَوْتَ مَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مَنْ نَفْعِهِ. وَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ يُرِيدُ لَكَ؛ وَلِمَنْفَعَتِكَ بِكَ؛ لَا لِيَنْتَفِعَ بِك. وَذَلِكَ مَنْفَعَةٌ عَلَيْكَ بِلَا مَضَرَّةٍ. فَتَدَبَّرْ هَذَا؛ فَمُلَاحَظَةُ هَذَا الْوَجْهِ يَمْنَعُكَ أَنْ تَرْجُوَ الْمَخْلُوقَ أَوْ
[ ١ / ٣٠ ]
تَطْلُبَ مِنْهُ مَنْفَعَةً لَكَ، فَإِنَّهُ لَا يُرِيدُ ذَلِكَ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ؛ كَمَا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وَلَا يَحْمِلَنَّكَ هَذَا عَلَى جَفْوَةِ النَّاسِ؛ وَتَرْكِ الْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ؛ وَاحْتِمَالِ الْأَذَى مِنْهُمْ؛ بَلْ أَحْسِنْ إلَيْهِمْ لِلَّهِ لَا لِرَجَائِهِمْ؛ وَكَمَا لَا تَخَفْهُمْ فَلَا تَرْجُهُمْ؛ وَخَفْ اللَّهَ فِي النَّاسِ وَلَا تَخَفْ النَّاسَ فِي اللَّهِ؛ وَارْجُ اللَّهَ فِي النَّاسِ وَلَا تَرْجُ النَّاسَ فِي اللَّهِ؛ وَكُنْ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ ﴿إلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ . وَقَالَ فِيهِ: ﴿إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ . الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّ غَالِبَ الْخَلْقِ يَطْلُبُونَ إدْرَاكَ حَاجَاتِهِمْ بِكَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَيْك؛ فَإِنَّ صَاحِبَ الْحَاجَةِ أَعْمَى لَا يَعْرِفُ إلَّا قَضَاءَهَا. الْوَجْهُ الثَّامِنُ: إنَّهُ إذَا أَصَابَكَ مَضَرَّةٌ كَالْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَالْمَرَضِ؛ فَإِنَّ الْخَلْقَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى دَفْعِهَا إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ؛ وَلَا يَقْصِدُونَ دَفْعَهَا إلَّا لِغَرَضِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ. الْوَجْهُ التَّاسِعُ: أَنَّ الْخَلْقَ لَوْ اجْتَهَدُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلَّا بِأَمْرِ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ؛ وَلَوْ اجْتَهَدُوا أَنْ يَضُرُّوكَ لَمْ يَضُرُّوكَ إلَّا بِأَمْرِ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ؛ فَهُمْ لَا يَنْفَعُونَكَ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ؛ وَلَا يَضُرُّونَكَ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ؛ فَلَا تُعَلِّقْ بِهِمْ رَجَاءَكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إنِ الْكَافِرُونَ إلَّا فِي غُرُورٍ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ . وَالنَّصْرُ يَتَضَمَّنُ دَفْعَ الضَّرَرِ؛ وَالرِّزْقُ يَتَضَمَّنُ حُصُولَ الْمَنْفَعَةِ
[ ١ / ٣١ ]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ وَقَالَ الْخَلِيلُ ﵇ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الْآيَةَ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ﴿هَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ﴾ بِدُعَائِهِمْ وَصِلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ؟.
[ ١ / ٣٢ ]
فَصْلٌ:
جِمَاعُ هَذَا أَنَّكَ أَنْتَ إذَا كُنْتَ غَيْرَ عَالِمٍ بِمَصْلَحَتِكَ؛ وَلَا قَادِرٍ عَلَيْهَا؛ وَلَا مُرِيدٍ لَهَا كَمَا يَنْبَغِي؛ فَغَيْرُكَ مِنْ النَّاسِ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ عَالِمًا بِمَصْلَحَتِكَ؛ وَلَا قَادِرًا عَلَيْهَا؛ وَلَا مُرِيدًا لَهَا؛ وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ - هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ وَلَا تَعْلَمُ؛ وَيَقْدِرُ وَلَا تَقْدِرُ؛ وَيُعْطِيكَ مِنْ فَضْلِهِ الْعَظِيمِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ الِاسْتِخَارَةِ: ﴿اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ؛ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ؛ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ؛ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ؛ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ؛ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ .
[ ١ / ٣٣ ]